Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:135–138
2:135Page 21
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥
They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1
﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَمَّهم بِالعُدُولِ عَنْ تَلَقِّي الإسْلامِ الَّذِي شَمِلَ خِصالَ الحَنِيفِيَّةِ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إعْراضِهِمْ ومِقْدارَ غُرُورِهِمْ بِأنَّهم حَصَرُوا الهُدى في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ أيْ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم حَصَرَ الهُدى في دِينِهِ.
ووَجْهُ الحَصْرِ حاصِلٌ مِن جَزْمِ ”تَهْتَدُوا“ في جَوابِ الأمْرِ فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ فَيُفِيدُ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا لا يَراهُ اليَهُودُ مُهْتَدِيًا ومَن لَمْ يَكُنْ نَصْرانِيًّا لا يَراهُ النَّصارى مُهْتَدِيًا أيْ نَفَوُا الهُدى عَنْ مُتَّبِعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وهَذا غايَةُ غُرُورِهِمْ.
والواوُ في قالُوا عائِدَةٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى بِقَرِينَةِ مَساقِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وقَوْلِهِ ﴿ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤] و”أوْ“ في قَوْلِهِ أوْ نَصارى تَقْسِيمٌ بَعْدَ الجَمْعِ لِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا إلى مَن قالَهُ، وجَزَمَ ”تَهْتَدُوا“ في جَوابِ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِمَعْنى الشَّرْطِ لِيُفِيدَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ أنَّكم إنْ كُنْتُمْ عَلى غَيْرِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ فَلَسْتُمْ بِمُهْتَدِينَ.
* * *
صفحة ٧٣٧
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ جُرِّدَتْ جُمْلَةُ ”قُلْ“ مِنَ العاطِفِ لِوُقُوعِها في مَقامِ الحِوارِ مُجاوَبَةً لِقَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ أيْ بَلْ لا اهْتِداءَ إلّا بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَإنَّها لَمّا جاءَ بِها الإسْلامُ أبْطَلَ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأدْيانِ.
وانْتَصَبَ ”مِلَّةَ“ بِإضْمارِ تَتَبُّعٍ لِدَلالَةِ المَقامِ لِأنَّ كُونُوا هُودًا بِمَعْنى اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَطْفًا عَلى هُودًا والتَّقْدِيرُ بَلْ نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ «كَقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ لَمّا وفَدَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِيُسْلِمَ: إنِّي مِن دِينٍ أوْ مِن أهْلِ دِينٍ يَعْنِي النَّصْرانِيَّةَ»، والحَنِيفُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَنَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو المَيْلُ في الرَّجُلِ قالَتْ أُمُّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فِيما تُرَقِّصُهُ بِهِ:
واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ما كانَ في فِتْيانِكم مِن مِثْلِهِ والمُرادُ المَيْلُ في المَذْهَبِ أنَّ الَّذِي بِهِ حَنَفٌ يَمِيلُ في مَشْيِهِ عَنِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ. وإنَّما كانَ هَذا مَدْحًا لِلْمِلَّةِ لِأنَّ النّاسَ يَوْمَ ظُهُورِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ كانُوا في ضَلالَةٍ عَمْياءَ فَجاءَ دِينُ إبْراهِيمَ مائِلًا عَنْهم فَلُقِّبَ بِالحَنِيفِ ثُمَّ صارَ الحَنِيفُ لَقَبَ مَدْحٍ بِالغَلَبَةِ.
والوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ (حَنِيفًا) حالًا مِن إبْراهِيمَ وهَذا مِن مَواضِعِ الِاتِّفاقِ عَلى صِحَّةِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ حالًا لِمِلَّةٍ إلّا أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ إلّا أنْ تُؤَوَّلَ مِلَّةٌ بَدِينٍ عَلى حَدِّ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ أيْ إحْسانِهِ أوْ تَشْبِيهِ فَعِيلٍ إلَخْ بِمَعْنى فاعِلٍ، بِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ الإسْلامِيَّ مِن إسْلامِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ جُمْلَةٌ هي حالَةٌ ثانِيَةٌ مِن إبْراهِيمَ وهو احْتِراسٌ لِئَلّا يَغْتَرَّ المُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيْ لا نَكُونُ هُودًا ولا نَصارى فَيَتَوَهَّمُ المُشْرِكُونَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الأدْيانِ إلّا ما هم عَلَيْهِ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وإلّا فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ المَدْحِ لَهُ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن فَضائِلِهِ وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] غَلِطَ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ غَلَطًا فاحِشًا كَما سَيَأْتِي.
2:136Page 21
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦
Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."
صفحة ٧٣٨
﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيئُونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ قُلْ بَلْ مِلَّةَ لِتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ هاتِهِ المِلَّةِ بَعْدَ أنْ أجْمَلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] والأمْرُ بِالقَوْلِ أمْرٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ إذْ لا اعْتِدادَ بِالقَوْلِ إلّا لِأنَّهُ يُطابِقُ الِاعْتِقادَ، إذِ النِّسْبَةُ إنَّما وُضِعَتْ لِلصِّدْقِ لا لِلْكَذِبِ، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِهَذا القَوْلِ الإعْلانُ بِهِ والدَّعْوَةُ إلَيْهِ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الفَضِيلَةِ الظّاهِرَةِ بِحُصُولِ فَضِيلَةِ سائِرِ الأدْيانِ لِأهْلِ هاتِهِ المِلَّةِ ولِما فِيهِ مِنِ الإنْصافِ وسَلامَةِ الطَّوِيَّةِ، لِيَرْغَبَ في ذَلِكَ الرّاغِبُونَ ويَكْمَدَ عِنْدَ سَماعِهِ المُعانِدُونَ ولِيَكُونَ هَذا كالِاحْتِراسِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أيْ نَحْنُ لا نَطْعَنُ في شَرِيعَةِ مُوسى وشَرِيعَةِ عِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيئُونَ ولا نُكَذِّبُهم ولَكُنّا مُسْلِمُونَ لِلَّهِ بِدِينِ الإسْلامِ الَّذِي بَقِيَ عَلى أساسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ وكانَ تَفْصِيلًا لَها وكَمالًا لِمُرادِ اللَّهِ مِنها حِينَ أرادَ اللَّهُ إكْمالَها فَكانَتِ الشَّرائِعُ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَ إبْراهِيمَ كَمُنْعَرِجاتِ الطَّرِيقِ سُلِكَ بِالأُمَمِ فِيها لِمَصالِحٍ ناسَبَتْ أحْوالَهم وعُصُورَهم بَعْدَ إبْراهِيمَ كَما يُسْلَكُ بِمَن أتْعَبَهُ المَسِيرُ طَرِيقٌ مُنْعَرِجٌ لِيَهْدَأ مَن رَكَّزَ السَّيّارَةَ في المَحَجَّةِ فَيَحُطَّ رَحْلَهُ ويَنامَ ثُمَّ يُرْجَعُ بِهِ بَعْدَ حِينٍ إلى الجادَّةِ، ومِن مُناسَباتِ هَذا المَعْنى أنِ ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ واخْتُتِمَ بِقَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ووُسِّطَ ذِكْرُ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيئِينَ بَيْنَ ذَلِكَ.
وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِيَشْمَلَ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُولُوا ذَلِكَ. وجَعْلُهُ بَدَلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ قُلْ بَلْ مِلَّةَ النَّبِيءُ وأُمَّتُهُ.
وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في الكَلامَيْنِ اللَّذَيْنِ لِلنَّبِيءِ فِيهِما مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِمُباشَرَةِ الرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ لِإرْشادِهِمْ وزَجْرِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥] إلَخْ وقَوْلِهِ الآتِي ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩] وجَمْعُ الضَّمِيرِ في الكَلامِ الَّذِي لِلْأُمَّةِ فِيهِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِمَضْمُونِ المَأْمُورِ بِهِ في سِياقِ التَّعْلِيمِ أعْنِي قَوْلَهُ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ فِيما تَضَمَّنَتْهُ عُلُومُ الرِّسالَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْلُ واحِدٌ مِن هاتِهِ الكَلاماتِ عَنِ الإيذانِ بِشُمُولِ الأُمَّةِ مَعَ النَّبِيءِ، أمّا هُنا فَظاهِرٌ بِجَمْعِ الضَّمائِرِ كُلِّها، وأمّا
صفحة ٧٣٩
فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ﴾ [البقرة: ١٣٥] إلَخْ فَلِكَوْنِهِ جَوابًا مُوالِيًا لِقَوْلِهِمْ كُونُوا هُودًا بِضَمِيرِ الجَمْعِ فَعُلِمَ أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِلِسانِ الجَمِيعِ، وأمّا في قَوْلِهِ الآتِي ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾ [البقرة: ١٣٩] فَلِأنَّهُ بَعْدَ أنْ أفْرَدَ قُلْ جَمَعَ الضَّمائِرَ في (أتُحاجُّونَنا ورَبُّنا ولَنا وأعْمالُنا ونَحْنُ و مُخْلِصُونَ) فانْظُرْ بَدائِعَ النَّظْمِ في هاتِهِ الآياتِ ودَلائِلَ إعْجازِها.
وقَدَّمَ الإيمانَ بِاللَّهِ لِأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ الحَقُّ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ مِنَ الشَّرائِعِ.
والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلَيْنا القُرْآنُ، وبِما عَطَفَ عَلَيْهِ ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِن وحْيٍ وما أُوتُوهُ مِنَ الكُتُبِ، والمَعْنى أنّا آمَنّا بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ تِلْكَ الشَّرائِعَ، وهَذا لا يُنافِي أنَّ بَعْضَها نَسَخَ بَعْضًا، وأنَّ ما أُنْزِلَ إلَيْنا نَسَخَ جَمِيعَها فِيما خالَفَها فِيهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ وما أُنْزِلَ إلَيْنا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، والتَّعْبِيرُ في جانِبِ بَعْضِ هَذِهِ الشَّرائِعِ بِلَفْظِ أُنْزِلَ وفي بَعْضِها بِلَفْظِ أُوتِيَ تَفَنُّنٌ لِتَجَنُّبِ إعادَةِ اللَّفْظِ الواحِدِ مِرارًا، وإنَّما لَمْ يُفْرَدْ أحَدُ الفِعْلَيْنِ ولَمْ تُعْطَفْ مُتَعَلَّقاتُهُ بِدُونِ إعادَةِ الأفْعالِ تَجَنُّبًا لِتَتابُعِ المُتَعَلِّقاتِ فَإنَّهُ كَتَتابُعِ الإضافاتِ في ما نَرى.
والأسْباطُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم آنِفًا.
وجُمْلَةُ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِهِمْ فَإنَّ الإيمانَ بِحَقٍّ بِواحِدٍ مِنهم، وهَذا السُّؤالُ المُقَدَّرُ ناشِئٌ عَنْ ضَلالَةٍ وتَعَصُّبٍ حَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإيمانَ بِرَسُولٍ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ الكُفْرِ بِغَيْرِهِ وأنَّ تَزْكِيَةَ أحَدٍ لا تَتِمُّ إلّا بِالطَّعْنِ في غَيْرِهِ، وهَذِهِ زَلَّةٌ في الأدْيانِ والمَذاهِبِ والنِّحَلِ والأحْزابِ والأخْلاقِ كانَتْ شائِعَةً في الأُمَمِ والتَّلامِذَةِ فاقْتَلَعَها الإسْلامُ، قالَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا في الإشاراتِ رَدًّا عَلى مَنِ انْتَصَرَ في الفَلْسَفَةِ لِأرِسْطُو وتَنَقَّصَ أفْلاطُونَ والمُعَلِّمُ الأوَّلُ وإنْ كانَ عَظِيمَ المِقْدارِ لا يُخْرِجُنا الثَّناءُ عَلَيْهِ إلى الطَّعْنِ في أساتِيذِهِ.
وهَذا رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى إذا آمَنُوا بِأنْبِيائِهِمْ وكَفَرُوا بِمَن جاءَ بَعْدَهم، فالمَقْصُودُ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم في الإيمانِ بِبَعْضِهِمْ، وهَذا لا يُنافِي اعْتِقادَ أنَّ بَعْضَهم أفْضَلُ مِن بَعْضٍ.
و”أحَدٍ“ أصْلُهُ وحَدٌ بِالواوِ ومَعْناهُ مُنْفَرِدٌ وهو لُغَةٌ في واحِدٍ ومُخَفَّفٌ مِنهُ وقِيلَ هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَأُبْدِلَتْ واوُهُ هَمْزَةً تَخْفِيفًا ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الفَرْدِ الواحِدِ فَتارَةً يَكُونُ بِمَعْنى ما لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ وذَلِكَ
صفحة ٧٤٠
حِينَ يَجْرِي عَلى مُخْبَرٍ عَنْهُ أوْ مَوْصُوفٍ نَحْوِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ واسْتِعْمالُهُ كَذَلِكَ قَلِيلٌ في الكَلامِ ومِنهُ اسْمُ العَدَدِ أحَدَ عَشَرَ، وتارَةً يَكُونُ بِمَعْنى فَرْدٍ مِن جِنْسٍ وذَلِكَ حِينَ يُبَيَّنُ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلى جِنْسٍ نَحْوَ خُذْ أحَدَ الثَّوْبَيْنِ ويُؤَنَّثُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهَذا الِاسْتِعْمالُ كَثِيرٌ وهو قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ، وتارَةً يَكُونُ بِمَعْنى فَرْدٍ مِن جِنْسٍ لَكِنَّهُ لا يُبَيِّنُ بَلْ يُعَمَّمُ وتَعْمِيمُهُ قَدْ يَكُونُ في الإثْباتِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وقَدْ يَكُونُ تَعْمِيمُهُ في النَّفْيِ وهو أكْثَرُ أحْوالِ اسْتِعْمالِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وقَوْلُ العَرَبِ: أحَدٌ لا يَقُولُ ذَلِكَ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ يُفِيدُ العُمُومَ كَشَأْنِ النَّكِراتِ كُلِّها في حالَةِ النَّفْيِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ ”أحَدٍ“ لَفْظٌ مَعْناهُ واحِدٌ في الأصْلِ وتَصْرِيفُهُ واحِدٌ ولَكِنِ اخْتَلَفَتْ مَواقِعُ اسْتِعْمالِهِ المُتَفَرِّعَةُ عَلى أصْلِ وضْعِهِ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ وصارَ أحَدٌ بِمَنزِلَةِ المُتَرادِفِ، وهَذا يَجْمَعُ مُشَتَّتَ كَلامٍ طَوِيلٍ لِلْعُلَماءِ في لَفْظِ أحَدٍ وهو ما احْتَفَلَ بِهِ القَرافِيُّ في كِتابِهِ العِقْدِ المَنظُومِ في الخُصُوصِ والعُمُومِ.
وقَدْ دَلَّتْ كَلِمَةُ بَيْنَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وآخَرُ لِأنَّ بَيْنَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَأكْثَرَ.
وقَوْلُهُ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]
2:137Page 21
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧
So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.
﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وقَوْلِهِ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ ودُخُولُ الفاءِ في الِاعْتِراضِ وارِدٌ في الكَلامِ كَثِيرًا وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] والمُرادُ مِنَ القَوْلِ أنْ يَكُونَ إعْلانًا أيْ أعْلِنُوا دِينَكم واجْهَرُوا بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ فَإنِ اتَّبَعَكُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] فَإيمانُهُمُ اهْتِداءٌ ولَيْسُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى هُدًى خِلافًا لِزَعْمِهِمْ أنَّهم عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] فَدَلَّ مَفْهُومُ الشَّرْطِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى هُدًى ما دامُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِالإسْلامِ.
صفحة ٧٤١
وجاءَ الشَّرْطُ هُنا بِحَرْفِ إنِ المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ في حُصُولِ شَرْطِها إيذانًا بِأنَّ إيمانَهم غَيْرُ مَرْجُوٍّ.
والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ لِلْمُلابَسَةِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ إيمانًا مُماثِلًا لِإيمانِكم، فالمُماثَلَةُ بِمَعْنى المُساواةِ في العَقِيدَةِ والمُشابَهَةِ فِيها بِاعْتِبارِ أصْحابِ العَقِيدَةِ ولَيْسَتْ مُشابَهَةٌ مُعْتَبِرًا فِيها تَعَدُّدُ الأدْيانِ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ السِّياقُ، وقِيلَ: لَفْظُ مِثْلِ زائِدٌ، وقِيلَ: الباءُ لِلْآلَةِ والِاسْتِعانَةِ، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، وكُلُّها وُجُوهٌ مُتَكَلَّفَةٌ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا طالِبِي هُدًى ولا حَقٍّ إذْ لا أبْيَنَ مِن دَعْوَتِكم إيّاهم ولا إنْصافَ أظْهَرُ مِن هَذِهِ الحُجَّةِ.
والشِّقاقُ شِدَّةُ المُخالَفَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو الفَلْقُ وتَفْرِيقُ الجِسْمِ، وجِيءَ بِفي لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الشِّقاقِ مِنهم حَتّى كَأنَّهُ ظَرْفٌ مُحِيطٌ بِهِمْ، والإتْيانُ ”بِإنْ“ هُنا مَعَ أنَّ تَوَلِّيَهم هو المَظْنُونُ بِهِمْ لِمُجَرَّدِ المُشاكَلَةِ لِقَوْلِهِ فَإنْ آمَنُوا وفَرَّعَ قَوْلَهُ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ إعْلامَهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ في شِقاقٍ مَعَ ما هو مَعْرُوفٌ مِن كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ أنْصارِهِمْ مِمّا قَدْ يَتَحَرَّجُ لَهُ السّامِعُ فَوَعَدَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ يَكْفِيهِ شَرَّهُمُ الحاصِلَ مِن تَوَلِّيهِمْ. والسِّينُ حَرْفٌ يَمْحَضُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ فَهو مُخْتَصٌّ بِالدُّخُولِ عَلى المُضارِعِ وهو كَحَرْفِ سَوْفَ، والأصَحُّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما في سِوى زَمانِ الِاسْتِقْبالِ. وقِيلَ إنَّ سَوْفَ أوْسَعُ مَدًى واشْتُهِرَ هَذا عِنْدَ الجَماهِيرِ فَصارُوا يَقُولُونَ سَوَّفَهُ إذا ماطَلَ الوَفاءَ بِالآخَرِ، وأحْسَبُ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السِّينِ وسَوْفَ في الِاسْتِقْبالِ لِيَكُونَ لِمَوْقِعِ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ في الكَلامِ البَلِيغِ خُصُوصِيَّةٌ ثُمَّ إنَّ كِلَيْهِما إذا جاءَ في سِياقِ الوَعْدِ أفادَ تَخْفِيفَ الوَعْدِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فالسِّينُ هُنا لِتَحْقِيقِ وعْدِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِأنَّهُ يَكْفِيهِ سُوءَ شِقاقِهِمْ.
ومَعْنى كِفايَتِهِمْ: كِفايَةُ شَرِّهِمْ وشِقاقِهِمْ فَإنَّهم كانُوا أهْلَ تَعَصُّبٍ لِدِينِهِمْ وكانُوا مُعْتَضِدِينَ بِأتْباعٍ وأنْصارٍ وخاصَّةً النَّصارى مِنهم، وكِفايَةُ النَّبِيءِ كِفايَةٌ لِأُمَّتِهِ لِأنَّهُ ما جاءَ لِشَيْءٍ يَنْفَعُ ذاتُهُ.
صفحة ٧٤٢
وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ أيِ السَّمِيعُ لِأذاهم بِالقَوْلِ العَلِيمِ بِضَمائِرِهِمْ أيِ اطْمَئِنَّ بِأنَّ اللَّهَ كافِيكَ ما تَتَوَجَّسُ مِن شَرِّهِمْ وأذاهم بِكَثْرَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
2:138Page 21
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨
[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾
هَذا مُتَّصِلٌ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما بَيْنَها اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ والمَعْنى آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلُ إيمانًا صِبْغَةَ اللَّهِ.
وصِبْغَةُ بِكَسْرِ الصّادِ أصْلُها صِبْغٌ بِدُونِ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ بِزِنَةِ فِعْلٍ الدّالِّ عَلى مَعْنى المَفْعُولِ مِثْلَ ذِبْحٍ وقِشْرٍ وكِسْرٍ وفِلْقٍ. واتِّصالُهُ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِإرادَةِ الوَحْدَةِ مِثْلَ تَأْنِيثِ قِشْرَةٍ وكَسْرَةٍ وفِلْقَةٍ.
فالصِّبْغَةُ الصِّبْغُ المُعَيَّنُ المَحَضَّرُ لِأنْ يُصْبَغَ بِهِ. وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنْ عامِلِهِ أيْ صَبَغْنا صِبْغَةَ اللَّهِ كَما انْتَصَبَ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ٥] بِتَقْدِيرِ وعْدَهُمُ النَّصْرَ. أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ مِلَّةَ إبْراهِيمَ أيِ المِلَّةَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ شِعارَنا كالصِّبْغَةِ عِنْدَ اليَهُودِ والنَّصارى، أوْ مَنصُوبًا وصَفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ آمَنّا بِاللَّهِ والتَّقْدِيرُ آمَنّا إيمانًا صِبْغَةَ اللَّهِ، وهَذا هو الوَجْهُ المُلائِمُ لِإطْلاقِ صِبْغَةَ عَلى وجْهِ المُشاكَلَةِ، وما ادَّعاهُ صاحِبُ الكَشّافِ مِن أنَّهُ يُفْضِي إلى تَفْكِيكِ النَّظْمِ تَهْوِيلٌ لا يُعْبَأُ بِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ لِأنَّ التِئامَ المَعانِي والسِّياقِ يَدْفَعُ التَّفَكُّكَ، وهَلِ الِاعْتِراضُ والمُتَعَلِّقاتُ إلّا مِن قَبِيلِ الفَصْلِ يَتَفَكَّكُ بِها الألْفاظُ ولا تُؤَثِّرُ تَفَكُّكًا في المَعانِي، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ تَبَعًا لِسِيبَوَيْهَ مَصْدَرًا مُبَيِّنًا لِلْحالَةِ مِثْلَ الجِلْسَةِ والمِشْيَةِ وجَعَلُوا نَصْبَهُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِنَفْسِهِ أيْ لِشَيْءٍ هو عَيْنُهُ أيْ أنَّ مَفْهُومَ المُؤَكَّدِ بِالفَتْحِ والتَّأْكِيدِ مُتَّحِدانِ فَيَكُونُ مُؤَكِّدًا لَآمَنّا لِأنَّ الإيمانَ والصِّبْغَةَ مُتَلازِمانِ عَلى حَدِّ انْتِصابِ وعْدَ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وهي قَوْلُهُ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] . ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ [الروم: ٥] وفِيهِ تَكْلِفانِ لا يَخْفَيانِ.
والصِّبْغَةُ هُنا اسْمٌ لِلْماءِ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ اليَهُودُ عُنْوانًا عَلى التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ والأصْلُ فِيها عِنْدَهُمُ الِاغْتِسالُ الَّذِي جاءَ فَرْضَهُ في التَّوْراةِ عَلى الكاهِنِ إذا أرادَ تَقْدِيمَ قُرْبانَ كَفّارَةٍ
صفحة ٧٤٣
عَنِ الخَطِيئَةِ عَنْ نَفْسِهِ أوْ عَنْ أهْلِ بَيْتِهِ، والِاغْتِسالُ الَّذِي يَغْتَسِلُهُ الكاهِنُ أيْضًا في عِيدِ الكَفّارَةِ عَنْ خَطايا بَنِي إسْرائِيلَ في كُلِّ عامٍ، وعِنْدَ النَّصارى الصِّبْغَةُ أصْلُها التَّطَهُّرُ في نَهْرِ الأُرْدُنِ وهو اغْتِسالٌ سَنَّهُ النَّبِيءُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا لِمَن يَتُوبُ مِنَ الذُّنُوبِ فَكانَ يَحْيى يَعِظُ بَعْضَ النّاسِ بِالتَّوْبَةِ فَإذا تابُوا أتَوْهُ فَيَأْمُرُهم بِأنْ يَغْتَسِلُوا في نَهْرِ الأُرْدُنِ رَمَزًا لِلتَّطَهُّرِ الرُّوحانِيِّ وكانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ مَعْمُوذِيتَ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ وبِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ في آخِرِهِ ويَقُولُونَ أيْضًا مَمْعُوذِيتا بِألْفٍ بَعْدِ التّاءِ وهي كَلِمَةٌ مِنَ اللُّغَةِ الآرامِيَّةِ مَعْناها الطَّهارَةُ، وقَدْ عَرَّبَهُ العَرَبُ فَقالُوا مَعْمُودِيَّةَ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ وهاءُ تَأْنِيثٍ في آخِرِهِ وياؤُهُ التَّحْتِيَّةُ مُخَفَّفَةٌ، وكانَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ حِينَ تَعَمَّدَ بِماءِ المَعْمُودِيَّةِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الوَحْيَ بِالرِّسالَةِ ودَعا اليَهُودَ إلى ما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلَيْهِ وحَدَثَ كُفْرُ اليَهُودِ بِما جاءَ بِهِ عِيسى وقَدْ آمَنَ بِهِ يَحْيى فَنَشَأ الشِّقاقُ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ يَحْيى وعِيسى فَرَفَضَ اليَهُودُ التَّعْمِيدَ، وكانَ عِيسى قَدْ عَمَّدَ الحَوارِيِّينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، فَتُقُرِّرَ في سُنَّةِ النَّصارى تَعْمِيدَ مَن يَدْخُلُ في دِينِ النَّصْرانِيَّةِ كَبِيرًا، وقَدْ تَعَمَّدَ قُسْطَنْطِينُ قَيْصَرُ الرُّومِ. حِينَ دَخَلَ في دِينِ النَّصْرانِيَّةِ، أمّا مَن يُوَلَدُ لِلنَّصارى فَيُعَمِّدُونَهُ في اليَوْمِ السّابِعِ مِن وِلادَتِهِ. وإطْلاقُ اسْمِ الصِّبْغَةِ عَلى المَعْمُودِيَّةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصارى العَرَبِ سَمُّوا ذَلِكَ الغَسْلِ صِبْغَةً، ولَمْ أقِفْ عَلى ما يُثْبِتُ ذَلِكَ مِن كَلامِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّهُ إطْلاقٌ قَدِيمٌ عِنْدَ النَّصارى إذْ قالَ وكانَتِ النَّصارى إذا وُلِدَ لَهم ولَدٌ غَمَسُوهُ بَعْدَ السّابِعِ في ماءِ مَعْمُودِيَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ صِبْغَةً لَهم.
أمّا وجْهُ تَسْمِيَةِ المَعْمُودِيَّةِ صِبْغَةً فَهو خَفِيٌّ إذْ لَيْسَ لِماءِ المَعْمُودِيَّةِ لَوْنٌ فَيُطْلَقُ عَلى التَّلَطُّخِ بِهِ مادَّةُ [ ص ب غ ] وفي دائِرَةِ المَعارِفِ الإسْلامِيَّةِ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ العِبْرِيَّةِ [ ص ب ع ] أيْ غَطَسَ. فَيَقْتَضِي أنَّهُ لَمّا عُرِّبَ أبْدَلُوا العَيْنَ المُهْمَلَةَ غَيْنًا مُعْجَمَةً لَعَلَّهُ لِنُدْرَةِ مادَّةِ صَبَغَ بِالعَيْنِ المُهْمِلَةِ في المُشْتَقّاتِ وأيًّا ما كانَ فَإطْلاقُ الصِّبْغَةِ عَلى ماءِ المَعْمُودِيَّةِ أوْ عَلى الِاغْتِسالِ بِهِ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهٍ وجْهُهُ تَخْيِيلِيٌّ إذْ تَخَيَّلُوا أنَّ التَّعْمِيدَ يُكْسِبُ المُعَمَّدَ بِهِ صِفَةَ النَّصْرانِيَّةِ ويُلَوِّنُهُ بِلَوْنِها كَما يُلَوِّنُ الصِّبْغُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وقَرِيبٌ مِنهُ إطْلاقُ الصِّبْغِ عَلى عادَةِ القَوْمِ وخُلُقِهِمْ وأنْشَدُوا لِبَعْضِ مُلُوكِ هَمْدانَ:
صفحة ٧٤٤
وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ ∗∗∗ صَبَغْنا عَلى ذَلِكَ أبْناءَنافَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ وقَدْ جَعَلَ النَّصارى في كَنائِسِهِمْ أحْواضًا صَغِيرَةً فِيها ماءٌ يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَخْلُوطٌ بِبَقايا الماءِ الَّذِي أُهْرِقَ عَلى عِيسى حِينَ عَمَّدَهُ يَحْيى وأنَّ ما تَقاطَرَ مِنهُ جُمِعَ وصُبَّ في ماءٍ كَثِيرٍ ومِن ذَلِكَ الماءِ تُؤْخَذُ مَقادِيرُ تُعْتَبَرُ مُبارَكَةً لِأنَّها لا تَخْلُو عَنْ جُزْءٍ مِنَ الماءِ الَّذِي تَقاطَرَ مِنَ اغْتِسالِ عِيسى حِينَ تَعْمِيدِهِ كَما قالَ في أوائِلِ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ.
فَقَوْلُهُ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى مَعًا أمّا اليَهُودُ فَلِأنَّ الصِّبْغَةَ نَشَأتْ فِيهِمْ وأمّا النَّصارى فَلِأنَّها سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِيهِمْ، ولَمّا كانَتِ المَعْمُودِيَّةُ مَشْرُوعَةً لَهم لِغَلَبَةِ تَأْثِيرِ المَحْسُوساتِ عَلى عَقائِدِهِمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ صِبْغَةَ الإسْلامِ الِاعْتِقادُ والعَمَلُ المُشارُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] أيْ إنْ كانَ إيمانُكم حاصِلًا بِصِبْغَةِ القِسِّيسِ فَإيمانُنا بِصِبْغِ اللَّهِ وتَلْوِينِهِ أيْ تَكْيِيفِهِ الإيمانَ في الفِطْرَةِ مَعَ إرْشادِهِ إلَيْهِ، فَإطْلاقُ الصِّبْغَةِ عَلى الإيمانِ اسْتِعارَةٌ عَلاقَتُها المُشابِهَةٌ وهي مُشابَهَةٌ خَفِيَّةٌ حَسَّنَها قَصْدُ المُشاكَلَةِ، والمُشاكَلَةُ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ ومَرْجِعُها إلى الِاسْتِعارَةِ وإنَّما قَصْدُ المُشاكَلَةِ باعِثٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ، وإنَّما سَمّاها العُلَماءُ المُشاكَلَةَ لِخَفاءِ وجْهِ التَّشْبِيهِ فَأغْفَلُوا أنْ يُسَمُّوها اسْتِعارَةً وسَمُّوها المُشاكَلَةَ، وإنَّما هي الإتْيانُ بِالِاسْتِعارَةِ لِداعِي مُشاكَلَةِ لَفْظٍ لِلَفْظٍ وقَعَ مَعَهُ. فَإنْ كانَ اللَّفْظُ المَقْصُودُ مُشاكَلَتَهُ مَذْكُورًا فَهي المُشاكَلَةُ، ولَنا أنْ نَصِفَها بِالمُشاكَلَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ كَقَوْلِ ابْنِ الرَّقَعْمَقِ.
قالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ∗∗∗ قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا
اسْتَعارَ الطَّبْخَ لِلْخِياطَةِ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ غَيْرَ مَذْكُورٍ بَلْ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ سُمِّيَتْ مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ كَقَوْلِ أبِي تَمّامٍ: مَن مُبْلِغٌ أفَناءَ يَعْرُبَ كُلِّها ∗∗∗ أنِّي بَنَيْتُ الجارَ قَبْلَ المَنزِلِاسْتَعارَ البِناءَ لِلِاصْطِفاءِ والِاخْتِيارِ لِأنَّهُ شاكَلَ بِهِ بِناءَ المَنزِلِ المُقَدَّرِ في الكَلامِ المَعْلُومِ
صفحة ٧٤٥
مِن قَوْلِهِ قَبْلَ المَنزِلِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مِن هَذا القَبِيلِ والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ أدَقُّ مِن تَقْدِيرِ بَيْتِ أبِي تَمّامٍ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما هو مَعْلُومٌ مِن عادَةِ النَّصارى واليَهُودِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥] عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّعْمِيدِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ إنْكارِيٌّ ومَعْناهُ لا أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ في شَأْنِ صِبْغَتِهِ، فانْتَصَبَ صِبْغَةَ عَلى التَّمْيِيزِ، تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ مُحَوَّلٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ ثانٍ يُقَدَّرُ بَعْدَ مَن في قَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ﴾ والتَّقْدِيرُ ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ وقُلْ ما ذَكَرَ النُّحاةُ في التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ المُبْتَدَأِ.
وقَدْ تَأْتِي بِهَذا التَّحْوِيلِ في التَّمْيِيزِ إيجازٌ بَدِيعٌ إذْ حُذِفَ كَلِمَتانِ بِدُونِ لَبْسٍ فَإنَّهُ لَمّا أُسْنِدَتِ الأحْسَنِيَّةُ إلى مَن جازَ دُخُولُ مَنِ التَّفْضِيلِيَّةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحْوِيلَ جَعَلَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ صِبْغَةُ هو المَحْكُومُ عَلَيْهِ بِانْتِفاءِ الأحْسَنِيَّةُ فَعُلِمَ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو المُضافُ المُقَدَّرُ أيْ ومَن أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ عَطْفٌ عَلى ”آمَنّا“ وفي تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ”﴿لَهُ عابِدُونَ﴾“ إفادَةُ قَصْرٍ إضافِيٍّ عَلى النَّصارى الَّذِينَ اصْطَبَغُوا بِالمَعْمُودِيَّةِ لَكِنَّهم عَبَدُوا المَسِيحَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences