Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:145–148
2:145Page 22
وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥
And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.
﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، والمُناسَبَةُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ولا يَعْلَمُونَ فَلَمّا أُفِيدَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ عَلى الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في إفادَتِهِ التَّعْرِيضَ بِأنَّهم مُكابِرُونَ ناسَبَتْ أنْ يُحَقِّقَ نَفْيُ الطَّمَعِ في اتِّباعِهِمُ القِبْلَةَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَطْمَعَ السّامِعُ بِاتِّباعِهِمْ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أحَقِّيَّتَها، فَلِذا أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلى نَفْيِ اتِّباعِهِمْ بِالقَسَمِ واللّامِ المُوَطِّئَةِ، وبِالتَّعْلِيقِ عَلى أقْصى ما يُمْكِنُ عادَةً.
والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٤] عَيْنُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] عَلى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ ما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم يَكُونُ قُدْوَةً لِعامَّتِهِمْ فَإذا لَمْ يَتَّبِعْ أحْبارُهم قِبْلَةَ الإسْلامِ فَأجْدَرُ بِعامَّتِهِمْ أنْ لا يَتِّبِعُوها.
ووَجْهُ الإظْهارِ في مَقامَ الإضْمارِ هُنا الإعْلانُ بِمَذَمَّتِهِمْ حَتّى تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ صَرِيحَةً في تَناوُلِهِمْ كَما هو الشَّأْنُ في الإظْهارِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ زِيادَةَ العِنايَةِ والتَّمَكُّنِ في الذِّهْنِ.
والمُرادُ ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾: آياتٌ مُتَكاثِرَةٌ، والمُرادُ بِالآيَةِ: الحُجَّةُ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ هو قِبْلَةُ الحَنِيفِيَّةِ.
وإطْلاقُ لَفْظِ ”كُلِّ“ عَلى الكَثْرَةِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
صفحة ٣٦
فَيالَكَ مِن لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
وأصْلُهُ مَجازٌ لِجَعْلِ الكَثِيرِ مِن أفْرادِ شَيْءٍ مُشابِهًا لِمَجْمُوعِ عُمُومِ أفْرادِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ فَصارَ مَعْنًى مِن مَعانِي ”كُلِّ“ لا يَحْتاجُ اسْتِعْمالُهُ إلى قَرِينَتِهِ ولا إلى اعْتِبارِ تَشْبِيهِ العَدَدِ الكَثِيرِ مِن أفْرادِ الجِنْسِ بِعُمُومِ جَمِيعِ أفْرادِهِ حَتّى إنَّهُ يَرِدُ فِيما لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ عُمُومُ أفْرادٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ هُنا ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ فَإنَّ الآياتِ لا يُتَصَوَّرُ لَها عَدَدٌ يُحاطُ بِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩] وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧]، وقالَ النّابِغَةُ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي ∗∗∗ إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ
وتَكَرَّرَ هَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
سَحًّا وتَسْكابًا فَكُلُّ عَشِيَّةٍ ∗∗∗ يَجْرِي إلَيْها الماءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ
وصاحِبُ القامُوسِ قالَ في مادَّةِ ”كُلِّ“: وقَدْ جاءَ اسْتِعْمالُ ”كُلِّ“ بِمَعْنى ”بَعْضِ“ ضِدٌّ، فَأثْبَتَ الخُرُوجَ عَنْ مَعْنى الإحاطَةِ ولَكِنَّهُ جازَفَ في قَوْلِهِ بِمَعْنى ”بَعْضِ“ وكانَ الأصْوَبُ أنْ يَقُولَ بِمَعْنى ”كَثِيرٍ“ .
والمَعْنى: أنَّ إنْكارَهم أحَقِّيَّةُ الكَعْبَةِ بِالِاسْتِقْبالِ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ حَتّى تُزِيلَهُ الحُجَّةُ ولَكِنَّهُ مُكابَرَةٌ وعِنادٌ فَلا جَدْوى في إطْنابِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ.
وإضافَةُ ”قِبْلَةٍ“ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ لِأنَّها أخَصُّ بِهِ لِكَوْنِها قِبْلَةَ شَرْعِهِ، ولِأنَّهُ سَألَها بِلِسانِ الحالِ.
وإفْرادُ القِبْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ مَعَ كَوْنِهِما قِبْلَتَيْنِ، إنْ كانَ لِكُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ قِبْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وأكْثَرُ مِن قِبْلَةٍ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهم قِبْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ وكانُوا مُخَيَّرِينَ في اسْتِقْبالِ الجِهاتِ، فَإفْرادُ لَفْظِ قِبْلَتِهِمْ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ لِأنَّهُ إذا اتَّبَعَ قِبْلَةَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ كانَ غَيْرَ مُتَّبِعٍ قِبْلَةَ الطّائِفَةِ الأُخْرى.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ إظْهارُ مُكابَرَتِهِمْ تَأْيِيسًا مِن إيمانِهِمْ، ومِن قَوْلِهِ ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ تَنْزِيهُ النَّبِيءِ وتَعْرِيضٌ لَهم بِاليَأْسِ مِن رُجُوعِ المُؤْمِنِ إلى
صفحة ٣٧
اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي قَوْلِهِ ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ بِأنَّ هَذا دَأْبُهم وشِنْشِنَتُهم مِنَ الخِلافِ فَقَدِيمًا خالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا في قِبْلَتِهِمْ حَتّى خالَفَتِ النَّصارى قِبْلَةَ اليَهُودِ مَعَ أنَّ شَرِيعَةَ اليَهُودِ هي أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وفائِدَةُ هَذا العَطْفِ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يُتَّبَعُ قِبْلَتُهم زِيادَةُ تَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، والتَّحْذِيرُ مِنَ التَّهاوُنِ في ذَلِكَ بِحَيْثُ يُفْرَضُ عَلى وجْهِ الِاحْتِمالِ أنَّهُ لَوِ اتَّبَعَ أهْواءَ أهْلِ الكِتابِ في ذَلِكَ لَكانَ كَذا وكَذا، ولِذَلِكَ كانَ المَوْقِعُ لَئِنْ؛ لِأنَّ لَها مَواقِعَ الشَّكِّ، والفَرْضُ في وُقُوعِ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهُ ﴿مِنَ العِلْمِ﴾ بَيانٌ لِـ ﴿ما جاءَكَ﴾، أيْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ، والَّذِي هو العِلْمُ فَجَعَلَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ هو العِلْمَ كُلَّهُ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ.
والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى، وهو الحُبُّ البَلِيغُ بِحَيْثُ يَقْتَضِي طَلَبَ حُصُولِ الشَّيْءِ المَحْبُوبِ ولَوْ بِحُصُولِ ضُرٍّ لِمُحَصِّلِهِ، فَلِذَلِكَ غَلَبَ إطْلاقُ الهَوى عَلى حُبٍّ لا يَقْتَضِيهِ الرُّشْدُ ولا العَقْلُ، ومِن ثَمَّ أُطْلِقَ عَلى العِشْقِ، وشاعَ إطْلاقُ الهَوى في القُرْآنِ عَلى عَقِيدَةِ الضَّلالِ ومِن ثَمَّ سَمّى عُلَماءُ الإسْلامِ أهْلَ العَقائِدِ المُنْحَرِفَةِ بِأهْلِ الأهْواءِ
وقَدْ بُولِغَ في هَذا التَّحْذِيرِ بِاشْتِمالِ مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ عَلى عِدَّةِ مُؤَكِّداتٍ أوْمَأ إلَيْها صاحِبُ الكَشّافِ وفَصَّلَها صاحِبُ الكَشْفِ إلى عَشْرَةٍ وهي: القَسَمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ، واللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ لِأنَّها تَزِيدُ القَسَمَ تَأْكِيدًا، وحَرْفُ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ الجَزاءِ، ولامُ الِابْتِداءِ في خَبَرِها، واسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وجَعْلُ حَرْفِ الشَّرْطِ الحَرْفَ الدّالَّ عَلى الشَّكِّ وهو ”إنِ“ المُقْتَضِي إنَّ أقَلَّ جُزْءٍ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ كافٍ في الظُّلْمِ، والإتْيانُ بِإذَنِ الدّالَّةِ عَلى الجَزائِيَّةِ فَإنَّها أكَّدَتْ رَبْطَ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ، والإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ ﴿ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ والِاهْتِمامُ بِالوازِعِ يَؤُولُ إلى تَحْقِيقِ العِقابِ عَلى الِارْتِكابِ لِانْقِطاعِ العُذْرِ، وجَعْلِ ما نَزَلَ عَلَيْهِ هو نَفْسَ العِلْمِ.
والتَّعْرِيفُ في الظّالِمِينَ الدّالُّ عَلى أنَّهُ يَكُونُ مِنَ المَعْهُودِينَ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِينَ هو لَهم سَجِيَّةٌ. ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ما يَؤُولُ إلى تَحْقِيقِ الرَّبْطِ بَيْنَ الجَزاءِ والشَّرْطِ أوْ تَحْقِيقِ سَبَبِهِ
صفحة ٣٨
أوْ تَحْقِيقِ حُصُولِ الجَزاءِ أوْ تَهْوِيلِ بَعْضِ مُتَعَلِّقاتِهِ، كُلُّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ المَقْصُودَ مِنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لِأجْلِهِ الشَّرْطُ.
والتَّعْبِيرُ بِالعِلْمِ هُنا عَنِ الوَحْيِ واليَقِينِ الإلَهِيِّ إعْلانٌ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ العِلْمِ ولَفْتٌ لِعُقُولِ هَذِهِ الأُمَّةِ إلَيْهِ لِما يَتَكَرَّرُ مِن لَفْظِهِ عَلى أسْماعِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أقْوى دَلالَةٍ عَلى الِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ مِن: إنَّكَ لَظالِمٌ، ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] .
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الظّالِمُونَ أنْفُسَهم، ولِلظُّلْمِ مَراتِبُ دَخَلَتْ كُلُّها تَحْتَ هَذا الوَصْفِ والسّامِعُ يَعْلَمُ إرْجاعَ كُلِّ ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ إلى ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ ظُلْمِ النَّفْسِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى عَقائِدِهِمُ الضّالَّةِ فَيَنْتَهِي ظُلْمُهم أنْفُسَهم إلى الكُفْرِ المُلْقِي في خالِدِ العَذابِ.
قَدْ يَقُولُ قائِلٌ إنَّ قَرِيبًا مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] فَعَبَّرَ هُنالِكَ باسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي وعَبَّرَ هَنا باسْمِ المَوْصُولِ ما، وقالَ هُنالِكَ بَعْدَ وقالَ هُنا مِن بَعْدِ، وجَعَلَ جَزاءَ الشَّرْطِ هُنالِكَ انْتِفاءَ ولِيٍّ ونَصِيرٍ، وجَعَلَ الجَزاءَ هُنا أنْ يَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ، وقَدْ أوْرَدَ هَذا السُّؤالَ صاحِبُ ”دُرَّةُ التَّنْزِيلِ وغُرَّةُ التَّأْوِيلِ“ وحاوَلَ إبْداءَ خُصُوصِيّاتٍ تُفَرِّقُ بَيْنَ ما اخْتَلَفَتْ فِيهِ الآيَتانِ ولَمْ يَأْتِ بِما يَشْفِي، والَّذِي يُرْشِدُ إلَيْهِ كَلامُهُ أنْ نَقُولَ إنَّ الَّذِي وما وإنْ كانا مُشْتَرِكَيْنِ في أنَّهُما اسْما مَوْصُولٍ إلّا أنَّهُما الأصْلُ في الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، ولَمّا كانَ العِلْمُ الَّذِي جاءَ النَّبِيءَ ﷺ في غَرَضِ الآيَةِ الأُولى هو العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِأصْلِ مِلَّةِ الإسْلامِ وبِبُطْلانِ مِلَّةِ اليَهُودِ ومِلَّةِ النَّصارى بَعْدَ النَّسْخِ، وبِإثْباتِ عِنادِ الفَرِيقَيْنِ في صِحَّةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَلِكَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠]، فَلا جَرَمَ كانَ العِلْمُ الَّذِي جاءَ في ذَلِكَ هو أصْرَحَ العِلْمِ وأقْدَمَهُ، وكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ المَوْصُولِ الصَّرِيحِ في التَّعْرِيفِ.
وأمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِإبْطالِ قِبْلَةِ اليَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّها مَسْبُوقَةٌ بِبَيانِ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وذَلِكَ تَشْرِيعٌ فَرْعِيٌّ فالتَّحْذِيرُ الواقِعُ بَعْدَهُ تَحْذِيرٌ مِنَ اتِّباعِ الفَرِيقَيْنِ في أمْرِ
صفحة ٣٩
القِبْلَةِ وذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أهَمِّيَّةٌ مِثْلُ ما لِلتَّحْذِيرِ مِنَ اتِّباعِ مِلَّتِهِمْ بِأسْرِها فَلَمْ يَكُنْ لِلْعِلْمِ الَّذِي جاءَ النَّبِيءَ في أمْرِ قِبْلَتِهِمْ مِنَ الأهَمِّيَّةِ ما لِلْعِلْمِ الَّذِي جاءَهُ في بُطْلانِ أُصُولِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ جِيءَ في تَعْرِيفِهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ المُلْحَقِ بِالمَعارِفِ وهو ما لِأنَّها في الأصْلِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ نُقِلَتْ لِلْمَوْصُولِيَّةِ.
وإنَّما أُدْخِلَتْ مِن في هَذِهِ الآيَةِ الثّانِيَةِ عَلى بَعْدِ بِقَوْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ وقَعَتْ بَعْدَ الآيَةِ الأوْلى في سُورَةٍ واحِدَةٍ ولَيْسَ بَيْنَهُما بَعِيدُ فَصْلٍ فَكانَ العِلْمُ الَّذِي جاءَهُ فِيها مِن قَوْلِهِ ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ وهو جُزْئِيٌّ مِن عُمُومِ العِلْمِ الَّذِي جاءَ في إبْطالِ جَمِيعِ مِلَّتِهِمْ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُشارَ إلى كَوْنِهِ جُزْئِيًّا لَهُ بِإيرادِ ”مِن“ الِابْتِدائِيَّةِ.
2:146Page 23
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦
Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] إلَخِ اعْتِراضُ اسْتِطْرادٍ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مَطاعِنِ أهْلِ الكِتابِ في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإنَّ طَعْنَهم كانَ عَنْ مُكابَرَةٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِبْلَةَ الإسْلامِيَّةَ حَقٌّ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فاسْتَطْرَدَ بِأنَّ طَعْنَهم في القِبْلَةِ الإسْلامِيَّةِ ما هو إلّا مِن مَجْمُوعِ طَعْنِهِمْ في الإسْلامِ وفي النَّبِيءِ ﷺ، والدَّلِيلُ عَلى الِاسْتِطْرادِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ [البقرة: ١٤٨]، فَقَدْ عادَ الكَلامُ إلى اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ.
فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ لا يَعُودُ إلى تَحْوِيلِ القِبْلَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَصارَتِ الجُمْلَةُ تَكْرِيرًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، بَلْ هو عائِدٌ إمّا إلى الرَّسُولِ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمُعادٍ مُناسِبٍ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، لَكِنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ وتَكَرَّرَ خِطابُهُ فِيهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقَوْلِهِ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فالإتْيانُ بِالضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ مِنَ الِالتِفاتِ، وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى الحَقِّ في قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ فَيَشْمَلُ
صفحة ٤٠
رِسالَةَ الرَّسُولِ وجَمِيعَ ما جاءَ بِهِ، وإمّا إلى العِلْمِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] .
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ تَشْبِيهٌ في جَلاءِ المَعْرِفَةِ وتَحَقُّقِها فَإنَّ مَعْرِفَةَ المَرْءِ بِعَلائِقِهِ مَعْرِفَةٌ لا تَقْبَلُ اللَّبْسَ، كَما قالَ زُهَيْرٌ:
فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ القُرْبِ البَيِّنِ.
وخَصَّ الأبْناءَ لِشِدَّةٍ تَعَلُّقِ الآباءِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّمَلِّي مِن رُؤْيَتِهِمْ كَثِيرًا فَتَتَمَكَّنُ مَعْرِفَتُهم فَمَعْرِفَةُ هَذا الحَقِّ ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ عُلَمائِهِمْ.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ ”يَعْلَمُونَهُ“ إلى يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ المَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ غالِبًا بِالذَّواتِ والأُمُورِ المَحْسُوسَةِ قالَ تَعالى ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] وقالَ زُهَيْرٌ:
فَلَأْيًا عَرَفَتُ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ وتَقُولُ: عَرَفْتُ فُلانًا، لا تَقُولُ عَرَفْتُ عِلْمَ فُلانٍ، إلّا إذا أرَدْتَ أنَّ عِلْمَهُ صارَ كالمُشاهَدِ عِنْدَكَ، ولِهَذا لا يُعَدّى فِعْلُ العِرْفانِ إلى مَفْعُولَيْنِ كَما تُعَدّى أفْعالُ الظَّنِّ والعِلْمِ، ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِصِفَةِ العِلْمِ فَيُقالُ ”العَلِيمُ“، ولا يُوصَفُ بِصِفَةِ المَعْرِفَةِ فَلا يُقالُ اللَّهُ يَعْرِفُ كَذا، فالمَعْنى: يَعْرِفُونَ صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ وعَلاماتِهِ المَذْكُورَةَ في كُتُبِهِمْ، ويَعْرِفُونَ الحَقَّ كالشَّيْءِ المُشاهَدِ. والمُرادُ بُقُولِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أحْبارُ اليَهُودِ والنَّصارى ولِذَلِكَ عُرِّفُوا بِأنَّهم أُوتُوا الكِتابَ أيْ عَلِمُوا عِلْمَ التَّوْراةِ وعِلْمَ الإنْجِيلِ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِالعِنادِ في أمْرِ القِبْلَةِ وفي غَيْرِهِ مِمّا جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، وذَمٌّ لَهم بِأنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَهُ وهَؤُلاءِ مُعْظَمُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قَبْلَ ابْنِ صُورِيّا وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَبَقِيَ فَرِيقٌ آخَرُ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ويُعْلِنُونَ بِهِ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومِنَ النَّصارى مِثْلُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وصُهَيْبٍ.
أمّا الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكْتُمُوهُ فَلا يُعْبَأُ بِهِمْ في هَذا المُقامِ ولَمْ يَدْخُلُوا في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ ولا يَشْمَلُهم قَوْلُهُ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ .
2:147Page 23
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧
The truth is from your Lord, so never be among the doubters.
صفحة ٤١
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا الحَقُّ، وحَذْفُ المُسْنَدُ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا مِمّا جَرى عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بَعْدَ جَرَيانِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّيارِ ”رَبْعٌ قَواءٌ“ وبَعْدَ ذِكْرِ المَمْدُوحِ ”فَتًى“ ونَحْوُ ذَلِكَ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ. وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِّينَ في ذَلِكَ والمَقْصُودُ مِن هَذا. والتَّعْرِيفُ في الحَقِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ وقَوْلِهِمُ: الكَرَمُ في العَرَبِ، هَذا التَّعْرِيفُ لِجُزْئَيِ الجُمْلَةِ الظّاهِرِ والمُقَدَّرِ يُفِيدُ قَصْرَ الحَقِيقَةِ عَلى الَّذِي يَكْتُمُونَهُ وهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لا ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، وإظْهارُ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْحَقِّ.
والِامْتِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ المِراءِ وهو الشَّكُّ، والِافْتِعالُ فِيهِ لَيْسَ لِلْمُطاوَعَةِ ومَصْدَرُ المِرْيَةِ لا يُعْرِفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هو دائِمًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ، والمَقْصُودُ مِن خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ [البقرة: ١٤٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تَحْذِيرُ الأُمَّةِ وهَذِهِ عادَةُ القُرْآنِ في كُلِّ تَحْذِيرٍ مُهِمٍّ لِيَكُونَ خِطابُ النَّبِيءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو أقْرَبُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى وأوْلاهم بِكَرامَتِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَن وقَعَ في مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الأُمَّةِ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ النَّجاةِ بابٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِن كُلِّ مَن يَصْلُحُ لِهَذا الخِطابِ.
2:148Page 23
وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨
For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.
﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، فَهو مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] مَعَ اعْتِبارِ ما اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ مِنَ الجُمَلِ، ذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ لُقِّنَ الرَّسُولُ ﷺ ما يُجِيبُ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ فَضِيلَةَ قِبْلَتِهِمْ وأنَّهم عَلى الحَقِّ وأيْأسَهم مِن تَرَقُّبِ اعْتِرافِ اليَهُودِ بِصِحَّةِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ذُيِّلَ ذَلِكَ
صفحة ٤٢
بِهَذا التَّذْيِيلِ الجامِعِ لِمَعانٍ سامِيَةٍ، طَيًّا لِبِساطِ المُجادَلَةِ مَعَ اليَهُودِ في أمْرِ القِبْلَةِ، كَما يُقالُ في المُخاطَباتِ: دَعْ هَذا أوْ: عُدْ عَنْ هَذا، والمَعْنى أنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ اتِّجاهًا مِنَ الفَهْمِ والخَشْيَةِ عِنْدَ طَلَبِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ. وهَذا الكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ أيِ اتْرُكُوا مُجادَلَةَ أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ القِبْلَةِ ولا يُهِمَّنَّكم خِلافُهم فَإنَّ خِلافَ المُخالِفِ لا يُناكِدُ حَقَّ المُحِقِّ.
وفِيهِ صَرْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنْ يَهْتَمُّوا بِالمَقاصِدِ ويَعْتَنُوا بِإصْلاحِ مُجْتَمَعِهِمْ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾، فَقَوْلُهُ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ. فَهَكَذا تَرْتِيبُ الآيَةِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ كَتَرْتِيبِ الخُطَبِ بِذِكْرِ مُقَدِّمَةٍ ومَقْصِدٍ وبَيانٍ لَهُ وتَعْلِيلٍ وتَذْيِيلٍ.
و(كُلِّ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ، وهو مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ بِما يُضافُ هو إلَيْهِ فَإذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ عُوِّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ ”كُلٍّ“ وهو التَّنْوِينُ المُسَمّى تَنْوِينُ العِوَضِ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ فَهو عِوَضٌ عَنْهُ.
وحَذْفُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ كُلُّ هُنا لِدَلالَةِ المُقامِ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُ هَذا المَحْذُوفِ: أُمَّةٌ، لِأنَّ الكَلامَ كُلَّهُ في اخْتِلافِ الأُمَمِ في أمْرِ القِبْلَةِ، وهَذا المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ يُقَدَّرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن لَفْظِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] أوْ يُقَدَّرُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ دُونَ لَفْظٍ تَقَدَّمَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] في سُورَةِ النِّساءِ، ومِنهُ ما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَخالُفِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ في قِبْلَةِ الصَّلاةِ، فالتَّقْدِيرُ: ولِكُلٍّ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى وِجْهَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] .
والوِجْهَةُ حَقِيقَتُها البُقْعَةُ الَّتِي يُتَوَجَّهُ إلَيْها فَهي وزْنُ فِعْلَةِ مُؤَنَّثُ فِعْلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ ذِبْحٍ، ولِكَوْنِها اسْمَ مَكانٍ لَمْ تُحْذَفِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ عِنْدَ اقْتِرانِ الِاسْمِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ حَذْفَ الواوِ في مِثْلِهِ إنَّما يَكُونُ في فِعْلَةٍ بِمَعْنى المَصْدَرِ.
وتُسْتَعارُ الوِجْهَةُ لِما يَهْتَمُّ بِهِ المَرْءُ مِنَ الأُمُورِ تَشْبِيهًا بِالمَكانِ المُوَجَّهِ إلَيْهِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، ولَفْظُ ﴿وِجْهَةٌ﴾ في الآيَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ فالتَّعْبِيرُ بِهِ كَلامٌ مُوَجَّهٌ وهو مِنَ المَحاسِنِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
صفحة ٤٣
وضَمِيرُ هو عائِدٌ لِلْمُضافِ إلَيْهِ ”كُلٍّ“ المَحْذُوفِ.
والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِمُوَلِّيها مَحْذُوفٌ إذِ التَّقْدِيرُ: هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ، أوْ وجْهَهُ عَلى نَحْوِ ما بَيَّناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] والمَعْنى هو مُقْبِلٌ عَلَيْها ومُلازِمٌ لَها. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ مُوَلِّيها بِياءٍ بَعْدَ اللّامِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ) هو مُوَلّاها ( بِألْفٍ بَعْدَ اللّامِ بِصِيغَةِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ أيْ يُوَلِّيهِ إيّاها مُوَلٍّ وهو دِينُهُ ونَظَرُهُ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوِجْهَةِ القِبْلَةُ، فاسْتَبِقُوا أنْتُمْ إلى الخَيْرِ وهو اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ، وقِيلَ المُرادُ: لِكُلِّ أُمَّةٍ قِبْلَةٌ فَلا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِكم عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ، فالزَمُوا قِبْلَتَكُمُ الَّتِي هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، فَإنَّكم عَلى الخَيْراتِ، وقِيلَ: المُرادُ هَيْكَلُ قِبْلَةٍ فَلا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِكم عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ فالزَمُوا قِبْلَتَكُمُ الَّتِي هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، فَإنَّكم عَلى الخَيْراتِ، وقِيلَ المُرادُ: لِكُلِّ قَوْمٍ قِبْلَةٌ فَلا يَضُرُّكم خِلافُهم واتْرُكُوهم واسْتَبِقُوا إلى الخَيْراتِ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ المُرادُ: لِكُلِّ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جِهَةٌ مِنَ الكَعْبَةِ سَيَسْتَقْبِلُونَها. ومَعانِي القُرْآنِ تُحْمَلُ عَلى أجْمَعِ الوُجُوهِ وأشْمَلِها.
وقَوْلُهُ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ تَفْرِيعٌ لِلْأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ أيْ لَمّا تَعَدَّدَتِ المَقاصِدُ.
فالمُنافَسَةُ تَكُونُ في مُصادَفَةِ الحَقِّ.
والِاسْتِباقُ افْتِعالٌ والمُرادُ بِهِ السَّبْقُ وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِاللّامِ إلّا أنَّهُ تُوُسِّعَ فِيهِ فَعُدِّيَ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ [يوسف: ٢٥] أوْ عَلى تَضْمِينِ ”اسْتَبِقُوا“ مَعْنى ”اغْتَنِمُوا“ .
فالمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ هُنا المَعْنى المَجازِيُّ وهو الحِرْصُ عَلى مُصادَفَةِ الخَيْرِ والإكْثارُ مِنهُ و﴿الخَيْراتِ﴾ جَمْعُ خَيْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا سُرادِقاتٍ وحَمّاماتٍ.
والمُرادُ عُمُومُ الخَيْراتِ كُلِّها فَإنَّ المُبادَرَةَ إلى الخَيْرِ مَحْمُودَةٌ ومِن ذَلِكَ المُبادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ خَشْيَةَ هادِمِ اللَّذّاتِ وفَجْأةِ الفَواتِ قالَ تَعالى ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] ومِن ذَلِكَ فَضِيلَةُ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] وقالَ مُوسى ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] .
وقَوْلُهُ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ جُمْلَةٌ في مَعْنى العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ لِأنَّ العِلَّةَ لا تُعْطَفُ إذْ هي بِمَنزِلَةِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، والمَعْنى: فاسْتَبِقُوا إلى الخَيْرِ لِتَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ يَأْتِي بِهِمُ اللَّهُ لِلرَّفِيقِ الحَسَنِ لِأنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالنّاسِ جَمِيعًا خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ
صفحة ٤٤
و”كانَ“ تامَّةٌ أيْ في أيِّ مَوْضِعٍ تُوجَدُونَ مِن مَواقِعِ الخَيْرِ ومَواقِعِ السُّوءِ. والإتْيانُ بِالشَّيْءِ جَلْبُهُ وهو مَجازٌ في لازِمِ حَقِيقَتِهِ فَمِن ذَلِكَ اسْتِعْمالُهُ في القُرْبِ والطّاعَةِ.
قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
أتاكَ بِيَ اللَّهُ الَّذِي نَوَّرَ الهُدى ونُورٌ وإسْلامٌ عَلَيْكَ دَلِيلُ
أرادَ: سَخَّرَنِي إلَيْكَ، وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وأْتِ بِها» أيِ اهْدِها وقَرِّبْها لِلْإسْلامِ، يُسْتَعْمَلُ في القُدْرَةِ عَلى الشَّيْءِ وفي العِلْمِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] .
وتَجِيءُ أقْوالٌ في تَفْسِيرِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ عَلى حَسَبِ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى: تَقَبَّلَ اللَّهُ أعْمالَكم في اسْتِباقِ الخَيْراتِ فَإنَّهُ المُهِمُّ، لا اسْتِقْبالُ الجِهاتِ، والمَعْنى: إنَّكم إنَّما تَسْتَقْبِلُونَ ما يُذَكِّرُكم بِاللَّهِ فاسْعَوْا في مَرْضاتِهِ بِالخَيْراتِ يَعْلَمُ اللَّهُ ذَلِكَ مِن كُلِّ مَكانٍ، أوْ هو تَرْهِيبٌ أيْ في أيَّةِ جِهَةٍ يَأْتِ اللَّهُ بِكم فَيُثِيبُ ويُعاقِبُ، أوْ هو تَحْرِيضٌ عَلى المُبادَرَةِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ أيْ فَأنْتُمْ صائِرُونَ إلى اللَّهِ مِن كُلِّ مَكانٍ فَبادِرُوا بِالطّاعَةِ قَبْلَ الفَوْتِ بِالمَوْتِ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُجُوهِ. وقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَذْيِيلٌ يُناسِبُ جَمِيعَ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences