Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:127–131

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:127–131

2:127Page 20

وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed, You are the Hearing,1 the Knowing.2

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

هَذِهِ مَنقَبَةٌ ثالِثَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَذْكِيرٌ بِشَرَفِ الكَعْبَةِ، ووَسِيلَةٌ ثالِثَةٌ إلى التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة: ١٢٨] إلَخْ، وتَمْهِيدٌ لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ إنْكارَهُمُ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ الَّذِي يَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ولِأجْلِ اسْتِقْلالِها بِهاتِهِ المَقاصِدِ الثَّلاثَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآياتُ قَبْلَها عُطِفَتْ عَلى سَوابِقِها مَعَ الِاقْتِرانِ بِإذْ تَنْبِيهًا عَلى الِاسْتِقْلالِ.

وخُولِفَ الأُسْلُوبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ في حِكايَةِ الماضِي أنْ يَكُونَ بِالفِعْلِ الماضِي بِأنْ يَقُولَ وإذْ رَفَعَ إلى كَوْنِهِ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.

صفحة ٧١٨

وحِكايَتُها كَأنَّها مُشاهَدَةٌ لِأنَّ المُضارِعَ دالٌّ عَلى زَمَنِ الحالِ فاسْتِعْمالُهُ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ الماضِي بِالحالِ لِشُهْرَتِهِ ولِتَكَرُّرِ الحَدِيثِ عَنْهُ بَيْنَهم فَإنَّهم لِحُبِّهِمْ إبْراهِيمَ وإجْلالِهِمْ إيّاهُ لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ مَناقِبَهُ وأعْظَمَها بِناءُ الكَعْبَةِ فَشَبَّهَ الماضِي لِذَلِكَ بِالحالِ ولِأنَّ ما مَضى مِنَ الآياتِ في ذِكْرِ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] إلى هُنا مِمّا يُوجِبُ امْتِلاءَ أذْهانِ السّامِعِينَ بِإبْراهِيمَ وشُئُونِهِ حَتّى كَأنَّهُ حاضِرٌ بَيْنَهم وكَأنَّ أحْوالَهُ حاضِرَةٌ مُشاهَدَةٌ، وكَلِمَةُ إذْ قَرِينَةٌ عَلى هَذا التَّنْزِيلِ لِأنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ أنْ يَكُونَ لِلزَّمَنِ الماضِي وهَذا مَعْنى قَوْلِ النُّحاةِ أنَّ إذْ تَخْلُصُ المُضارِعَ إلى الماضِي. والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي أساسُ البِناءِ المُوالِي لِلْأرْضِ الَّذِي بِهِ ثَباتُ البِناءِ، أُطْلِقَ عَلَيْها هَذا اللَّفْظُ لِأنَّها أشْبَهَتِ القاعِدَ في اللُّصُوقِ بِالأرْضِ فَأصْلُ تَسْمِيَةِ القاعِدَةِ مَجازٌ عَنِ اللُّصُوقِ بِالأرْضِ ثُمَّ عَنْ إرادَةِ الثَّباتِ في الأرْضِ وهاءُ التَّأْنِيثِ فِيها لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ هاءِ عَلامَةٍ. ورَفْعُ القَواعِدِ إبْرازُها مِنَ الأرْضِ والِاعْتِلاءُ بِها لِتَصِيرَ جِدارًا لِأنَّ البِناءَ يَتَّصِلُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ويَصِيرُ كالشَّيْءِ الواحِدِ فالجِدارُ إذا اتَّصَلَ بِالأساسِ صارَ الأساسُ مُرْتَفِعًا، ويَجُوزُ جَعْلُ القَواعِدِ بِمَعْنى جُدْرانِ البَيْتِ كَما سَمَّوْها بِالأرْكانِ ورَفَعُها إطالَتُها، وقَدْ جَعَلَ ارْتِفاعَ جُدْرانِ البَيْتِ تِسْعَةَ أذْرُعٍ.

ويَجُوزُ أنْ يُفادَ مِنَ اخْتِيارِ مادَّةِ الرَّفْعِ دُونَ مادَّةِ الإطالَةِ ونَحْوَها مَعْنى التَّشْرِيفِ، وفي إثْباتِ ذَلِكَ لِلْقَواعِدِ كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِهِ لِلْبَيْتِ، وفي إسْنادِ الرَّفْعِ بِهَذا المَعْنى إلى إبْراهِيمَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ إبْراهِيمَ سَبَبُ الرَّفْعِ المَذْكُورِ أيْ بِدُعائِهِ المُقارِنِ لَهُ.

وعَطْفُ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ تَنْوِيهٌ بِهِ إذْ كانَ مُعاوِنَهُ ومُناوِلَهُ.

ولِلْإشارَةِ إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ عَمَلِ إبْراهِيمَ وعَمَلِ إسْماعِيلَ أُوقِعَ العَطْفُ عَلى الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِ المَفْعُولِ والمُتَعَلِّقاتِ، وهَذا مِن خُصُوصِيّاتِ العَرَبِيَّةِ في أُسْلُوبِ العَطْفِ فِيما ظَهَرَ لِي ولا يَحْضُرُنِي الآنَ مِثْلَهُ في كَلامِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّكَ إذا أرَدْتَ أنْ تَدُلَّ عَلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الفاعِلِينَ في صُدُورِ الفِعْلِ تَجْعَلُ عَطْفَ أحَدِهِما بَعْدَ انْتِهاءِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفاعِلِ الأوَّلِ، وإذا أرَدْتَ أنْ تَجْعَلَ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ سَواءً في صُدُورِ الفِعْلِ تَجْعَلُ المَعْطُوفَ مُوالِيًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وإسْماعِيلُ اسْمُ الِابْنِ البِكْرِ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ولَدُهُ مِن جارِيَتِهِ هاجَرَ القِبْطِيَّةِ

صفحة ٧١٩

وُلِدَ في أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ بَيْنَ قادِشَ وبارِدَ سَنَةَ ١٩١٠ عَشْرٍ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، ومَعْنى إسْماعِيلَ بِالعِبْرِيَّةِ سَمِعَ اللَّهُ أيْ إجابَةُ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دُعاءَ أُمِّهِ هاجَرَ إذْ خَرَجَتْ حامِلًا بِإسْماعِيلَ مُفارِقَةً المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ سارَّةُ مَوْلاتُها حِينَ حَدَثَ لِسارَّةَ مِنَ الغَيْرَةِ مِن هاجَرَ لَمّا حَمَلَتْ هاجَرُ ولَمْ يَكُنْ لِسارَّةَ أبْناءٌ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ هو مُعَرَّبٌ عَنْ يَشْمَعِيلَ بِالعِبْرانِيَّةِ ومَعْناهُ الَّذِي يَسْمَعُ لَهُ اللَّهُ، ولَمّا كَبِرَ إسْماعِيلُ رَأى إبْراهِيمُ رُؤْيا وحْيٍ أنْ يَذْبَحَهُ فَعَزَمَ عَلى ذَبْحِهِ فَفَداهُ اللَّهُ، وإسْماعِيلُ يَوْمَئِذٍ الِابْنُ الوَحِيدُ لِإبْراهِيمَ قَبْلَ وِلادَةِ إسْحاقَ، وكانَ إسْماعِيلُ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، وتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ١٧٧٣ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ تَقْرِيبًا، ودُفِنَ بِالحَجَرِ الَّذِي حَوْلَ الكَعْبَةِ.

وجُمْلَةُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حالًا مِن يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وهَذا القَوْلُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ الَّذِي يُناسِبُهُ الدُّعاءُ لِذَرِّيَّتِهِ لِأنَّ إسْماعِيلَ كانَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا.

والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ القَوْلِ إلى نُطْقِ المُتَكَلِّمِ بِما قالَهُ المَحْكِيُّ عَنْهُ هو ضَرْبٌ مِنِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ قَدْ مَهَّدَ لَهُ الإخْبارُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”وإذْ يَرْفَعُ“ حَتّى كَأنَّ المُتَكَلِّمَ هو صاحِبُ القَوْلِ وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيغالِ.

وجُمْلَةُ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ التَّقَبُّلِ مِنهُما، وتَعْرِيفُ جُزْءَيْ هَذِهِ الجُمْلَةِ والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرَيْنِ لِلْمُبالِغَةِ في كَمالِ الوَصْفَيْنِ لَهُ تَعالى بِتَنْزِيلِ سَمْعِ غَيْرِهِ وعِلْمِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقٍ خاصٍّ أيِ السَّمِيعُ العَلِيمُ لِدُعائِنا لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مُقَيَّدٌ وهو نَوْعٌ مُغايِرٌ لِلْقَصْرِ الإضافِيِّ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ عُلَماءُ المَعانِي.

2:128Page 20

رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.

﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

فائِدَةُ تَكْرِيرِ النِّداءِ بِقَوْلِهِ ”رَبَّنا“ إظْهارُ الضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وإظْهارُ أنَّ كُلَّ دَعْوى مِن هاتِهِ الدَّعَواتِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرِ النِّداءَ إلّا عِنْدَ الِانْتِقالِ مِن دَعْوَةٍ إلى أُخْرى

صفحة ٧٢٠

فَإنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى لِطَلَبِ تَقَبُّلِ العَمَلِ والثّانِيَةَ لِطَلَبِ الِاهْتِداءِ، فَجُمْلَةُ النِّداءِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ هُنا والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] رَسُولًا والمُرادُ ”بِمُسْلِمَيْنِ لَكَ“ المُنْقادانِ إلى اللَّهِ تَعالى إذِ الإسْلامُ الِانْقِيادُ، ولَمّا كانَ الِانْقِيادُ لِلْخالِقِ بِحَقٍّ يَشْمَلُ الإيمانَ بِوُجُودِهِ وأنْ لا يُشْرِكَ في عِبادَتِهِ غَيْرَهُ ومَعْرِفَةَ صِفاتِهِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها فِعْلُهُ كانَتْ حَقِيقَةُ الإسْلامِ مُلازِمَةً لِحَقِيقَةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، ووَجْهُ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ إسْلامًا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإنَّهُ فَكَّكَ بَيْنَهُما لِأنَّ إسْلامَهم كانَ عَنْ خَوْفٍ لا عَنِ اعْتِقادٍ، فالإيمانُ والإسْلامُ مُتَغايِرانِ مَفْهُومًا وبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ في الماصَدَقَ، فالتَّوْحِيدُ في زَمَنِ الفَتْرَةِ إيمانٌ لا يُتَرَقَّبُ مِنهُ انْقِيادٌ إذِ الِانْقِيادُ إنَّما يَحْصُلُ بِالأعْمالِ، وانْقِيادُ المَغْلُوبِ المُكْرَهِ إسْلامٌ لَمْ يَنْشَأْ عَنِ اعْتِقادِ إيمانٍ، إلّا أنَّ صُورَتَيِ الِانْفِرادِ في الإيمانِ والإسْلامِ نادِرَتانِ.

ألْهَمَ اللَّهُ إبْراهِيمَ اسْمَ الإسْلامِ ثُمَّ ادَّخَرَهُ بَعْدَهُ لِلدِّينِ المُحَمَّدِيِّ فَنُسِيَ هَذا الِاسْمُ بَعْدَ إبْراهِيمَ ولَمْ يُلَقَّبْ بِهِ دِينٌ آخَرُ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ المُحَمَّدِيُّ إتْمامًا لِلْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ وسَيَجِيءُ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ومَعْنى طَلَبِ أنْ يَجْعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ هو طَلَبُ الزِّيادَةِ في ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ وطَلَبِ الدَّوامِ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُما مُسْلِمَيْنِ مِن قَبْلُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (مِن ذُرِّيَّتِنا) و(مُسْلِمَةً) مَعْمُولَيْنِ لِفِعْلِ ”اجْعَلْنا“ بِطَرِيقِ العَطْفِ، وهَذا دُعاءٌ بِبَقاءِ دِينِهِما في ذُرِّيَّتِهِما، و”مِن“ في قَوْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِنا لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما سَألا ذَلِكَ لِبَعْضِ الذُّرِّيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الحِرْصِ عَلى حُصُولِ الفَضِيلَةِ لِلذُرِّيَّةِ وبَيْنَ الأدَبِ في الدُّعاءِ لِأنَّ نُبُوءَةَ إبْراهِيمَ تَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأنَّهُ سَتَكُونُ ذُرِّيَّتُهُ أُمَمًا كَثِيرَةً وأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ في هَذا العالَمِ جَرَتْ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُو مِنِ اشْتِمالِهِ عَلى الأخْيارِ والأشْرارِ فَدَعا اللَّهَ بِالمُمْكِنِ عادَةً وهَذا مِن أدَبِ الدُّعاءِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]

ومِن هُنا ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ واتَّبَعُوا الشِّرْكَ، والتَّمْهِيدُ لِشَرَفِ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ.

صفحة ٧٢١

والأُمَّةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ والمُرادُ مِنها هُنا الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَجْمَعُها جامِعٌ لَهُ بالٌ مِن نَسَبٍ أوْ دِينٍ أوْ زَمانٍ، ويُقالُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ مَثَلًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلى الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهي بِزِنَةِ فِعْلَةٍ وهَذِهِ الزِّنَةُ تَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ لَقْطَةٍ وضِحْكَةٍ وقُدْوَةٍ، فالأُمَّةُ بِمَعْنى مَأْمُومَةٍ اشْتُقَّتْ مِنَ الأمِّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو القَصْدُ، لِأنَّ الأُمَّةَ تَقْصِدُها الفِرَقُ العَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُها جامِعَةُ الأُمَّةِ كُلِّها، مِثْلُ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْها قَبائِلُ العَرَبِ، والأُمَّةُ الإسْلامِيَّةُ لِأنَّها تَرْجِعُ إلَيْها المَذاهِبُ الإسْلامِيَّةُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] فَهو في مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أيْ كَأُمَمٍ إذا تَدَبَّرْتُمْ في حِكْمَةِ إتْقانِ خَلْقِهِمْ ونِظامِ أحْوالِهِمْ وجَدْتُمُوهُ كَأُمَمٍ أمْثالِكم لِأنَّ هَذا الِاعْتِبارَ كانَ النّاسُ في غَفْلَةٍ عَنْهُ.

وقَدِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ في المُسْلِمِينَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ تَلاحَقُوا بِالإسْلامِ قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها حَتّى أسْلَمَ كُلُّ العَرَبِ إلّا قَبائِلَ قَلِيلَةً لا تَنْخَرِمُ بِهِمْ جامِعَةُ الأُمَّةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وأمّا مَن أسْلَمُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فَلَمْ يَلْتَئِمْ مِنهم عَدَدُ أُمَّةٍ.

وقَوْلُهُ ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ سُؤالٌ لِإرْشادِهِمْ لِكَيْفِيَّةِ الحَجِّ الَّذِي أُمِرا بِهِ مِن قَبْلُ أمْرًا مُجْمَلًا، فَفِعْلُ أرِنا هو مِن رَأى العِرْفانِيَّةِ وهو اسْتِعْمالٌ ثابِتٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ كَما جَزَمَ بِهِ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ والزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ وتَعَدَّتْ بِالهَمْزِ إلى مَفْعُولَيْنِ.

وحَقُّ رَأى أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّ أصْلَهُ هو الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في العِلْمِ بِجَعْلِ العِلْمِ اليَقِينِيِّ شَبِيهًا بِرُؤْيَةِ البَصَرِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ هَمْزُ التَّعْدِيَةِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وأمّا تَعْدِيَةُ أرى إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ فَهو خِلافُ الأصْلِ وهو اسْتِعْمالٌ خاصٌّ وذَلِكَ إذا أرادَ المُتَكَلِّمُ الإخْبارَ عَنْ مَعْرِفَةِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ ذاتٍ فَيَذْكُرُ اسْمَ الذّاتِ أوَّلًا ويَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ مُرادَهُ فَيُكْمِلُهُ بِذِكْرِ حالٍ لازِمَةٍ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ فَيَقُولُ رَأيْتُ الهِلالَ طالِعًا مَثَلًا ثُمَّ يَقُولُ أرانِي فُلانٌ الهِلالَ طالِعًا، وكَذَلِكَ فِعْلُ عَلِمَ وأخَواتِهِ مِن بابِ ظَنَّ كُلِّهِ ومِثْلُهُ بابُ كانَ وأخَواتِها، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ عَدَلْتَ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي في بابِ ظَنَّ أوْ عَنِ الخَبَرِ في بابِ كانَ إلى الإتْيانِ بِمَصْدَرٍ في مَوْضِعِ الِاسْمِ في أفْعالِ هَذَيْنِ البابَيْنِ لاسْتَغْنَيْتَ عَنِ الخَبَرِ والمَفْعُولِ الثّانِي فَتَقُولُ

صفحة ٧٢٢

كانَ حُضُورُ فُلانٍ أيْ حَصَلَ وعَلِمْتُ مَجِيءَ صاحِبِكَ وظَنَنْتُ طُلُوعَ الشَّمْسِ وقَدْ رُوِيَ قَوْلُ الفِنْدِ الزِّمّانِيِّ:

عَسى أنْ يُرْجِعَ الأيّا مُ قَوْمًا كالَّذِي كانُوا وقالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ: ∗∗∗ أرِينِي جَوادًا ماتَ هُزْلًا لَعَلَّنِيأرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا فَإنَّ جُمْلَةَ ”ماتَ هُزْلًا“ لَيْسَتْ خَبَرًا عَنْ ”جَوادًا“ إذِ المُبْتَدَأُ لا يَكُونُ نَكِرَةً، وبِهَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ الصَّوابَ أنْ يُعَدَّ الخَبَرُ في بابِ كانَ والمَفْعُولِ الثّانِي في بابِ ظَنَّ أحْوالًا لازِمَةً لِتَمامِ الفائِدَةِ وأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الخَبَرِ أوِ المَفْعُولِ عَلى ذَلِكَ المَنصُوبِ تَسامُحٌ وعِبارَةٌ قَدِيمَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (وأرْنا) بِسُكُونِ الرّاءِ لِلتَّخْفِيفِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِاخْتِلاسِ كَسْرَةِ الرّاءِ تَخْفِيفًا أيْضًا، وجُمْلَةُ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ تَعْلِيلٌ لِجُمَلِ الدُّعاءِ.

والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ وهو اسْمُ مَكانٍ مِن نَسَكَ نَسْكًا مِن بابِ نَصَرَ أيْ تَعَبَّدَ أوْ مِن نَسُكَ بِضَمِّ السِّينِ نَساكَةً بِمَعْنى ذَبَحَ تَقَرُّبًا، والأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ طَلَبُ التَّوْفِيقِ لَهُ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]

2:129Page 20

رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

كُرِّرَ النِّداءُ لِأنَّهُ عَطْفُ غَرَضٍ آخَرَ في هَذا الدُّعاءِ وهو غَرَضُ الدُّعاءِ بِمَجِيءِ الرِّسالَةِ في ذُرِّيَّتِهِ لِتَشْرِيفِهِمْ وحِرْصًا عَلى تَمامِ هَدْيِهِمْ.

وإنَّما قالَ ”فِيهِمْ“ ولَمْ يَقُلْ ”لَهم“ لِتَكُونَ الدَّعْوَةُ بِمَجِيءِ رَسُولٍ بِرِسالَةٍ عامَّةٍ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ الرَّسُولُ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ، ولِذَلِكَ حَذَفَ مُتَعَلِّقَ رَسُولًا لِيَعُمَّ، فالنِّداءُ في قَوْلِهِ رَبَّنا وابْعَثِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمَلِ الدَّعَواتِ المُتَعاطِفَةِ، ومَظْهَرُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهُ الرَّسُولُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ كِلَيْهِما، وأمّا غَيْرُهُ مِن رُسُلِ غَيْرِ العَرَبِ فَلَيْسُوا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وشُعَيْبٌ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، وهُودٌ وصالِحٌ هُما مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ فَلَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ ولا مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ.

صفحة ٧٢٣

وجاءَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ ١٧ مِنَ التَّكْوِينِ ظَهَرَ الرَّبُّ لِإبْرامَ أيْ إبْراهِيمَ وقالَ لَهُ أنا اللَّهُ القَدِيرُ سِرْ أمامِي وكُنْ كامِلًا فَأجْعَلُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ وأُكَثِّرُكَ كَثِيرًا جِدًّا وفي فِقْرَةِ ٢٠ وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ ها أنا أُبارِكُهُ وأُثَمِّرُهُ وأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. وذَكَرَ عَبْدُ الحَقِّ الإسْلامِيُّ السَّبْتِيُّ الَّذِي كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ هو وأوْلادُهُ وأهْلُهُ في سَبْتَةَ وكانَ مَوْجُودًا بِها سَنَةَ ٧٣٦ سِتٍّ وثَلاثِينَ وسَبْعِمِائَةٍ في كِتابٍ لَهُ سَمّاهُ الحُسامُ المَحْدُودُ في الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ: أنَّ كَلِمَةَ ”كَثِيرًا جِدًّا“ أصْلُها في النَّصِّ العِبْرانِيِّ ”مادا مادا“ وأنَّها رَمْزٌ في التَّوْراةِ لِاسْمِ مُحَمَّدٍ بِحِسابِ الجُمَّلِ لِأنَّ عَدَدَ حُرُوفِ ”مادا مادا“ بِحِسابِ الجُمَّلِ عِنْدَ اليَهُودِ تَجْمَعُ عَدَدَ اثْنَيْنِ وتِسْعِينَ وهو عَدَدُ حُرُوفِ مُحَمَّدٍ. اهـ. وتَبِعَهُ عَلى هَذا البَقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ.

ومَعْنى ”يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ“ يَقْرَؤُها عَلَيْهِمْ قِراءَةَ تَذْكِيرٍ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بِكِتابٍ فِيهِ شَرْعٌ.

فالآياتُ جَمْعُ آيَةٍ وهي الجُمْلَةُ مِن جُمَلِ القُرْآنِ، سُمِّيَتْ آيَةً لِدَلالَتِها عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِمَجْمُوعِ ما فِيها مِن دَلالَةِ صُدُورِ مِثْلِها مِن أُمِّيٍ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وما نُسِجَتْ عَلَيْهِ مِن نَظْمٍ أعْجَزَ النّاسَ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وكَمالِ صِفاتِهِ دَلالَةً لَمْ تَتْرُكْ مَسْلَكًا لِلضَّلالِ في عَقائِدِ الأُمَّةِ بِحَيْثُ أمِنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الإشْراكِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حِجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا» . وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ”يَتْلُو“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الكِتابَ تَتَكَرَّرُ تِلاوَتُهُ.

”والحِكْمَةَ“ العِلْمُ بِاللَّهِ ودَقائِقِ شَرائِعِهِ وهي مَعانِي الكِتابِ وتَفْصِيلُ مَقاصِدِهِ، وعَنْ مالِكٍ: الحِكْمَةُ مَعْرِفَةُ الفِقْهِ والدِّينِ والِاتِّباعِ لِذَلِكَ، وعَنِ الشّافِعِيِّ الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكِلاهُما ناظِرٌ إلى أنَّ عَطْفَ الحِكْمَةِ عَلى الكِتابِ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنَ المُغايَرَةِ بِزِيادَةِ مَعْنًى وسَيَجِيءُ تَفْصِيلُ مَعْنى الحِكْمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في هَذِهِ السُّورَةِ. والتَّزْكِيَةُ التَّطْهِيرُ مِنَ النَّقائِصِ وأكْبَرُ النَّقائِصِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ مُتابَعَةِ القُرْآنِ وأبَوْا إلّا البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ.

وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الذِّكْرِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ وجُودِها لِأنَّ أوَّلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ تِلاوَةُ القُرْآنِ ثُمَّ يَكُونُ تَعْلِيمُ مَعانِيهِ قالَ تَعالى فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ثُمَّ العِلْمُ تَحْصُلُ بِهِ التَّزْكِيَةُ وهي في العَمَلِ بِإرْشادِ القُرْآنِ.

صفحة ٧٢٤

وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيبِ الإجابَةِ أيْ لِأنَّكَ لا يَغْلِبُكَ أمْرٌ عَظِيمٌ ولا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِكَ وحِكْمَتِكَ شَيْءٌ والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكِمِ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] وقَوْلُهُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]

2:130–131Page 20

وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١

When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."

﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ . ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

مُوقِعُ هاتِهِ الآياتِ مِن سَوابِقِها مُوقِعُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَضائِلَ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِهِ وإذِ ابْتَلى إلى هَنا عَلِمَ أنَّ صاحِبَ هاتِهِ الفَضائِلِ لا يَعْدِلُ عَنْ دِينِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ إلّا سَفِيهُ العَقْلِ أفِنَ الرَّأْيِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى سَوابِقِها بِالفاءِ وإنَّما عَدَلَ مِنَ الفاءِ إلى الواوِ لِيَكُونَ مَدْلُولُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ في تَكْمِيلِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وفي أنَّ هَذا الحُكْمَ حَقِيقٌ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا مِن خُصُوصِ ما حَكى عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ وفي التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ حادُوا عَنِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ مُتَضَمِّنًا لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، والدَّلالَةُ عَنِ التَّفْرِيعِ لا تَفُوتُ لِأنَّ وُقُوعَ الجُمْلَةِ بَعْدَ سَوابِقِها مُتَضَمِّنَةٌ هَذا المَعْنى دَلِيلٌ عَلى أنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَقَدَّمَ كَما تَقُولُ أحْسَنَ فُلانٌ تَدْبِيرَ المُهِمِّ وهو رَجُلٌ حَكِيمٌ ولا تَحْتاجُ إلى أنْ تَقُولَ فَهو رَجُلٌ حَكِيمٌ.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، واسْتِعْمالُهُ في الإنْكارِ قَدْ يَكُونُ مَعَ جَوازِ إرادَةِ قَصْدِ الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ كِنايَةً، وقَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ جَوازِ إرادَةِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ مَجازًا في الإنْكارِ ويَكُونُ مَعْناهُ مَعْنى النَّفْيِ، والأظْهَرُ أنَّهُ هُنا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ فَإنَّ الإعْراضَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ العِلْمِ بِفَضْلِها ووُضُوحِها أمْرٌ مُنْكَرٌ مُسْتَبْعَدٌ.

ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنْكِرِ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَسْألَ عَنْ فاعِلِهِ اسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهامُ في مَلْزُومِهِ وهو الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ هَذا المَعْرَضِ لَكانَ السُّؤالُ وجِيهًا، والِاسْتِثْناءُ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ النَّفْيِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ كِنائِيَّيْنِ، أوْ تَرْشِيحٌ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ وهُما الإنْكارُ.

والِاسْتِفْهامُ لا يَجِيءُ فِيهِ ما قالُوا في اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ واسْتِعْمالِ اللَّفْظِ

صفحة ٧٢٥

فِي حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَجازَيْهِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ بِطَرِيقِ العَقْلِ بِخِلافِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَوْضُوعِ لَهُما الحَقِيقِيُّ وعَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ إذِ الَّذِينَ رَأوْا ذَلِكَ مَنَعُوا بِعِلَّةِ أنَّ قَصْدَ الدَّلالَةِ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى الآخَرِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ فَإذا دَلَّ عَلى مَعْنى تَمَّتْ دَلالَتُهُ وأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ المَجازِيَّيْنِ دَلالَةٌ بِاللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَتَقْضِي أنَّهُ نُقِلَ مِن مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ إلى مَدْلُولٍ مَجازِيٍّ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الدَّلالَةِ بِهِ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ لَفْظٌ واحِدٌ، وقَدْ أبْطَلْنا ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، أمّا المَعْنى الكِنائِيِّ فالدَّلالَةُ عَلَيْهِ عَقْلِيَّةٌ سَواءٌ بَقِيَ اللَّفْظُ دالًّا عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أمْ تَعَطَّلَتْ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اسْتِعْمالَ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الإنْكارِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما تَكَرَّرَ في كُلِّ كِنايَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيها المَعْنى الأصْلِيُّ وهو أظْهَرُ لِأنَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَقالَ النُّحاةُ: الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ نَفْيٌ ولِذا يَجِيءُ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّفْيِ ولَكِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ ذَلِكَ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ المُنْكَرِ بِأنْ يَكُونَ مَعْدُومًا ولِهَذا فالِاسْتِثْناءُ هُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن كَلامٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ كَأنَّ مُجِيبًا أجابَ السّائِلَ بِقَوْلِهِ لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.

والرَّغْبَةُ طَلَبُ أمْرٍ مَحْبُوبٍ: فَحَقُّ فِعْلِها أنْ يَتَعَدّى بِفي وقَدْ يُعَدّى بِعْنَ إذا ضُمِّنَ مَعْنى العُدُولِ عَنْ أمْرٍ وكَثُرَ هَذا التَّضْمِينُ في الكَلامِ حَتّى صارَ مَنسِيًّا، والمِلَّةُ الدِّينُ وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] و”سَفِهَ“ بِمَعْنى اسْتَخَفَّ لِأنَّ السَّفاهَةَ خِفَّةُ العَقْلِ واضْطِرابُهُ يُقالُ تَسَفَّهَهُ اسْتَخَفَّهُ قالَ ذُو الرُّمَّةِ.

مَشِينَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمُ ومِنهُ السَّفاهَةُ في الفِعْلِ وهو ارْتِكابُ أفْعالٍ لا يَرْضى بِها أهْلُ المُرُوءَةِ والسَّفَهِ في المالِ وهو إضاعَتُهُ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِهِ وسُوءُ تَنْمِيَتِهِ. وسَفَّهَهُ بِمَعْنى اسْتَخَفَّهُ وأهانَهُ لِأنَّ الِاسْتِخْفافَ يَنْشَأُ عَنْهُ الإهانَةُ، وسَفِهَ صارَ سَفِيهًا وقَدْ تَضُمُّ الفاءُ في هَذا.

وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ إمّا عَلى المَفْعُولِ بِهِ أيْ أهْمَلَها واسْتَخَفَّها ولَمْ يُبالِ بِإضاعَتِها دُنْيًا وأُخْرى ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ وأصْلُهُ سَفِهَتْ نَفْسُهُ أيْ خَفَّتْ، وطاشَتْ فَحُوِّلَ الإسْنادُ إلى صاحِبِ النَّفْسِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُلابَسَةِ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ وهي أنَّ السَّفاهَةَ

صفحة ٧٢٦

سَرَتْ مِنَ النَّفْسِ إلى صاحِبِها مِن شِدَّةٍ تَمَكُّنِها بِنَفْسِهِ حَتّى صارَتْ صِفَةً لِجُثْمانِهِ، ثُمَّ انْتَصَبَ الفاعِلُ عَلى التَّمْيِيزِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الإبْهامِ في الإسْنادِ المُجازِيِّ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَجِيءُ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ لِأنَّ تَنْكِيرَ التَّمْيِيزِ أغْلَبِيٌّ.

والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ تَسْفِيهُ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ أنَّ الإسْلامَ مُقامٌ عَلى أساسِ الحَنِيفِيَّةِ وهي مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهم بِأنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ قالَ تَعالى ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وقالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وقالَ وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها الدّالَّةُ عَلى رِفْعَةِ دَرَجَةِ إبْراهِيمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَهُ لِلنّاسِ إمامًا وضَمِنَ لَهُ النُّبُوءَةَ في ذُرِّيَّتِهِ وأمْرَهُ بِبِناءِ مَسْجِدٍ لِتَوْحِيدِهِ واسْتَجابَ لَهُ دَعَواتِهِ.

وقَدْ دَلَّتْ تِلْكَ الجُمَلُ عَلى اخْتِيارِ اللَّهِ إيّاهُ فَلا جَرَمَ أُعْقِبَتْ بِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَيْها لِأنَّها جامِعَةٌ لِفَذْلَكَتِها وزائِدَةٌ بِذِكْرِ أنَّهُ سَيَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وفي ذَلِكَ اهْتِمامٌ بِتَقْرِيرِ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ في الآخِرَةِ.

ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ الأخِيرِ أكَّدَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَقَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾ إلى آخِرِهِ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”اصْطَفَيْناهُ“ وبَيْنَ الظَّرْفِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ إذْ هو ظَرْفٌ لاصْطَفَيْناهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، قُصِدَ مِن هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ التَّخَلُّصُ إلى مَنقَبَةٍ أُخْرى، لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ هو دَلِيلُ اصْطِفائِهِ حَيْثُ خاطَبَهُ اللَّهُ بِوَحْيٍ وأمَرَهُ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ”أسْلِمْ“ مِن مَعانٍ جِماعُها التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ وإخْلاصُ الطّاعَةِ، وهو أيْضًا وقْتُ ظُهُورِ أنَّ اللَّهَ أرادَ إصْلاحَ حالِهِ في الآخِرَةِ إذْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.

وقَدْ فُهِمَ أنَّ مَفْعُولَ ”أسْلِمْ“ ومُتَعَلِّقَهُ مَحْذُوفانِ يُعْلَمانِ مِنَ المَقامِ أيْ أسْلِمْ نَفْسَكَ لِي كَما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ بِقَوْلِهِ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وشاعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مَفْعُولِ ”أسْلِمْ“ فَنَزَلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ يُقالُ: أسْلَمَ أيْ دانَ بِالإسْلامِ كَما أنْبَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.

صفحة ٧٢٧

وقَوْلُهُ قالَ أسْلَمْتُ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ في وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً وقَوْلُهُ: ”﴿قالَ أسْلَمْتُ﴾“ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ بادَرَ بِالفَوْرِ دُونَ تَرَيُّثٍ كَما اقْتَضاهُ وُقُوعُهُ جَوابًا، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ إنَّما قالَ لِرَبِّ العالَمِينَ دُونَ أنْ يَقُولَ أسْلَمْتُ لَكَ لِيَكُونَ قَدْ أتى بِالإسْلامِ وبِدَلِيلِهِ اهـ. يَعْنِي أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّ لِهَذا العالَمِ خالِقًا عالِمًا حَصَلَ لَهُ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ فَلَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِالإيمانِ صادَفَ ذَلِكَ عَقْلًا رَشَدًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском