Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:117–120
2:117Page 18
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧
Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.
صفحة ٦٨٦
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
هُوَ بِالرَّفْعِ خَبْرٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]“ وذَلِكَ مِن جِنْسِ ما يُسَمُّونَهُ بِالنَّعْتِ المَقْطُوعِ.
والبَدِيعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْداعِ وهو الإنْشاءُ عَلى غَيْرِ مِثالٍ فَهو عِبارَةٌ عَنْ إنْشاءِ المُنْشَآتِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ وذَلِكَ هو خَلْقُ أُصُولِ الأنْواعِ وما يَتَوَلَّدُ مِن مُتَوَلِّداتِها، فَخَلْقُ السَّماواتِ إبْداعٌ وخَلْقُ الأرْضِ إبْداعٌ وخَلْقُ آدَمَ إبْداعٌ وخَلْقُ نِظامِ التَّناسُلِ إبْداعٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِن بَدَعَ المُجَرَّدِ مِثْلَ قَدَرَ إذا صَحَّ ووَرَدَ بَدَعَ بِمَعْنى قَدَرَ بِقِلَّةٍ أوْ هو مُشْتَقٌّ مِن أبْدَعَ ومَجِيءُ فَعِيلٍ مِن أفْعَلَ قَلِيلٌ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كْرِبَ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
يُرِيدُ المَسْمَعَ. ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
سَقاكَ بِها المَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً ∗∗∗ فَأنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنها وعَلَّكَ
أيْ كَأْسًا مَرْوِيَّةً. فَيَكُونُ هُنا مِمّا جاءَ قَلِيلًا وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ويَأْتِي في قَوْلِهِ ”بَشِيرًا ونَذِيرًا“ وقَدْ قِيلَ في البَيْتِ تَأْوِيلاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والحَقُّ أنَّهُ اسْتِعْمالٌ قَلِيلٌ حُفِظَ في ألْفاظٍ مِنَ الفَصِيحِ غَيْرِ قَلِيلَةٍ مِثْلِ النَّذِيرِ والبَشِيرِ إلّا أنَّ قِلَّتَهُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ الفَصاحَةِ لِأنَّ شُهْرَتَهُ تَمْنَعُ مِن جَعْلِهِ غَرِيبًا. وأمّا كَوْنُهُ مُخالِفًا لِلْقِياسِ فَلا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِهِ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُوَلَّدِ إذا أرادَ أنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ في مادَّةٍ أُخْرى.
صفحة ٦٨٧
وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ بَدِيعَ هُنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مَأْخُوذٌ مِن بَدُعَ بِضَمِّ الدّالِّ أيْ كانَتِ البَداعَةُ صِفَةً ذاتِيَّةً لَهُ بِتَأْوِيلِ بَداعَةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي هي مِن مَخْلُوقاتِهِ فَأُضِيفَتْ إلى فاعِلِها الحَقِيقِيِّ عَلى جَعْلِهِ مُشَبَّهًا بِالمَفْعُولِ بِهِ وأجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِيَكُونَ ضَمِيرُهُ فاعِلًا لَفْظًا عَلى نَحْوِ: زَيْدٌ حَسَنُ الوَجْهِ كَما يُقالُ: فُلانٌ بَدِيعُ الشِّعْرِ، أيْ بَدِيعَةٌ سَماواتُهُ.
وأمّا بَيْتُ عَمْرٍو فَإنَّما عَيَّنُوهُ لِلتَّنْظِيرِ ولَمْ يُجَوِّزُوا فِيهِ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ السَّمِيعُ بِمَعْنى المَسْمُوعِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَرِدْ سَمِيعٌ بِمَعْنى مَسْمُوعٍ مَعَ أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ. الثّانِي: أنَّ سَمِيعٌ وقَعَ وصْفًا لِلذّاتِ وهو الدّاعِي، وحُكْمُ سَمِعَ إذا دَخَلَتْ عَلى ما لا يَسْمَعُ أنْ تَصِيرَ مِن أخَوات ظَنَّ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ مَفْعُولٍ ثانٍ بَعْدَ النّائِبِ المُسْتَتِرِ وهو مَفْقُودٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى وصْفِ الدّاعِي بِأنَّهُ مَسْمُوعٌ بَلْ عَلى وصْفِهِ بِأنَّهُ مُسْمِعٌ أيِ الدّاعِي القاصِدُ لِلْإسْماعِ المُعْلِنُ لِصَوْتِهِ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ داعٍ في أمْرٍ مُهِمٍّ. ووَصْفُ اللَّهِ تَعالى بِبَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ مُرادٌ بِهِ أنَّهُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ وفي هَذا الوَصْفِ اسْتِدْلالٌ عَلى نَفْيِ بُنُوَّةِ مَن جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما. فَلا شَيْءَ مِن تِلْكَ المَوْجُوداتِ أهْلٌ لِأنْ يَكُونَ ولَدًا لَهُ، بَلْ جَمِيعُ ما بَيْنَهُما عَبِيدٌ لِلَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولِهَذا رُتِّبَ نَفْيُ الوَلَدِ عَلى كَوْنِهِ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ في سُورَةِ الأنْعامِ بِقَوْلِهِ ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقَوْلُهُ ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إلَخْ كَشْفٌ لِشُبْهَةِ النَّصارى واسْتِدْلالٌ عَلى أنَّهُ لا يَتَّخِذُ ولَدًا بَلْ يُكَوِّنُ الكائِناتِ كُلَّها بِتَكْوِينٍ واحِدٍ وكُلُّها خاضِعَةٌ لِتَكْوِينِهِ وذَلِكَ أنّالنَّصارى تَوَهَّمُوا أنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ مِن غَيْرِ أبٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ تَكْوِينَ أحْوالِ المَوْجُوداتِ مِن لا شَيْءَ أعْجَبُ مِن ذَلِكَ وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى التَّكْوِينِ والتَّقْدِيرِ سَواءٌ في ذَلِكَ ما وُجِدَ بِواسِطَةٍ تامَّةٍ أوْ ناقِصَةٍ أوْ بِلا واسِطَةٍ قالَ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَلَيْسَ تَخَلُّقُ عِيسى مِن أُمٍّ دُونَ أبٍ بِمُوجِبِ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ تَعالى.
وكانَ في الآيَةِ تامَّةٌ لا تَطْلُبُ خَبَرًا أيْ يَقُولُ لَهُ: إيجَدْ فَيُوجَدُ والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ والمَقُولَ. والمُسَبَّبُ هُنا تَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ وُجُودِ الكائِناتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ والقُدْرَةِ بِهِما بِأنْ شَبَّهَ فِعْلَ اللَّهِ
صفحة ٦٨٨
تَعالى بِتَكْوِينِ شَيْءٍ وحُصُولِ المُكَوَّنِ عَقِبَ ذَلِكَ بِدُونِ مُهْلَةٍ بِتَوَجُّهِ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ بِكَلِمَةِ الأمْرِ وحُصُولِ امْتِثالِهِ عَقِبَ ذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ أقْرَبُ الحالاتِ المُتَعارَفَةِ الَّتِي يُمْكِنُ التَّقْرِيبُ بِها في الأُمُورِ الَّتِي لا تَتَّسِعُ اللُّغَةُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْها وإلى نَحْوِ هَذا مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ونَظَرَهُ بِقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
إذْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِ ∗∗∗ قُدُمًا فَآضَتْ كالفَنِيقِ المُحْنَقِ
والَّذِي يُعَيِّنُ كَوْنَ هَذا تَمْثِيلًا أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ خِطابُ مَن لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بِأنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فَلَيْسَ هَذا التَّقْرِيرُ الصّادِرُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيًّا عَلى مَنعِ المُعْتَزِلَةِ قِيامَ صِفَةِ الكَلامِ بِذاتِهِ تَعالى إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُلْجِئُهم إلى اعْتِبارِ قِيامِ صِفَةِ الكَلامِ إذْ كانَ يُمْكِنُهم تَأْوِيلُهُ بِما تَأوَّلُوا بِهِ آياتٍ كَثِيرَةً ولِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ ابْنُ المُنِيرِ خِلافًا لِما يُوهِمُهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ.
2:118Page 18
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨
Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] المَعْطُوفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى﴾ [البقرة: ١١٣] لِمُناسَبَةِ اشْتِراكِ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ والنَّصارى في الأقْوالِ والعَقائِدِ الضّالَّةِ إلّا أنَّهُ قَدَّمَ قَوْلَ أهْلِ الكِتابِ في الآيَةِ الماضِيَةِ وهي (﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ [البقرة: ١١٣]) لِأنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِذَلِكَ أيّامَ مُجادَلَتِهِمْ في تَفاضُلِ أدْيانِهِمْ ويَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ ما يُوجِبُ الِاشْتِغالَ بِذَلِكَ إلى أنْ جاءَ الإسْلامُ فَقالُوا مِثْلَ قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ. وجَمَعَ الكُلَّ في ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرِيقٌ مِنَ الثَّلاثَةِ فِيهِ مُقْتَبَسًا مِنَ الآخَرِ بَلْ جَمِيعُهُ ناشِئٌ مِنَ الغُلُوِّ في تَقْدِيسِ المَوْجُوداتِ الفاضِلَةِ ومَنشَؤُهُ سُوءُ الفَهْمِ في العَقِيدَةِ سَواءٌ كانَتْ مَأْخُوذَةً مِن كِتابٍ كَما تَقَدَّمَ في مَنشَأِ قَوْلِ
صفحة ٦٨٩
أهْلِ الكِتابَيْنِ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أمْ مَأْخُوذَةً مِن أقْوالِ قادَتِهِمْ كَما قالَتِ العَرَبُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدَّمَ قَوْلَ المُشْرِكِينَ هُنا لِأنَّ هَذا القَوْلَ أعْلَقُ بِالمُشْرِكِينَ إذْ هو جَدِيدٌ فِيهِمْ وفاشٍ بَيْنَهم. فَلَمّا كانُوا مُخْتَرِعِي هَذا القَوْلِ نُسِبَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ نُظِرَ بِهِمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. إذْ قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ لِرُسُلِهِمْ.
و لَوْلا هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ قُصِدَ مِنهُ التَّعْجِيزُ والِاعْتِذارُ عَنْ عَدَمِ الإصْغاءِ لِلرَّسُولِ اسْتِكْبارًا بِأنَّ عَدُّوا أنْفُسَهم أحْرِياءَ بِالرِّسالَةِ وسَماعِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهَذا مُبالَغَةٌ في الجَهالَةِ لا يَقُولُها أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أثْبَتُوا الرِّسالَةَ والحاجَةَ إلى الرُّسُلِ.
وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أرادُوا مُطْلَقَ آيَةٍ فالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ وحِينَئِذٍ فَهو مُكابَرَةٌ وجُحُودٌ لِما جاءَهم مِنَ الآياتِ وحَسْبُكَ بِأعْظَمِها وهو القُرْآنُ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِنَ التَّنْكِيرِ وقَدْ سَألُوا آياتٍ مُقْتَرَحاتٍ وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا الآياتِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ الآياتِ هي عَجائِبُ الحَوادِثِ أوِ المَخْلُوقاتِ وما دَرَوْا أنَّ الآيَةَ العِلْمِيَّةَ العَقْلِيَّةَ أوْضَحُ المُعْجِزاتِ لِعُمُومِها ودَوامِها وقَدْ تَحَدّاهُمُ الرَّسُولُ بِالقُرْآنِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وكَفاهم بِذَلِكَ آيَةً لَوْ كانُوا أهْلَ إنْصافٍ.
وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيْ كَمِثْلِ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ والمُرادُ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهْمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَقَدْ قالَ اليَهُودُ لِمُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً وسَألَ النَّصارى عِيسى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ وفي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ مِثْلُ ما لاقاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ ولِذَلِكَ أُرْدِفَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] الآيَةَ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ واقِعَةً مَوْقِعَ الجَوابِ لِمَقالَةِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وهو جَوابٌ إجْمالِيٌّ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلى تَنْظِيرِ حالِهِمْ بِحالِ مَن قَبْلَهم فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّنْظِيرُ كِنايَةً عَنِ الإعْراضِ عَنْ جَوابِ مَقالِهِمْ وأنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يُجابَ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمَرْتَبَةِ مَن يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولَيْسَتْ أفْهامُهم بِأهْلٍ لِإدْراكِ ما في نُزُولِ القُرْآنِ مِن أعْظَمِ آيَةٍ وتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾“ تَقْرِيرًا أيْ تَشابَهَتْ عُقُولُهم في الأفْنِ وسُوءِ النَّظَرِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ تَعْلِيلًا لِلْإعْراضِ عَنْ جَوابِهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ أهْلٍ لِلْجَوابِ لِأنَّ أهْلَ الجَوابِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ
صفحة ٦٩٠
يُوقِنُونَ وقَدْ بَيَّنَتْ لَهم آياتُ القُرْآنِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَلَيْسُوا أهْلًا لِلْجَوابِ لِأنَّهم لَيْسُوا بِقَوْمٍ يُوقِنُونَ بَلْ دَيْدَنُهُمُ المُكابَرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”كَذَلِكَ قالَ“ إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وبَيْنَ جُمْلَةِ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ وتُجْعَلُ جُمْلَةُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ هي الجَوابَ عَنْ مَقالَتِهِمْ والمَعْنى لَقَدْ أتَتْكُمُ الآيَةُ وهي آياتُ القُرْآنِ ولَكِنْ لا يَعْقِلُها إلّا الَّذِينَ يُوقِنُونَ أيْ دُونَكم فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمُ﴾ [العنكبوت: ٥١] ووَقَعَ الإعْراضُ عَنْ جَوابِ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ لِأنَّهُ بَدِيهِيُّ البُطْلانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] والقَوْلُ في مَرْجِعِ التَّشْبِيهِ والمُماثَلَةِ مِن قَوْلِهِ كَذَلِكَ ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ عَلى نَحْوِ القَوْلِ في الآيَةِ الماضِيَةِ ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] وقَوْلِهِ ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى ”﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾“، أيْ كانَتْ عُقُولُهم مُتَشابِهَةً في الأفْنِ وسُوءِ النَّظَرِ فَلِذا اتَّحَدُوا في المَقالَةِ. فالقُلُوبُ هُنا بِمَعْنى العُقُولِ كَما هو المُتَعارَفُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ ”تَشابَهَتْ“ صِيغَةٌ مِن صِيَغِ التَّشْبِيهِ وهي أقْوى فِيهِ مِن حُرُوفِهِ وأقْرَبُ بِالتَّشْبِيهِ البَلِيغِ، ومِن مَحاسِنِ ما جاءَ في ذَلِكَ قَوْلُ الصّابِئِ:
تَشابَهَ دَمْعِي إذْ جَرى ومُدامَتِي فَمِن مِثْلِ ما في الكَأْسِ عَيْنِي تَسْكُبُ
وفِي هَذِهِ الآيَةِ جُعِلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى مُماثِلَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ في هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أعْرَقُ فِيها إذْ هم أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَلَيْسَ ادِّعاؤُهم ولَدًا لِلَّهِ بِأكْثَرَ مِنِ ادِّعائِهِمْ شَرِكَةَ الأصْنامِ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَكانَ اليَهُودُ والنَّصارى مُلْحَقَيْنِ بِهِمْ لِأنَّ دَعْوى الِابْنِ لِلَّهِ طَرَأتْ عَلَيْهِمْ ولَمْ تَكُنْ مِن أصْلِ مِلَّتِهِمْ وبِهَذا الأُسْلُوبِ تَأتّى الرُّجُوعُ إلى بَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ الخاصَّةِ بِهِمْ وذَلِكَ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في يُوقِنُونَ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الإيمانِ خُلُقًا لَهم، فَأمّا الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الإعْراضُ عَنِ النَّظَرِ والمُكابَرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ فَإنَّ الإعْراضَ يَحُولُ دُونَ حُصُولِ اليَقِينِ، والمُكابَرَةُ تَحُولُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فَأصْحابُ هَذَيْنِ الخُلُقَيْنِ لَيْسُوا مِنَ المُوقِنِينَ.
صفحة ٦٩١
وتَبْيِينُ الآياتِ هو ما جاءَ مِنَ القُرْآنِ المُعْجِزِ لِلْبَشَرِ الَّذِي تَحَدّى بِهِ جَمِيعَهم فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الإتْيانَ بِمِثْلِهِ كَما تَقَدَّمَ، وفي الحَدِيثِ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحى اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» فالمَعْنى قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُوقِنُوا ولا يُشَكِّكُوا أنْفُسَهم أوْ يُعْرِضُوا حَتّى يَحُولَ ذَلِكَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيقانِ، أوْ يَكُونَ المَعْنى قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُظْهِرُونَ اليَقِينَ ويَعْتَرِفُونَ بِالحَقِّ لا لِقَوْمٍ مِثْلِكم مِنَ المُكابِرِينَ.
2:119Page 18
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩
Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكاياتِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ القَصْدُ مِنها تَأْنِيسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أسَفِهِ عَلى ما لَقِيَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ مِمّا يُماثِلُ ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وقَدْ كانَ يَوَدُّ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ فَيَتَأيَّدُ بِهِمُ الإسْلامُ عَلى المُشْرِكِينَ فَإذا هو يَلْقى مِنهم ما لَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ أشَدَّ، وقَدْ قالَ لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ لَآمَنَ بِي اليَهُودُ كُلُّهم فَكانَ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ تَهْدِئَةً لِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ، وعَذَرَ لَهُ إذْ أبْلَغَ الرِّسالَةَ، وتَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْ قَوْمٍ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالجَحِيمِ. وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِلتَّأْيِيسِ مِن إيمانِ اليَهُودِ والنَّصارى. وجِيءَ بِالتَّأْكِيدِ وإنْ كانَ النَّبِيءُ لا يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وبَيانِ أنَّهُ يُنَوِّهُ بِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِن تَنْوِيهِ شَأْنِ الرَّسُولِ.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ ضَمِيرُ الجَلالَةِ تَشْرِيفًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِعِزِّ الحُضُورِ لِمَقامِ التَّكَلُّمِ مَعَ الخالِقِ تَعالى وتَقَدَّسَ كَأنَّ اللَّهَ يُشافِهُهُ بِهَذا الكَلامِ بِدُونِ واسِطَةٍ فَلِذا لَمْ يَقُلْ لَهُ إنَّ اللَّهَ أرْسَلَكَ. وقَوْلُهُ بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْناكَ“، والحَقُّ هو الهُدى والإسْلامُ والقُرْآنُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ وهي كُلُّها مُلابَسَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ في رِسالَتِهِ بَعْضُها بِمُلابَسَةِ التَّبْلِيغِ وبَعْضُها بِمُلابَسَةِ التَّأْيِيدِ. فالمَعْنى أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ حالانِ وهُما بِزِنَةٍ فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ مَأْخُوذانِ مِن بَشَّرَ المُضاعَفِ وأنْذَرَ المَزِيدِ فَمَجِيئُهُما مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ، كالقَوْلِ في بَدِيعِ السَّماواتِ والأرْضِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وقِيلَ البَشِيرُ مُشْتَقٌّ مِن بَشَرَ المُخَفَّفِ الشِّينِ مِن بابِ نَصَرَ ولا داعِيَ إلَيْهِ.
صفحة ٦٩٢
وقَوْلُهُ ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ وهو إمّا عَلى جُمْلَةِ ”إنّا أرْسَلْناكَ“ أوْ عَلى الحالِ في قَوْلِهِ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ ويَجُوزُ كَوْنُ الواوِ لِلْحالِ. قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّ لا حَرْفُ نَهْيٍ جازِمٌ لِلْمُضارِعِ وهو عَطْفُ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ، والسُّؤالُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِاهْتِمامِ والتَّطَلُّعِ إلى مَعْرِفَةِ الحالِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ لِأنَّ المَعْنى بِالشَّيْءِ المُتَطَلِّعِ لِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِ يَكْثُرُ مِنَ السُّؤالِ عَنْهُ. أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ فَظاعَةِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ حَتّى إنَّ المُتَفَكِّرَ في مَصِيرِ حالِهِمْ يَنْهى عَنِ الِاشْتِغالِ بِذَلِكَ لِأنَّها أحْوالٌ لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ ولا يَبْلُغُ إلى كُنْهِها العَقْلُ في فَظاعَتِها وشَناعَتِها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ يَرِدُ لِمَعْنى تَعْظِيمِ أمْرِ المَسْئُولِ عَنْهُ نَحْوَ قَوْلِ عائِشَةَ «يُصَلِّي أرْبَعًا فَلا تَسْألُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ» ولِهَذا شاعَ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ إلْقاءُ المَسائِلِ الصَّعْبَةِ بِطَرِيقَةِ السُّؤالِ نَحْوَ (فَإنْ قُلْتَ) لِلِاهْتِمامِ.
وقَرَأهُ جُمْهُورُ العَشَرَةِ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ ورَفْعِ اللّامِ عَلى أنَّ لا نافِيَةٌ أيْ لا يَسْألُكَ اللَّهُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ وهو تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ”﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾“ والسُّؤالُ كِنايَةٌ عَنِ المُؤاخَذَةِ واللَّوْمِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ «وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أيْ لَسْتَ مُؤاخَذًا بِبَقاءِ الكافِرِينَ عَلى كُفْرِهِمْ بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ لَهُمُ الدَّعْوَةَ.
وما قِيلَ إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في نَهْيِهِ ﷺ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ في الآخِرَةِ فَهو اسْتِنادٌ لِرِوايَةٍ واهِيَةٍ ولَوْ صَحَّتْ لَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مُجافِيًا لِلْبَلاغَةِ، إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ تَأْنِيسٌ وتَسْكِينٌ، فالإتْيانُ مَعَهُ بِما يُذَكِّرُ المُكَدِّراتِ خُرُوجٌ عَنِ الغَرَضِ وهو مِمّا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفَسادِ الوَضْعِ.
2:120Page 19
وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠
And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.
﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] أوْ عَلى إنّا أرْسَلْناكَ وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ المُؤَيِّسُ مِن إيمانِهِمْ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ قَبْلَهُ التَّأْنِيسَ والتَّسْلِيَةَ عَلى نَحْوِ مَجِيءِ العِتابِ بَعْدَ تَقْدِيمِ العَفْوِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وهَذا مِن كَرامَةِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ .
صفحة ٦٩٣
والنَّفْيُ بِلَنْ مُبالَغَةٌ في التَّأْنِيسِ لِأنَّها لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ وتَأْيِيدِهِ. والمِلَّةُ بِكَسْرِ المِيمِ الدِّينُ والشَّرِيعَةُ وهي مَجْمُوعُ عَقائِدَ وأعْمالٍ يَلْتَزِمُها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ يَتَّفِقُونَ عَلَيْها، وتَكُونُ جامِعَةً لَهم كَطَرِيقَةٍ يَتَّبِعُونَها، ويَحْتَمِلُ أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن أمَلَّ الكِتابَ فَسُمِّيَتِ الشَّرِيعَةُ مِلَّةً لِأنَّ الرَّسُولَ أوْ واضِعَ الدِّينِ يُعْلِمُها لِلنّاسِ ويُمْلِلُها عَلَيْهِمْ كَما سُمِّيَتْ دِينًا بِاعْتِبارِ قَبُولِ الأُمَّةِ لَها وطاعَتِهِمْ وانْقِيادِهِمْ. ومَعْنى الغايَةِ في ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الكِنايَةُ عَنِ اليَأْسِ مِنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى لِشَرِيعَةِ الإسْلامِ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهم إذا كانُوا لا يَرْضَوْنَ إلّا بِاتِّباعِهِ مِلَّتَهم فَهم لا يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ، ولَمّا كانَ اتِّباعُ النَّبِيءِ مِلَّتَهم مُسْتَحِيلًا كانَ رِضاهم عَنْهُ كَذَلِكَ عَلى حَدِّ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وقَوْلُهُ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] والتَّصْرِيحُ بِلا النّافِيَةِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ولا النَّصارى لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِقْلالِهِمْ بِالنَّفْي، وعَمَّ الِاقْتِناعُ بِاتِّباعِ حَرْفِ العَطْفِ لِأنَّهم كانُوا يُظَنُّ بِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ؛ لِإظْهارِهِمْ شَيْئًا مِنَ المَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيءِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ مِلَّتَهم وأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ القُرْآنَ لِأنَّهُ جاءَ بِنَسْخِ كِتابَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ أمْرٌ بِالجَوابِ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ مِن خُلاصَةِ أقْوالٍ لَهم يَقْتَضِي مَضْمُونُها أنَّهم لا يُرْضِيهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ إلَيْهِ إلّا أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهم وأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مِلَّتَهم هُدًى فَلا ضَيْرَ عَلَيْهِ إنِ اتَّبَعَها، مِثْلَ قَوْلِهِمْ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّلَوُّنِ في الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ في جَوابِهِمْ بِما هو الأُسْلُوبُ في المُجاوَبَةِ مِن فِعْلِ القَوْلِ بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ قالُوا ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ . وهُدى اللَّهِ ما يُقَدِّرُهُ لِلشَّخْصِ مِنَ التَّوْفِيقِ أيْ قُلْ لَهم: لا أمْلِكُ لَكم هُدًى إلّا أنْ يَهْدِيَكُمُ اللَّهُ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهُدى اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيَّ هو الهُدى يَعْنِي: أنَّ القُرْآنَ هو الهُدى إبْطالًا لِغُرُورِهِمْ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الهُدى، وأنَّ ما خالَفَهُ ضَلالٌ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ هو الهُدى وما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الهُدى لِأنَّ أكْثَرَهُ مِنَ الباطِلِ. فَإضافَةُ الهُدى إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ، والقَصْرُ إضافِيٌّ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ حَرَّفُوهُ ووَضَعُوهُ. فَيَكُونُ القَصْرُ إمّا حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا بِأنْ يُرادَ هو الهُدى الكامِلُ في الهِدايَةِ فَهُدى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ
صفحة ٦٩٤
بِالنِّسْبَةِ إلى هُدى القُرْآنِ كُلًّا هُدًى لِأنَّ هُدى القُرْآنِ أعَمُّ وأكْمَلُ فَلا يُنافِي إثْباتَ الهِدايَةِ لِكِتابِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] وقَوْلُهُ ﴿وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦] وإمّا قَصْرًا إضافِيًّا أيْ هو الهُدى دُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن مِلَّةٍ مُبْدَلَةٍ مَشُوبَةٍ بِضَلالاتٍ وبِذَلِكَ أيْضًا لا يَنْتَفِي الهُدى عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التَّعالِيمِ والنَّصايِحِ الصّالِحَةِ الصّادِرَةِ عَنِ الحُكَماءِ وأهْلِ العُقُولِ الرّاجِحَةِ والتَّجْرِبَةِ لَكِنَّهُ هُدًى ناقِصٌ.
وقَوْلُهُ هو الهُدى الضَّمِيرُ ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ. والتَّعْرِيفُ في الهُدى تَعْرِيفُ الجِنْسِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِغْراقِ فَفِيهِ طَرِيقانِ مِن طُرُقِ الحَصْرِ هُما: ضَمِيرُ الفَصْلِ وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ وفي الجَمْعِ بَيْنَهُما إفادَةُ تَحْقِيقِ مَعْنى القَصْرِ وتَأْكِيدِهِ لِلْعِنايَةِ بِهِ فَأيُّهُما اعْتَبَرْتَهُ طَرِيقَ قَصْرٍ كانَ الآخَرُ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ ولِلْخَبَرِ أيْضًا.
والتَّوْكِيدُ بِأنَّ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ وتَحْقِيقِ نِسْبَتِهِ وإبْطالِ تَرَدُّدِ المُتَرَدِّدِ لِأنَّ القَصْرَ الإضافِيَّ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنهُ رَدَّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ قَدْ لا يَتَفَطَّنُ المُخاطَبُ إلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ فَزِيدَ هُنا مُؤَكَّدٌ آخَرُ وهو حَرْفُ ”إنَّ“ اهْتِمامًا بِتَأْكِيدِ هَذا الحُكْمِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عِدَّةُ مُؤَكِّداتٍ هي: حَرْفُ إنَّ. والقَصْرُ، إذِ القَصْرُ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ كَما في المِفْتاحِ فَهو في قُوَّةِ مُؤَكِّدَيْنِ، مَعَ تَأْكِيدِ القَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ وهي تَنْحَلُّ إلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ لِأنَّ القَصْرَ بِمَنزِلَةِ تَأْكِيدَيْنِ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِما تَأْكِيدُ القَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ.
ولَعَلَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى أنَّ اسْتِقْبالَ النَّبِيءِ ﷺ في الصَّلاةِ إلى القِبْلَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها اليَهُودُ لِقَطْعِ مَعْذِرَةِ اليَهُودِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فَأعْلَمَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ﴾ اليَهُودُ ولا النَّصارى بِأنَّ ذَلِكَ لا يُلِينُ مِن تَصَلُّبِ اليَهُودِ في عِنادِهِمْ فَتَكُونُ إيماءً إلى تَمْهِيدِ نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْخَبَرِ وتَحْقِيقٌ لَهُ. وعَبَّرَ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ هُنالِكَ بِالمِلَّةِ نَظَرًا لِاعْتِقادِهِمْ وشُهْرَةِ ذَلِكَ عِنْدَ العَرَبِ، وعَبَّرَ عَنْها هُنا بِالأهْواءِ بَعْدَ أنْ مَهَّدَ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ فَإنَّ الهَوى
صفحة ٦٩٥
رَأيٌ ناشِئٌ عَنْ شَهْوَةٍ لا عَنْ دَلِيلٍ، ولِهَذا لَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ لِلْمِلَّةِ وعَبَّرَ عَنْها بِالِاسْمِ الظّاهِرِ فَشَمِلَتْ أهْواؤُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيءِ وبِالقُرْآنِ واعْتِقادَهم أنَّ مِلَّتَهم لا يَنْقُضُها شَرْعٌ آخَرُ.
وقَوْلُهُ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ تَحْذِيرٌ لِكُلِّ مَن تَلَقّى الإسْلامَ أنْ لا يَتَّبِعَ بَعْدَ الإسْلامِ أهْواءَ الأُمَمِ الأُخْرى، جاءَ عَلى طَرِيقَةِ تَحْذِيرِ النَّبِيءِ ﷺ مِثْلَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وهو جَوابُ القَسَمِ ودَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّ اللّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فالجَوابُ لَها. وجِيءَ بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تَأْتِي في مَواقِعِ عَدَمِ القَطْعِ بِوُقُوعِ شَرْطِها لِأنَّ هَذا فَرْضٌ ضَعِيفٌ في شَأْنِ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ. والوَلِيُّ القَرِيبُ والحَلِيفُ.
والنَّصِيرُ كُلُّ مَن يُعِينُ أحَدًا عَلى مَن يُرِيدُ بِهِ ضُرّا وكِلاهُما فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِنَ اللَّهِ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيٍّ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى مانِعٍ مِن عِقابِهِ ويُقَدَّرُ مِثْلُهُ بَعْدَ ”ولا نَصِيرٍ“ أيْ نَصِيرٌ مِنَ اللَّهِ. و”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن ولِيٍّ“ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ. وعَطْفُ النَّصِيرِ عَلى الوَلِيِّ احْتِراسٌ لِأنَّ نَفْيَ الوَلِيِّ لا يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ نَصِيرٍ إذْ لا يَكُونُ لِأحَدٍ ولِيٌّ لِكَوْنِهِ دَخِيلًا في قَبِيلَةٍ ويَكُونُ أنْصارُهُ مِن جِيرَتِهِ. وكانَ القَصْدُ مِن نَفْيِ الوِلايَةِ التَّعْرِيضَ بِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ فَنَفى ذَلِكَ عَنْهم حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوا دَعْوَةَ الإسْلامِ ثُمَّ نَفى الأعَمَّ مِنهُ وهَذِهِ نُكْتَةُ عَدَمِ الِاقْتِصارِ عَلى نَفْيِ الأعَمِّ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم إلى آخِرِها عَلى تَحْذِيرٍ مِنَ الطَّمَعِ في اسْتِدْناءِ اليَهُودِ أوِ النَّصارى بِشَيْءٍ مِنَ اسْتِرْضائِهِمْ طَمَعًا في إسْلامِهِمْ بِتَألُّفِ قُلُوبِهِمْ فَأكَّدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِعَشَرَةِ مُؤَكِّداتٍ وهي القَسَمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ. وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الجَزاءِ بِإنَّ. وبِلامِ الِابْتِداءِ في خَبَرِها. واسْمِيَّةُ جُمْلَةِ الجَزاءِ وهي ”﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾“ . وتَأْكِيدُ النَّفْيِ بِمِن في قَوْلِهِ ”مِن ولِيٍّ“ والإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ اسْمِ المَوْصُولِ وتَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ ”مِنَ العِلْمِ“ . وجَعْلُ الَّذِي جاءَ أيْ ”أُنْزِلَ إلَيْهِ“ هو العِلْمُ كُلُّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغَيْرِهِ لِنُقْصانِهِ. وتَأْكِيدُ ”مِن ولِيٍّ“ بِعَطْفِ ”ولا نَصِيَرٍ“ الَّذِي هو آيِلٌ إلى مَعْناهُ وإنِ اخْتَلَفَ مَفْهُومُهُ، فَهو كالتَّأْكِيدِ بِالمُرادِفِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences