Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:149–154

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:149–154

2:149–150Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩

So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَطْفَ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ مِن جِنْسِهِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ لا تَهاوُنَ في القِيامِ بِهِ ولَوْ في حالَةِ العُذْرِ كالسَّفَرِ، فالمُرادُ: مِن حَيْثُ خَرَجْتَ مِن كُلِّ مَكانٍ خَرَجْتَ

صفحة ٤٥

مُسافِرًا لِأنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ في الِاهْتِداءِ لِجِهَةِ الكَعْبَةِ فَرُبَّما يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سُقُوطَ الِاسْتِقْبالِ عَنْهُ، وفي مُعْظَمِ هاتِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِأمْرِ القِبْلَةِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] .

وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْذِيرٍ مِنَ التَّساهُلِ في أمْرِ القِبْلَةِ.

وقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وأُعِيدَ لَفْظُ الجُمْلَةِ السّالِفَةِ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآيَةَ.

والمَقْصِدُ التَّعْمِيمُ في هَذا الحُكْمِ في السَّفَرِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ .

وحَصَلَ مِن تَكْرِيرِ مُعْظَمِ الكَلِماتِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ .

وقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ النَّبِيءِ الكَعْبَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ المُسْلِمِينَ الكَعْبَةَ مَرَّتَيْنِ.

وتَكَرَّرَ إنَّهُ الحَقُّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وتَكَرَّرَ تَعْمِيمُ الجِهاتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ والتَّحْذِيرُ مِن تَطَرُّقِ التَّساهُلِ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلْحَقِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، وزِيادَةً في الرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ التَّأْكِيدَ، مِن زِيادَةِ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾، ومِن جُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ، لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبالِ: وهي جُمْلَةُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآياتِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ وجُمْلَةُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآياتِ، وفِيهِ إظْهارُ أحَقِّيَّةِ الكَعْبَةِ بِذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى الحَقِّ لا يَزِيدُهُ إنْكارُ المُنْكِرِينَ إلّا تَصْمِيمًا، والتَّصْمِيمُ يَسْتَدْعِي إعادَةَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى ما صُمِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى التَّحَقُّقِ في مَعْنى الكَلامِ.

وقَدْ ذُكِرَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن بَيانِ فَوائِدِ هَذا التَّحْوِيلِ وما حَفَّ بِهِ، ما يَدْفَعُ قَلِيلَ السَّآمَةِ العارِضَةِ لِسَماعِ التَّكْرارِ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ﴾ إلَخْ، وذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ﴾ إلَخْ.

صفحة ٤٦

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وهو حُكْمُ التَّحْوِيلِ فَهو راجِعٌ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ المَقامِ، فالضَّمِيرُ هُنا كالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ عَلى الخِطابِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِياءِ الغَيْبَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ فَوَلُّوا الدّالِّ عَلى طَلَبِ الفِعْلِ وامْتِثالِهِ، أيْ شَرَعْتُ لَكم ذَلِكَ لِنَدْحَضَ حُجَّةَ الأُمَمِ عَلَيْكم، وشَأْنُ تَعْلِيلِ صِيَغِ الطَّلَبِ أنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لِلطَّلَبِ بِاعْتِبارِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ المَطْلُوبِ.

فَإنَّ مَدْلُولَ صِيغَةِ الطَّلَبِ هو إيجادُ الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ لا الإعْلامُ بِكَوْنِ الطّالِبِ طالَبًا وإلّا لَما وجَبَ الِامْتِثالُ لِلْآمِرِ فَيُكْتَفى بِحُصُولِ سَماعِ الطَّلَبِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا.

والتَّعْرِيفُ في ”النّاسِ“ لِلِاسْتِغْراقِ يَشْمَلُ مُشْرِكِي مَكَّةَ فَإنَّ مِن شُبْهَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لا نَتَّبِعُ هَذا الدِّينَ إذْ لَيْسَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ اسْتَقْبَلَ قِبْلَةَ اليَهُودِ والنَّصارى، وأهْلِ الكِتابِ، والحُجَّةُ أنْ يَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا اقْتَدى بِنا واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنا فَكَيْفَ يَدْعُونا إلى اتِّباعِهِ.

ولِجَمِيعِ النّاسِ مِمَّنْ عَداكم حُجَّةٌ عَلَيْكم، أيْ لِيَكُونَ هَذا الدِّينُ مُخالِفًا في الِاسْتِقْبالِ لِكُلِّ دِينٍ سَبَقَهُ فَلا يَدَّعِي أهْلُ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ أنَّ الإسْلامَ مُقْتَبِسٌ مِنهُ.

ولا شَكَّ أنَّ ظُهُورَ الِاسْتِقْبالِ يَكُونُ في أمْرٍ مُشاهَدٍ لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ إدْراكَ المُخالَفَةِ في الأحْكامِ والمَقاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي فَضُلَ بِها الإسْلامُ غَيْرَهُ لا يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ بَلْ لا يَعْلَمُهُ إلّا الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ ناظِرًا إلى قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] .

وقَدْ قِيلَ في مَعْنى حُجَّةِ النّاسِ مَعانٍ أُخَرُ أُراها بَعِيدَةً.

والحُجَّةُ في كَلامِ العَرَبِ ما يُقْصَدُ بِهِ إثْباتُ المُخالِفِ، بِحَيْثُ لا يَجِدُ مِنهُ تَفَصِّيًا، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلَّذِي غَلَبَ مُخالِفَهُ بِحُجَّتِهِ: قَدْ حَجَّهُ، وأمّا الِاحْتِجاجُ فَهو إتْيانُ المُحْتَجِّ بِما يَظُنُّهُ حُجَّةً ولَوْ مُغالَطَةً، قالَ: احْتَجَّ، يُقالُ: حاجَّ إذا أتى بِما يَظُنُّهُ حُجَّةً قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فالحُجَّةُ لا تُطْلَقُ حَقِيقَةً إلّا عَلى البُرْهانِ والدَّلِيلِ النّاهِضِ المُبَكِّتِ لِلْمُخالِفِ، وأمّا إطْلاقُها عَلى الشُّبْهَةِ فَمَجازٌ لِأنَّها تُورَدُ في صُورَةِ الحُجَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حُجَّتُهم

صفحة ٤٧

داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، وهَذا هو فِقْهُ اللُّغَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ، وأمّا ما خالَفَهُ مِن كَلامِ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ فَهو مِن تَخْلِيطِ الإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وإنَّما أرادُوا التَّفَصِّيَ مِن وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ وأشْكَلَ عَلَيْهِمُ الِاسْتِثْناءُ لِأنَّ المُسْتَثْنى مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِنَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ عِنْدَ قاطِبَةِ أهْلِ اللِّسانِ والعُلَماءِ، إلّا خِلافًا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في عِلْمِ الأُصُولِ، فَصارَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُقْتَضِيًا أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا لَهم عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَأجابَ صاحِبُ الكَشّافِ، بِأنَّهُ إنَّما أطْلَقَ عَلَيْهِ حُجَّةً لِمُشابَهَتِهِ لِلْحُجَّةِ في سِياقِهِمْ إيّاهُ مَساقَ البُرْهانِ أيْ فاسْتِثْناءُ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَقْتَضِي أنَّهم يَأْتُونَ بِحُجَّةٍ أيْ بِما يُشْبِهُ الحُجَّةَ، فَحَرْفُ ”إلّا“ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ لَفْظِ حُجَّةٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَجازِيِّ، وإطْلاقُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ لَيْسَ بِبِدْعٍ لا سِيَّما مَعَ الإتْيانِ بِلَفْظٍ يُخالِفُ الأوَّلَ عَلى أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِمَعْنى: لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَشْغَبُونَ عَلَيْكم فَلا تَخْشَوْهم.

وجُمْلَةُ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا وهو أنَّهُ تَعْلِيلُ الِامْتِثالِ فالمَعْنى: أمَرْتُكم بِذَلِكَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِاسْتِيفاءِ أسْبابِ ذَلِكَ الإتْمامِ، مِنها: أنْ تَكُونَ قِبْلَتُكم إلى أفْضَلِ بَيْتٍ بُنِيَ لِلَّهِ تَعالى، ومَعْلُومٌ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ بِامْتِثالِ ما أُمِرْنا بِهِ، وجِماعُ ذَلِكَ الِاسْتِقامَةُ وبِها دُخُولُ الجَنَّةِ. أيُّ غايَةُ إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْنا دُخُولُ الجَنَّةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّهُ مِن جُمْلَةِ مَعْناها فالمُرادُ بِالإتْمامِ هُنا إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِرًا مِن أوَّلِ الأمْرِ لا إتْمامُهُ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى فَأتَمَّهُنَّ أيِ امْتَثَلَهُنَّ امْتِثالًا تامًّا ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَها ثُمَّ فَعَلَ بَعْضًا آخَرَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولِتَكُونَ نِعْمَتِي نِعْمَةً وافِرَةً في كُلِّ حالٍ.

وقَوْلُهُ ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ولِأُتِمَّ أيْ أمَرْتُكم بِذَلِكَ رَجاءَ امْتِثالِكم فَيَحْصُلُ الِاهْتِداءُ مِنكم إلى الحَقِّ.

وحَرْفُ ”لَعَلَّ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ مَجازٌ في لازِمِ مَعْنى الرَّجاءِ وهو قُرْبُ ذَلِكَ وتَوَقُّعُهُ. ومَعْنى جَعْلِ ذَلِكَ القُرْبِ عِلَّةً أنَّ اسْتِقْبالَهُمُ الكَعْبَةَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم يَكُونُونَ مُعْتَدِينَ في

صفحة ٤٨

سائِرِ أُمُورِهِمْ لِأنَّ المَبادِئَ تَدُلُّ عَلى الغاياتِ فَهو كَقَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما قَدَّمْناهُ وقالَ حَبِيبٌ:

إنَّ الهِلالَ إذا رَأيْتَ نَماءَهُ أيْقَنْتَ أنْ سَيَصِيرُ بَدْرًا كامِلًا

2:151Page 23

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.

﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكُمُ آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

تَشْبِيهٌ لِلْعِلَّتَيْنِ مِن قَوْلِهِ ولِأُتِمَّ وقَوْلِهِ ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ أيْ ذَلِكَ مِن نِعْمَتِي عَلَيْكم كَنِعْمَةِ إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وجُعِلَ الإرْسالُ مُشَبَّهًا بِهِ لِأنَّهُ أسْبَقُ وأظْهَرُ تَحْقِيقًا لِلْمُشَبَّهِ؛أيْ أنَّ المَبادِئَ دَلَّتْ عَلى الغاياتِ وهَذا كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ» ونُكِّرَ ”رَسُولٌ“ لِلتَّعْظِيمِ ولِتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفاتُ الَّتِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها نِعْمَةٌ خاصَّةٌ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ فِيكم وما بَعْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ ومِن قَوْمِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى تَيْسِيرًا لِهِدايَتِهِمْ؛ وهَذا عَلى نَحْوِ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلى عُمُومِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] أيْ جِنْسِهِمُ الإنْسانِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ آنَسُ لَهم مِمّا لَوْ كانَ رَسُولُهم مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] .

ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ أرْسَلْنا حَرْفُ ”في“ ولَمْ يُعَلَّقْ بِهِ حَرْفُ ”إلى“ كَما في قَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥]، لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ احْتِجاجٍ وهَذا مَقامُ امْتِنانٍ فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ ما بِهِ تَمامُ المِنَّةِ وهي أنْ جَعَلَ رَسُولَهم فِيهِمْ ومِنهم، أيْ هو مَوْجُودٌ في قَوْمِهِمْ وهو عَرَبِيٌّ مِثْلُهم، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ هُمُ العَرَبُ أيِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فالأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ يَوْمَئِذٍ تَتَكَلَّمُ بِلِسانٍ واحِدٍ سَواءٌ في ذَلِكَ العَدْنانِيُّونَ والقَحْطانِيُّونَ ومَن تَبِعَهم مِنَ الأحْلافِ والمَوالِي مِثْلِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وبِلالٍ الحَبَشِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ الإسْرائِيلِيِّ، إذْ نِعْمَةُ الرِّسالَةِ في الإبْلاغِ والإفْهامِ، فالرَّسُولُ يُكَلِّمُهم بِلِسانِهِمْ فَيَفْهَمُونَ جَمِيعَ مَقاصِدِهِ، ويُدْرِكُونَ إعْجازَ القُرْآنِ، ويَفُوزُونَ بِمَزِيَّةِ

صفحة ٤٩

نَقْلِ هَذا الدِّينِ إلى الأُمَمِ، وهَذِهِ المَزِيَّةُ يَنالُها كُلُّ مَن يَعْلَمُ اللِّسانَ العَرَبِيَّ كَغالِبِ الأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ تَبْلِيغُ الإسْلامِ بِواسِطَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ فَيَكُونُ نَقْلُهُ مُتَواتِرًا، ويَسْهُلُ انْتِشارُهُ سَرِيعًا.

والرَّسُولُ: المُرْسَلُ فَهو فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِثْلُ ذَلُولٍ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ مُطابَقَةِ مَوْصُوفِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

وقَوْلُهُ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمُ آياتِنا﴾ أيْ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ وسَمّاهُ أوَّلًا آياتٍ بِاعْتِبارِ كَوْنِ كُلِّ كَلامٍ مِنهُ مُعْجِزَةً، وسَمّاهُ ثانِيًا كِتابًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ كِتابَ شَرِيعَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] .

وعَبَّرَ بِـ يَتْلُو لِأنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مُسْتَمِرٌّ، وقِراءَةُ النَّبِيءِ لَهُ مُتَوالِيَةٌ وفي كُلِّ قِراءَةٍ يَحْصُلُ عِلْمٌ بِالمُعْجِزَةِ لِلسّامِعِينَ.

وقَوْلُهُ ويُزَكِّيكم إلَخْ: التَّزْكِيَةُ تَطْهِيرُ النَّفْسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الزَّكاةِ وهي النَّماءُ، وذَلِكَ لِأنَّ في أصْلِ خِلْقَةِ النُّفُوسِ كَمالاتٍ وطَهاراتٍ تَعْتَرِضُها أرْجاسٌ ناشِئَةٌ عَنْ ضَلالٍ أوْ تَضْلِيلٍ، فَتَهْذِيبُ النُّفُوسِ وتَقْوِيمُها يَزِيدُها مِن ذَلِكَ الخَيْرِ المُودَعِ فِيها، قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦]، وفي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخْلاقِ»، فَفي الإرْشادِ إلى الصَّلاحِ والكَمالِ نَماءٌ لِما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِنَ الخَيْرِ في الفِطْرَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيْ يُعَلِّمُكُمُ الشَّرِيعَةَ فالكِتابُ هُنا هو القُرْآنُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ كِتابَ تَشْرِيعٍ لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا ويُعَلِّمُكم أُصُولَ الفَضائِلِ، فالحِكْمَةُ هي التَّعالِيمُ المانِعَةُ مِنَ الوُقُوعِ في الخَطَأِ والفَسادِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ وسَيَأْتِي أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وقُدِّمَتْ جُمْلَةُ ويُزَكِّيكم عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ هُنا عَكْسُ ما في الآيَةِ السّابِقَةِ في حِكايَةِ قَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمُ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، لِأنَّ المَقامَ هُنا لِلِامْتِنانِ عَلى المُسْلِمِينَ فَقَدَّمَ فِيها ما يُفِيدُ مَعْنى المَنفَعَةِ الحاصِلَةِ مِن تِلاوَةِ الآياتِ عَلَيْهِمْ وهي مَنفَعَةُ تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمُ اهْتِمامًا بِها وبَعْثًا لَها بِالحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِ

صفحة ٥٠

وسائِلِها وتَعْجِيلًا لِلْبِشارَةِ بِها. فَأمّا في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ فَقَدْ رُتِّبَتِ الجُمَلُ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ في الخارِجِ، مَعَ ما في ذَلِكَ التَّخالُفِ مِنَ التَّفَنُّنِ.

وقَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تَعْمِيمٌ لِكُلِّ ما كانَ غَيْرَ شَرِيعَةٍ ولا حِكْمَةٍ مِن مَعْرِفَةِ أحْوالِ الأُمَمِ وأحْوالِ سِياسَةِ الدُّوَلِ وأحْوالِ الآخِرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وإنَّما أعادَ قَوْلَهُ ويُعَلِّمُكم مَعَ صِحَّةِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالعَطْفِ تَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ هو الكِتابُ والحِكْمَةُ، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ (ما لَمْ تَكُونُوا) مَفْعُولٌ لا مُبْتَدَأٌ حَتّى لا يَتَرَقَّبَ السّامِعُ خَبَرًا لَهُ فَيَضِلُّ فَهْمُهُ في ذَلِكَ التَّرَقُّبِ، واعْلَمْ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ إذا جِيءَ مَعَهُ بِإعادَةِ عامِلِهِ كانَ عاطِفُهُ عامِلًا عَلى مِثْلِهِ، فَصارَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ لَكِنَّ العاطِفَ حِينَئِذٍ أشْبَهُ بِالمُؤَكِّدِ لِمَدْلُولِ العامِلِ.

2:152Page 23

فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عاطِفَةُ جُمْلَةِ الأمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ عَلى جُمَلِ النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ؛ أيْ إذْ قَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْكم بِهاتِهِ النِّعَمِ فَأنا آمُرُكم بِذِكْرِي، وقَوْلُهُ ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ فِعْلانِ مُشْتَقّانِ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذّالِ ومِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّها، والكُلُّ مَأْمُورٌ بِهِ لِأنَّنا مَأْمُورُونَ بِتَذَكُّرِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأفْعالِ لِنَذْكُرَ أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ومَأْمُورُونَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِألْسِنَتِنا في جُمَلٍ تَدُلُّ عَلى حَمْدِهِ وتَقْدِيسِهِ والدَّعْوَةِ إلى طاعَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ» والذِّكْرُ في قَوْلِهِ أذْكُرْكم يَجِيءُ عَلى المَعْنَيَيْنِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ في قَوْلِهِ اذْكُرُونِي عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ الذِّكْرَ لا يَتَعَلَّقُ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى فالتَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا عَظَمَتِي وصِفاتِي وثَنائِي وما تَرَتَّبَ عَلَيْها مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، أوِ اذْكُرُوا نِعَمِي ومَحامِدِي، وهو تَقْدِيرٌ مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ، وأمّا أذْكُرْكم فَهو مَجازٌ، أيْ أُعامِلْكم مُعامَلَةَ مَن لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ بِزِيادَةِ النِّعَمِ والنَّصْرِ والعِنايَةِ في الدُّنْيا، وبِالثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في الآخِرَةِ، أوْ أخْلُقْ ما يَفْهَمُ مِنهُ النّاسُ في المَلَأِ الأعْلى وفي الأرْضِ فَضْلَكم والرِّضى عَنْكم، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وحُسْنَ مَصِيرِكم في الآخِرَةِ، لِأنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيَّيْنِ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ تَعْدِيَتَهُ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا عَلى طَرِيقِ دَلالَةِ

صفحة ٥١

الِاقْتِضاءِ إذْ لَيْسَ المُرادُ تَذَكُّرَ الذَّواتِ ولا ذِكْرَ أسْمائِها بَلِ المُرادُ تَذَكُّرُ ما يَنْفَعُهم إذا وصَلَ إلَيْهِمْ وذِكْرُ فَضائِلِهِمْ.

وقَوْلُهُ واشْكُرُوا لِي أمْرٌ بِالشُّكْرِ الأعَمِّ مِنَ الذِّكْرِ مِن وجْهٍ أوْ مُطْلَقًا، وتَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ بِاللّامِ هو الأفْصَحُ وتُسَمّى اللّامُ لامَ التَّبْلِيغِ ولامَ التَّبْيِينِ كَما قالُوا نَصَحَ لَهُ ونَصَحَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى فَتَعْسًا لَهم وقَوْلِ النّابِغَةِ:

شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى وأثْنَيْتُ جاهِدًا وعَطَّلْتُ أعْراضَ العُبَيْدِ بْنِ عامِرِ

وقَوْلِهِ ولا تَكْفُرُونَ نَهْيٌ عَنِ الكُفْرانِ لِلنِّعْمَةِ، والكُفْرانُ مَراتِبُ أعْلاها جَحْدُ النِّعْمَةِ وإنْكارُها ثُمَّ قَصْدُ إخْفائِها، ثُمَّ السُّكُوتُ عَنْ شُكْرِها غَفْلَةً وهَذا أضْعَفُ المَراتِبِ وقَدْ يُعْرِضُ عَنْ غَيْرِ سُوءِ قَصْدٍ لَكِنَّهُ تَقْصِيرٌ.

قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ عَطْفُ قَوْلِهِ ولا تَكْفُرُونِ بِدَلِيلٍ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالشُّكْرِ مُطْلَقٌ أيْ لِأنَّ الأمْرَ لا يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ فَلا عُمُومَ لَهُ فَيَصْدُقُ بِشُكْرِهِ يَوْمًا واحِدًا فَلَمّا قالَ ولا تَكْفُرُونِ أفادَ النَّهْيَ عَنِ الكُفْرِ دائِمًا، اهـ، يُرِيدُ لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، مِثْلَ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّ النَّهْيَ أخُو النَّفْيِ.

2:153–154Page 23

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.

وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤

And do not say about those who are killed in the way of Allāh, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾

هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ المَطاعِنِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَلَهُ أشَدُّ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .

وهُوَ اعْتِراضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إعْدادُ المُسْلِمِينَ لِما هم أهْلُهُ مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما خَوَّلَهم مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ في الآياتِ السّالِفَةِ مِن جَعْلِهِمْ أُمَّةً وسَطًا وشُهَداءَ عَلى

صفحة ٥٢

النّاسِ، وتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ بُقْعَةٍ، وتَأْيِيدِهِمْ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، وأمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفافِ بِالظّالِمِينَ وأنْ لا يَخْشَوْهم، وتَبْشِيرِهِمْ بِأنَّهُ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وهَداهم، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، وهَداهم إلى الِامْتِثالِ لِلْأحْكامِ العَظِيمَةِ كالشُّكْرِ والذِّكْرِ، فَإنَّ الشُّكْرَ والذِّكْرَ بِهِما تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إلى عَظِيمِ الأعْمالِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أمَرَهم هُنا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ونَبَّهَهم إلى أنَّهُما عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلى عَظِيمِ الأعْمالِ، فَناسَبَ تَعْقِيبَها بِها، وأيْضًا فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ أُناسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وتَشْكِيكِهِمْ والكَيْدِ لَهم، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ.

وكُلُّها مُتَماسِكَةٌ مُتَناسِبَةُ الِانْتِقالِ عَدا آيَةِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى قَوْلِهِ ﴿شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنا لِمَوْقِعِها.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإنَّ شَأْنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ المُخاطَبَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَها ما يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِها لِتَسْتَأْنِسَ بِها قَبْلَ أنْ تَفْجَأها.

وفِي افْتِتاحِ هَذا الخِطابِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ إيذانٌ بِأنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إلى عَمَلٍ عَظِيمٍ وبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهادِ، ولَعَلَّهُ إعْدادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى، فَإنَّ ابْتِداءَ المَغازِي كانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إذْ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ في رَجَبٍ أوْ شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وكانَتْ غَزْوَةُ بُواطَ والعُشَيْرَةِ وبَدْرٍ الأُولى في رَبِيعٍ وجُمادى مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِما قِتالٌ، وكانَتْ بَدْرٌ الكُبْرى في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَكانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أنَّ ما وقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مِن قَوْلِ الرّاوِي أنَّ ناسًا قُتِلُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، أنَّهُ تَوَهُّمٌ مِن أحَدِ الرُّواةِ عَنِ البَراءِ، فَإنَّ أوَّلَ قَتْلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وهي بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ، والأصَحُّ ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لَمّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إلى الكَعْبَةِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ» الحَدِيثَ فَلَمْ يَقُلِ: الَّذِينَ قُتِلُوا.

فالوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَهْيِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، وتَحْبِيبٌ لِلشَّهادَةِ إلَيْهِمْ.

صفحة ٥٣

ولِذَلِكَ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في وقْعَةِ بَدْرٍ بُعَيْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ إلّا أنّا نَقُولُ هُنا إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ عِلْمًا مِنهُ بِضَعْفِ عَزائِمِهِمْ عَنْ عَظائِمِ الأعْمالِ وقالَ هُنالِكَ ﴿إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] ولَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذا هُنا، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ يُسِرَّ لَهم ما يَصْعُبُ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُمُ الخاشِعُونَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ هُنالِكَ، وزادَ هُنا فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فَبَشَّرَهم بِأنَّهم مِمَّنْ يَمْتَثِلُ هَذا الأمْرَ ويُعَدُّ لِذَلِكَ في زُمْرَةِ الصّابِرِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ أيِ اصْبِرُوا لِيَكُونَ اللَّهُ مَعَكم لِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾

عَطَفَ النَّهْيَ عَلى الأمْرِ قَبْلَهُ لِمُناسَبَةِ التَّعَرُّضِ لِلْغَزْوِ مِمّا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَرَفُوا أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ أقْوى ما يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ نَبَّهَ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الصَّبْرَ يَنْقَلِبُ شُكْرًا عِنْدَما يَرى الشَّهِيدُ كَرامَتَهُ بَعْدَ الشَّهادَةِ، وعِنْدَما يُوقِنُ ذَوُوهُ بِمَصِيرِهِ مِنَ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَقَوْلُهُ ولا تَقُولُوا نَهْيٌ عَنِ القَوْلِ النّاشِئِ عَنِ اعْتِقادٍ، ذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقُولُ إلّا ما يَعْتَقِدُ فالمَعْنى: ولا تَعْتَقِدُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَكْمِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ البَراءِ فَإنَّهُ قالَ: قُتِلَ أُناسٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَأعْقَبَ قَوْلَهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بِأنَّ فَضِيلَةَ شَهادَتِهم غَيْرُ مَنقُوصَةٍ.

وارْتَفَعَ أمْواتٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ.

وبَلْ لِلْإضْرابِ الإبْطالِي إبْطالًا لِمَضْمُونِ المَنهِيِّ عَنْ قَوْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولَيْسَ المَعْنى بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ لِأنَّ المُرادَ إخْبارُ المُخاطَبِينَ هَذا الخَبَرَ العَظِيمَ، فَقَوْلُهُ أحْياءٌ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ ”بَلِ“ الإضْرابِيَّةِ.

وإنَّما قالَ ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها حَياةٌ غَيْرُ جِسْمِيَّةٍ ولا مادِّيَّةٍ

صفحة ٥٤

بَلْ حَياةٌ رُوحِيَّةٌ، لَكِنَّها زائِدَةٌ عَلى مُطْلَقِ حَياةِ الأرْواحِ، فَإنَّ لِلْأرْواحِ كُلِّها حَياةً وهي عَدَمُ الِاضْمِحْلالِ وقَبُولُ التَّجَسُّدِ في الحَشْرِ مَعَ إحْساسٍ ما بِكَوْنِها آيِلَةً إلى نَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، وأمّا حَياةُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهي حَياةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى إدْراكاتِ التَّنَعُّمِ بِلَذّاتِ الجَنَّةِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والِانْكِشافاتِ الكامِلَةِ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تُجْعَلُ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعى مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ وتَشْرَبُ مِن مائِها» .

والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ اتِّصالَ اللَّذّاتِ بِالأرْواحِ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَوَسُّطِ الحَواسِّ الجُسْمانِيَّةِ، فَلَمّا انْفَصَلَتِ الرُّوحُ عَنِ الجَسَدِ عُوِّضَتْ جَسَدًا مُناسِبًا لِلْجَنَّةِ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِنَعِيمِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском