Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:217–218

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:217–218, continued

فَأمّا حُجَّةُ مالِكٍ فَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ عُلَماؤُنا: إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ المُوافاةَ شَرْطًا هَهُنا، لِأنَّهُ عَلَّقَ الخُلُودَ في النّارِ عَلَيْها فَمَن أوْفى عَلى الكُفْرِ خَلَّدَهُ اللَّهُ في النّارِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ومَن أشْرَكَ

صفحة ٣٣٤

حَبِطَ عَمَلُهُ بِالآيَةِ الأُخْرى فَهُما آيَتانِ مُفِيدَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ وحُكْمَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ اهـ. يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ والجَوابَيْنِ هُنا تَوْزِيعًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾، ولَعَلَّ في إعادَةِ (وأُولَئِكَ) إيذانًا بِأنَّهُ جَوابٌ ثانٍ، وفي إطْلاقِ الآيِ الأُخْرى عَنِ التَّقْيِيدِ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ قَرِينَةٌ عَلى قَصْدِ هَذا المَعْنى مِن هَذا القَيْدِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وفِي هَذا الِاسْتِدْلالِ إلْغاءٌ لِقاعِدَةِ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، ولَعَلَّ نَظَرَ مالِكٍ في إلْغاءِ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ أحْكامٌ تَرْجِعُ إلى أُصُولِ الدِّينِ ولا يُكْتَفى فِيها بِالأدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، فَإذا كانَ الدَّلِيلُ المُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، وغالِبُ أدِلَّةِ الفُرُوعِ ظَنِّيَّةٌ، فَأمّا في أُصُولِ الِاعْتِقادِ فَأُخِذَ مِن كُلِّ آيَةٍ صَرِيحُ حُكْمِها، ولِلنَّظَرِ في هَذا مَجالٌ، لِأنَّ بَعْضَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ راجِعٌ إلى شَرائِعِ الإسْلامِ وفُرُوعِهِ كالحَجِّ.

والحُجَّةُ لِلشّافِعِيِّ إعْمالُ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ كَما ذَكَرَهُ الفَخْرُ وصَوَّبَهُ ابْنُ الفَرَسِ مِنَ المالِكِيَّةِ.

فَإنْ قُلْتَ: فالعَمَلُ الصّالِحُ في الجاهِلِيَّةِ يُقَرِّرُهُ الإسْلامُ فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ «أسَلَمْتَ عَلى ما أسْلَمْتَ عَلَيْهِ مَن خَيْرٍ»، فَهَلْ يَكُونُ المُرْتَدُّ عَنِ الإسْلامِ أقَلَّ حالًا مَن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.

فالجَوابُ أنَّ حالَةَ الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ حالَةُ خُلُوٍّ عَنِ الشَّرِيعَةِ فَكانَ مِن فَضائِلِ الإسْلامِ تَقْرِيرُها. وقَدْ بُنِيَ عَلى هَذا خِلافٌ في بَقاءِ حُكْمِ الصُّحْبَةِ لِلَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ رَجَعُوا إلى الإسْلامِ مِثْلَ قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ العامِرِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ، والأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وفي شَرْحِ القاضِي زَكَرِيّا عَلى ألْفِيَّةِ العِراقِيِّ: وفي دُخُولِ مَن لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ في الصَّحابَةِ نَظَرٌ كَبِيرٌ اهـ. قالَ حُلولو في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ: ولَوِ ارْتَدَّ الصَّحابِيُّ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ ورَجَعَ إلى الإيمانِ بَعْدَ وفاتِهِ جَرى ذَلِكَ عَلى الخِلافِ في الرِّدَّةِ، هَلْ تُحْبِطُ العَمَلَ بِنَفْسِ وُقُوعِها أوْ إنَّما تُحْبِطُهُ بِشَرْطِ الوَفاةِ عَلَيْها، لِأنَّ صُحْبَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، أمّا قَبُولُ رِوايَتِهِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ إلى الإسْلامِ فَفِيها نَظَرٌ،

صفحة ٣٣٥

أمّا مَنِ ارْتَدَّ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ ورَجَعَ إلى الإسْلامِ في حَياتِهِ وصَحِبَهُ فَفَضْلُ الصُّحْبَةِ حاصِلٌ لَهُ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ.

فَإنْ قُلْتَ: ما السِّرُّ في اقْتِرانِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ خُلُوِّ بَقِيَّةِ نَظائِرِها عَنْ ثانِي الشَّرْطَيْنِ، قُلْتُ: تِلْكَ الآيُ الأُخَرُ جاءَتْ لِتَهْوِيلِ أمْرِ الشِّرْكِ عَلى فَرْضِ وُقُوعِهِ مِن غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَما في آيَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ [المائدة: ٥] أوْ وُقُوعِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنهُ كَما في آيَةِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] ) وآيَةِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فاقْتَصَرَ فِيها عَلى ما يَنْشَأُ عَنِ الشِّرْكِ بَعْدَ الإيمانِ مِن حَبَطِ الأعْمالِ، ومِنَ الخَسارَةِ بِإجْمالٍ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ ورَدَتْ عَقِبَ ذِكْرِ مُحاوَلَةِ المُشْرِكِينَ ومُعالَجَتِهِمُ ارْتِدادَ المُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ بِالآيَةِ، فَكانَ فَرْضُ وُقُوعِ الشِّرْكِ والِارْتِدادِ مِنهم أقْرَبَ، لِمُحاوَلَةِ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ بِقِتالِ المُسْلِمِينَ، فَذُكِرَ فِيها زِيادَةَ تَهْوِيلٍ وهو الخُلُودُ في النّارِ.

وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، إذْ وقَعَ في عامِ الرِّدَّةِ، أنَّ مَن بَقِيَ في قَلْبِهِمْ أثَرُ الشِّرْكِ حاوَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ الِارْتِدادَ وقاتَلُوهم عَلى ذَلِكَ فارْتَدَّ فَرِيقٌ عَظِيمٌ وقامَ لَها الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعَزْمِهِ ويَقِينِهِ فَقاتَلَهم فَرَجَعَ مِنهم مَن بَقِيَ حَيًّا، فَلَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَأيِسُوا مِن فائِدَةِ الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ وهي فائِدَةُ عَدَمِ الخُلُودِ في النّارِ.

وقَدْ أشارَ العَطْفُ في قَوْلِهِ فَيَمُتْ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ إلى أنَّ المَوْتَ يَعْقُبُ الِارْتِدادَ وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُعْظَمَ المُرْتَدِّينَ لا تَحْضُرُ آجالُهم عَقِبَ الِارْتِدادِ فَيَعْلَمُ السّامِعُ حِينَئِذٍ أنَّ المُرْتَدَّ يُعاقَبُ بِالمَوْتِ عُقُوبَةً شَرْعِيَّةً، فَتَكُونُ الآيَةُ بِها دَلِيلًا عَلى وُجُوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّ، وقَدِ اخْتَلَفَ في ذَلِكَ عُلَماءُ الأُمَّةِ فَقالَ الجُمْهُورُ: يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ ثَلاثَةَ أيّامٍ ويُسْجَنُ لِذَلِكَ فَإنْ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ كافِرًا، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ سَواءٌ كانَ رَجُلًا أوِ امْرَأةً، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الرَّجُلِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، ولَمْ يَرَ قَتْلَ المُرْتَدَّةِ بَلْ قالَ تُسْتَرَقُّ، وقالَ أصْحابُهُ تُحْبَسُ حَتّى تُسْلِمَ، وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وطاوُسٌ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ والشّافِعِيُّ بِقَتْلِ المُرْتَدِّ ولا يُسْتَتابُ، وقِيلَ يُسْتَتابُ شَهْرًا وحُجَّةُ الجَمِيعِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» وفِعْلُ الصَّحابَةِ فَقَدْ قاتَلَ أبُو بَكْرٍ المُرْتَدِّينَ، وأحْرَقَ عَلِيٌّ السَّبائِيَّةَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أُلُوهِيَّةَ عَلِيٍّ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ» الَّذِي هو الإسْلامُ، واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ”مَن“

صفحة ٣٣٦

شامِلَةٌ لِلذَّكَرِ والأُنْثى إلّا مَن شَذَّ مِنهم وهو أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيُّ وعَطاءٌ والحَسَنُ القائِلُونَ: لا تُقْتَلُ المَرْأةُ المُرْتَدَّةُ واحْتَجُّوا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ فَخَصُّوا بِهِ عُمُومَ ”«مَن بَدَّلَ دِينَهُ» “، وهو احْتِجاجٌ عَجِيبٌ، لِأنَّ هَذا النَّهْيَ وارِدٌ في أحْكامِ الجِهادِ، والمَرْأةُ مِن شَأْنِها ألّا تُقاتِلَ، فَإنَّهُ نَهى أيْضًا عَنْ قَتْلِ الرُّهْبانِ والأحْبارِ أفَيَقُولُ هَؤُلاءِ: إنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الرُّهْبانِ والأحْبارِ بَعْدَ إسْلامِهِ لا يُقْتَلُ.

وقَدْ شَدَّدَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ في المُرْتَدِّ بِالزَّنْدَقَةِ أيْ إظْهارِ الإسْلامِ وإبْطانِ الكُفْرِ فَقالا: يُقْتَلُ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا أُخِذَ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ تائِبًا. ومَن سَبَّ النَّبِيءَ ﷺ قُتِلَ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.

هَذا، واعْلَمْ أنَّ الرِّدَّةَ في الأصْلِ هي الخُرُوجُ مِن عَقِيدَةِ الإسْلامِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ؛ والخُرُوجُ مِنَ العَقِيدَةِ وتَرْكُ أعْمالِ الإسْلامِ عِنْدَ الخَوارِجِ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِكُفْرِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ، ويَدُلُّ عَلى خُرُوجِ المُسْلِمِ مِنِ الإسْلامِ تَصْرِيحُهُ بِهِ بِإقْرارِهِ نَصًّا أوْ ضِمْنًا فالنَّصُّ ظاهِرٌ، والضِّمْنُ أنْ يَأْتِيَ أحَدٌ بِلَفْظٍ أوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ نَصَّ اللَّهُ ورَسُولُهُ أوْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ كافِرٍ مِثْلَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، والتَّرَدُّدِ إلى الكَنائِسِ بِحالَةِ أصْحابِ دِينِها.

وألْحَقُوا بِذَلِكَ إنْكارَ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ بِهِ، أيْ ما كانَ العِلْمُ بِهِ ضَرُورِيًّا قالَ ابْنُ راشِدٍ في الفائِقِ: في التَّكْفِيرِ بِإنْكارِ المَعْلُومِ ضَرُورَةً خِلافٌ. وفي ضَبْطِ حَقِيقَتِهِ أنْظارٌ لِلْفُقَهاءِ مَحَلُّها كُتُبُ الفِقْهِ والخِلافِ.

وحِكْمَةُ تَشْرِيعِ قَتْلِ المُرْتَدِّ مَعَ أنَّ الكافِرَ بِالأصالَةِ لا يُقْتَلُ أنَّ الِارْتِدادَ خُرُوجُ فَرْدٍ أوْ جَماعَةٍ مِنَ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ فَهو بِخُرُوجِهِ مِنِ الإسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُنادِي عَلى أنَّهُ لَمّا خالَطَ هَذا الدِّينَ وجَدَهُ غَيْرَ صالِحٍ ووَجَدَ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أصْلَحَ فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالدِّينِ واسْتِخْفافٌ بِهِ، وفِيهِ أيْضًا تَمْهِيدُ طَرِيقٍ لِمَن يُرِيدُ أنْ يَنْسَلَّ مِن هَذا الدِّينِ وذَلِكَ يُفْضِي إلى انْحِلالِ الجامِعَةِ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِذَلِكَ زاجِرٌ ما انْزَجَرَ النّاسُ ولا نَجِدُ شَيْئًا زاجِرًا مِثْلَ تَوَقُّعِ المَوْتِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ المَوْتُ هو العُقُوبَةَ لِلْمُرْتَدِّ حَتّى لا يَدْخُلَ أحَدٌ في الدِّينِ إلّا عَلى بَصِيرَةٍ، وحَتّى لا يَخْرُجَ مِنهُ أحَدٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنِ الإكْراهِ في الدِّينِ المَنفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى

صفحة ٣٣٧

﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] عَلى القَوْلِ بِأنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، لِأنَّ الإكْراهَ في الدِّينِ هو إكْراهُ النّاسِ عَلى الخُرُوجِ مِن أدْيانِهِمْ والدُّخُولِ في الإسْلامِ وأمّا هَذا فَهو مِنِ الإكْراهِ عَلى البَقاءِ في الإسْلامِ.

2:218Page 34

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

قالَ الفَخْرُ: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَبْ أنَّهُ لا عِقابَ عَلَيْنا فِيما فَعَلْنا، فَهَلْ نَطْمَعُ مِنهُ أجْرًا أوْ ثَوابًا ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ مُؤْمِنًا ومُهاجِرًا وكانَ بِسَبَبِ هَذِهِ المُقاتَلَةِ مُجاهِدًا يَعْنِي فَتَحَقَّقَتْ فِيهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الجِهادَ بِقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن يَقُومُ بِهِ اهـ.، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ تَعْقِيبَ ما قَبْلَها بِها مِن بابِ تَعْقِيبِ الإنْذارِ بِالبِشارَةِ وتَنْزِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنِ احْتِمالِ ارْتِدادِهِمْ فَإنَّ المُهاجِرِينَ لَمْ يَرْتَدَّ مِنهم أحَدٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ آياتِ التَّشْرِيعِ.

والَّذِينَ هاجَرُوا هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ فِرارًا بِدِينِهِمْ، مُشْتَقٌّ مِنَ الهَجْرِ وهو الفِراقُ، وإنَّما اشْتُقَّ مِنهُ وزْنُ المُفاعَلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هَجْرٌ نَشَأ عَنْ عَداوَةٍ مِنَ الجانِبَيْنِ فَكُلٌّ مِنَ المُنْتَقِلِ والمُنْتَقَلِ عَنْهُ قَدْ هَجَرَ الآخَرَ وطَلَبَ بُعْدَهُ، أوِ المُفاعَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: عافاكَ اللَّهُ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ هَجَرَ قَوْمًا هَجْرًا شَدِيدًا، قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ:

إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجَرَةً بِكُوفَةَ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ

والمُجاهَدَةُ مُفاعَلَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجُهْدِ وهو المَشَقَّةُ وهي القِتالُ لِما فِيهِ مِن بَذْلِ الجُهْدِ كالمُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَضُمُّ جُهْدَهُ إلى جُهْدٍ آخَرَ في نَصْرِ الدِّينِ مِثْلَ المُساعَدَةِ وهي ضَمُّ الرَّجُلِ ساعِدَهُ إلى ساعِدِ آخَرَ لِلْإعانَةِ والقُوَّةِ، فالمُفاعَلَةُ بِمَعْنى الضَّمِّ والتَّكْرِيرِ، وقِيلَ: لِأنَّ المُجاهِدَ يَبْذُلُ جُهْدَهُ في قِتالِ مَن يَبْذُلُ جُهْدَهُ كَذَلِكَ لِقِتالِهِ فَهي مُفاعَلَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. وفي لِلتَّعْلِيلِ.

وسَبِيلِ اللَّهِ ما يُوصِلُ إلى رِضاهُ وإقامَةِ دِينِهِ، والجِهادُ والمُجاهَدَةُ مِنَ المُصْطَلَحاتِ القُرْآنِيَّةِ والإسْلامِيَّةِ، وكَرَّرَ المَوْصُولَ لِتَعْظِيمِ الهِجْرَةِ والجِهادِ كَأنَّهُما مُسْتَقِلّانِ في تَحْقِيقِ الرَّجاءِ.

صفحة ٣٣٨

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ رَجاءَهم رَحْمَةَ اللَّهِ لِأجْلِ إيمانِهِمْ وهِجْرَتِهِمْ وجِهادِهِمْ، فَتَأكَّدَ بِذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَوْصُولُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وإنَّما احْتِيجَ لِتَأْكِيدِهِ لِأنَّ الصِّلَتَيْنِ لَمّا كانَتا مِمّا اشْتُهِرَ بِهِما المُسْلِمُونَ وطائِفَةٌ مِنهم صارَتا كاللَّقَبِ؛ إذْ يُطْلَقُ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ في لِسانِ الشَّرْعِ اسْمُ الَّذِينَ آمَنُوا كَما يُطْلَقُ عَلى مُسْلِمِي قُرَيْشٍ يَوْمَئِذٍ اسْمُ المُهاجِرِينَ فَأكَّدَ قَصْدَ الدَّلالَةِ عَلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ مِنَ المَوْصُولِ.

والرَّجاءُ: تَرَقُّبُ الخَيْرِ مَعَ تَغْلِيبِ ظَنِّ حُصُولِهِ، فَإنَّ وعْدَ اللَّهِ وإنْ كانَ لا يُخْلَفُ فَضْلًا مِنهُ وصِدْقًا، ولَكِنَّ الخَواتِمَ مَجْهُولَةٌ، ومُصادَفَةُ العَمَلِ لِمُرادِ اللَّهِ قَدْ تَفُوتُ لِمَوانِعَ لا يَدْرِيها المُكَلَّفُ ولِئَلّا يَتَّكِلُوا في الِاعْتِمادِ عَلى العَمَلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском