Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:170–172
2:170Page 26
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠
And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?
صفحة ١٠٦
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾
الأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، فَإنَّ المَقْصُودَ بِالخِطابِ في ذَلِكَ هُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا لِأمْرِهِ بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ، وخاصَّةً بِأنْ يَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، والمُسْلِمُونَ مُحاشَوْنَ عَنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ المَعْطُوفَةِ زِيادَةُ تَفْظِيعٍ لِحالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَبَعْدَ أنْ أثْبَتَ لَهُمُ اتِّباعَهم خُطْواتِ الشَّيْطانِ فِيما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إعْراضِهِمْ عَمَّنْ يَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وتَشَبَّثُوا بِعَدَمِ مُخالَفَتِهِمْ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم، وأعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَدَبُّرٍ.
بَلْ إضْرابُ إبْطالٍ، أيْ أضْرَبُوا عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ: اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ، إضْرابَ إعْراضٍ بِدُونِ حُجَّةٍ إلّا بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم.
وفِي ضَمِيرِ لَهُمُ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطْواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] .
والمُرادُ بِما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم، ما وجَدُوهم عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الشِّرْكِ كَما قالُوا ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] والأُمَّةُ: المِلَّةُ وأعْظَمُ ذَلِكَ عِبادَةُ الأصْنامِ.
وقَوْلُهُ أوَلَوْ كانَ ﴿آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ كَلامٌ مِن جانِبٍ آخَرَ لِلرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾، فَإنَّ المُتَكَلِّمَ لَمّا حَكاهُ عَنْهم رَدَّ قَوْلَهم هَذا بِاسْتِفْهامٍ يُقْصَدُ مِنهُ الرَّدُّ ثُمَّ التَّعْجِيبُ، فالهَمْزَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ كِنايَةً وفي التَّعْجِيبِ إيماءً، والمُرادُ بِالإنْكارِ الرَّدُّ والتَّخْطِئَةُ لا الإنْكارُ بِمَعْنى النَّفْيِ.
و”لَوْ“ لِلشَّرْطِ وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ تَقْدِيرُهُ: لاتَّبَعُوهم، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو الِارْتِباطُ الَّذِي بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، وإنَّما صارَتِ الهَمْزَةُ لِلرَّدِّ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ يُجابُ عَنْهُ بِالإثْباتِ بِقَرائِنِ حالِ المُخْبَرِ عَنْهُ والمُسْتَفْهِمِ.
ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِن بَدِيعِ التَّراكِيبِ العَرَبِيَّةِ وأعْلاها إيجازًا، و”لَوْ“ في مِثْلِهِ تُسَمّى وصَلْيَةً وكَذَلِكَ ”إنَّ“ إذا وقَعَتْ في مَوْقِعِ ”لَوْ“، ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى الواوِ وأداةِ الشَّرْطِ في مِثْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
صفحة ١٠٧
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّها لِلْحالِ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جِنِّي والمَرْزُوقِيُّ وصاحِبُ الكَشّافِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا
ونَحْوٌ مِنهُ بَيْتُ الكِتابِ:
عاوِدْ هَراةَ وإنْ مَعْمُورُها خَرِبا
وذَلِكَ أنَّ الواوَ وما بَعْدَها مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ بِعاوِدْ كَما أنَّها وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا مَنصُوبَةُ المَوْضِعِ بِما قَبْلَها، وقَرِيبٌ مِن هَذا: أزُورُكَ راغِبًا فِيَّ وأُحْسِنُ إلَيْكَ شاكِرًا إلَيَّ، فَراغِبًا وشاكِرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ بِما قَبْلَهُما وهُما في مَعْنى الشَّرْطِ وما قَبْلَهُما نائِبٌ عَنِ الجَوابِ المُقَدَّرِ لَهُما ألا تَرى أنَّ مَعْناهُ إنْ رَغِبْتَ فِيَّ زُرْتُكَ وإنْ شَكَرْتَنِي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، وسَألْتُ مَرَّةً أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِ:
عاوِدْ هَراةَ وإنْ مَعْمُورُها خَرِبًا
كَيْفَ مَوْقِعُ الواوِ هُنا ؟ وأوْمَأْتُ في ذَلِكَ لَهُ إلى ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَرَأيْتُهُ كالمُصانِعِ في الجَوابِ لا قُصُورًا بِحَمْدِ اللَّهِ عَنْهُ ولَكِنْ فُتُورًا عَنْ تَكَلُّفِهِ فَأجْمَمْتُهُ، وقالَ المَرْزُوقِيُّ هُنالِكَ: قَوْلُهُ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ جَمالُكَ بِمِئْزَرٍ مُرَدًّى مَعَهُ بُرْدٌ، والحالُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما أنَّ الشَّرْطَ فِيهِ مَعْنى الحالِ، فالأوَّلُ كَقَوْلِكَ: لَأفْعَلَنَّهُ كائِنًا ما كانَ أيْ إنْ كانَ هَذا أوْ إنْ كانَ ذاكَ، والثّانِي كَبَيْتِ الكِتابِ:
عاوِدْ هَراةَ وإنْ مَعْمُورُها خَرِبًا
لِأنَّ الواوَ مِنهُ في مَوْضِعِ الحالِ كَما هو في بَيْتِ عَمْرٍو وفِيهِ لَفْظُ الشَّرْطِ ومَعْناهُ وما قَبْلَهُ نائِبٌ عَنِ الجَوابِ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ مَعْمُورُها خَرِبا فَعاوِدْها وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا عَلى مِئْزَرٍ فَلَيْسَ الجَمالُ بِذَلِكَ اهـ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: في هَذِهِ الآيَةِ وفي نَظِيرَتِها في سُورَةِ المائِدَةِ الواوُ
صفحة ١٠٨
لِلْحالِ، ثُمَّ ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّي والمَرْزُوقِيِّ أنَّ الحالَ في مِثْلِهِ مِنَ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ الواوِ وهو الَّذِي نَحّاهُ البَيْضاوِيُّ هُنا ورَجَّحَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ، وذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ الحالَ مِن جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ تَقْدِيرُها: أيَتَّبِعُونَهم ولَوْ كانَ آباؤُهم، وعَلى اعْتِبارِ الواوِ واوَ الحالِ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لَيْسَتْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ كَما هو شَأْنُها مَعَ واوِ العَطْفِ والفاءِ وثُمَّ بَلِ الهَمْزَةُ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، لِأنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو تِلْكَ الحالَةُ ولِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ في سُورَةِ المائِدَةِ: الواوُ واوُ الحالِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ. وقُدِّرَ هُنا وفي المائِدَةِ مَحْذُوفًا هو مَدْخُولُ الهَمْزَةِ في التَّقْدِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَقَدَّرَهُ هُنا: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم وقَدَّرَهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: أحَسْبُهم ذَلِكَ ؟ وهَذا اخْتِلافٌ في رَأْيِهِ، فَمَن لا يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا يَجْعَلُ الهَمْزَةَ داخِلَةً عَلى جُمْلَةِ الحالِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ قِيلَ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ ولا أعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِيهِ وهو وجِيهٌ جِدًّا أيْ قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ولَوْ كانَ آباؤُهم، وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ تارَةً تَكُونُ مِن كَلامِ الحاكِي كَما في الآيَةِ؛ أيْ يَقُولُونَهُ في كُلِّ حالٍ ولَوْ كانَ آباؤُهم إلَخْ فَهو مِن مَجِيءِ المُتَعاطِفَيْنِ مِن كَلامَيْ مُتَكَلِّمَيْنِ عَطْفَ التَّلْقِينِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، وتارَةً تَكُونُ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَلامِ الأوَّلِ كَما في بَيْتِ الحَماسَةِ وبَيْتِ الكِتابِ، وتارَةً تَكُونُ مِن كَلامِ الحاكِي تَلْقِينًا لِلْمَحْكِيِّ عَنْهُ وتَقْدِيرًا لَهُ مِن كَلامِهِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:
قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قالَتْ وإنْ
وقِيلَ العَطْفُ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ ونَسَبَهُ الرَّضِيُّ لِلْجَرْمِيِّ وقَدَّرُوا الجُمْلَةَ بِشَرْطِيَّةٍ مُخالِفَةٍ لِلشَّرْطِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيرُ: يَتَّبِعُونَهم إنْ كانُوا يَعْقِلُونَ ويَهْتَدُونَ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ولا يَهْتَدُونَ وكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ في نَظائِرِهِ مِنَ الشَّواهِدِ وهَذا هو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعَرِّبِينَ عِنْدَنا في نَظائِرِهِ لِخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: مُخْتارُ الرَّضِيِّ أنَّ الواوَ في مِثْلِهِ لِلِاعْتِراضِ إمّا في آخِرِ الكَلامِ كَما هُنا وإمّا في وسَطِهِ، ولَيْسَ الِاعْتِراضُ مَعْنًى مِن مَعانِي الواوِ ولَكِنَّهُ اسْتِعْمالٌ يَرْجِعُ إلى واوِ الحالِ.
فَأمّا الشَّرْطُ المُقْتَرِنُ بِهَذِهِ الواوِ فَلِكَوْنِهِ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ أوِ المَعْطُوفِ أوِ الِاعْتِراضِ مِن كَلامٍ سابِقٍ غَيْرِ شَرْطٍ، كانَ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فِيهِ ضَعِيفًا لِذَلِكَ اخْتَلَفَ النُّحاةُ في أنَّهُ باقٍ عَلى مَعْنى الشَّرْطِ أوِ انْسَلَخَ عَنْهُ إلى مَعْنًى جَدِيدٍ، فَظاهِرُ كَلامِ ابْنِ جِنِّي والمَرْزُوقِيِّ أنَّ الشَّرْطِيَّةَ باقِيَةٌ ولِذَلِكَ جَعَلا يُقَرِّبانِ مَعْنى الشَّرْطِ مِن مَعْنى الحالِ يُومِئانِ إلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ كَوْنِ الجُمْلَةِ
صفحة ١٠٩
حالِيَّةً وكَوْنِها شَرْطِيَّةً، وإلَيْهِ مالَ البَيْضاوِيُّ هُنا وحُسَّنَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ وهو الحَقُّ، ووَجْهُ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فِيهِ أنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ إذا ذُكِرَ فِيهِ حُكْمٌ وذُكِرَ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ سَبَبٍ لِذَلِكَ الحُكْمِ وكانَ لِذَلِكَ السَّبَبِ أفْرادٌ أوْ أحْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنها ما هو مَظِنَّةٌ لِأنْ تَتَخَلَّفَ السَّبَبِيَّةُ عِنْدَهُ لِوُجُودِ ما يُنافِيها مَعَهُ فَإنَّهم يَأْتُونَ بِجُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِإنْ أوْ (لَوْ) دَلالَةً عَلى الرَّبْطِ والتَّعْلِيقِ بَيْنَ الحالَةِ المَظْنُونِ فِيها تَخَلُّفُ التَّسَبُّبِ وبَيْنَ الفِعْلِ المُسَبَّبِ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، لِأنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ تَدُلُّ عَلى السَّبَبِ وجُمْلَةَ الجَزاءِ تَدُلُّ عَلى المُسَبَّبِ، ويَسْتَغْنُونَ حِينَئِذٍ عَنْ ذِكْرِ الجَزاءِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن أصْلِ الكَلامِ الَّذِي عُقِّبَ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ.
وإنَّما خُصَّ هَذا النَّوْعُ بِحَرْفَيْ ”إنْ ولَوْ“ في كَلامِ العَرَبِ لِدَلالَتِهِما عَلى نُدْرَةِ حُصُولِ الشَّرْطِ أوِ امْتِناعِهِ، إلّا أنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ نادِرَ الحُصُولِ جاءُوا مَعَهُ بِإنْ كَبَيْتِ عَمْرٍو، وإذا كانَ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ في نَفْسِ الأمْرِ جاءُوا مَعَهُ بِلَوْ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ورُبَّما أتَوْا بِلَوْ لِشَرْطٍ شَدِيدِ النُّدْرَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ المُمْتَنِعِ، فَيَكُونُ اسْتِعْمالُ لَوْ مَعَهُ مَجازًا مُرْسَلًا تَبَعِيًّا.
وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ ”إنْ ولَوْ“ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ خَرَجَتا عَنِ الشُّرْطِيَّةِ إلى مَعْنًى جَدِيدٍ، وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] أنَّ ”لَوْ“ فِيهِ لِلْفَرْضِ؛ إذْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: مَفْرُوضًا إعْجابَكَ حُسْنُهُنَّ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا: إنَّ الشَّرْطَ في مِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ التَّسْوِيَةِ وهي لا تَقْتَضِي جَوابًا عَلى الصَّحِيحِ لِخُرُوجِها عَنْ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ وإنَّما يُقَدِّرُونَ الجَوابَ تَوْضِيحًا لِلْمَعْنى وتَصْوِيرًا لَهُ اهـ. وسَمّى المُتَأخِّرُونَ مِنَ النُّحاةِ ”إنْ ولَوْ“ هاتَيْنِ وصْلِيَّتَيْنِ، وفَسَّرَهُ التَّفْتازانِيُّ في المُطَوَّلِ بِأنَّهُما لِمُجَرَّدِ الوَصْلِ والرَّبْطِ في مَقامِ التَّأْكِيدِ. وإذْ قَدْ تَحَقَّقْتَ مَعْنى هَذا الشَّرْطِ فَقَدْ حانَ أنْ نُبَيِّنَ لَكَ وجْهَ الحَقِّ في الواوِ المُقارِنَةِ لَهُ المُخْتَلَفِ فِيها ذَلِكَ الِاخْتِلافَ الَّذِي سَمِعْتَهُ، فَإنْ كانَ ما بَعْدَ الواوِ مُعْتَبَرًا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها فَلا شُبْهَةَ في أنَّ الواوَ لِلْحالِ وأنَّهُ المَعْنى المُرادُ وهو الغالِبُ، وإنْ كانَ ما بَعْدَها مِن كَلامٍ آخَرَ فَهي واوُ العَطْفِ لا مَحالَةَ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى مَضْمُونِ الكَلامِ الأوَّلِ عَلى مَعْنى التَّلْقِينِ، وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى قُلْ أوَ لَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ وكَذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها، فَإنَّ مَجِيءَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ آخَرُ، وكَذَلِكَ
صفحة ١١٠
بَيْتُ ”
قالَتْ بَناتُ العَمِّ
“ المُتَقَدِّمُ، وإنْ كانَ ما بَعْدَها مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الأوَّلِ لَكِنَّهُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى جَوابِ سُؤالٍ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ، فالواوُ لِلِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الرَّضِيِّ بِالِاعْتِراضِ مِثْلَ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
لا تَأْخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ ∗∗∗ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ
فَإنَّ مَوْقِعَ الشَّرْطِ فِيهِ لَيْسَ مَوْقِعَ الحالِ بَلْ مَوْقِعُ رَدِّ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: أتَنْفِي عَنْ نَفْسِكَ الذَّنْبَ. وقَدْ كَثُرَ القَوْلُ في إثْباتِهِ.
وقَوْلُهُ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا أيْ لا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِنَ المُدْرَكاتِ، وهَذا مُبالَغَةٌ في إلْزامِهِمْ بِالخَطَأِ في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَنْ غَيْرِ تَبَصُّرٍ ولا تَأمُّلٍ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في كَلِمَةِ شَيْءٍ.
ومُتَعَلِّقُ ولا يَهْتَدُونَ مَحْذُوفٌ أيْ إلى شَيْءٍ، وهَذِهِ الحالَةُ مُمْتَنِعَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لِأنَّ لِآبائِهِمْ عُقُولًا تُدْرِكُ الأشْياءَ، وفِيهِمْ بَعْضُ الِاهْتِداءِ مِثْلُ اهْتِدائِهِمْ إلى إثْباتِ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى وإلى بَعْضِ ما عَلَيْهِ أُمُورُهم مِنَ الخَيْرِ كَإغاثَةِ المَلْهُوفِ وقِرى الضَّيْفِ وحِفْظِ العَهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِهَذا صَحَّ وُقُوعُ ”لَوِ“ الشَّرْطِيَّةِ هُنا. وقَدْ أشْبَعْتُ الكَلامَ عَلى ”لَوْ“ هَذِهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُوجَدُ مُفَصَّلًا في كُتُبِ النَّحْوِ، وقَدْ أجْحَفَ فِيهِ صاحِبُ المُغْنِي. ولَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِأحْكامِ الِاجْتِهادِ والتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّها ذَمٌّ لِلَّذِينَ أبَوْا أنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ، فَأمّا التَّقْلِيدُ فَهو تَقْلِيدٌ لِلْمُتَّبَعِينَ ما أنْزَلَ اللَّهُ.
2:171Page 26
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١
The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ تَلَقِّيَهُمُ الدَّعْوَةَ إلى اتِّباعِ الدِّينِ بِالإعْراضِ إلى أنْ بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠]، وذَكَرَ فَسادَ عَقِيدَتِهِمْ إلى أنْ بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] الآيَةَ، فالمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المَضْرُوبِ لَهُمُ المَثَلُ هُنا هو عَيْنُ المُرادِ مِنَ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وعَيْنُ المُرادِ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥] وعَيْنُ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وعَيْنُ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ في قَوْلِهِ
صفحة ١١١
وإذا قِيلَ لَهم، عُقِّبَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِتَمْثِيلِ فَظِيعِ حالِهِمْ إبْلاغًا في البَيانِ واسْتِحْضارًا لَهم بِالمِثالِ، وفائِدَةُ التَّمْثِيلِ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] .
وإنَّما عَطَفَهُ بِالواوِ هُنا ولَمْ يُفَصِّلْهُ كَما فُصِّلَ قَوْلُهُ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] لِأنَّهُ أُرِيدَ هُنا جَعْلُ هَذِهِ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً لَهم في تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ ولَوْ لَمْ يَعْطِفْهُ لَما صَحَّ ذَلِكَ.
والمَثَلُ هُنا لَمّا أُضِيفَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا كانَ ظاهِرًا في تَشْبِيهِ حالِهِمْ عِنْدَ سَماعِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم إلى الإسْلامِ بِحالِ الأنْعامِ عِنْدَ سَماعِ دَعْوَةِ مَن يَنْعِقُ بِها في أنَّهم لا يَفْهَمُونَ إلّا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَدْعُوهم إلى مُتابَعَتِهِ مِن غَيْرِ تَبَصُّرٍ في دَلائِلِ صِدْقِهِ وصِحَّةِ دِينِهِ، فَكُلٌّ مِنَ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ والحالَةِ المُشَبَّهِ بِها يَشْتَمِلُ عَلى أشْياءَ: داعٍ ومَدْعُوٍّ ودَعْوَةٍ، وفَهْمٍ وإعْراضٍ وتَصْمِيمٍ، وكُلٌّ مِن هاتِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي أجْزاءُ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ المُشَبَّهِ بِهِ، وهَذا مِن أبْدَعِ التَّمْثِيلِ وقَدْ أوْجَزَتْهُ الآيَةُ إيجازًا بَدِيعًا، والمَقْصُودُ ابْتِداءً هو تَشْبِيهُ حالِ الكُفّارِ لا مَحالَةَ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَشْبِيهُ حالِ النَّبِيءِ وحالِ دَعْوَتِهِ، ولِلْكُفّارِ هُنا حالَتانِ: إحْداهُما حالَةُ الإعْراضِ عَنْ داعِي الإسْلامِ، والثّانِيَةُ حالَةُ الإقْبالِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الحالَتَيْنِ الآيَةُ السّابِقَةُ وهي قَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] وأعْظَمُهُ عِبادَةُ الأصْنامِ، فَجاءَ هَذا المَثَلُ بَيانًا لِما طُوِيَ في الآيَةِ السّابِقَةِ.
فَإنْ قُلْتَ: مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ غَنَمِ الَّذِي يَنْعِقُ؛ لِأنَّ الكُفّارَ هُمُ المُشَبَّهُونَ والَّذِي يَنْعَقُ يُشْبِهُهُ داعِي الكُفّارِ فَلِماذا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ ؟ وهَلْ هَذا الأُسْلُوبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَشْبِيهُ النَّبِيءِ ﷺ في دُعائِهِ لَهم بِالَّذِي يَنْعِقُ ؟ قُلْتُ: كِلا الأمْرَيْنِ مُنْتَفٍ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ: ومَثَلُ الَّذِينَ صَرِيحٌ في أنَّهُ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧]، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ أجْزاءُ المُرَكَّبَيْنِ غَيْرَ مَنظُورٍ إلَيْها اسْتِقْلالًا وأيُّها ذَكَرْتَ في جانِبِ المُرَكَّبِ المُشَبَّهِ والمُرَكَّبِ المُشَبَّهِ بِهِ أجْزَأكَ، وإنَّما كانَ الغالِبُ أنْ يَبْدَءُوا الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلى المُرَكَّبِ المُشَبَّهِ بِهِ بِما يُقابِلُ المَذْكُورَ في المُرَكَّبِ المُشَبَّهِ نَحْوِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقَدْ لا يَلْتَزِمُونَ ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] الآيَةَ.
والَّذِي يُقابِلُ ما يُنْفِقُونَ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ هو قَوْلُهُ حَرْثَ قَوْمٍ وقالَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ
صفحة ١١٢
سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] وإنَّما الَّذِي يُقابِلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ هو زارِعُ الحَبَّةِ وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ في اللَّفْظِ أصْلًا وقالَ تَعالى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآيَةَ، والَّذِي يُقابِلُ الصَّفْوانَ في جانِبِ المُشَبَّهِ هو المالُ المُنْفَقُ لا الَّذِي يُنْفِقُ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ» إلَخْ، والَّذِي يُقابِلُ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ في جانِبِ المُشَبَّهِ هو اللَّهُ تَعالى في ثَوابِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ قَبْلَنا، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ في جانِبِ المُشَبَّهِ أصْلًا، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ جِدًّا، وعَلَيْهِ فالتَّقْدِيراتُ الواقِعَةُ لِلْمُفَسِّرِينَ هُنا تَقادِيرُ لِبَيانِ المَعْنى، والآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَ حالِ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ بِحالِ الَّذِي يَنْعِقُ بِالغَنَمِ، أوْ تَشْبِيهَ حالِ المُشْرِكِينَ في إقْبالِهِمْ عَلى الأصْنامِ بِحالِ الدّاعِي لِلْغَنَمِ، وأيًّا ما كانَ فالغَنَمُ تَسْمَعُ صَوْتَ الدُّعاءِ والنِّداءِ ولا تَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ النّاعِقُ، والمُشْرِكُونَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالأدِلَّةِ الَّتِي جاءَ بِها النَّبِيءُ ﷺ فَيَكُونُ قَوْلُهُ إلّا دُعاءً ونِداءً مِن تَكْمِلَةِ أوْصافِ بَعْضِ أجْزاءِ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ. وذَلِكَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ إتْمامٍ لِلتَّشْبِيهِ إنْ كانَ المُرادُ تَشْبِيهَ المُشْرِكِينَ بِقِلَّةِ الإدْراكِ، ولِأنْ يَكُونَ احْتِراسًا في التَّشْبِيهِ إنْ كانَ المُرادُ تَشْبِيهَ الأصْنامِ حِينَ يَدْعُوها المُشْرِكُونَ بِالغَنَمِ حِينَ يَنْعِقُ بِها رُعاتُها، فَهي لا تَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً، ومَعْلُومٌ أنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ لا دُعاءً ولا نِداءً فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] ثُمَّ قالَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٧٤] .
وقَدْ جَوَّزَ المُفَسِّرُونَ أنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ عَلى إحْدى الطَّرِيقَتَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما مُمْكِنٌ ولَعَلَّهُ مِن مُرادِ اللَّهِ تَعالى؛ فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ يَحْتَمِلُ كُلَّ ما حَمَّلْتُهُ مِنَ الهَيْئَةِ كُلِّها، وهَيْئَةُ المُشْرِكِينَ في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ عَلى إعْراضٍ عَنْها وإقْبالٍ عَلى دِينِهِمْ كَما هو مَدْلُولُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ [البقرة: ١٧٠] الآيَةَ، فَهَذِهِ الحالَةُ كُلُّها تُشْبِهُ حالَ النّاعِقِ بِما لا يَسْمَعُ، فالنَّبِيءُ يَدْعُوهم كَناعِقٍ بِغَنَمٍ لا تَفْقَهُ دَلِيلًا، وهم يَدْعُونَ أصْنامَهم كَناعِقٍ بِغَنَمٍ لا تَفْقَهُ شَيْئًا.
ومِن بَلاغَةِ القُرْآنِ صُلُوحِيَّةُ آياتِهِ لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ يَفْرِضُها السّامِعُ.
والنَّعْقُ نِداءُ الغَنَمِ وفِعْلُهُ كَضَرَبَ ومَنَعَ ولَمْ يُقْرَأْ إلّا بِكَسْرِ العَيْنِ فَلَعَلَّ وزْنَ ضَرَبَ فِيهِ أفْصَحُ وإنْ كانَ وزْنُ مَنَعَ أقْيَسَ، وقَدْ أخَذَ الأخْطَلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ يَصِفُ جَرِيرًا
صفحة ١١٣
بِأنْ لا طائِلَ في هِجائِهِ الأخْطَلَ:
فانْعِقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فَإنَّما مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الظَّلامِ ضَلالا
والدُّعاءُ والنِّداءُ قِيلَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَهو تَأْكِيدٌ ولا يَصِحُّ، وقِيلَ الدُّعاءُ لِلْقَرِيبِ والنِّداءُ لِلْبَعِيدِ، وقِيلَ الدُّعاءُ ما يُسْمَعُ والنِّداءُ قَدْ يُسْمَعُ وقَدْ لا يُسْمَعُ ولا يَصِحُّ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِما نَوْعانِ مِنَ الأصْواتِ الَّتِي تَفْهَمُها الغَنَمُ، فالدُّعاءُ ما يُخاطَبُ بِهِ الغَنَمُ مِنَ الأصْواتِ الدّالَّةِ عَلى الزَّجْرِ وهي أسْماءُ الأصْواتِ، والنّادِرُ رَفْعُ الصَّوْتِ عَلَيْها لِتَجْتَمِعَ إلى رُعاتِها، ولا يَجُوزَ أنْ يَكُونا بِمَعْنًى واحِدٍ مَعَ وُجُودِ العَطْفِ؛ لِأنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ لا يُعْطَفُ فَإنَّ حَقِيقَةَ النِّداءِ رَفْعُ الصَّوْتِ لِإسْماعِ الكَلامِ، أوِ المُرادُ بِهِ هُنا نِداءُ الرِّعاءِ بَعْضَهم بَعْضًا لِلتَّعاوُنِ عَلى ذَوْدِ الغَنَمِ، وسَيَأْتِي مَعْنى النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أخْبارٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في عِلْمِ المَعانِي بِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ بَعْدَ أنْ أجْرى عَلَيْهِمُ التَّمْثِيلَ، والأوْصافُ إنْ رَجَعَتْ لِلْمُشْرِكِينَ فَهي تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وهو الظّاهِرُ وإنْ رَجَعَتْ إلى الأصْنامِ المَفْهُومَةِ مِن يَنْعِقُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فَهي حَقِيقَةٌ، وتَكُونُ شاهِدًا عَلى صِحَّةِ الوَصْفِ بِالعَدَمِ لِمَن لا يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالمَلَكَةِ كَقَوْلِكَ لِلْحائِطِ: هو أعْمى، إلّا أنْ يُجابَ بِأنَّ الأصْنامَ لَمّا فَرَضَها المُشْرِكُونَ عُقَلاءَ آلِهَةً وأُرِيدَ إثْباتُ انْعِدامِ الإحْساسِ مِنهم عُبِّرَ عَنْها بِهَذِهِ الأوْصافِ تَهَكُّمًا بِالمُشْرِكِينَ فَقِيلَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] .
وقَوْلُهُ فَهم لا يَعْقِلُونَ تَفْرِيعٌ كَمَجِيءِ النَّتِيجَةِ بَعْدَ البُرْهانِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ راجِعًا لِلْمُشْرِكِينَ فالِاسْتِنْتاجُ عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ لِخَفاءِ النَّتِيجَةِ في بادِئِ الرَّأْيِ، أيْ إنْ تَأمَّلْتُمْ وجَدْتُمُوهم لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّهم كالأنْعامِ والصُّمِّ والبُكْمِ إلَخْ، وإنْ كانَ راجِعًا لِلْأصْنامِ فالِاسْتِنْتاجُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى غَباوَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوها. ومَجِيءُ الضَّمِيرِ لَهم بِضَمِيرِ العُقَلاءِ تَهَكَّمٌ بِالمُشْرِكِينَ لِأنَّهم جَعَلُوا الأصْنامَ في أعْلى مَراتِبِ العُقَلاءِ كَما تَقَدَّمَ.
2:172Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
صفحة ١١٤
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
اعْتِراضٌ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ بِالِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِإباحَةِ ما في الأرْضِ مِنَ الطَّيِّباتِ جَرَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ، فَقَدِ انْتَقَلَ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أنْ حَرَّمُوا ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ إلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن مَثَلِ ذَلِكَ مَعَ بَيانِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَطْعُوماتِ، وقَدْ أُعِيدَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ لِيَكُونَ خِطابُ المُسْلِمِينَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، ولِهَذا كانَ الخِطابُ هُنا بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والكَلامُ عَلى الطَّيِّباتِ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وقَوْلُهُ واشْكُرُوا لِلَّهِ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ بِأكْلِ الطَّيِّباتِ الدّالِّ عَلى الإباحَةِ والِامْتِنانِ، والأمْرُ في اشْكُرُوا لِلْوُجُوبِ لِأنَّ شُكْرَ المُنَعِمِ واجِبٌ.
وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الشُّكْرِ بِحَرْفِ اللّامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى واشْكُرُوا لِي.
والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِأنَّ في الِاسْمِ الظّاهِرِ إشْعارًا بِالإلَهِيَّةِ فَكَأنَّهُ يُومِئُ إلى ألّا تُشْكَرَ الأصْنامُ؛ لِأنَّها لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا مِمّا عَلى الأرْضِ بِاعْتِرافِ المُشْرِكِينَ أنْفُسِهِمْ فَلا تَسْتَحِقُّ شُكْرًا. وهَذا مِن جَعْلِ اللَّقَبِ ذا مَفْهُومٍ بِالقَرِينَةِ، إذِ الضَّمِيرُ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلّا في مَواضِعَ.
ولِذَلِكَ جاءَ بِالشَّرْطِ فَقالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيِ اشْكُرُوهُ عَلى ما رَزَقَكم إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِأنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ أيْ إنْ كُنْتُمْ هَذا الفَرِيقَ وهَذِهِ سَجِيَّتُكم، ومِن شَأْنِ ”كانَ“ إذا جاءَتْ وخَبَرُها جُمْلَةٌ مُضارِعِيَّةٌ أنْ تَدُلَّ عَلى الِاتِّصافِ بِالعُنْوانِ لا عَلى الوُقُوعِ بِالفِعْلِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أيْ إنْ كانَ هَذا العِلْمُ مِن صِفاتِكم، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ لا تُشْرِكُونَ مَعَهُ في العِبادَةِ غَيْرَهُ فاشْكُرُوهُ وحْدَهُ.
فالمُرادُ بِالعِبادَةِ هُنا الِاعْتِقادُ بِالإلَهِيَّةِ والخُضُوعُ والِاعْتِرافُ ولَيْسَ المُرادُ بِها الطّاعاتِ الشَّرْعِيَّةَ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ ما تَقَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ واشْكُرُوا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences