Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:186–187
2:186Page 28
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.
﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾
الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ المُتَعاطِفَةِ؛ أيْ: لِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، ﴿ولِتُكَبِّرُوا﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ثُمَّ التَفَتَ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ في مَقامِ تَبْلِيغٍ فَقالَ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾، أيِ: العِبادَ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ مَعَهم، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وتَدْعُونِ فَأسْتَجِيبُ لَكم إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِيَحْصُلَ في خِلالِ ذَلِكَ تَعْظِيمُ شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ يَسْألُهُ المُسْلِمُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، والإشارَةُ إلى جَوابِ مَن عَسى أنْ يَكُونُوا سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ عَنْ كَيْفِيَّةِ الدُّعاءِ هَلْ يَكُونُ جَهْرًا أوْ سِرًّا، ولِيَكُونَ نَظْمُ الآيَةِ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِما يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أكْرَمَهم فَقالَ: وإذا سَألُوا عَنْ حَقِّهِمْ عَلَيَّ فَإنِّي قَرِيبٌ مِنهم أُجِيبُ دَعْوَتَهم، وجُعِلَ هَذا الخَيْرُ مُرَتَّبًا عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم يَهْجِسُ هَذا في نُفُوسِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعُوا الأمْرَ بِالإكْمالِ والتَّكْبِيرِ والشُّكْرِ أنْ يَقُولُوا: هَلْ لَنا جَزاءً عَلى ذَلِكَ ؟ وأنَّهم قَدْ يَحْجِمُونَ عَنْ سُؤالِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: (﴿وإذا سَألَكَ﴾) الصَّرِيحُ بِأنَّ هَذا سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ.
واسْتِعْمالُ مِثْلِ هَذا الشَّرْطِ مَعَ مادَّةِ السُّؤالِ؛ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ - اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ البُلَغاءِ قالَ عَلْقَمَةُ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
والعُلَماءُ يَفْتَتِحُونَ المَسائِلَ المُهِمَّةَ في كُتُبِهِمْ بِكَلِمَةِ ”فَإنْ قُلْتَ“ وهو اصْطِلاحُ الكَشّافِ. ويُؤَيِّدُ هَذا تَجْرِيدُ الجَوابِ مِن كَلِمَةِ ”قُلْ“ الَّتِي ذُكِرَتْ في مَواقِعِ السُّؤالِ مِنَ القُرْآنِ نَحْوَ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] مَعَ ما في هَذا النَّظْمِ العَجِيبِ مِن زِيادَةِ إخْراجِ الكَلامِ في صُورَةِ الحُكْمِ الكُلِّيِّ إذْ جاءَ بِحُكْمٍ عامٍّ
صفحة ١٧٩
فِي سِياقِ الشَّرْطِ فَقالَ: (﴿سَألَكَ عِبادِي﴾) وقالَ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاع﴾ ولَوْ قِيلَ: ولْيَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهم؛ لَكانَ حُكْمًا جُزْئِيًّا خاصًّا بِهِمْ، فَقَدْ ظَهَرَ وجْهُ اتِّصالِ الآيَةِ بِالآياتِ قَبْلَها، ومُناسَبَتِها لَهُنَّ، وارْتِباطِها بِهِنَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُنالِكَ اعْتِراضُ جُمْلَةٍ.
وقِيلَ: إنَّها جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ اقْتَرَنَتْ بِالواوِ بَيْنَ أحْكامِ الصِّيامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وأنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، قِيلَ: إنَّهُ ذَكَرَ الدُّعاءَ هُنا بَعْدَ ذِكْرِ الشُّكْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الدُّعاءَ يَجِبُ أنْ يَسْبِقَهُ الثَّناءُ.
والعِبادُ الَّذِينَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في بَيانِ أحْكامِ الصَّوْمِ ولَوازِمِهِ وجَزائِهِ وهو مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ غالِبًا في ذِكْرِ العِبادِ مُضافًا لِضَمِيرِ الجَلالَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] بِمَعْنى المُشْرِكِينَ فاقْتَضاهُ أنَّهُ في مَقامِ تَنْدِيمِهِمْ عَلى اسْتِعْبادِهِمْ لِلْأصْنامِ.
وإنَّما قالَ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَقُلْ لَهم إنِّي قَرِيبٌ؛ إيجازًا لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ السُّؤالَ مَفْرُوضٌ غَيْرُ واقِعٍ مِنهم بِالفِعْلِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ قُرْآنِيَّةٌ، وهي إيهامٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى جَوابَهم عَنْ سُؤالِهِمْ بِنَفْسِهِ إذْ حَذَفَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى وساطَةِ النَّبِيءِ ﷺ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ قُرْبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ في مَقامِ الدُّعاءِ.
واحْتِيجَ لِلتَّأْكِيدِ بِـ (إنَّ) لِأنَّ الخَبَرَ غَرِيبٌ وهو أنْ يَكُونَ تَعالى قَرِيبًا مَعَ كَوْنِهِمْ لا يَرَوْنَهُ.
و(أُجِيبُ) خَبَرٌ ثانٍ لِـ (إنَّ) وهو المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ الَّذِي قَبْلَهُ تَمْهِيدًا لَهُ لِتَسْهِيلِ قَبُولِهِ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ: (دَعانِ) في قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ؛ لِأنَّ حَذْفَها في الوَقْفِ لُغَةُ جُمْهُورِ العَرَبِ عَدا أهْلِ الحِجازِ، ولا تُحْذَفُ عِنْدَهم في الوَصْلِ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُهُ، ولِأنَّ الرَّسْمَ يُبْنى عَلى حالِ الوَقْفِ، وأثْبَتَ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ ويَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ وعاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الكَلِمَةَ لَوْ وقَعَتْ فاصِلَةً لَكانَ الحَذْفُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ الصّائِمَ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وإلى أنَّ شَهْرَ رَمَضانَ مَرْجُوَّةٌ دَعَواتُهُ، وإلى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعاءِ عِنْدَ انْتِهاءِ كُلِّ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ.
صفحة ١٨٠
والآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ إجابَةَ دُعاءِ الدّاعِي تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي التِزامَ إجابَةِ الدَّعْوَةِ مِن كُلِّ أحَدٍ وفي كُلِّ زَمانٍ؛ لِأنَّ الخَبَرَ لا يَقْتَضِي العُمُومَ، ولا يُقالُ: إنَّهُ وقَعَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ فَيُفِيدُ التَّلازُمَ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ هُنا رَبْطُ الجَوابِ بِالسُّؤالِ ولَيْسَ رَبْطًا لِلدُّعاءِ بِالإجابَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إنْ دَعُونِي أجَبْتُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى (أُجِيبُ) أيْ: إذا كُنْتُ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِي فَلْيُجِيبُوا أوامِرِي، واسْتَجابَ وأجابَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وأصْلُ أجابَ واسْتَجابَ أنَّهُ الإقْبالُ عَلى المُنادِي بِالقُدُومِ، أوْ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِعْدادِ لِلْحُضُورِ نَحْوَ (لَبَّيْكَ) ثُمَّ أُطْلِقَ مَجازًا مَشْهُورًا عَلى تَحْقِيقِ ما يَطْلُبُهُ الطّالِبُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ بِتَحْقِيقِهِ يَقْطَعُ مَسْألَتَهُ فَكَأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالِاسْتِجابَةِ امْتِثالَ أمْرِ اللَّهِ، فَيَكُونَ (ولْيُؤْمِنُوا بِيَ) عَطْفًا مُغايِرًا، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ الفِعْلُ ومِنَ الأمْرِ الثّانِي الدَّوامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالِاسْتِجابَةِ ما يَشْمَلُ اسْتِجابَةَ دَعْوَةِ الإيمانِ، فَذِكْرُ (ولْيُؤْمِنُوا) عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
وقَوْلُهُ: (لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ) تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ، والرُّشْدُ إصابَةُ الحَقِّ، وفِعْلُهُ كَنَصَرَ وفَرِحَ وضَرَبَ، والأشْهَرُ الأوَّلُ.
2:187Page 29
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧
It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.
﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
انْتِقالٌ في أحْكامِ الصِّيامِ إلى بَيانِ أعْمالٍ في بَعْضِ أزْمِنَةِ رَمَضانَ قَدْ يُظَنُّ أنَّها تُنافِي عِبادَةَ الصِّيامِ، ولِأجْلِ هَذا الِانْتِقالِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الجُمَلِ السّابِقَةِ.
وذَكَرُوا لِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَلامًا مُضْطَرِبًا غَيْرَ مُبِينٍ، فَرَوى أبُو داوُدَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: كانَ المُسْلِمُونَ إذا نامَ أحَدُهم إذا صَلّى العِشاءَ وسَهِرَ بَعْدَها لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يُباشِرْ أهْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَجاءَ عُمَرُ يُرِيدُ امْرَأتَهُ فَقالَتْ: إنِّي قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أنَّها تَعْتَلُّ فَباشَرَها، ورَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ
صفحة ١٨١
بْنِ عازِبٍ أنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ جاءَ إلى مَنزِلِهِ بَعْدَ الغُرُوبِ يُرِيدُ طَعامَهُ فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: حَتّى نُسَخِّنَ لَكَ شَيْئًا فَنامَ فَجاءَتِ امْرَأتُهُ فَوَجَدْتُهُ نائِمًا، فَقالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ فَلَمّا انْتَصَفَ النَّهارُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنَ الجُوعِ، وفي كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضانَ كانُوا لا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضانَ كُلَّهُ، وكانَ رِجالٌ يَخُونُونَ أنْفُسَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، ووَقَعَ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ مِثْلَ ما وقَعَ لِعُمَرَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ الأحْداثِ، فَقِيلَ: كانَ تَرْكُ الأكْلِ ومُباشَرَةِ النِّساءِ مِن بَعْدِ النَّوْمِ أوْ مِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ حُكْمًا مَشْرُوعًا بِالسُّنَّةِ ثُمَّ نُسِخَ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنْ يَكُونَ هَذا نَسْخًا لِشَيْءٍ تَقَرَّرَ في شَرْعِنا وقالَ: هو نَسْخٌ لِما كانَ في شَرِيعَةِ النَّصارى.
وما شُرِعَ الصَّوْمُ إلّا إمْساكًا في النَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ فَلا أحْسِبُ أنَّ الآيَةَ إنْشاءٌ لِلْإباحَةِ، ولَكِنَّها إخْبارٌ عَنِ الإباحَةِ المُتَقَرِّرَةِ في أصْلِ تَوْقِيتِ الصِّيامِ بِالنَّهارِ، والمَقْصُودُ مِنها إبْطالُ شَيْءٍ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُسْلِمِينَ وهو أنَّ الأكْلَ بَيْنَ اللَّيْلِ لا يَتَجاوَزُ وقْتَيْنِ؛ وقْتَ الإفْطارِ ووَقْتَ السُّحُورِ، وجَعَلُوا وقْتَ الإفْطارِ هو ما بَيْنَ المَغْرِبِ إلى العَشاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنامُونَ إثْرَ صَلاةِ العِشاءِ وقِيامِها فَإذا صَلُّوا العِشاءَ لَمْ يَأْكُلُوا إلّا أكْلَةَ السَّحُورِ وأنَّهم كانُوا في أمْرِ الجِماعِ كَشَأْنِهِمْ في أمْرِ الطَّعامِ وأنَّهم لَمّا اعْتادُوا جَعْلَ النَّوْمِ مَبْدَأ وقْتِ الإمْساكِ اللَّيْلِيِّ ظَنُّوا أنَّ النَّوْمَ إنْ حَصَلَ في غَيْرِ إبّانِهِ المُعْتادِ يَكُونُ أيْضًا مانِعًا مِنَ الأكْلِ والجِماعِ إلى وقْتِ السُّحُورِ، وإنَّ وقْتَ السُّحُورِ لا يُباحُ فِيهِ إلّا الأكْلُ دُونَ الجِماعِ؛ إذْ كانُوا يَتَأثَّمُونَ مِنَ الإصْباحِ في رَمَضانَ عَلى جَنابَةٍ، وقَدْ جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَرى ذَلِكَ يَعْنِي بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَعَلَّ هَذا قَدْ سَرى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ كَما يَقْتَضِيهِ ما رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، ولَعَلَّهُمُ التَزَمُوا ذَلِكَ ولَمْ يَسْألُوا عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ بَعْضَ شَهْرِ رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي شُرِعَ لَها صِيامُ رَمَضانَ، فَحَدَثَتْ هَذِهِ الحَوادِثُ المُخْتَلِفَةُ المُتَقارِبَةُ، وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ، عَنِ ابْنِ القاسِمِ، عَنْ مالِكٍ: كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ مَن رَقَدَ قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ لَمْ يَطْعَمْ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ فَأكَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: (﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾) دَلِيلٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهَذا الحُكْمِ
صفحة ١٨٢
لِزِيادَةِ البَيانِ؛ إذْ عَلِمَ اللَّهُ ما ضَيَّقَ بِهِ بَعْضُ المُسْلِمِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وأوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ . وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يُفْشُوا ذَلِكَ ولا أخْبَرُوا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ولِذَلِكَ لا نَجِدُ في رِواياتِ البُخارِيِّ والنَّسائِيِّ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ إلّا في حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ ولَعَلَّهُ مِن زِياداتِ الرّاوِي.
فَأمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ شُرِّعَ ثُمَّ نُسِخَ فَلا أحْسِبُهُ؛ إذْ لَيْسَ مِن شَأْنِ الدِّينِ الَّذِي شَرَّعَ الصَّوْمَ أوَّلَ مَرَّةٍ يَوْمًا في السَّنَةِ ثُمَّ دَرَّجَهُ فَشَرَّعَ الصَّوْمَ شَهْرًا عَلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإطْعامِ تَخْفِيفًا عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَفْرِضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْلًا ونَهارًا فَلا يُبِيحُ الفِطْرَ إلّا ساعاتٍ قَلِيلَةٍ مِنَ اللَّيْلِ.
ولَيْلَةُ الصِّيامِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي يَعْقُبُها صِيامُ اليَوْمِ المُوالِي لَها جَرْيًا عَلى اسْتِعْمالِ العَرَبِ في إضافَةِ اللَّيْلَةِ لِلْيَوْمِ المُوالِي لَها إلّا لَيْلَةَ عَرَفَةَ، فَإنَّ المُرادَ بِها اللَّيْلَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ.
والرَّفَثُ في الأساسِ واللِّسانِ: أنَّ حَقِيقَتَهُ الكَلامُ مَعَ النِّساءِ في شُئُونِ الِالتِذاذِ بِهِنَّ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الجِماعِ كِنايَةً، وقِيلَ هو حَقِيقَةٌ فِيهِما وهو الظّاهِرُ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (إلى) لِيَتَعَيَّنَ المَعْنى المَقْصُودُ وهو الإفْضاءُ، وقَوْلُ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كالعِلَّةِ لِما قَبْلَها أيْ: أُحِلَّ لِعُسْرِ الِاحْتِرازِ عَنْ ذَلِكَ.
ذَلِكَ أنَّ الصَّوْمَ لَوْ فُرِضَ عَلى النّاسِ في اللَّيْلِ وهو وقْتُ الِاضْطِجاعِ لَكانَ الإمْساكُ عَنْ قُرْبانِ النِّساءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَنَتًا ومَشَقَّةً شَدِيدَةً لَيْسَتْ مَوْجُودَةً في الإمْساكِ عَنْ قُرْبانِهِنَّ في النَّهارِ؛ لِإمْكانِ الِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِ في النَّهارِ بِالبُعْدِ عَنِ المَرْأةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾ اسْتِعارَةٌ بِجامِعِ شِدَّةِ الِاتِّصالِ حِينَئِذٍ وهي اسْتِعارَةٌ أحْياها القُرْآنُ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتِ اعْتَبَرَتْها في قَوْلِهِمْ: لابَسَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ، إذا اتَّصَلَ بِهِ لَكِنَّهم صَيَّرُوها في خُصُوصِ زِنَةِ المُفاعَلَةِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَجاءَ القُرْآنُ فَأحْياها وصَيَّرَها اسْتِعارَةً أصْلِيَّةً جَدِيدَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ تَبَعِيَّةً مَنسِيَّةً، وقَرِيبٌ مِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسِلِ
و(تَخْتانُونَ) قالَ الرّاغِبُ: الِاخْتِيانُ، مُراوَدَةُ الخِيانَةِ بِمَعْنى أنَّهُ افْتِعالٌ مِنَ الخَوْنِ، وأصْلُهُ تَخْتَوِنُونَ فَصارَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وخِيانَةُ الأنْفُسِ تَمْثِيلٌ لِتَكْلِيفِها ما لَمْ تُكَلَّفْ بِهِ كَأنَّ ذَلِكَ تَغْرِيرٌ بِها؛ إذْ يُوهِمُها أنَّ المَشَقَّةَ مَشْرُوعَةٌ عَلَيْها وهي لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِمُغالَطَتِها في التَّرَخُّصِ بِفِعْلِ ما تَرَوْنَهُ مُحَرَّمًا عَلَيْكم فَتُقْدِمُونَ تارَةً
صفحة ١٨٣
وتُحْجِمُونَ أُخْرى كَمَن يُحاوِلُ خِيانَةً، فَيَكُونُ كالتَّمْثِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]“ .
والمَعْنى هُنا أنَّكم تُلْجِئُونَها لِلْخِيانَةِ أوْ تَنْسُبُونَها لَها، وقِيلَ: الِاخْتِيانُ أشَدُّ مِنَ الخِيانَةِ كالِاكْتِسابِ والكَسْبِ كَما في الكَشّافِ، قُلْتُ: وهو اسْتِعْمالٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ الأمْرُ لِلْإباحَةِ، ولَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: (فالآنَ) إشارَةً إلى تَشْرِيعِ المُباشَرَةِ حِينَئِذٍ بَلْ مَعْناهُ: فالآنَ اتَّضَحَ الحُكْمُ فَباشِرُوهُنَّ ولا تَخْتانُوا أنْفُسَكم، والِابْتِغاءُ الطَّلَبُ، وما كَتَبَهُ اللَّهُ: ما أباحَهُ مِن مُباشَرَةِ النِّساءِ في غَيْرِ وقْتِ الصِّيامِ أوِ اطْلُبُوا ما قَدَّرَ اللَّهُ لَكم مِنَ الوَلَدِ تَحْرِيضًا لِلنّاسِ عَلى مُباشَرَةِ النِّساءِ عَسى أنْ يَتَكَوَّنَ النَّسْلُ مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ لِتَكْثِيرِ الأُمَّةِ وبَقاءِ النَّوْعِ في الأرْضِ.
* * *
﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾
عَطَفَ عَلى (باشِرُوهُنَّ)، والخَيْطُ سِلْكُ الكَتّانِ أوِ الصُّوفِ أوْ غَيْرِهِما، يُلْفَقُ بِهِ بَيْنَ الثِّيابِ بِشَدِّهِ بِإبْرَةٍ أوْ مَخِيطٍ، يُقالُ خاطَ الثَّوْبَ وخَيَّطَهُ. وفي خَبَرِ قُبُورِ بَنِي أُمَيَّةَ أنَّهم وجَدُوا مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَبْرِهِ كالخَيْطِ، والخَيْطُ هُنا يُرادُ بِهِ الشُّعاعُ المُمْتَدُّ في الظَّلامِ والسَّوادُ المُمْتَدُّ بِجانِبِهِ قالَ أبُو دُؤادٍ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
فَلَمّا أضاءَتْ لَنا سَدْفَةٌ ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنارا
وقَوْلُهُ: (مِنَ الفَجْرِ) ”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ أيِ: الشُّعاعُ النّاشِئُ عَنِ الفَجْرِ، وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ. وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ. وكَذَلِكَ قَوْلُ أبِي دُؤادٍ: مِنَ الصُّبْحِ؛ لِأنَّ الخَيْطَ شائِعٌ في السِّلْكِ الَّذِي يُخاطُ بِهِ فَهو قَرِينَةُ إحْدى المَعْنَيَيْنِ لِلْمُشْتَرِكِ، وجَعَلَهُ في الكَشّافِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ اشْتِهارُ إطْلاقِهِ عَلى هَذا المَعْنى في غَيْرِ بَعْضِ الكَلامِ، كالآيَةِ وبَيْتِ أبِي دُؤادٍ، وعِنْدِي أنَّ القُرْآنَ ما أطْلَقَهُ إلّا لِكَوْنِهِ كالنَّصِّ في المَعْنى المُرادِ في اللُّغَةِ الفُصْحى دُونَ إرادَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ واضِحٍ.
صفحة ١٨٤
وقَدْ جِيءَ في الغايَةِ بِحَتّى، وبِالتَّبَيُّنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإمْساكَ يَكُونُ عِنْدَ اتِّضاحِ الفَجْرِ لِلنّاظِرِ وهو الفَجْرُ الصّادِقُ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾) تَحْدِيدٌ لِنِهايَةِ وقْتِ الإفْطارِ بِصَرِيحِ المَنطُوقِ، وقَدْ عُلِمَ مِنهُ لا مَحالَةَ أنَّهُ ابْتِداءُ زَمَنِ الصَّوْمِ، إذْ لَيْسَ في زَمانِ رَمَضانَ إلّا صَوْمٌ وفِطْرٌ وانْتِهاءُ أحَدِهِما مَبْدَأُ الآخَرِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ بَيانًا لِنِهايَةِ وقْتِ الصِّيامِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: (﴿ثُمَّ أتِمُّوا﴾) ولَمْ يَقُلْ: (ثُمَّ صُومُوا) لِأنَّهم صائِمُونَ مِن قَبْلُ.
و(إلى اللَّيْلِ) غايَةٌ اخْتِيرَ لَها (إلى) لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْجِيلِ الفِطْرِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِأنَّ ”إلى“ تَمْتَدُّ مَعَها الغايَةُ بِخِلافِ حَتّى، فالمُرادُ هُنا مُقارَنَةُ إتْمامِ الصِّيامِ بِاللَّيْلِ.
واعْلَمْ أنَّ ”ثُمَّ“ في عَطْفِ الجُمَلِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو اهْتِمامٌ بِتَعْيِينِ وقْتِ الإفْطارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالبِشارَةِ لَهم، ولا التِفاتَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو جَعْفَرٍ الخَبّازُ السَّمَرْقَنْدِيُّ مِن قُدَماءِ الحَنَفِيَّةِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِثُمَّ في هاتِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ تَأْخِيرِ النِّيَّةِ عَنِ الفَجْرِ احْتِجاجًا لِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ مِن جَوازِ تَأْخِيرِ النِّيَّةِ إلى الضَّحْوَةِ الكُبْرى.
بِناءً عَلى أنَّ ”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي، وأنَّ إتْمامَ الصِّيامِ يَسْتَلْزِمُ ابْتِداءَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ بَعْدَ تَبْيِينِ الخَيْطَيْنِ مِنَ الفَجْرِ صُومُوا أوْ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ، فَيَنْتِجُ مَعْنى صُومُوا بَعْدَ تَراخٍ عَنْ وقْتِ الفَجْرِ، وهو عَلى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ والمَصِيرِ إلى دَلالَةِ الإشارَةِ الخَفِيفَةِ - غَفْلَةٌ عَنْ مَعْنى التَّراخِي في عَطْفِ ”ثُمَّ“ لِلْجُمَلِ.
هَذا وقَدْ رُوِيَتْ قِصَّةٌ في فَهْمِ بَعْضِ الصَّحابَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ وفي نُزُولِها مُفَرَّقَةً، فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ عَمِدْتُ إلى عِقالٍ أسْوَدَ وإلى عِقالٍ أبْيَضَ فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي فَجَعَلْتُ أنْظُرُ في اللَّيْلِ فَلا يَسْتَبِينُ لِي الأبْيَضُ مِنَ الأسْوَدِ فَغَدَوْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّ وِسادَكَ لَعَرِيضٌ»، وفي رِوايَةٍ: «إنَّكَ لِعَرِيضُ القَفا، وإنَّما ذَلِكَ سَوادُ اللَّيْلِ وبَياضُ النَّهارِ» .
ورَوَيا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلِهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ ولَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتّى تَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَيَظْهَرُ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ مِثْلَ ما عَمِلَهُ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ قَدْ كانَ عَمِلَهُ غَيْرُهُ مِن قَبْلِهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَإنَّ عَدِيًّا أسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ أوْ سَنَةَ عَشْرٍ، وصِيامُ رَمَضانَ فُرِضَ
صفحة ١٨٥
سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ولا يَعْقِلُ أنْ يَبْقى المُسْلِمُونَ سَبْعَ أوْ ثَمانِيَ سِنِينَ في مِثْلِ هَذا الخَطَأِ، فَمَحَلُّ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَلى أنْ يَكُونَ ما فِيهِ وقَعَ في أوَّلِ مُدَّةِ شَرْعِ الصِّيامِ، ومَحْمَلُ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّ عَدِيًّا وقَعَ في مِثْلِ الخَطَأِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ مَن تَقَدَّمُوهُ، فَإنَّ الَّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ إلَخْ فَهو قَدْ ذَكَرَ الآيَةَ مُسْتَكْمَلَةً، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَحْمَلُ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَدْ عَمِلَهُ بَعْضُ النّاسِ في الصَّوْمِ المَفْرُوضِ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضانَ؛ أيْ: صَوْمِ عاشُوراءَ أوْ صَوْمِ النَّذْرِ وفي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ فَرْضِ رَمَضانَ وفِيها ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ عَلِمُوا أنَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ خَطَأٌ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلُ ذَلِكَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ.
وحَدِيثُ سَهْلٍ، لا شُبْهَةَ في صِحَّةِ سَنَدِهِ إلّا أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِيهِ: ولَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ وقَوْلُهُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ مَرْوِيًّا بِالمَعْنى، فَجاءَ راوِيهِ بِعِباراتٍ قَلِقَةٍ غَيْرِ واضِحَةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ في الصَّحِيحَيْنِ إلّا مِن رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ، عَنْ أبِي غَسّانَ، عَنْ أبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَقالَ الرّاوِي: فَأنْزَلَ بَعْدُ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ (مِنَ الفَجْرِ) وكانَ الأوْضَحُ أنْ يَقُولَ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: (﴿مِنَ الفَجْرِ﴾) .
وأيًّاما كانَ فَلَيْسَ في هَذا شَيْءٌ مِن تَأْخِيرِ البَيانِ؛ لِأنَّ مَعْنى الخَيْطِ في الآيَةِ ظاهِرٌ لِلْعَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ مِن قَبِيلِ الظّاهِرِ لا مِن قَبِيلِ المُجْمَلِ، وعَدَمُ فَهْمِ بَعْضِهِمُ المُرادَ مِنهُ لا يَقْدَحُ في ظُهُورِ الظّاهِرِ، فالَّذِينَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَعْنى الخَيْطِ الأبْيَضِ والخَيْطِ الأسْوَدِ فَهِمُوا أشْهَرَ مَعانِي الخَيْطِ وظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ: (مِنَ الفَجْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (يَتَبَيَّنُ) عَلى أنْ تَكُونَ (مِن) تَعْلِيلِيَّةً؛ أيْ: يَكُونُ تَبَيُّنُهُ بِسَبَبِ ضَوْءِ الفَجْرِ، فَصَنَعُوا ما صَنَعُوا ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ «إنَّ وِسادَكَ لَعَرِيضٌ أوْ إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا» كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الفِطْنَةِ، وهي كِنايَةٌ مُوَجَّهَةٌ مِن جَوامِعِ كَلِمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”﴿باشِرُوهُنَّ﴾“ لِقَصْدِ أنْ يَكُونَ المُعْتَكِفُ صالِحًا، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا في المَسْجِدِ لَهاتِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفُوا في صِفَةِ المَسْجِدِ، فَقِيلَ لا بُدَّ مِنَ المَسْجِدِ الجامِعِ، وقِيلَ مُطَلَّقُ مَسْجِدٍ، وهو التَّحْقِيقُ وهو مَذْهَبُ
صفحة ١٨٦
مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وأحْكامُهُ في كُتُبِ الفِقْهِ ولَيْسَتْ مِن غَرَضِ هَذا المُفَسِّرِ.
* * *
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾
تَذْيِيلٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَةِ ما شَرَّعَ إلَيْهِ مِن أحْكامِ الصِّيامِ.
فالإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ، والإخْبارُ عَنْها بِالحُدُودِ عَيْنُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو التَّحْدِيداتُ المُشْتَمِلُ عَلَيْها الكَلامُ السّابِقُ، وهو في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّيْلِ﴾ ﴿وأنْتُمْ عاكِفُونَ﴾ مِن كُلِّ ما فِيهِ تَحْدِيدٌ يُفْضِي تَجاوُزُهُ إلى مَعْصِيَةٍ، فَلا يَخْطُرُ بِالبالِ دُخُولُ أحْكامِ الإباحَةِ في الإشارَةِ مِثْلَ: (أُحِلَّ لَكم) ومِثْلَ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ .
والحُدُودُ والحَواجِزُ ونِهاياتُ الأشْياءِ الَّتِي إذا تَجاوَزَها المَرْءُ دَخَلَ في شَيْءٍ آخَرَ، وشُبِّهَتِ الأحْكامُ بِالحُدُودِ لِأنَّ تَجاوُزَها يُخْرِجُ مِن حِلٍّ إلى مَنعٍ، وفي الحَدِيثِ «وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها» وسَتَأْتِي زِيادَةُ بَيانٍ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ نَهى عَنْ مُقارَبَتِها المُوقِعَةِ في الخُرُوجِ مِنها عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ القُرْبَ مِنَ الحَدِّ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الخُرُوجِ غالِبًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ولِهَذا قالَ تَعالى في آياتٍ أُخْرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ، وفي مَعْنى الآيَةِ حَدِيثُ «مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ» .
والقَوْلُ في: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ: كَما بَيَّنَ أحْكامَ الصِّيامِ يُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ، أيْ: جَمِيعَ آياتِهِ لِجَمِيعِ النّاسِ، والمَقْصِدُ أنَّ هَذا شَأْنُ اللَّهِ في إيضاحِ أحْكامِهِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ شَيْءٌ مِنها عَلى النّاسِ، وقَوْلُهُ: (لَعَلَّهم يَتَّقُونَ) أيْ: إرادَةٌ لِاتِّقائِهِمُ الوُقُوعَ في المُخالَفَةِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الأحْكامَ لَما اهْتَدَوْا لِطَرِيقِ الِامْتِثالِ، أوْ لَعَلَّهم يَلْتَبِسُونَ بِغايَةِ الِامْتِثالِ والإتْيانِ بِالمَأْمُوراتِ عَلى وجْهِها، فَتَحْصُلُ لَهم صِفَةُ التَّقْوى الشَّرْعِيَّةِ، إذْ لَوْ لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهم لَأتَوْا بِعِباداتٍ غَيْرِ مُسْتَكْمِلَةٍ لِما أرادَ اللَّهُ مِنها، وهم وإنْ كانُوا مَعْذُورِينَ عِنْدَ عَدَمِ البَيانِ وغَيْرَ مُؤاخَذِينَ بِإثْمِ التَّقْصِيرِ
صفحة ١٨٧
إلّا أنَّهم لا يَبْلُغُونَ صِفَةَ التَّقْوى؛ أيْ: كَمالَ مُصادَفَةِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّ يَتَّقُونَ عَلى هَذا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، مِثْلَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وهو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَحْذُوفُ المَفْعُولِ لِلْقَرِينَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences