Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:174–176
2:174Page 26
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤
Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
عَوْدٌ إلى مُحاجَّةِ أهْلِ الكِتابِ لاحِقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] تَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِمّا أحْدَثَهُ اليَهُودُ في دِينِهِمْ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وتَحْلِيلِ بَعْضِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا التَّوْسِيعَ والتَّضْيِيقَ تَرَكُوا أنْ يَقْرَءُوا مِن كِتابِهِمْ ما غَيَّرُوا العَمَلَ بِأحْكامِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] كَما فَعَلُوا في تَرْكِ قِراءَةِ حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي في التَّوْراةِ حِينَ دَعا النَّبِيءُ ﷺ أحَدَ اليَهُودِ لِيَقْرَأ ذَلِكَ الحُكْمَ مِنَ التَّوْراةِ فَوَضَعَ اليَهُودِيُّ يَدَهُ عَلى الكَلامِ الوارِدِ في ذَلِكَ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الحُدُودِ ولِجَرَيانِهِ عَلى مُناسَبَةِ إباحَةِ ما أُبِيحَ مِنَ المَأْكُولاتِ جاءَ قَوْلُهُ هُنا ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ لِقَصْدِ المُشاكَلَةِ.
وفِي هَذا تَهْيِئَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى ابْتِداءِ شَرائِعِ الإسْلامِ؛ فَإنَّ هَذا الكَلامَ فِيهِ إبْطالٌ لِما شَرَعَهُ أهْلُ الكِتابِ في دِينِهِمْ فَكَوْنُ التَّخَلُّصِ مُلَوَّنًا بِلَوْنَيِ الغَرَضِ السّابِقِ والغَرَضِ اللّاحِقِ.
وعُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِمْ بِغَيْرِ المَوْصُولِ إلى المَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى سَبَبِ الخَيْرِ وعِلَّتِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
والقَوْلُ في الكِتْمانِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] والكِتابُ المَذْكُورُ هُنا هو الكِتابُ المَعْهُودُ مِنَ السِّياقِ وهو كِتابُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، فَيُشْبِهُ أنْ تَكُونَ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والَّذِينَ يَكْتُمُونَهُ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ يَكْتُمُونَ البِشارَةَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ويَكْتُمُونَ بَعْضَ الأحْكامِ الَّتِي بَدَّلُوها.
صفحة ١٢٣
وقَوْلُهُ ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وهو المالُ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنَ النّاسِ جَزاءً عَلى إفْتائِهِمْ بِما يُلائِمُ هَواهم مُخالِفًا لِشَرْعِهِمْ أوْ عَلى الحُكْمِ بِذَلِكَ، فالثَّمَنُ يُطْلَقُ عَلى الرِّشْوَةِ لِأنَّها ثَمَنٌ يُدْفَعُ عِوَضًا عَنْ جَوْرِ الحاكِمِ وتَحْرِيفِ المُفْتِي.
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ جِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإشْهارِهِمْ لِئَلّا يَخْفى أمْرُهم عَلى النّاسِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو تَأْكِيدٌ لِلسَّبَبِيَّةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالمَوْصُولِ، وفِعْلُ يَأْكُلُونَ مُسْتَعارٌ لِأخْذِ الرِّشا المُعَبَّرِ عَنْها بِالثَّمَنِ والظّاهِرُ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في زَمانِ الحالِ، أيْ ما يَأْكُلُونَ وقْتَ كِتْمانِهِمْ واشْتِرائِهِمْ إلّا النّارَ لِأنَّهُ الأصْلُ في المُضارِعِ.
والأكْلُ مُسْتَعارٌ لِلِانْتِفاعِ مَعَ الإخْفاءِ، لِأنَّ الأكْلَ انْتِفاعٌ بِالطَّعامِ وتَغْيِيبٌ لَهُ فَهو خَفِيٌّ لا يَظْهَرُ كَحالِ الرِّشْوَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِآكِلِ الرِّشْوَةِ عَلى كِتْمانِ الأحْكامِ أكْلُ نارٍ تَعَيَّنَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا، فَقِيلَ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ في تَعَلُّقِ الأكْلِ بِالنّارِ ولَيْسَتْ هي لَهُ وإنَّما لَهُ سَبَبُها أعْنِي الرِّشْوَةَ، قالَ التَّفْتازانِيُّ: وهو الَّذِي يُوهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ أخِيرًا بِغَيْرِهِ، وقِيلَ هو مَجازٌ في الطَّرَفِ بِأنْ أطْلَقَ لَفْظَ النّارِ عَلى الرِّشْوَةِ إطْلاقًا لِلِاسْمِ عَلى سَبَبِهِ قالَ التَّفْتازانِيُّ: وهو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ في الكَشّافِ ونَظَّرَهُ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ يُوَبِّخُ امْرَأتَهُ وكانَ يَقْلاها:
أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضَرَّةٍ بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
أرادَ الحَلْفَ بِطَرِيقَةِ الدُّعاءِ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَأْكُلَ دَمًا أيْ دِيَةَ دَمٍ فَقَدْ تَضَمَّنَ الدُّعاءَ عَلى نَفْسِهِ بِقَتْلِ أحَدِ أقارِبِهِ وبِذَهابِ مُرُوءَتِهِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِأخْذِ الدِّيَةِ عَنِ القَتِيلِ ولا يَرْضَوْنَ إلّا بِالقَوَدِ، واخْتارَ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ: شُبِّهَتِ الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِن أكْلِهِمُ الرِّشا بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مَن أكْلِهِمُ النّارَ وأِطْلِقَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ.
قُلْتُ: ولا يَضُرُّ كَوْنُ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ لِأنَّها هَيْئَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ كَقَوْلِهِ )
أعْلامُ ياقُوتٍ نُشِرْنَ ∗∗∗ عَلى رِماحٍ مِن زَبَرْجَدِ
( فالمُرَكَّبُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَدُلَّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ
صفحة ١٢٤
أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ ما يَأْخُذُونَ إلّا أخْذًا فَظِيعًا مُهْلِكًا فَإنْ تَناوَلَها كَتَناوُلِ النّارِ لِلْأكْلِ فَإنَّهُ كُلُّهُ هَلاكٌ مِن وقْتِ تَناوُلِها بِاليَدِ إلى حُصُولِها في البَطْنِ، ووَجْهُ كَوْنِ الرِّشْوَةِ مُهْلِكَةً أنَّ فِيها اضْمِحْلالَ أمْرِ الأُمَّةِ وذَهابَ حُرْمَةِ العُلَماءِ والدِّينِ فَتَكُونُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ [آل عمران: ١٠٣] أيْ عَلى وشْكِ الهَلاكِ والِاضْمِحْلالِ.
والَّذِي يَدْعُو إلى المَصِيرِ لِلتَّمْثِيلِيَّةِ هو قَوْلُهُ تَعالى في بُطُونِهِمْ فَإنَّ الرِّشْوَةَ لا تُؤْكَلُ في البَطْنِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرَكَّبُ كُلُّهُ اسْتِعارَةً، ولَوْ جُعِلَتِ الِاسْتِعارَةُ في خُصُوصِ لَفْظِ النّارِ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ مُسْتَعْمَلًا في المُرَكَّبِ الحَقِيقِيِّ، وهو لا يَصِحُّ، ولَوْلا قَوْلُهُ في بُطُونِهِمْ لَأمْكَنَ أنْ يُقالَ: إنَّ يَأْكُلُونَ هُنا مُسْتَعْمَلٌ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في غَضَبِ الحَقِّ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَأْكُلُونَ مُسْتَقْبَلًا، أيْ ما سَيَأْكُلُونَ إلّا النّارَ عَلى أنَّهُ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وهو وجِيهٌ، ونُكْتَةُ اسْتِعارَةِ الأكْلِ هُنا إلى اصْطِلائِهِمْ بِنارِ جَهَنَّمَ هي مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالثَّمَنِ هُنا الرِّشْوَةُ، وقَدْ شاعَ تَسْمِيَةُ أخْذِ الرَّشْوَةِ أكْلًا.
وقَوْلُهُ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ نَفْيٌ لِلْكَلامِ والمُرادُ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ وهو الكِنايَةُ عَنِ الغَضَبِ، فالمُرادُ نَفْيُ كَلامِ التَّكْرِيمِ، فَلا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]، وقَوْلُهُ ولا يُزَكِّيهِمْ أيْ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَجْمَعِ، وذَلِكَ إشْعارٌ لَهم بِأنَّهم صائِرُونَ إلى العَذابِ؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ التَّزْكِيَةُ أعْقَبَها الذَّمُّ والتَّوْبِيخُ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ ذَمِّهِمْ في ذَلِكَ الجَمْعِ إذْ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ سُكُوتٌ.
2:175Page 26
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥
Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾
إنْ جَعَلْتَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً ثانِيًا لِجُمْلَةٍ هي خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ وهو اسْمُ إنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] فالقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ وهو ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمُ إلّا النّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] ونُكْتَةُ تَكْرِيرِهِ أنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِأحْكامٍ أُخْرى
صفحة ١٢٥
غَيْرِ الحُكْمِ السّابِقِ وأنَّ تِلْكَ الأحْكامَ لِأهَمِّيَّتِها يَنْبَغِي ألّا تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً تابِعَةً لِلْحُكْمِ الأوَّلِ بَلْ تُفْرَدُ بِالحُكْمِيَّةِ.
وإنْ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً مُسْتَقِلًّا مَعَ جُمْلَتِهِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ سَبَبِ انْغِماسِهِمْ في عَذابِ النّارِ؛ لِأنَّهُ وعِيدٌ عَظِيمٌ جِدًّا يَسْتَوْجِبُ أنْ يَسْألَ عَنْهُ السّائِلُ فَيُبَيَّنُ بِأنَّهم أخَذُوا الضَّلالَ ونَبَذُوا الهُدى واخْتارُوا العَذابَ ونَبَذُوا المَغْفِرَةَ، ومَجِيءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ اسْمَ إشارَةٍ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُشِيرُ لَهم بِوَصْفِهِمُ السّابِقِ وهو كِتْمانُ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ.
ومَعْنى اشْتِراءِ الضَّلالَةِ بِالهُدى في كِتْمانِ الكِتابِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ أخْفَوْها أوْ أفْسَدُوها بِالتَّأْوِيلِ فَقَدِ ارْتَفَعَ مَدْلُولُها المَقْصُودُ مِنها وإذا ارْتَفَعَ مَدْلُولُها نُسِيَ العَمَلُ بِها فَأقْدَمَ النّاسُ عَلى ما حَذَّرْتَهم مِنهُ، فَفي كِتْمانِهِمْ حَقٌّ رُفِعَ وباطِلٌ وُضِعَ.
ومَعْنى اشْتِراءِ العَذابِ بِالمَغْفِرَةِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ الكِتْمانَ عَنْ عَمْدٍ وعِلْمٍ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، فَهم قَدْ رَضُوا بِالعَذابِ وإضاعَةِ المَغْفِرَةِ فَكَأنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا بِالمَغْفِرَةِ العَذابَ، والقَوْلُ في مَعْنى اشْتَرَوْا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] .
وقَوْلُهُ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن شِدَّةِ صَبْرِهِمْ عَلى عَذابِ النّارِ، ولَمّا كانَ شَأْنُ التَّعْجِيبِ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنْ مُشاهَدَةِ صَبْرِهِمْ عَلى العَذابِ وهَذا الصَّبْرُ غَيْرُ حاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ هاتِهِ الآيَةِ بَنى التَّعْجِيبَ عَلى تَنْزِيلِ غَيْرِ الواقِعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لِشِدَّةِ اسْتِحْضارِ السّامِعِ إيّاهُ بِما وُصِفَ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ الماضِيَةِ، وهَذا مِن طُرُقِ جَعْلِ المُحَقَّقِ الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ، ومِنهُ التَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي وتَنْزِيلُ المُتَخَيَّلِ مَنزِلَةَ الشّاهِدِ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرى مَن ظَعائِنٍ تَحَمَّلْنَ بِالعَلْياءِ مِن فَوْقِ جُرْثُمِ
بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّهُ وقَفَ بِالدّارِ بَعْدَ عِشْرِينَ حَجَّةً، وقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي ∗∗∗ بِذِي الطَّيِّسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيا
وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] عَلى جَعْلِ لَتَرَوُنَّ جَوابَ لَوْ.
2:176Page 26
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦
That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.
صفحة ١٢٦
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾
جِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِرَبْطِ الكَلامِ اللّاحِقِ بِالسّابِقِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في أمْثالِهِ إذا طالَ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْءِ وما ارْتَبَطَ بِهِ مِن حُكْمٍ أوْ عِلَّةٍ أوْ نَحْوِهِما كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وذَلِكَ مِن تِلْقاءِ مِثْلِكَ رائِعُ
بَعْدَ قَوْلِهِ:
أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي
والكَلامُ السّابِقُ الأظْهَرُ أنَّهُ قَوْلُهُ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] والمَعْنى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ فَكِتْمانُهم شَيْئًا مِنَ الكِتابِ كِتْمانٌ لِلْحَقِّ وذَلِكَ فَسادٌ وتَغْيِيرٌ لِمُرادِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما يُكْتَمُ مِنَ الحَقِّ يَخْلُفُهُ الباطِلُ كَما بَيَّناهُ آنِفًا فَحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ لِكِتْمانِهِ، لِأنَّهُ مُخالِفُ مُرادِ اللَّهِ مِن تَنْزِيلِهِ، وعَلَيْهِ فالكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ﴾ هو عَيْنُ الكِتابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] وهو كِتابُهُمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ لِيَكُونَ المَوْضُوعُ في العِلَّةِ والحُكْمِ المُعَلَّلِ واحِدًا، وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ فُصِّلَتْ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لِجَرَيانِها مِنها مَجْرى العِلَّةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ السّابِقُ هو الكِتْمانَ المَأْخُوذَ مِن يَكْتُمُونَ، أيْ إنَّما كَتَمُوا ما كَتَمُوا بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ فَعَلِمُوا أنَّهُ عَلى النَّعْتِ الَّذِي بِشَّرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ التَّوْراةِ. والمَعْنى أنَّهم كَتَمُوا دَلائِلَ صِدْقِ النَّبِيءِ حَسَدًا وعِنادًا؛ لِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ، فالكِتابُ هُنا غَيْرُ الكِتابِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] .
والجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِاسْتِغْرابِ تَعَمُّدِهِمْ كِتْمانَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ وإنَّ هَذا الصُّنْعَ الشَّنِيعَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ سَبَبٍ عَظِيمٍ، فَبُيِّنَ بُقُولِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ تَذْيِيلٌ ولَكِنَّهُ عَطَفَ بِالواوِ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَكْمِلَةَ وصْفِ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ووَعِيدَهم، والمُرادُ بِالَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَيْنُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ والَّذِينَ اشْتَرَوْا، فالمَوْصُولاتُ كُلُّها عَلى نَسَقٍ واحِدٍ.
صفحة ١٢٧
والمُرادُ مِنَ الكِتابِ المَجْرُورِ بِفي يُحْتَمَلُ أنَّهُ المُرادُ مِنَ الكِتابِ في قَوْلِهِ نَزَّلَ الكِتابَ فَهو القُرْآنُ فَيَكُونُ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِيُناسِبَ اسْتِقْلالَ جُمْلَةِ التَّذْيِيلِ بِذاتِها ويَكُونُ المُرادُ بِاخْتَلَفُوا عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أوِ اخْتَلَفُوا فِيما يَصِفُونَ بِهِ القُرْآنَ مِن تَكْذِيبٍ بِهِ كُلِّهِ أوْ تَكْذِيبِ ما لا يُوافِقُ هَواهم وتَصْدِيقِ ما يُؤَيِّدُ كُتُبَهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ المَجْرُورِ بِفي هو المُرادُ مِنَ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ يَعْنِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أيِ اخْتَلَفُوا في الَّذِي يَقْرَءُونَهُ والَّذِي يُغَيِّرُونَهُ وفي الإيمانِ بِالإنْجِيلِ والإيمانِ بِالتَّوْراةِ، ومِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ ما يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ وأنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ هو اخْتِلافَ مَعاذِيرِهِمْ عَنِ القُرْآنِ إذْ قالُوا: سِحْرٌ أوْ شِعْرٌ أوْ كِهانَةٌ أوْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. لَكِنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ سِياقِ الكَلامِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ومِنَ المُحْتَمَلِ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسَ أيِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كُتُبِ اللَّهِ فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِالقُرْآنِ.
وفائِدَةُ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: الكِتابَ أنْ يَكُونَ التَّذْيِيلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لِجَرَيانِهِ مَجْرى المَثَلِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ مُتَفاوِتَةُ البُعْدِ.
ووَصْفُ الشِّقاقِ بِالبَعِيدِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ أيْ بِعِيدٌ صاحِبُهُ عَنِ الوِفاقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences