Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:125–126
2:125Page 19
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥
And [mention] when We made the House [i.e., the Kaʿbah] a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."
﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ تَدَرُّجٌ في ذِكْرِ مَنقَبَةِ إبْراهِيمَ إذْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْتَهُ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ، وإذْ أضافَها إلى جَلالَتِهِ فَقالَ بَيْتِي، واسْتِهْلالٌ لِفَضِيلَةِ القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فالواوُ عاطِفَةٌ عَلى ابْتَلى وأُعِيدَتْ إذْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى
صفحة ٧٠٨
اسْتِقْلالِ القِصَّةِ وأنَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ تُعَدَّ بِنِيَّةٍ أُخْرى، ولا التِفاتَ إلى حُصُولِ مَضْمُونِ هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ الأُخْرى أوْ قَبْلَهُ إذْ لا غَرَضَ في ذَلِكَ في مَقامِ ذِكْرِ الفَضائِلِ، ولِأنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا. والبَيْتُ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَكانِ المُتَّخَذِ مَسْكَنًا لِواحِدٍ أوْ عَدَدٍ مِنَ النّاسِ في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ. وهو مَكانٌ مِنَ الأرْضِ يُحِيطُ بِهِ ما يُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ بُقْعَتِهِ مِنَ الأرْضِ لِيَكُونَ السّاكِنُ مُسْتَقِلًّا بِهِ لِنَفْسِهِ ولِمَن يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ مُسْتَقِرًّا لَهُ وكُنّا يَكُنَّهُ مِنَ البَرْدِ والحَرِّ وساتِرًا يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنِ النّاسِ ومَحَطًّا لِأثاثِهِ وشُئُونِهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا وهو الغالِبُ وقَدْ يَكُونُ لِجَماعَةٍ مِثْلَ دارِ النَّدْوَةِ في العَرَبِ وخَيْمَةِ الِاجْتِماعِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ يَكُونُ مُحِيطَ البَيْتِ مِن حَجَرٍ وطِينٍ كالكَعْبَةِ ودارِ النَّدْوَةِ، وقَدْ يَكُونُ مِن أدِيمٍ مِثْلَ القِبابِ، وقَدْ يَكُونُ مِن نَسِيجِ صُوفٍ أوْ شَعْرٍ قالَ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها﴾ [النحل: ٨٠] ولا يَكُونُ بَيْتًا إلّا إذا كانَ مَسْتُورًا أعْلاهُ عَنِ الحَرِّ والقَرِّ وذَلِكَ بِالسَّقْفِ لِبُيُوتِ الحَجَرِ وبُيُوتِ الأدِيمِ والخِيامِ.
والبَيْتُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ كَما غُلِبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا. وأصْلُ ألِ الَّتِي في الأعْلامِ بِالغَلَبَةِ هي ألِ العَهْدِيَّةِ وذَلِكَ إذا كَثُرَ عَهْدُ فَرْدٍ مِن أفْرادِ جِنْسٍ بَيْنَ طائِفَةٍ أوْ قَوْمٍ صارَ اسْمُ جِنْسِهِ مَعَ ألِ العَهْدِيَّةِ كالعَلَمِ لَهُ ثُمَّ قَدْ يَتَعَهَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ المَعْنى الأصْلِيِّ كَما في النَّجْمِ لِلثُّرَيّا والكِتابِ لِلْقُرْآنِ والبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ، وقَدْ يُنْسى المَعْنى الأصْلِيَّ إمّا بِقِلَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ كالصَّعِقِ عَلَمٌ عَلى خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وإمّا بِانْحِصارِ الجِنْسِ فِيهِ كالشَّمْسِ.
والكَعْبَةُ بَيْتٌ بَناهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ فَيَأْوِي إلَيْهِ مَن يَدِينُ بِالتَّوْحِيدِ، ويَطُوفُ بِهِ مَن يَقْصِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ أضافَهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ هَذا المَعْنى كَما قالَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وفي قَوْلِهِ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وقَدْ عُرِفَتِ الكَعْبَةُ باسِمِ البَيْتِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ قالَ زُهَيْرٌ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
والمَثابَةُ مَفْعَلَةٌ مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ ويُقالُ مَثابَةٌ ومُثابٌ مِثْلَ مَقامَةٍ ومَقامٍ، والمُرادُ بِالمَثابَةِ أنَّهُ يَقْصِدُهُ النّاسُ بِالتَّعْظِيمِ ويَلُوذُونَ بِهِ. والمُرادُ مِنَ النّاسِ سُكّانُ مَكَّةَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ وكُلُّ مَن يُجاوِرُهم ويَدْخُلُ في حَلِفِهِمْ، فَتَعْرِيفُ النّاسِ لِلْجِنْسِ المَعْهُودِ، وتَعْلِيقٌ لِلنّاسِ بِمَثابَةٍ عَلى التَّوْزِيعِ أيْ يَزُورُهُ ناسٌ ويَذْهَبُونَ فَيَخْلُفُهم ناسٌ.
صفحة ٧٠٩
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا ذِكْرَ مَنقَبَةِ البَيْتِ والمِنَّةُ عَلى ساكِنِيهِ كانَ الغَرَضُ التَّذْكِيرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أنْ جَعْلَهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ قَوْمٌ إلّا ويَخْلُفُهم قَوْمٌ آخَرُونَ، فَكانَ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ الزّائِرِينَ قائِمِينَ مَقامَهم بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْتِ وسُكّانِهِ، ويَجُوزُ حَمْلُ تَعْرِيفِ النّاسِ عَلى العَهْدِ أيْ يَثُوبُ إلَيْهِ النّاسُ الَّذِينَ ألِفُوهُ وهم كُمَّلُ الزّائِرِينَ فَهم يَعُودُونَ إلَيْهِ مِرارًا، وكَذَلِكَ كانَ الشَّأْنُ عِنْدَ العَرَبِ.
والأمْنُ مَصْدَرٌ أخْبَرَ بِهِ عَنِ البَيْتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ سَبَبُ أمْنٍ فَجُعِلَ كَأنَّهُ نَفْسُ الأمْنِ مُبالَغَةً. والأمْنُ حُفِظُ النّاسِ مِنَ الأضْرارِ فَتَشْرِيدُ الدَّعّارِ وحِراسَةُ البِلادِ وتَمْهِيدُ السُّبُلِ وإنارَةُ الطُّرُقِ أمْنٌ، والِانْتِصافُ مِنَ الجُناةِ والضَّرْبُ عَلى أيْدِي الظَّلَمَةِ وإرْجاعُ الحُقُوقِ إلى أهْلِها أمْنٌ، فالأمْنُ يُفَسَّرُ في كُلِّ حالٍ بِما يُناسِبُهُ، ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أحْوالِ الجاهِلِيَّةِ أخَذَ القَوِيِّ مالَ الضَّعِيفِ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم تَحاكُمٌ ولا شَرِيعَةٌ كانَ الأمْنُ يَوْمَئِذٍ هو الحَيْلُولَةُ بَيْنَ القَوِيِّ والضَّعِيفِ، فَجَعَلَ اللَّهُ البَيْتَ أمْنًا لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ أيْ يَصُدُّ القَوِيَّ عَنْ أنْ يَتَناوَلَ فِيهِ الضَّعِيفَ قالَ تَعالى أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ فَهَذِهِ مِنَّةٌ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وأمّا في الإسْلامِ فَقَدْ أغْنى اللَّهُ تَعالى بِما شَرَعَهُ مِن أحْكامِهِ وما أقامَهُ مِن حُكّامِهِ فَكانَ ذَلِكَ أمْنًا كافِيًا. قالَ السُّهَيْلِيُّ فَقَوْلُهُ تَعالى مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا إنَّما هو إخْبارٌ عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ في الجاهِلِيَّةِ نِعْمَةٌ مِنهُ تَعالى عَلى أهْلِ مَكَّةَ فَكانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِذَرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ وأضْرابِها عَلى حُكْمِ إقامَةِ الحُدُودِ والعُقُوباتِ في الحَرَمِ وسَيَأْتِي تَفْصِيلُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١] الآيَةَ ولَيْسَ مِن غَرَضِ هَذِهِ الآيَةِ.
والمُرادُ مِنَ الجَعْلِ في الآيَةِ إمّا الجَعْلُ التَّكْوِينِيُّ لِأنَّ ذَلِكَ قَدَّرَهُ اللَّهُ وأوْجَدَ أسْبابَهُ فاسْتَقَرَّ ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ويَسَّرَهم إلى تَعْظِيمِهِ، وإمّا الجَعْلُ أنْ أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِذَلِكَ فَأبْلَغَهُ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وبَثَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ فَتَلْقاهُ أعْقابُهم تَلَقِّي الأُمُورِ المُسَلَّمَةِ، فَدامَ ذَلِكَ الأمْنُ في العُصُورِ والأجْيالِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ أغْنى اللَّهُ عَنْهُ بِما شَرَعَ مِن أحْكامِ الأمْنِ في الإسْلامِ في كُلِّ مَكانٍ وتَمَّ مُرادُ اللَّهِ تَعالى، فَلا يُرِيبُكم ما حَدَثَ في المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ الخَوْفِ في حِصارِ الحَجّاجِ في فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ولا ما حَدَثَ فِيهِ مِنَ الرُّعْبِ والقَتْلِ والنَّهْبِ في زَمَنِ القَرامِطَةِ حِينَ غَزاهُ الحَسَنُ بْنُ بَهْرامَ الجُنّابِيُّ نِسْبَةٌ إلى بَلْدَةٍ يُقالُ لَها جُنّابَةُ بِتَشْدِيدِ
صفحة ٧١٠
النُّونِ كَبِيرُ القَرامِطَةِ إذْ قَتَلَ بِمَكَّةَ آلافًا مِنَ النّاسِ وكانَ يَقُولُ لَهم يا كِلابُ ألَيْسَ قالَ لَكم مُحَمَّدٌ المَكِّيُّ ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]“ أيُّ أمْنٍ هُنا ؟ ! وهو جاهِلٌ غَبِيٌّ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ الأمْرَ بِأنْ يَجْعَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ مَأْمَنًا في مُدَّةِ الجاهِلِيَّةِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ وازِعٌ عَنِ الظُّلْمِ، أوْ هو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ مِثْلَ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقَوْلُهُ ﴿واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ الماضِي عَطْفًا عَلى جَعَلْنا فَيَكُونُ هَذا الِاتِّخاذُ مِن آثارِ ذَلِكَ الجَعْلِ فالمَعْنى ألْهَمْنا النّاسَ أنْ يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى، أوْ أمَرْناهم بِذَلِكَ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ فامْتَثَلُوا واتَّخَذُوهُ، فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى حُصُولِ الجَعْلِ بِطَرِيقِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: جَعَلْنا ذَلِكَ فاتَّخَذُوا، وقَرَأهُ باقِي العَشَرَةِ بِكَسْرِ الخاءِ بِصِيغَةِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْنا اتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ الخِطابِ فَيَكُونُ العامِلُ المَعْطُوفُ مَحْذُوفًا بِالقَرِينَةِ وبَقِيَ مَعْمُولُهُ كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
فَعَلا فُرُوعُ الأيْهَقانِ وأطْفَلَتْ ∗∗∗ بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها ونَعامُها
أرادَ وباضَتْ نَعامُها فَإنَّهُ لا يُقالُ لِأفْراخِ الطَّيْرِ أطْفالٌ، فَمَآلُ القِراءَتَيْنِ، إلى مُفادٍ واحِدٍ.
ومَقامُ إبْراهِيمَ يُطْلَقُ عَلى الكَعْبَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقُومُ عِنْدَها يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِمْ ∗∗∗ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وهو قائِمْوَبِهَذا الإطْلاقِ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] إذِ الدُّخُولُ مِن عَلائِقِ البَيْتِ، ويُطْلَقُ مَقامُ إبْراهِيمَ عَلى الحَجْرِ الَّذِي كانَ يَقِفُ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بِنائِهِ الكَعْبَةَ لِيَرْتَفِعَ لِوَضْعِ الحِجارَةِ في أعْلى الجِدارِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، وقَدْ ثَبَتَتْ آثارُ قَدَمَيْهِ في الحَجَرِ. قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَأيْتُ في المَقامِ أثَرَ أصابِعِهِ وأخْمَصَ قَدَمَيْهِ غَيْرَ أنَّهُ أذْهَبَهُ مَسْحُ النّاسِ بِأيْدِيهِمْ، وهَذا الحَجَرُ يُعْرَفُ إلى اليَوْمِ بِالمَقامِ، وقَدْ رَكَعَ النَّبِيءُ ﷺ في مَوْضِعِهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طَوافِ القُدُومِ فَكانَ الرُّكُوعُ عِنْدَهُ مِن سُنَّةِ الفَراغِ مِنَ الطَّوافِ.
والمُصَلّى مَوْضِعُ الصَّلاةِ وصَلاتُهم يَوْمَئِذٍ الدُّعاءُ والخُضُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى، وكانَ إبْراهِيمُ
صفحة ٧١١
قَدْ وضَعَ المَسْجِدَ الحَرامَ حَوْلَ الكَعْبَةِ ووَضَعَ الحَجَرَ الَّذِي كانَ يَرْتَفِعُ عَلَيْهِ لِلْبِناءِ حَوْلَها فَكانَ المُصَلّى عَلى الحَجَرِ المُسَمّى بِالمَقامِ فَذَلِكَ يَكُونُ المُصَلّى مُتَّخَذًا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ عَلى كِلا الإطْلاقَيْنِ.
والقِراءَتانِ تَقْتَضِيانِ أنَّ اتِّخاذَ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى كانَ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنِ الحَجَرُ الَّذِي اعْتَلى عَلَيْهِ إبْراهِيمُ في البِناءِ مَخْصُوصًا بِصَلاةٍ عِنْدَهُ ولَكِنَّهُ مَشْمُولٌ لِلصَّلاةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ ولَمّا جاءَ الإسْلامُ بَقِيَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ كانَ عامُ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ عامُ الفَتْحِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ الحَرامَ ومَعَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ثُمَّ سُنَّتِ الصَّلاةُ عِنْدَ المَقامِ في طَوافِ القُدُومِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُثِيرُ مَعْنًى آخَرَ لِلْآيَةِ وهي أنْ يَكُونَ الخِطابُ مُوَجَّهًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿واتَّخَذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وجُمْلَةِ وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ اعْتِراضًا اسْتِطْرادِيًّا، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ في الآيَةِ يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ عُمَرَ فَنَزَلَتْ أنَّهُ نَزَلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ شَرْعُ الصَّلاةِ عِنْدَ حَجَرِ المَقامِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لَهم لِيَسْتَقِيمَ الجَمْعُ بَيْنَ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واتَّخَذُوا بِصِيغَةِ الماضِي وبِصِيغَةِ الأمْرِ فَإنَّ صِيغَةَ الماضِي لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ حِكايَةِ ما كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ وصِيغَةَ الأمْرِ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ وتَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها مَعْنى التَّشْرِيعِ لِلْمُسْلِمِينَ، إعْمالًا لِلْقُرْآنِ بِكُلِّ ما تَحْتَمِلُهُ ألْفاظُهُ حَسْبَما بَيَّناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ العَهْدُ أصْلُهُ الوَعْدُ المُؤَكَّدُ وُقُوعَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فَإذا عُدِّيَ بِإلى كانَ بِمَعْنى الوَصِيَّةِ المُؤَكِّدِ عَلى المُوصى العَمَلِ بِها فَعَهِدَ هُنا بِمَعْنى أرْسَلَ عَهْدًا إلَيْهِ أيْ أرْسَلَ إلَيْهِ يَأْخُذُ مِنهم عَهْدًا، فالمَعْنى وأوْصَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وقَوْلُهُ ”أنْ طَهِّرا“ أنْ تَفْسِيرِيَّةَ لِأنَّ الوَصِيَّةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فالتَّفْسِيرُ لِلْقَوْلِ الضِّمْنِيِّ والمُفَسِّرِ هو ما بَعْدَ أنْ فَلا تَقْدِيرَ في الكَلامِ ولَوْلا قَصْدُ حِكايَةِ القَوْلِ لَما جاءَ بَعْدَ أنْ بِلَفْظِ الأمْرِ، ولَقالَ بِتَطْهِيرِ بَيْتِي إلَخْ.
صفحة ٧١٢
والمُرادُ مِن تَطْهِيرِ البَيْتِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّطْهِيرِ مِن مَحْسُوسٍ بِأنْ يُحْفَظَ مِنَ القاذُوراتِ والأوْساخِ لِيَكُونَ المُتَعَبِّدُ فِيهِ مُقْبِلًا عَلى العِبادَةِ دُونَ تَكْدِيرٍ، ومِن تَطْهِيرٍ مَعْنَوِيٍّ وهو أنْ يُبْعَدَ عَنْهُ ما لا يَلِيقُ بِالقَصْدِ مِن بِنائِهِ مِنَ الأصْنامِ والأفْعالِ المُنافِيَةِ لِلْحَقِّ كالعُدْوانِ والفُسُوقِ، والمُنافِيَةِ لِلْمُرُوءَةِ كالطَّوافِ عُرْيًا دُونَ ثِيابِ الرِّجالِ والنِّساءِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لَيْسُوا أهْلًا لِعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ لِأنَّهم لَمْ يُطَهِّرُوهُ مِمّا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ مِنهُ قالَ تَعالى ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] والطّائِفُونَ والعاكِفُونَ والرّاكِعُونَ والسّاجِدُونَ أصْنافُ المُتَعَبِّدِينَ في البَيْتِ مِن طَوافٍ واعْتِكافٍ، وصَلاةٍ وهم أصْنافُ المُتَلَبِّسِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ سَواءٌ انْفَرَدَتْ بَعْضُ الطَّوائِفِ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفاتِ أوِ اجْتَمَعَتِ الصِّفاتُ في طائِفَةٍ أوْ طَوائِفٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ في الكَعْبَةِ قَبْلَ وضْعِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وهَؤُلاءِ هم إسْماعِيلُ وأبْناؤُهُ وأصْهارُهُ مِن جُرْهُمٍ وكُلُّ مَن آمَنَ بِدِينِ الحَنِيفِيَّةِ مِن جِيرانِهِمْ.
وقَدْ جَمَعَ الطّائِفَ والعاكِفَ جَمْعَ سَلامَةِ، وجَمْعَ الرّاكِعَ والسّاجِدَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، تَفَنُّنًا في الكَلامِ وبُعْدًا عَنْ تَكْرِيرِ الصِّيغَةِ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ بِخِلافِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ جَمَعَ الطّائِفِينَ والعاكِفِينَ جَمْعَ سَلامَةٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى لَفْظِ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ يَطُوفُونَ أيْ يُجَدِّدُونَ الطَّوافَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ تَطْهِيرِ البَيْتِ وهو قُرْبُ هَذَيْنِ مِنَ البَيْتِ بِخِلافِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونا في البَيْتِ ولا عِنْدَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ جَمْعَ سَلامَةٍ، وهَذا الكَلامُ يُؤْذِنُ بِالفَرْقِ بَيْنَ جَمْعِ السَّلامَةِ وجَمْعِ التَّكْسِيرِ مِن حَيْثُ الإشْعارِ بِالحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، ويَشْهَدُ لَهُ كَلامُ أبِي الفَتْحِ بْنِ جِنِّي في شَرْحِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِقالَ أبُو الفَتْحِ " جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلى بِبَوادِرِ، وإنْ كانَ جَمْعًا مُكَسَّرًا والمَصْدَرُ إذا كُسِرَ بَعُدَ بِتَكْسِيرِهِ عَنْ شِبْهِ الفِعْلِ، وإذا جازَ تَعَلُّقُ المَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ مُكَسَّرًا نَحْوَ مَواعِيدُ عُرْقُوبٍ أخاهُ كانَ تَعَلُّقُ حَرْفِ الجَرِّ بِهِ أجْوَزَ. فَصَرِيحُ كَلامِهِ أنَّ التَّكْسِيرَ يُبْعِدُ ما هو بِمَعْنى الفِعْلِ عَنْ شِبْهِ الفِعْلِ.
صفحة ٧١٣
وخُولِفَ بَيْنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ زِيادَةٌ في التَّفَنُّنِ وإلّا فَإنَّ السّاجِدَ يُجْمَعُ عَلى سُجَّدٍ إلّا أنَّ الأكْثَرَ فِيهِما إذا اقْتَرَنا أنْ يُخالَفَ بَيْنَ صِيغَتَيْهِما قالَ كُثَيِّرٌ:
لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ كَلامَها ∗∗∗ خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُوداوَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنَ النَّحْوِ والصَّرْفِ أنَّ جَمْعَ فاعِلٍ عَلى فُعُولٍ سَماعِيٌّ فَمِنهُ شُهُودٌ وهُجُوعٌ وهُجُودٌ وسُجُودٌ.
ولَمْ يَعْطِفِ السُّجُودَ عَلى الرُّكَّعِ لِأنَّ الوَصْفَتَيْنِ مُتَلازِمانِ ولَوْ عَطَفَ لَتُوُهِّمَ أنَّهُما وصْفانِ مُفْتَرِقانِ.
2:126Page 19
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٢٦
And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allāh and the Last Day." [Allāh] said, "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
عَطْفٌ عَلى وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِإفائِدَةِ مَنقَبَةٍ ثالِثَةٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في اسْتِجابَةِ دَعَوْتِهِ بِفَضْلِ مَكَّةَ والنِّعْمَةِ عَلى ساكِنِيها إذا شَكَرُوا، وتَنْبِيهٌ ثالِثٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ لِيَتَذَكَّرُوا دَعْوَةَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ المُشْعِرَةِ بِحِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ حَتّى خَصَّ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِدَعْوَتِهِ المُؤْمِنِينَ فَيَعْرِضُ المُشْرِكُونَ أنْفُسَهم عَلى الحالِ الَّتِي سَألَها أبُوهم فَيَتَّضِحُ لَهم أنَّهم عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ، وفي ذَلِكَ بَعْثٌ لَهم عَلى الِاتِّصافِ بِذَلِكَ لِأنَّ لِلنّاسِ رَغْبَةً في الِاقْتِداءِ بِأسْلافِهِمْ وحَنِينًا إلى أحْوالِهِمْ، وفي ذَلِكَ كُلُّهُ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّ ما يُدْلُونَ بِهِ مِنَ النَّسَبِ لِإبْراهِيمَ ومِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ ومِن شَعائِرِ الحَجِّ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، كَما عَرَضَ بِالآياتِ قَبْلَ ذَلِكَ بِاليَهُودِ والنَّصارى وذَلِكَ في قَوْلِهِ هُنا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ المَنقَبَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”هَذا بَلَدًا“ مُرادٌ بِهِ المَوْضِعُ القائِمُ بِهِ إبْراهِيمُ حِينَ دُعائِهِ وهو المَكانُ الَّذِي جَعَلَ بِهِ امْرَأتَهُ وابْنَهُ وعَزَمَ عَلى بِناءِ الكَعْبَةِ فِيهِ إنْ كانَ الدُّعاءُ قَبْلَ البِناءِ، أوِ الَّذِي بُنِيَ فِيهِ الكَعْبَةُ إنْ كانَ الدُّعاءُ بَعْدَ البِناءِ، فَإنَّ الِاسْتِحْضارَ بِالذّاتِ مُغْنٍ عَنِ الإشارَةِ الحِسِّيَّةِ
صفحة ٧١٤
بِاليَدِ لِأنَّ تَمْيِيزَهُ عِنْدَ المُخاطَبِ مُغْنٍ عَنِ الإشارَةِ إلَيْهِ فَإطْلاقُ اسْمِ الإشارَةِ حِينَئِذٍ واضِحٌ.
وأصْلُ أسْماءِ الإشارَةِ أنْ يَسْتَغْنِيَ بِها عَنْ زِيادَةِ تَبْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ تَبْيِينًا لَفْظِيًّا لِأنَّ الإشارَةَ بَيانٌ، وقَدْ يَزِيدُونَ الإشارَةَ بَيانًا فَيَذْكُرُونَ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ اسْمًا يُعْرَبُ عَطْفَ بَيانٍ أوْ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ قُصِدَ اسْتِحْضارُهُ مِن بَعْضِ أوْصافِهِ كَقَوْلِكَ: هَذا الرَّجُلُ يَقُولُ كَذا، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ إنْ تَرَكْتَ الإشارَةَ بِاليَدِ اعْتِمادًا عَلى حُضُورِ المُرادِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ عَدَلَ هُنا عَنْ بَيانِ المُشارِ إلَيْهِ اكْتِفاءً عَنْهُ بِما هو واقِعٌ عِنْدِ الدُّعاءِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ دَعا دَعْوَتَهُ وهو في المَوْضِعِ الَّذِي بَنى فِيهِ الكَعْبَةَ لِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ تَفْصِيلَ حالَةِ الدُّعاءِ إنَّما هو بَيانُ اسْتِجابَةِ دُعائِهِ وفَضِيلَةِ مَحَلِّ الدَّعْوَةِ وجَعْلِ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا ورِزْقِ أهْلِهِ مِنَ الثَّمَراتِ، وتِلْكَ عادَةُ القُرْآنِ في الإعْراضِ عَمّا لا تَعَلُّقَ بِهِ بِالمَقْصُودِ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا جَعَلَ البَلَدَ مَفْعُولًا ثانِيًا اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ اسْمِ الإشارَةِ، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ لَمّا جَعَلَ ”آمِنًا“ مَفْعُولًا ثانِيًا بَيَّنَ اسْمَ الإشارَةِ بِلَفْظِ البَلَدِ، فَحَصَلَ مِنَ الآيَتَيْنِ أنَّ إبْراهِيمَ دَعا لِبَلَدٍ بِأنْ يَكُونَ آمِنًا.
والبَلَدُ المَكانُ المُتَّسِعُ مِنَ الأرْضِ المُتَحَيِّزِ عامِرًا أوْ غامِرًا، وهو أيْضًا الأرْضُ مُطْلَقًا، قالَ صَنّانٌ اليَشْكُرِيُّ:
لَكِنَّهُ حَوْضُ مَن أوْدى بِإخْوَتِهِ رَيْبُ المَنُونِ فَأضْحى بَيْضَةَ البَلَدِ يُرِيدُ بَيْضَةَ النَّعامِ في أُدْحِيِّ النَّعامِ أيْ مَحَلِّ بَيْضِهِ، ويُطْلَقُ البَلَدُ عَلى القَرْيَةِ المُكَوَّنَةِ مِن بُيُوتٍ عِدَّةٍ لِسُكْنى أهْلِها بِها وهو إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ هو أشْهَرُ مِن إطْلاقِ البَلَدِ عَلى الأرْضِ المُتَّسِعَةِ والظّاهِرُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ المَحْكِيَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ قَبْلَ أنْ تَتَقَرّى مَكَّةُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِها إلّا بَيْتُ إسْماعِيلَ أوْ بَيْتٌ أوْ بَيْتانِ آخَرانِ لِأنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ عِمارَتَهُ بِبِناءِ البَيْتِ مِن حَجَرٍ، ولِأنَّ إلْهامَ اللَّهِ إيّاهُ لِذَلِكَ لِإرادَتِهِ تَعالى مَصِيرَها مَهِيعَ الحَضارَةِ لِتِلْكَ الجِهَةِ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ المَكانَ كانَ مَأْهُولًا بِسُكّانٍ وقْتَ مَجِيءِ إبْراهِيمَ وامْرَأتِهِ وابْنِهِ، والعَرَبُ يَذْكُرُونَ أنَّهُ كانَ في تِلْكَ الجِهَةِ عَشائِرُ مِن جُرْهُمٍ وقُطُورا والعَمالِقَةِ والكَرْكَرِ في جِهاتِ أجْيادَ وعَرَفاتَ.
والآمِنُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أمِنَ ضِدُّ خافَ، وهو عِنْدَ الإطْلاقِ عَدَمُ الخَوْفِ مِن عَدْوٍ ومِن قِتالٍ، وذَلِكَ ما مَيَّزَ اللَّهُ مَكَّةَ بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ بِلادِ العَرَبِ، وقَدْ يُطْلَقُ الأمْنُ عَلى عَدَمِ الخَوْفِ مُطْلَقًا فَتَعَيَّنَ ذِكْرُ
صفحة ٧١٥
مُتَعَلِّقِهِ، وإنَّما يُوصَفُ بِالأمْنِ ما يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالخَوْفِ وهو ذُو الإدْراكِيَّةِ، فالإخْبارُ بِآمِنًا عَنِ البَلَدِ إمّا بِجَعْلِ وزْنِ فاعِلٍ هُنا لِلنِّسْبَةِ بِمَعْنى ذا أمْنٍ كَقَوْلِ النّابِغَةِ كَلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبٍأيْ ذِي نَصَبٍ، وإمّا عَلى إرادَةِ ”آمِنًا أهْلُهُ“ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِمُلابَسَةِ المَكانِ، ثُمَّ إنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ في وقْتِ دُعاءِ إبْراهِيمَ أرْضًا فِيها بَيْتٌ أوْ بَيْتانِ. فالتَّقْدِيرُ في الكَلامِ اجْعَلْ هَذا المَكانَ بَلَدًا آمِنًا أيْ قَرْيَةَ آمِنَةً فَيَكُونُ دُعاءً بِأنْ يَصِيرَ قَرْيَةً وأنْ تَكُونَ آمِنَةً.
وإنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ في وقْتِ دُعائِهِ قَرْيَةً بَنى أُناسٌ حَوْلَها ونَزَلُوا حَذْوَها وهو الأظْهَرُ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ هُنا وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ كانَ دُعاءً لِلْبَلَدِ بِحُصُولِ الأمْنِ لَهُ وأمّا حِكايَةُ دَعْوَتِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] فَتِلْكَ دَعْوَةٌ لَهُ بَعْدَ أنْ صارَ بَلَدًا.
ولَقَدْ كانَتْ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ مِن جَوامِعِ كَلِمِ النُّبُوءَةِ فَإنَّ أمْنَ البِلادِ والسُّبُلِ يَسْتَتْبِعُ جَمِيعَ خِصالِ سَعادَةِ الحَياةِ ويَقْتَضِي العَدْلَ والعِزَّةَ والرَّخاءَ إذْ لا أمْنَ بِدُونِها، وهو يَسْتَتْبِعُ التَّعْمِيرَ والإقْبالَ عَلى ما يَنْفَعُ والثَّرْوَةَ فَلا يَخْتَلُّ الأمْنُ إلّا إذا اخْتَلَتِ الثَّلاثَةُ: الأُوَلُ وإذا اخْتَلَّ اخْتَلَّتِ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ تَيْسِيرَ الإقامَةِ فِيهِ عَلى سُكّانِهِ لِتَوْطِيدِ وسائِلِ ما أرادَهُ لِذَلِكَ البَلَدِ مِن كَوْنِهِ مَنبَعَ الإسْلامِ.
والثَّمَراتُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ وهي ما تَحْمِلُ بِهِ الشَّجَرَةُ وتُنْتِجُهُ مِمّا فِيهِ غِذاءٌ لِلْإنْسانِ أوْ فاكِهَةٌ لَهُ، وكَأنَّ اسْمَهُ مُنْتَسِبٌ مِنِ اسْمِ الثَّمَرِ بِالمُثَنّاةِ فَإنَّ أهْلَ الحِجازِ يُرِيدُونَ بِالثَّمَرِ بِالمُثَلَّثَةِ التَّمْرَ الرَّطْبَ وبِالمُثَنّاةِ التَّمْرَ اليابِسَ.
ولِلثَّمَرَةِ جُمُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ وهي ثَمَرٌ بِالتَّحْرِيكِ وثِمارٌ، وثُمُرٌ، بِضَمَّتَيْنِ، وأثْمارٌ، وأثامِيرُ، قالُوا ولا نَظِيرَ لَهُ في ذَلِكَ إلّا أكَمَةً جُمِعَتْ عَلى أكَمٍ وإكامٍ وأُكُمٍ وآكامٍ وأكامِيمِ.
والتَّعْرِيفُ في الثَّمَراتِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ أيْ مِن جَمِيعِ الثَّمَراتِ المَعْرُوفَةِ لِلنّاسِ ودَلِيلُ كَوْنِهِ تَعْرِيفَ الِاسْتِغْراقِ مَجِيءُ ”مِن“ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، وفي هَذا دُعاءٌ لَهم بِالرَّفاهِيَةِ حَتّى لا تَطْمَحَ نُفُوسُهم لِلِارْتِحالِ عَنْهُ.
وقَوْلُهُ ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ بَدَلُ بَعْضٍ مِن قَوْلِهِ ”أهْلَهُ“ يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ لِأنَّ أهْلَهُ عامٌّ إذْ هو اسْمُ جَمْعٍ مُضافٍ وبَدَلُ البَعْضِ مُخَصَّصٌ.
صفحة ٧١٦
وخَصَّ إبْراهِيمُ المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ لَهم حِرْصًا عَلى شُيُوعِ الإيمانِ لِساكِنِيهِ لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ خَصَّتِ المُؤْمِنِينَ تَجَنَّبُوا ما يَحِيدُ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَجَعَلَ تَيْسِيرَ الرِّزْقِ لَهم عَلى شَرْطِ إيمانِهِمْ باعِثًا لَهم عَلى الإيمانِ، أوْ أرادَ التَّأدُّبَ مَعَ اللَّهِ تَعالى فَسَألَهُ سُؤالًا أقْرَبَ إلى الإجابَةِ ولَعَلَّهُ اسْتَشْعَرَ مِن رَدِّ اللَّهِ عَلَيْهِ عُمُومَ دُعائِهِ السّابِقِ إذْ قالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي فَقالَ لا يَنالُ عَهْدِيَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا أهْلًا لِإجْراءِ رِزْقِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وقَدْ أعْقَبَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ ومَقْصِدُ إبْراهِيمَ مِن دَعْوَتِهِ هَذِهِ أنْ تَتَوَفَّرَ لِأهْلِ مَكَّةَ أسْبابُ الإقامَةِ فِيها فَلا تَضْطَرُّهُمُ الحاجَةُ إلى سُكْنى بَلَدٍ آخَرَ لِأنَّهُ رَجا أنْ يَكُونُوا دُعاةً لِما بُنِيَتِ الكَعْبَةُ لِأجْلِهِ مِن إقامَةِ التَّوْحِيدِ وخِصالِ الحَنِيفِيَّةِ وهي خِصالُ الكَمالِ، وهَذا أوَّلُ مَظاهِرِ تَكْوِينِ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ الَّتِي دَعا أفْلاطُونُ لِإيجادِها بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ قَرْنًا.
وجُمْلَةُ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ جاءَتْ عَلى سُنَنِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ والأجْوِبَةِ مَفْصُولَةً، وضَمِيرُ قالَ عائِدٌ إلى اللَّهِ، فَمَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قالَ لِإبْراهِيمَ وأنَّ إعادَةَ القَوْلِ لِطُولِ المَقُولِ الأوَّلِ فَقَدْ غَفَلَ عَنِ المَعْنى وعَنِ الِاسْتِعْمالِ وعَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”فَأُمَتِّعُهُ“ .
وقَوْلُهُ ”﴿ومَن كَفَرَ﴾“ الأظْهَرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿وارْزُقْ أهْلَهُ﴾“ بِاعْتِبارِ القَيْدِ وهو قَوْلُهُ ”﴿مَن آمَنَ﴾“ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ”﴿ومَن كَفَرَ﴾“ مُبْتَدَأً وضُمِّنَ المَوْصُولُ مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ قُرِنَ الخَبَرُ بِالفاءِ عَلى طَرِيقَةٍ شائِعَةٍ في مِثْلِهِ، لِما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ ”﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]“ أنَّ عَطْفَ التَّلْقِينِ في الإنْشاءِ إذا كانَ صادِرًا مِنَ الَّذِي خُوطِبَ بِالإنْشاءِ كانَ دَلِيلًا عَلى حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ الإنْشاءِ والزِّيادَةِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ آلَ المَعْنى هُنا إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ فَضْلَهُ عَلى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ يَرْزُقُ ذُرِّيَّتَهُ مُؤْمِنَهم وكافِرَهم، أوْ أظْهَرَ سِعَةَ رَحْمَتِهِ بِرِزْقِ سُكّانِ مَكَّةَ كُلِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ. ومَعْنى ”أُمَتِّعُهُ“ أجْعَلُ الرِّزْقَ لَهُ مَتاعًا، و”قَلِيلًا“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَأُمَتِّعُهُ“ والمَتاعُ القَلِيلُ مَتاعُ الدُّنْيا كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِقَوْلِ الباقِلّانِيِّ والماتُرِيدِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ الكُفّارَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِ الدُّنْيا، وقالَ الأشْعَرِيُّ لَمْ يُنْعَمْ عَلى الكافِرِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وإنَّما أعْطاهُمُ اللَّهُ في
صفحة ٧١٧
الدُّنْيا مَلاذَ عَلى وجْهِ الِاسْتِدْراجِ، والمَسْألَةُ مَعْدُودَةٌ في مَسائِلِ الخِلافِ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخِلافُ بَيْنَهُما لَفْظِيًّا وإنْ عَدَّهُ السُّبْكِيُّ في عِدادِ الخِلافِ المَعْنَوِيِّ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ احْتِراسٌ مِن أنْ يَغْتَرَّ الكافِرُ بِأنَّ تَخْوِيلَهُ النِّعَمَ في الدُّنْيا يُؤْذِنُ بِرِضى اللَّهِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ العَذابَ هُنا.
(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى كَوْنِ مَصِيرِهِ إلى العَذابِ مُتَأخِّرًا عَنْ تَمْتِيعِهِ بِالمَتاعِ القَلِيلِ.
والِاضْطِرارُ في الأصْلِ الِالتِجاءُ وهو بِوَزْنِ افْتَعَلَ مُطاوِعُ أضَرَّهُ إذا صَيَّرَهُ ذا ضَرُورَةٍ أيْ حاجَةٍ، فالأصْلُ أنْ يَكُونَ اضْطُرَّ قاصِرًا لِأنَّ أصْلَ المُطاوَعَةِ عَدَمُ التَّعَدِّي ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ جاءَ عَلى تَعْدِيَتِهِ إلى مَفْعُولٍ وهو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ غَيْرُ جارٍ عَلى قِياسٍ يُقالُ اضْطَرَّهُ إلى كَذا أيْ ألْجَأهُ إلَيْهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ لُقْمانَ ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] وقَوْلُهُ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ والواوُ لِلِاعْتِراضِ أوْ لِلْحالِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ وتَقْدِيرُهُ هي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences