Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:198–199
2:198Page 31
لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨
There is no blame upon you for seeking bounty1 from your Lord [during ḥajj]. But when you depart from ʿArafāt, remember Allāh at al-Mashʿar al-Ḥarām.2 And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِمُناسَبَةِ النَّهْيِ عَنْ أعْمالٍ في الحَجِّ تُنافِي المَقْصِدَ مِنهُ، فَنَقَلَ الكَلامَ إلى إباحَةِ ما كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنهُ في الحَجِّ وهو التِّجارَةُ بِبَيانِ أنَّها لا تُنافِي المَقْصِدَ الشَّرْعِيَّ إبْطالًا لِما كانَ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ؛ إذْ كانُوا يَرَوْنَ التِّجارَةَ لِلْمُحْرِمِ بِالحَجِّ حَرامًا.
فالفَضْلُ هُنا هو المالُ، وابْتِغاءُ الفَضْلِ التِّجارَةُ لِأجْلِ الرِّبْحِ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]
وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجُوا مِن سُوقِ ذِي المَجازِ إلى مَكَّةَ حَرُمَ عِنْدَهُمُ البَيْعُ والشِّراءُ قالَ النّابِغَةُ:
كادَتْ تُساقِطُنِي رَحْلِي ومِيثَرَتِي بِذِي المَجازِ ولَمْ تُحْسِسْ بِهِ نَغَما
مِن صَوْتِ حِرْمِيَّةٍ قالَتْ وقَدْ ظَعَنُوا ∗∗∗ هَلْ في مُخِفِّيكُمُ مَن يَشْتَرِي أدَما
قُلْتُ لَها وهي تَسْعى تَحْتَ لَبَّتِها ∗∗∗ لا تَحْطِمَنَّكِ إنَّ البَيْعَ قَدْ زَرِما
أيِ: انْقَطَعَ البَيْعُ وحَرُمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَتْ عُكاظُ ومَجَنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ فَتَأثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المَواسِمِ فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَوْسِمِ الحَجِّ) ا هـ. أيْ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ بِزِيادَةِ (في مَوْسِمِ الحَجِّ)
وقَدْ كانَتْ سُوقُ عُكاظَ تَفْتَحُ مُسْتَهَلَّ ذِي القِعْدَةِ وتَدُومُ عِشْرِينَ يَوْمًا، وفِيها تُباعُ نَفائِسُ السِّلَعِ وتَتَفاخَرُ القَبائِلُ ويَتَبارى الشُّعَراءُ، فَهي أعْظَمُ أسْواقِ العَرَبِ، وكانَ مَوْقِعُها بَيْنَ نَخْلَةَ والطّائِفِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِن عُكاظَ إلى مَجَنَّةَ ثُمَّ إلى ذِي المَجازِ، والمَظْنُونُ أنَّهم يَقْضُونَ بَيْنَ هاتَيْنِ السُّوقَيْنِ بَقِيَّةَ شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ؛ لِأنَّ النّابِغَةَ ذَكَرَ أنَّهُ أقامَ بِذِي المَجازِ أرْبَعَ لَيالٍ وأنَّهُ خَرَجَ مِن ذِي المَجازِ إلى مَكَّةَ فَقالَ يَذْكُرُ راحِلَتَهُ:
صفحة ٢٣٨
باتَتْ ثَلاثَ لَيالٍ ثُمَّ واحِدَةً ∗∗∗ بِذِي المَجازِ تُراعِي مَنزِلًا زِيَما
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ خَرَجَ مِن هُنالِكَ حاجًّا فَقالَ:
كادَتْ تُساقِطُنِي رَحْلِي ومِيثَرَتِي
* * *
﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآيَةَ، عُطِفَ الأمْرُ عَلى النَّهْيِ، وقَوْلُهُ: (إذا أفَضْتُمْ) شَرْطٌ لِلْمَقْصُودِ وهو: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾
والإفاضَةُ هُنا: الخُرُوجُ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُها مِن فاضَ الماءُ إذا كَثُرَ عَلى ما يَحْوِيهِ، فَبَرَزَ مِنهُ وسالَ؛ ولِذَلِكَ سَمَّوْا إجالَةَ القِداحِ في المَيْسِرِ إفاضَةً والمُجِيلَ مُفِيضًا؛ لِأنَّهُ يُخْرِجُ القِداحَ مِنَ الرَّبابَةِ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ؛ أيْ: بِدُونِ تَخَيُّرٍ ولا جَسٍّ لِيَنْظُرَ القَدَحَ الَّذِي يَخْرُجُ، وسَمَّوُا الخُرُوجَ مِن عَرَفَةَ إفاضَةً؛ لِأنَّهم يَخْرُجُونَ في وقْتٍ واحِدٍ وهم عَدَدٌ كَثِيرٌ فَتَكُونُ لِخُرُوجِهِمْ شِدَّةٌ، والإفاضَةُ أُطْلِقَتْ في هاتِهِ الآيَةِ عَلى الخُرُوجِ مِن عَرَفَةَ والخُرُوجِ مِن مُزْدَلِفَةَ.
والعَرَبُ كانُوا يُسَمُّونَ الخُرُوجَ مِن عَرَفَةَ الدَّفْعَ، ويُسَمُّونَ الخُرُوجَ مِن مُزْدَلِفَةَ إفاضَةً، وكِلا الإطْلاقَيْنِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الدَّفْعَ هو إبْعادُ الجِسْمِ بِقُوَّةٍ، ومِن بَلاغَةِ القُرْآنِ إطْلاقُ الإفاضَةِ عَلى الخَرُوجَيْنِ؛ لِما في ”أفاضَ“ مِن قُرْبِ المُشابَهَةِ مِن حَيْثُ مَعْنى الكَثْرَةِ دُونَ الشِّدَّةِ.
ولِأنَّ في تَجَنُّبِ ”دَفَعْتُمْ“ تَجَنُّبًا لِتَوَهُّمِ السّامِعِينَ أنَّ السَّيْرَ مُشْتَمِلٌ عَلى دَفْعِ بَعْضِ النّاسِ بَعْضًا؛ لِأنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ في دَفْعِهِمْ ضَوْضاءَ وجَلَبَةً وسُرْعَةَ سَيْرٍ، فَنَهاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ ذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ، وقالَ: «لَيْسَ البِرُّ بِالإيضاعِ فَإذا أفَضْتُمْ فَعَلَيْكم بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ» .
و(عَرَفاتٌ) اسْمُ وادٍ، ويُقالُ: بَطْنٌ، وهو مَسِيلٌ مُتَّسَعٌ تَنْحَدِرُ إلَيْهِ مِياهُ جِبالٍ تُحِيطُ بِهِ تُعْرَفُ بِجِبالِ عَرَفَةَ بِالإفْرادِ، وقَدْ جُعِلَ عَرَفاتٌ عَلَمًا عَلى ذَلِكَ الوادِي بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ، ويُقالُ لَهُ: عَرَفَةُ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ، وقالَ الفَرّاءُ: قَوْلُ النّاسِ يَوْمُ عَرَفَةَ مُوَلَّدٌ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ، وخالَفَهُ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ فَقالُوا: يُقالُ عَرَفاتٌ وعَرَفَةُ، وقَدْ جاءَ في عِدَّةِ أحادِيثِ: يَوْمَ عَرَفَةَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: لا يُقالُ: يَوْمُ عَرَفاتٍ، وفي وسَطِ وادِي عَرَفَةَ جُبَيْلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ ناسٌ مِمَّنْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ ويَخْطُبُ عَلَيْهِ الخَطِيبُ بِالنّاسِ يَوْمَ تاسِعِ ذِي الحِجَّةِ عِنْدَ الظُّهْرِ، ووَقَفَ عَلَيْهِ
صفحة ٢٣٩
النَّبِيءُ ﷺ راكِبًا يَوْمَ عَرَفَةَ، وبُنِيَ في أعْلى ذَلِكَ الجُبَيْلِ عَلَمٌ في المَوْضِعِ الَّذِي وقَفَ فِيهِ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَقِفُ الأئِمَّةُ يَوْمَ عَرَفَةَ عِنْدَهُ.
ولا يُدْرى وجْهُ اشْتِقاقٍ في تَسْمِيَةِ المَكانِ عَرَفاتٍ أوْ عَرَفَةَ، ولا أنَّهُ عَلَمٌ مَنقُولٌ أوْ مُرْتَجَلٌ، والَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ عَلَمٌ مُرْتَجَلٌ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أحَدَ الِاسْمَيْنِ أصْلٌ، والآخَرَ طارِئٌ عَلَيْهِ، وأنَّ الأصْلَ عَرَفاتٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ، وأنَّ عَرَفَةَ تَخْفِيفٌ جَرى عَلى الألْسِنَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ عَرَفَةَ وأنَّ عَرَفاتٍ إشْباعٌ مِن لُغَةِ بَعْضِ القَبائِلِ.
وذِكْرُ (عَرَفاتٍ) بِاسْمِهِ في القُرْآنِ يُشِيرُ إلى أنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنُ الحَجِّ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «الحَجُّ عَرَفَةُ» .
سُمِّيَ المَوْضِعُ عَرَفاتٍ؛ الَّذِي هو عَلى زِنَةِ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ، فَعامَلُوهُ مُعامَلَةَ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ، ولَمْ يَمْنَعُوهُ الصَّرْفَ مَعَ وُجُودِ العَلَمِيَّةِ.
وجَمْعُ المُؤَنَّثِ لا يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يُزِيلُ ما في المُفْرِدِ مِنَ العِلْمِيَّةِ، إذِ الجَمْعُ بِتَقْدِيرِ مُسَمَّياتٍ بِكَذا، فَما جُمِعَ إلّا بَعْدَ قَصْدِ تَنْكِيرِهِ، فالتَّأْنِيثُ الَّذِي يَمْنَعُ الصَّرْفَ مَعَ العِلْمِيَّةِ أوِ الوَصْفِيَّةِ هو التَّأْنِيثُ بِالهاءِ.
وذِكْرُ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ يَقْتَضِي سَبْقَ الوُقُوفِ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا إفاضَةَ إلّا بَعْدَ الحُلُولِ بِها، وذِكْرُ عَرَفاتٍ بِاسْمِهِ تَنْوِيهٌ بِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوُقُوفَ بِهِ رُكْنٌ، فَلَمْ يُذَكَرْ مِنَ المَناسِكِ بِاسْمِهِ غَيْرُ عَرَفَةَ والصَّفا والمَرْوَةِ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُما مِنَ الأرْكانِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في الصَّفا والمَرْوَةِ، ويُؤْخَذُ رُكْنُ الإحْرامِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وأمّا طَوافُ الإفاضَةِ فَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وإجْماعِ الفُقَهاءِ.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ.
والمَعْنى: فَإذا أفَضْتُمْ خارِجِينَ مِن عَرَفاتٍ إلى المُزْدَلِفَةِ.
والتَّصْرِيحُ باسِمِ عَرَفاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ لِلرَّدِّ عَلى قُرَيْشٍ؛ إذْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ في جَمْعٍ وهو المُزْدَلِفَةُ؛ لِأنَّهم حُمْسٌ، فَيَرَوْنَ أنَّ الوُقُوفَ لا يَكُونُ خارِجَ الحَرَمِ، ولَمّا كانَتْ مُزْدَلِفَةُ مِنَ الحَرَمِ كانُوا يَقِفُونَ بِها ولا يَرْضَوْنَ بِالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ؛ لِأنَّ عَرَفَةَ مِنَ الحِلِّ كَما سَيَأْتِي، ولِهَذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى المُزْدَلِفَةَ في الإفاضَةِ الثّانِيَةِ بِاسْمِها وقالَ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]
صفحة ٢٤٠
لِأنَّ المُزْدَلِفَةَ هو المَكانُ الَّذِي يُفِيضُ مِنهُ النّاسُ بَعْدَ إفاضَةِ عَرَفاتٍ، فَذَلِكَ حِوالَةٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ.
و(المَشْعَرُ) اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الشُّعُورِ أيِ: العِلْمِ، أوْ مِنَ الشِّعارِ أيِ: العَلامَةِ؛ لِأنَّهُ أُقِيمَتْ فِيهِ عَلامَةٌ كالمَنارِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ، ولَعَلَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِأنَّهم يَدْفَعُونَ مِن عَرَفاتٍ آخِرَ المَساءِ فَيُدْرِكُهم غُبْسُ ما بَعْدَ الغُرُوبِ وهم جَماعاتٌ كَثِيرَةٌ، فَخَشُوا أنْ يَضِلُّوا الطَّرِيقَ فَيَضِيقُ عَلَيْهِمُ الوَقْتُ.
ووَصَفَ المَشْعَرَ بِوَصْفِ (الحَرامِ) لِأنَّهُ مِن أرْضِ الحَرَمِ بِخِلافِ عَرَفاتٍ.
والمَشْعَرُ الحَرامُ هو المُزْدَلِفَةُ، سُمِّيَتْ مُزْدَلِفَةَ؛ لِأنَّها ازْدَلَفَتْ مِن مِنًى؛ أيِ: اقْتَرَبَتْ؛ لِأنَّهم يَبِيتُونَ بِها قاصِدِينَ التَّصْبِيحَ في مِنًى.
ويُقالُ لِلْمُزْدَلِفَةِ أيْضًا جَمْعٌ لِأنَّ جَمِيعَ الحَجِيجِ يَجْتَمِعُونَ في الوُقُوفِ بِها، الحُمْسُ وغَيْرُهم مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
فَباتَ بِجَمْعٍ ثُمَّ راحَ إلى مِنًى فَأصْبَحَ رادًّا يَبْتَغِي المَزْجَ بِالسَّحْلِ
فَمَن قالَ: إنَّ تَسْمِيَتَها جَمْعًا؛ لِأنَّها يُجْمَعُ فِيها بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ فَقَدْ غَفَلَ عَنْ كَوْنِهِ اسْمًا مِن عَهْدِ ما قَبْلَ الإسْلامِ.
وتُسَمّى المُزْدَلِفَةُ أيْضًا قُزَحَ - بِقافٍ مَضْمُومَةٍ، وزايٍ مَفْتُوحَةٍ، مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ - بِاسْمِ قَرْنِ جَبَلٍ بَيْنَ جِبالٍ مِن طَرَفِ مُزْدَلِفَةَ ويُقالُ لَهُ: المِيقَدَةُ؛ لِأنَّ العَرَبَ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ النِّيرانَ، وهو مَوْقِفُ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَوْقِفُ الإمامِ في المُزْدَلِفَةِ عَلى قُزَحَ.
رَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا أصْبَحَ بِجَمْعٍ أتى قُزَحَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وقالَ: هَذا قُزَحُ وهو المَوْقِفُ وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ»، ومَذْهَبُ مالِكٍ أنَّ المَبِيتَ سُنَّةٌ، وأمّا النُّزُولُ حِصَّةً فَواجِبٌ.
وذَهَبَ عَلْقَمَةُ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ والأوْزاعِيُّ إلى أنَّ الوُقُوفَ بِمُزْدَلِفَةَ رُكْنٌ مِنَ الحَجِّ فَمَن فاتَهُ بَطَلَ حَجُّهُ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ .
صفحة ٢٤١
وقَدْ كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ لا يُفِيضُونَ مِن عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفَةِ حَتّى يُجِيزَهم أحَدُ (بَنِي صُوفَةَ) وهم بَنُو الغَوْثِ بْنِ مُرِّ بْنِ أدِّ بْنِ طابِخَةَ بْنِ إلْياسَ بْنِ مُضَرٍ وكانَتْ أُمُّهُ جُرْهُمِيَّةً، لُقِّبَ الغَوْثُ بِصُوفَةَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ لا تَلِدُ فَنَذَرَتْ إنْ هي ولَدَتْ ذَكَرًا أنْ تَجْعَلَهُ لِخِدْمَةِ الكَعْبَةِ فَوَلَدَتِ الغَوْثَ، وكانُوا يَجْعَلُونَ صُوفَةً يَرْبُطُونَ بِها شَعْرَ رَأْسِ الصَّبِيِّ الَّذِي يَنْذُرُونَهُ لِخِدْمَةِ الكَعْبَةِ وتُسَمّى الرَّبِيطَ، فَكانَ الغَوْثُ يَلِي أمْرَ الكَعْبَةِ مَعَ أخْوالِهِ مِن جُرْهُمَ فَلَمّا غَلَبَ قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ عَلى الكَعْبَةِ جَعَلَ الإجازَةَ لِلْغَوْثِ ثُمَّ بَقِيَتْ في بَنِيهِ حَتّى انْقَرَضُوا، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي جَعَلَ أبْناءَ الغَوْثِ لِإجازَةِ الحاجِّ هم مُلُوكُ كِنْدَةَ، فَكانَ الَّذِي يُجِيزُ بِهِمْ مِن عَرَفَةَ يَقُولُ:
لاهُمَّ إنِّي تابِعٌ تِباعَهْ ∗∗∗ إنْ كانَ إثْمٌ فَعَلى قُضاعَهْ
لِأنَّ قُضاعَةَ كانَتْ تُحِلُّ الأشْهُرَ الحُرُمَ، ولَمّا انْقَرَضَ أبْناءُ صُوفَةَ صارَتِ الإجازَةُ لِبَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَناءَةَ بْنِ تَمِيمٍ، ورِثُوها بِالقُعْدُدِ فَكانَتْ في آلِ صَفْوانَ مِنهم، وجاءَ الإسْلامُ وهي بَيْدِ كِرِبِ بْنِ صَفْوانَ قالَ أوْسُ بْنُ مَغْراءَ:
لا يَبْرَحُ النّاسُ ما حَجُّوا مُعَرَّفَهم ∗∗∗ حَتّى يُقالَ أجِيزُوا آلَ صَفْوانا
* * *
﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾الواوُ عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ والعَطْفُ يَقْتَضِي أنَّ الذِّكْرَ المَأْمُورَ بِهِ هُنا غَيْرُ الذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ فَيَكُونُ هَذا أمْرًا بِالذِّكْرِ عَلى العُمُومِ بَعْدَ الأمْرِ بِذِكْرٍ خاصٍّ، فَهو في مَعْنى التَّذْيِيلِ بَعْدَ الأمْرِ بِالذِّكْرِ الخاصِّ في المَشْعَرِ الحَرامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلَهُ: ﴿كَما هَداكُمْ﴾ فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ ألّا تُعْطَفَ بَلْ تُفْصَلُ وعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ، فَعُطِفَتْ بِالواوِ بِاعْتِبارِ مُغايَرَتِها لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِما فِيها مِن تَعْلِيلِ الذِّكْرِ وبَيانِ سَبَبِهِ، وهي مُغايَرَةٌ ضَعِيفَةٌ لَكِنَّها تُصَحِّحُ العَطْفَ كَما في قَوْلِ الحارِثِ بْنِ هَمّامٍ الشَّيْبانِيِّ:
أيا ابْنَ زَيّابَةَ إنْ تَلْقَنِي لا تَلْقَنِي في النِّعَمِ العازِبِ
وتَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِي أجْرَدٌ ∗∗∗ مُسْتَقْدِمُ البَرَكَةِ كالرّاكِبِ
صفحة ٢٤٢
فَإنَّ جُمْلَةَ ”تَلْقَنِي“ الثّانِيَةَ هي بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن ”لا تَلْقَنِي في النِّعَمِ العازِبِ“ لِأنَّ مَعْناهُ لا تَلْقَنِي راعِيَ إبِلٍ، وذَلِكَ النَّفْيُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ فارِسًا؛ إذْ لا يَخْلُو الرَّجُلُ عَنْ إحْدى الحالَتَيْنِ، فَكانَ الظّاهِرُ فَصْلَ جُمْلَةِ ”تَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِي أجْرَدُ“ لَكِنَّهُ وصَلَها لِمُغايِرَةٍ ما.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما هَداكُمْ﴾ تَشْبِيهٌ لِلذِّكْرِ بِالهُدى و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ.
ومَعْنى التَّشْبِيهِ في مِثْلِ هَذا المُشابِهَةُ في التَّساوِي؛ أيِ: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا مُساوِيًا لِهِدايَتِهِ إيّاكم فَيُفِيدُ مَعْنى المُجازاةِ والمُكافَأةِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ الكافَ في مِثْلِهِ لِلتَّعْلِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ كافِ المُجازاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧] وكَثُرَ ذَلِكَ في الكافِ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِها (ما) كَيْفَ كانَتْ، وقِيلَ: ذَلِكَ خاصٌّ بِـ ”ما“ الكافَّةِ، والحَقُّ أنَّهُ وارِدٌ في الكافِ المُقْتَرِنَةِ بِـ ”ما“ وفي غَيْرِها.
وضَمِيرُ (مِن قَبْلِهِ) يَرْجِعُ إلى الهُدى المَأْخُوذِ مِن ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن ”إنَّ“ الثَّقِيلَةِ.
والمُرادُ ضَلالُهم في الجاهِلِيَّةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وتَغْيِيرِ المَناسِكِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
2:199Page 31
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩
Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الإخْبارِيِّ لِلتَّرَقِّي في الخَبَرِ، وأنَّ الإفاضَةَ المَأْمُورَ بِها هُنا هي عَيْنُ الإضافَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] وأنَّ العَطْفَ بِـ (ثُمَّ) لِلْعَوْدَةِ إلى الكَلامِ عَلى تِلْكَ الإفاضَةِ.
فالمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ هو مُتَعَلِّقُ (أفِيضُوا) أيْ: قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ إشارَةً إلى عَرَفاتٍ فَيَكُونُ مُتَضَمِّنًا الأمْرَ بِالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لا بِغَيْرِها إبْطالًا لِعَمَلِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا يَقِفُونَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ عَلى قُزَحَ المُسَمّى بِجَمْعٍ وبِالمَشْعَرِ الحَرامِ فَهو مِنَ المُزْدَلِفَةِ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ وغَيْرُهم يَقِفُ بِعَرَفاتٍ فَيَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ في جُمْهُورِهِمْ مَن عَدا قُرَيْشًا.
عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِيَوْمِ عَرَفَةَ في المُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحُمْسَ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يُفِيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ»﴾ ا هـ
صفحة ٢٤٣
فالمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: (أفِيضُوا) جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، والمُرادُ بِـ (النّاسِ) عُمُومُ النّاسِ، يَعْنِي مَن عَدا قُرَيْشًا ومَن كانَ مِنَ الحُمْسِ الَّذِينَ كانُوا يُفِيضُونَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ وهم قُرَيْشٌ ومَن ولَدُوا وكِنانَةُ وأحْلافُهم.
رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ لا أدْرِي قَبْلَ الفِيلِ أمْ بَعْدَهُ ابْتَدَعَتْ أمْرَ الحُمْسِ رَأْيًا قالُوا: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ وقاطِنُو مَكَّةَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ مِثْلُ حَقِّنا ولا مِثْلُ مَنزِلِنا، فَلا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنَ الحِلِّ كَما تُعَظِّمُونَ الحَرَمَ، يَعْنِي لِأنَّ عَرَفَةَ مِنَ الحِلِّ فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفَّتِ العَرَبُ بِحَرَمِكم وقالُوا: قَدْ عَظَّمُوا مِنَ الحِلِّ مِثْلَ ما عَظَّمُوا مِنَ الحَرَمِ، فَلِذَلِكَ تَرَكُوا الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ والإفاضَةَ مِنها وكانَتْ كِنانَةُ وخُزاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهم في ذَلِكَ ا هـ. يَعْنِي فَكانُوا لا يُفِيضُونَ إلّا إفاضَةً واحِدَةً بِأنْ يَنْتَظِرُوا الحَجِيجَ حَتّى يَرِدُوا مِن عَرَفَةَ إلى مُزْدَلِفَةَ فَيَجْتَمِعُ النّاسُ كُلُّهم في مُزْدَلِفَةَ، ولَعَلَّ هَذا وجْهُ تَسْمِيَةِ مُزْدَلِفَةَ بِجَمْعٍ، لِأنَّها يُجْمَعُ بِها الحُمْسُ وغَيْرُهم في الإفاضَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ رَدَّتْ عَلى قُرَيْشٍ الِاقْتِصارَ عَلى الوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ الإفاضَةَ مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، فَتَكُونُ ”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي والتَّرْتِيبِ في الزَّمَنِ؛ أيْ: بَعْدَ أنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ وهي مِنَ السُّنَّةِ القَدِيمَةِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُقالُ، وكانَ عَلَيْها العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ الإجازَةُ فِيها بِيَدِ خُزاعَةَ ثُمَّ صارَتْ بَعْدَهم لِبَنِي عُدْوانَ مِن قَيْسِ عَيْلانَ، وكانَ آخِرُ مَن تَوَلّى الإجازَةَ مِنهم أبا سَيّارَةَ عُمَيْلَةَ بْنَ الأعْزَلِ أجازَ بِالنّاسِ أرْبَعِينَ سَنَةً إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةَ فَأُبْطِلَتِ الإجازَةُ وصارَ النّاسُ يَتْبَعُونَ أمِيرَ الحَجِّ، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَخْرُجُونَ مِن مُزْدَلِفَةَ يَوْمَ عاشِرِ ذِي الحِجَّةِ بَعْدَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلى ثَبِيرَ وهو أعْلى جَبَلٍ قُرْبَ مِنًى وكانَ الَّذِي يُجِيزُ بِهِمْ يَقِفُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ ويَدْعُو بِدُعاءٍ يَقُولُ فِيهِ: اللَّهُمَّ بَغِّضْ بَيْنَ رِعائِنا، وحَبِّبْ بَيْنَ نِسائِنا، واجْعَلِ المالَ في سُمَحائِنا، اللَّهُمَّ كُنْ لَنا جارًا مِمَّنْ نَخافُهُ، أوْفَوْا بِعَهْدِكم، وأكْرِمُوا جارَكم، واقْرُوا ضَيْفَكم ) فَإنْ قَرُبَ طُلُوعُ الشَّمْسِ قالَ: (أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ) ويَرْكَبُ أبُو سَيّارَةَ حِمارًا أسْوَدَ فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِمْ وتَبِعَهُ النّاسُ وقَدْ قالَ في ذَلِكَ راجِزُهم:
خَلُّوا السَّبِيلَ عَنْ أبِي سَيّارَهْ وعَنْ مَوالِيهِ بَنِي فَزارَهْ
حَتّى يُجِيزَ سالِمًا حِمارَهْ ∗∗∗ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ يَدْعُو جارَهْ
أيْ: يَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ كُنْ لَنا جارًا مِمَّنْ نَخافُهُ.
صفحة ٢٤٤
فَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ: مِنَ المَكانِ الَّذِي يُفِيضُ مِنهُ سائِرُ النّاسِ وهو مُزْدَلِفَةُ.
وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كُلَّهم يَجْتَمِعُونَ في مُزْدَلِفَةَ، ولَوْلا ما جاءَ مِنَ الحَدِيثِ لَكانَ هَذا التَّفْسِيرُ أظْهَرَ لِتَكُونَ الآيَةُ ذَكَرَتِ الإفاضَتَيْنِ بِالصَّراحَةِ، ولِيُناسِبَ قَوْلَهُ بَعْدُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] .
وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أمَرَهم بِالِاسْتِغْفارِ كَما أمَرَهم بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِقُرَيْشٍ فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَرْكِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences