Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:17–18, continued
﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] فَإنَّ التَّعَدُّدَ مَقْصُودٌ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ بِثَلاثٍ. ولَكِنَّ بَلاغَةَ القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تَسْمَحُ بِاسْتِعْمالِ جَمْعٍ غَيْرِ مُرادٍ بِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ عَلى لَفْظِهِ المُفْرَدِ، ويَتَعَيَّنُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَمْعَ ظُلُماتٍ أُشِيرَ بِهِ إلى أحْوالٍ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ كُلُّ حالَةٍ مِنها تَصْلُحُ لِأنْ تُشَبَّهَ بِالظُّلْمَةِ، وتِلْكَ هي: حالَةُ الكُفْرِ، وحالَةُ الكَذِبِ، وحالَةُ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، وما يَتْبَعُ تِلْكَ الأحْوالَ مِن آثارِ النِّفاقِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنافِقِينَ في تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ مَظاهِرِ الإيمانِ وبَواطِنِ الكُفْرِ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو ظُهُورُ أمْرٍ نافِعٍ ثُمَّ انْعِدامُهُ قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإنَّ في إظْهارِهِمُ الإسْلامَ مَعَ المُؤْمِنِينَ صُورَةٌ مِن حُسْنِ الإيمانِ وبَشاشَتِهِ لِأنَّ لِلْإسْلامِ نُورًا وبَرَكَةً، ثُمَّ لا يَلْبَثُونَ أنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ خُلُوِّهِمْ بِشَياطِينِهِمْ فَيَزُولُ عَنْهم ذَلِكَ ويَرْجِعُوا في ظُلْمَةِ الكُفْرِ أشَدَّ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ لِأنَّهم كانُوا في كُفْرٍ فَصارُوا في كُفْرٍ وكَذِبٍ وما يَتَفَرَّعُ عَنِ النِّفاقِ مِنَ المَذامِّ، فَإنَّ الَّذِي يَسْتَوْقِدُ النّارَ في الظَّلامِ يَتَطَلَّبُ رُؤْيَةَ الأشْياءِ، فَإذا انْطَفَأتِ النّارُ صارَ أشَدَّ حَيْرَةً مِنهُ في أوَّلِ الأمْرِ لِأنَّ ضَوْءَ النّارِ قَدْ عَوَّدَ بَصَرَهُ، فَيَظْهَرُ أثَرُ الظُّلْمَةِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ أقْوى ويَرْسَخُ الكُفْرُ فِيهِمْ. وبِهَذا تَظْهَرُ نُكْتَةُ البَيانِ بِجُمْلَةِ لا يُبْصِرُونَ لِتَصْوِيرِ حالِ مَنِ انْطَفَأ نُورُهُ بَعْدَ أنِ اسْتَضاءَ بِهِ.
ومَفْعُولُ (لا يُبْصِرُونَ) مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ عُمُومِ نَفْيِ المُبْصَراتِ، فَنُزِّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لا إحْساسَ بَصَرٍ لَهم، كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ:
شَجْوُ حُسّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ ∗∗∗ أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعِ
وقَدْ أُجْمِلَ وجْهُ الشَّبَهِ في تَشْبِيهِ حالِ المُنافِقِينَ اعْتِمادًا عَلى فِطْنَةِ السّامِعِ لِأنَّهُ يَمْخَضُهُ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِن شَرْحِ حالِهِمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] إلَخْ، ومِمّا يَتَضَمَّنُهُ المَثَلانِ مِنَ الإشارَةِ إلى وُجُوهِ المُشابَهَةِ بَيْنَ أجْزاءِ أحْوالِهِمْ وأجْزاءِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها. فَإنَّ إظْهارَهُمُ الإيمانَ بِقَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] وقَوْلِهِمْ عِنْدَ لِقاءِ المُؤْمِنِينَ آمَنّا أحْوالٌ ومَظاهِرُ حَسَنَةٌ تَلُوحُ عَلى المُنافِقِينَ حِينَما يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ وحِينَما يَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ ويَصْدُرُ مِنهم طَيِّبُ القَوْلِ وقَوِيمُ السُّلُوكِ وتُشْرِقُ عَلَيْهِمُ الأنْوارُ النَّبَوِيَّةُ فَيَكادُ نُورُ الإيمانِ يَخْتَرِقُ إلى نُفُوسِهِمْ ولَكِنْ سُرْعانَ ما يَعْقُبُ تِلْكَ الحالَةَ الطَّيِّبَةَ حالَةٌ تُضادُها عِنْدَ انْفِضاضِهِمْ عَنْ تِلْكَ المَجالِسِ الزَّكِيَّةِ وخُلُوصِهِمْ إلى بِطانَتِهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ أوْ مِن أتْباعِهِمْ فَتُعاوِدُهُمُ الأحْوالُ الذَّمِيمَةُ
صفحة ٣١٣
مِن مُزاوَلَةِ الكُفْرَ وخِداعِ المُؤْمِنِينَ والحِقْدِ عَلَيْهِمْ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ووَصْفِهِمْ بِالسَّفَهِ. مُثِّلَ ذَلِكَ التَّظاهُرُ وذَلِكَ الِانْقِلابُ بِحالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ نُورُها.
ومِن بَدائِعِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِن تَرْكِيبِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها ومُقابَلَتِها لِلْهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ مِن حالِهِمْ هو قابِلٌ لِتَحْلِيلِهِ بِتَشْبِيهاتٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن هَيْئَةِ أحْوالِهِمْ بِجُزْءٍ مُفْرَدٍ مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَشُبِّهَ اسْتِماعُهُمُ القُرْآنَ بِاسْتِيقادِ النّارِ، ويَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ القُرْآنِ في إرْشادِ النّاسِ إلى الخَيْرِ والحَقِّ بِالنّارِ في إضاءَةِ المَسالِكِ لِلسّالِكِينَ، وشُبِّهَ رُجُوعُهم إلى كُفْرِهِمْ بِذَهابِ نُورِ النّارِ، وشُبِّهَ كَفْرُهم بِالظُّلُماتِ، ويُشَبَّهُونَ بِقَوْمٍ انْقَطَعَ إبْصارُهم.
2:18Page 4
صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾
أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [البقرة: ١٧] ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى (الَّذِي اسْتَوْقَدَ) لِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ بِهِ أوَّلُ التَّشْبِيهِ وآخِرُهُ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] يَقْتَضِي أنَّ المُسْتَوْقِدَ ذُو بَصَرٍ وإلّا لَما تَأتّى مِنهُ الِاسْتِيقادُ، وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في هَذا المَقامِ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا مَوْصُوفًا بِأوْصافٍ أوْ أخْبارٍ جَعَلُوهُ كَأنَّهُ قَدْ عُرِفَ لِلسّامِعِ فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أوْ فَتًى أوْ رَجُلٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ: هو فُلانٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦] ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [النبإ: ٣٧] التَّقْدِيرُ هو رَبُّ السَّماواتِ، عَدَلَ عَنْ جَعْلِ ”رَبُّ“ بَدَلًا مِن ”رَبِّكَ“، وقَوْلُ الحَماسِيِّ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرُ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلِّتِ
وسَمّى السَّكّاكِيُّ هَذا الحَذْفَ ”الحَذْفَ الَّذِي اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ الوارِدُ عَلى تَرْكِهِ“ .
والإخْبارُ عَنْهم بِهَذِهِ الأخْبارِ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ شُبِّهُوا في انْعِدامِ آثارِ الإحْساسِ مِنهم بِالصُّمِّ البُكْمِ العُمْيِ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهُ الصِّفاتُ الثَّلاثُ وذَلِكَ شَأْنُ الأخْبارِ الوارِدَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ بَعْدَ مُبْتَدَأٍ هو اسْمٌ دالٌّ عَلى جَمْعٍ، فالمَعْنى كُلُّ واحِدٍ مِنهم كالأصَمِّ الأبْكَمِ
صفحة ٣١٤
الأعْمى ولَيْسَ المَعْنى عَلى التَّوْزِيعِ، فَلا يُفْهَمُ أنَّ بَعْضَهم كالأصَمِّ وبَعْضَهم كالأبْكَمِ وبَعْضَهم كالأعْمى، ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِعارَةِ عِنْدَ مُحَقِّقِي أهْلِ البَيانِ.
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يُسَمّى ما في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ قُلْتُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى تَسْمِيَتِهِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا لا اسْتِعارَةً لِأنَّ المُسْتَعارَ لَهُ مَذْكُورٌ وهُمُ المُنافِقُونَ. اهـ أيْ لِأنَّ الِاسْتِعارَةَ تَعْتَمِدُ عَلى لَفْظِ المُسْتَعارِ مِنهُ أوِ المُسْتَعارِ لَهُ في جُمْلَةِ الِاسْتِعارَةِ، فَمَتى ذُكِرا مَعًا فَهو تَشْبِيهٌ، ولا يَضُرُّ ذِكْرُ لَفْظِ المُسْتَعارِ لَهُ في غَيْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِعارَةِ لِظُهُورِ أنَّهُ لَوْلا العِلْمُ بِالمُسْتَعارِ لَهُ في الكَلامِ لَما ظَهَرَتِ الِاسْتِعارَةُ، ولِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَ ابْنِ العَمِيدِ:
قامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ ∗∗∗ نَفْسٌ أعَزُّ عَلَيَّ مِن نَفْسِي
قامَتْ تُظَلِّلُنِي ومِن عَجَبٍ ∗∗∗ شَمَّسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ
أنَّ قَوْلَهُ: ”شَمْسٌ“ اسْتِعارَةٌ ولَمْ يَمْنَعْهم مِن ذَلِكَ ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ قَبْلُ في قَوْلِهِ: نَفْسٌ أعَزُّ، وضَمِيرُها في قَوْلِهِ: قامَتْ تُظَلِّلُنِي، وكَذا إذا كانَ لَفْظُ المُسْتَعارِ غَيْرَ مَقْصُودِ ابْتِناءِ التَّشْبِيهِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مانِعًا مِنَ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِ أبِي الحَسَنِ ابْنِ طَباطَبا:
لا تَعْجَبُوا مِن بِلَي غَلالَتِهِ ∗∗∗ قَدْ زَرَّ أزْرارَهُ عَلى القَمَرِ
فَإنَّ الضَّمِيرَ لَمْ يُذْكَرْ لِيُبْنى عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ، بَلْ جاءَ التَّشْبِيهُ عَقِبَهُ.
والصُّمُّ والبُكْمُ والعُمْيُ جَمْعُ أصَمَّ وأعْمى وأبْكَمَ وهم مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّمَمِ والبَكَمِ والعَمى. فالصَّمَمُ انْعِدامُ إحْساسِ السَّمْعِ عَمَّنْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ سَمِيعًا، والبَكَمُ انْعِدامُ النُّطْقِ عَمَّنْ مِن شَأْنِهِ النُّطْقُ، والعَمى انْعِدامُ البَصَرِ عَمَّنْ مِن شَأْنِهِ الإبْصارُ.
وقَوْلُهُ ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ لِأنَّ مَنِ اعْتَراهُ هَذِهِ الصِّفاتُ انْعَدَمَ مِنهُ الفَهْمُ والإفْهامُ وتَعَذَّرَ طَمَعُ رُجُوعِهِ إلى رُشْدٍ أوْ صَوابٍ.
والرُّجُوعُ الِانْصِرافُ مِن مَكانِ حُلُولٍ ثانٍ إلى مَكانِ حُلُولٍ أوَّلٍ وهو هُنا مَجازٌ في الإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences