Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:225–227

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:225–227

2:225Page 36

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥

Allāh does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allāh is Forgiving and Forbearing.1

﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ لَمّا أفادَتِ النَّهْيَ عَنِ التَّسَرُّعِ بِالحَلِفِ إفادَةً صَرِيحَةً أوِ التِزامِيَّةً، كانَتْ نُفُوسُ السّامِعِينَ بِحَيْثُ يَهْجِسُ بِها التَّفَكُّرُ والتَّطَلُّعُ إلى حُكْمِ اليَمِينِ الَّتِي تَجْرِي عَلى الألْسُنِ. ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ ظاهِرَةٌ لا سِيِّما إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] نَهْيًا عَنِ الحَلِفِ.

والمُؤاخَذَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى العَدِّ والمُحاسَبَةِ، يُقالُ أخَذَهُ بِكَذا أيْ عَدَّهُ عَلَيْهِ لِيُعاتِبَهُ، أوْ يُعاقِبَهُ، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

لا تَأْخُذْنِي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ

فالمُفاعَلَةُ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الأخْذِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ

صفحة ٣٨١

والمُؤاخَذَةُ بِاليَمِينِ، هي الإلْزامُ بِالوَفاءِ بِها، وعَدَمُ الحِنْثِ؛ ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَأْثَمَ إذا وقَعَ الحِنْثُ، إلّا ما أذِنَ اللَّهُ في كَفّارَتِهِ، كَما في آيَةِ سُورَةِ العُقُودِ.

واللَّغْوُ مَصْدَرُ لَغا، إذا قالَ كَلامًا خَطَأً، يُقالُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا كَدَعا، ولَغا يَلْغى لَغْيًا كَسَعى. ولُغَةُ القُرْآنِ بِالواوِ. وفي اللِّسانِ: أنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا قَوْلُهم أسَوْتُهُ أسْوًا وأسًى أصْلَحْتُهُ وفي الكَواشِي: ولَغا يَلْغُو لَغْوًا قالَ باطِلًا، ويُطْلَقُ اللَّغْوُ أيْضًا عَلى الكَلامِ السّاقِطِ، الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو الخَطَأُ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ. وقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الأساسِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَجازًا؛ واقْتَصَرَ عَلى التَّفْسِيرِ بِهِ في الكَشّافِ وتَبِعَهُ مُتابِعُوهُ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، المُرادُ بِها المُلابَسَةُ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، صِفَةُ اللَّغْوِ أوْ حالٌ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَدَّرَهُ الكَواشِيُّ فَيَكُونُ المَعْنى، عَلى جَعْلِ اللَّغْوِ بِمَعْنى المَصْدَرِ، وهو الأظْهَرُ: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِأنْ تَلْغُوا لَغْوًا مُلابِسًا لِلْأيْمانِ، أيْ لا يُؤاخِذُكم بِالأيْمانِ الصّادِرَةِ صُدُورَ اللَّغْوِ، أيْ غَيْرِ المَقْصُودِ مِنَ القَوْلِ.

فَإذا جَعَلْتَ اللَّغْوَ اسْمًا، بِمَعْنى الكَلامِ السّاقِطِ الخاطِئِ، لَمْ تَصِحَّ ظَرْفِيَّتُهُ في الأيْمانِ، لِأنَّهُ مِنَ الأيْمانِ، فالظَّرْفِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤاخِذُكم، والمَعْنى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ في أيْمانِكم بِاللَّغْوِ، أيْ لا يُؤاخِذُكم مِن بَيْنِ أيْمانِكم بِاليَمِينِ اللَّغْوِ، والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، واليَمِينُ القَسَمُ والحَلِفُ، وهو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بَعْضِ صِفاتِهِ، أوْ بَعْضِ شُئُونِهِ العُلْيا أوْ شَعائِرِهِ. فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَحْلِفُ بِاللَّهِ، وبِرَبِّ الكَعْبَةِ، وبِالهَدْيِ، وبِمَناسِكِ الحَجِّ. والقَسَمُ عِنْدَهم بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِ القَسَمِ الثَّلاثَةِ: الواوُ والباءُ والتّاءُ، ورُبَّما ذَكَرُوا لَفْظَ حَلَفْتُ أوْ أقْسَمْتُ، ورُبَّما حَلَفُوا بِدِماءِ البُدْنِ، ورُبَّما قالُوا والدِّماءِ، وقَدْ يُدْخِلُونَ لامًا عَلى عَمْرِ اللَّهِ، يُقالُ: لَعَمْرُ اللَّهِ، ويَقُولُونَ: عَمَرَكَ اللَّهُ، ولَمْ أرَ أنَّهم كانُوا يَحْلِفُونَ بِأسْماءِ الأصْنامِ. فَهَذا الحَلِفُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التِزامُ فِعْلٍ، أوْ بَراءَةٌ مِن حَقٍّ. وقَدْ يَحْلِفُونَ بِأشْياءَ عَزِيزَةٍ عِنْدَهم لِقَصْدِ تَأْكِيدِ الخَبَرِ أوِ الِالتِزامِ، كَقَوْلِهِمْ وأبِيكَ ولَعَمْرُكَ ولَعَمْرِي، ويَحْلِفُونَ بِآبائِهِمْ، ولَمّا جاءَ الإسْلامُ نَهى عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ. ومِن عادَةِ العَرَبِ في القَسَمِ أنَّ بَعْضَ القَسَمِ يُقْسِمُونَ بِهِ عَلى التِزامِ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ المُقْسِمُ لِيُلْجِئَ نَفْسَهُ إلى عَمَلِهِ ولا يَنْدَمَ عَنْهُ، وهو مِن قَبِيلِ قَسَمِ النَّذْرِ، فَإذا أرادَ أحَدٌ أنْ يُظْهِرَ عَزْمَهُ عَلى فِعْلٍ لا مَحالَةَ مِنهُ، ولا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في صَرْفِهِ عَنْهُ، أكَّدَهُ بِالقَسَمِ، قالَ بِلِعاءُ بْنُ قَيْسٍ:

صفحة ٣٨٢

وفارِسٍ في غِمارِ المَوْتِ مُنْغَمِسٍ ∗∗∗ إذا تَألّى عَلى مَكْرُوهَةٍ صَدَقا

أيْ إذا حَلَفَ عَلى أنْ يُقاتِلَ أوْ يَقْتُلَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المَصاعِبِ والأضْرارِ، ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَرْبُ كَرِيهَةً، فَصارَ نُطْقُهم بِاليَمِينِ مُؤْذِنًا بِالعَزْمِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في ألْسِنَتِهِمْ في أغْراضِ التَّأْكِيدِ ونَحْوِهِ، حَتّى صارَ يَجْرِي ذَلِكَ عَلى اللِّسانِ كَما تَجْرِي الكَلِماتُ الدّالَّةُ عَلى المَعانِي مِن غَيْرِ إرادَةِ الحَلِفِ، وصارَتْ كَثْرَتُهُ في الكَلامِ لا تَنْحَصِرُ، فَكَثُرَ التَّحَرُّجُ مِن ذَلِكَ في الإسْلامِ قالَ كُثَيِّرٌ:

قَلِيلُ الألايِي حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ

فَأشْبَهَ جَرَيانُ الحَلِفِ عَلى اللِّسانِ اللَّغْوَ مِنَ الكَلامِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ مِن لَغْوِ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ اللَّغْوَ هو اليَمِينُ الَّتِي تَجْرِي عَلى اللِّسانِ، لَمْ يَقْصِدِ المُتَكَلِّمُ بِها الحَلِفَ، ولَكِنَّها جَرَتْ مَجْرى التَّأْكِيدِ. أوِ التَّنْبِيهِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، وقَوْلِ القائِلِ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن فُلانٍ كَلامًا عَجَبًا، وغَيْرُ هَذا لَيْسَ بِلَغْوٍ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، رَواهُ عَنْها في المُوَطَّأِ والصِّحاحِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ، وأبُو قِلابَةَ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، وأخَذَ بِهِ الشّافِعِيُّ. والحُجَّةُ لَهُ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ اللَّغْوَ قَسِيمًا لِلَّتِي كَسَبَها القَلْبُ، في هَذِهِ الآيَةِ، ولِلَّتِي عَقَدَ عَلَيْها الحالِفُ اليَمِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فَما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ هو ما كَسَبَتْهُ القُلُوبُ؛ لِأنَّ ما كَسَبَتْ قُلُوبُكم مُبَيَّنٌ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مُجْمَلُ ما عَقَّدْتُمْ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ اللَّغْوُ هي الَّتِي لا قَصْدَ فِيها إلى الحَلِفِ، وهي الَّتِي تَجْرِي عَلى اللِّسانِ دُونَ قَصْدٍ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى نَفْيِ المُؤاخَذَةِ نَفْيُ المُؤاخَذَةِ بِالإثْمِ وبِالكَفّارَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الفِعْلِ يَعُمُّ، فاليَمِينُ الَّتِي لا قَصْدَ فِيها، لا إثْمَ ولا كَفّارَةَ عَلَيْها، وغَيْرُها تَلْزَمُ فِيهِ الكَفّارَةُ لِلْخُرُوجِ مِنِ الإثْمِ بِدَلِيلِ آيَةِ المائِدَةِ؛ إذْ فَسَّرَ المُؤاخَذَةَ فِيها بِقَوْلِهِ ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] فَيَكُونُ في الغَمُوسِ، وفي يَمِينِ التَّعْلِيقِ، وفي اليَمِينِ عَلى الظَّنِّ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلافُهُ، الكَفّارَةُ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وقالَ مالِكٌ: لَغْوُ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَذَلِكَ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلافُ ظَنِّهِ. قالَ في المُوَطَّأِ: وهَذا أحْسَنُ ما سَمِعْتُ إلَيَّ في ذَلِكَ وهو مَرْوِيٌّ في غَيْرِ المُوَطَّأِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ومَن قالَ بِهِ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومَكْحُولٌ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ.

ووَجْهُهُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ المُؤاخَذَةَ عَلى كَسْبِ القَلْبِ في اليَمِينِ، ولا تَكُونُ

صفحة ٣٨٣

المُؤاخَذَةُ إلّا عَلى الحِنْثِ، لا أصْلِ القَسَمِ؛ إذْ لا مُؤاخَذَةَ لِأجْلِ مُجَرَّدِ الحَلِفِ لا سِيَّما مَعَ البَرِّ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَسْبِ القَلْبِ كَسْبَهُ الحِنْثَ أيْ تَعَمُّدَهُ الحِنْثَ، فَهو الَّذِي فِيهِ المُؤاخَذَةُ، والمُؤاخَذَةُ أُجْمِلَتْ في هاتِهِ الآيَةِ، وبُيِّنَتْ في آيَةِ المائِدَةِ بِالكَفّارَةِ، فالحالِفُ عَلى ظَنٍّ يَظْهَرُ بَعْدُ خِلافُهُ لا تَعَمُّدَ عِنْدَهُ لِلْحِنْثِ، فَهو اللَّغْوُ، فَلا مُؤاخَذَةَ فِيهِ، أيْ لا كَفّارَةَ وأمّا قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، وهو كاذِبٌ، فَهو عِنْدَ مالِكٍ قَسَمٌ لَيْسَ بِلَغْوٍ، لِأنَّ اللَّغَوِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالحِنْثِ بَعْدَ اعْتِقادِ الصِّدْقِ، والقائِلُ لا واللَّهِ كاذِبًا، لَمْ يَتَبَيَّنْ حِنْثُهُ لَهُ بَعْدَ اليَمِينِ، بَلْ هو غافِلٌ عَنْ كَوْنِهِ حالِفًا، فَإذا انْتَبَهَ لِلْحَلِفِ، وجَبَتْ عَلَيْهِ المَفازَةُ، لِأنَّهُ حَلِفَها حِينَ حَلِفَها وهو حانِثٌ.

وإنَّما جَعَلْنا تَفْسِيرَ ما كَسَبَتْ قُلُوبُكم كَسْبَ القَلْبِ لِلْحِنْثِ، لِأنَّ مَساقَ الآيَةِ في الحِنْثِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، إمّا إذْنٌ في الحِنْثِ، أوْ نَهْيٌ عَنِ الحَلِفِ خَشْيَةَ الحِنْثِ، عَلى الوَجْهَيْنِ الماضِيَيْنِ، وقَوْلُهُ ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾ بَيانٌ وتَعْلِيلٌ لِذَلِكَ، وحُكْمُ البَيانِ حُكْمُ المُبَيَّنِ، لِأنَّهُ عَيَّنَهُ.

وقالَ جَماعَةٌ: اللَّغْوُ ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الكَذِبُ، فَتَشْمَلُ القِسْمَيْنِ، سَواءٌ كانَ بِلا قَصْدٍ كالَّتِي تَجْرِي عَلى الألْسُنِ في (لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ) أمْ كانَ بِقَصْدٍ، مَعَ اعْتِقادِ الصِّدْقِ، فَتَبَيَّنَ خِلافُهُ. ومِمَّنْ قالَ بِهَذا: ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ وقالَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ، فَقالَ: اللَّغْوُ لا كَفّارَةَ فِيها ولا إثْمَ.

واحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ اللَّغْوَ هُنا، مُقابِلًا لِما كَسَبَتْهُ القُلُوبُ، ونَفى المُؤاخَذَةَ عَنِ اللَّغْوِ، وأثْبَتَها لِما كَسَبَهُ القَلْبُ، والمُؤاخَذَةُ لا مَحالَةَ عَلى الحِنْثِ لا عَلى أصْلِ الحَلِفِ، فاللَّغْوُ هي الَّتِي لا حَنِثَ فِيها؛ ولَمْ يَرَ بَيْنَ آيَةِ البَقَرَةِ وآيَةِ المائِدَةِ تَعارُضًا حَتّى يَحْمِلَ إحْداهُما عَلى الأُخْرى بَلْ قالَ: إنَّ آيَةَ البَقَرَةِ جَعَلَتِ اللَّغْوَ مُقابِلًا لِما كَسَبَهُ القَلْبُ، وأثْبَتَ المُؤاخَذَةَ لِما كَسَبَهُ القَلْبُ أيْ عَزَمَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ، والمُؤاخَذَةُ مُطْلَقَةٌ تَنْصَرِفُ إلى أكْمَلِ أفْرادِها، وهي العُقُوبَةُ الأُخْرَوِيَّةُ فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ ما كَسَبَتْهُ القُلُوبُ، أُرِيدَ بِهِ الغَمُوسُ؛ وجَعَلَ في آيَةِ المائِدَةِ اللَّغْوَ مُقابِلًا لِلْأيْمانِ المَعْقُودَةِ، والعَقْدُ في الأصْلِ: الرَّبْطُ، وهو مَعْناهُ لُغَةً، وقَدْ أضافَهُ إلى الأيْمانِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها اليَمِينُ الَّتِي فِيها تَعْلِيقٌ، وقَدْ فَسَّرَ المُؤاخَذَةَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ﴾ [المائدة: ٨٩] إلَخْ، فَظَهَرَ مِنَ الآيَتَيْنِ أنَّ اللَّغْوَ ما قابَلَ الغَمُوسَ، والمُنْعَقِدَةَ، وهو نَوْعانِ لا مَحالَةَ، وظَهَرَ حُكْمُ الغَمُوسِ، وهي الحَلِفُ بِقَصْدِ الكَذِبِ، فَهو الإثْمُ، وحُكْمُ المُنْعَقِدَةِ، أنَّهُ الكَفّارَةُ، فَوافَقَ مالِكًا في الغَمُوسِ وخالَفَهُ في أحَدِ نَوْعَيِ اللَّغْوِ، وهَذا تَحْقِيقُ مَذْهَبِهِ.

صفحة ٣٨٤

وفِي اللَّغْوِ غَيْرُ هَذِهِ المَذاهِبِ، مَذاهِبُ أنْهاها ابْنُ عَطِيَّةَ إلى عَشَرَةٍ، لا نُطِيلُ بِها.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] تَذْيِيلٌ لِحُكْمِ نَفْيِ المُؤاخَذَةِ، ومُناسِبَةِ اقْتِرانِ وصْفِ الغَفُورِ بِالحَلِيمِ هُنا، دُونَ الرَّحِيمِ لِأنَّ هَذِهِ مَغْفِرَةٌ لِذَنْبٍ هو مِن قَبِيلِ التَّقْصِيرِ في الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالحَلِيمِ، لِأنَّ الحَلِيمَ هو الَّذِي لا يَسْتَفِزُّهُ التَّقْصِيرُ في جانِبِهِ، ولا يَغْضَبُ لِلْغَفْلَةِ، ويَقْبَلُ المَعْذِرَةَ.

2:226–227Page 36

لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٢٦

For those who swear not to have sexual relations with their wives1 is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٧

And if they decide on divorce - then indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِلِانْتِقالِ إلى تَشْرِيعٍ في عَمَلٍ كانَ يَغْلِبُ عَلى الرِّجالِ أنْ يَعْمَلُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامِ. كانَ مِن أشْهَرِ الأيْمانِ الحائِلَةِ بَيْنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ أيْمانُ الرِّجالِ عَلى مُهاجَرَةِ نِسائِهِمْ، فَإنَّها تَجْمَعُ الثَّلاثَةَ؛ لِأنَّ حُسْنَ المُعاشَرَةِ مِنَ البِرِّ بَيْنَ المُتَعاشِرِينَ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] فامْتِثالُهُ مِنَ التَّقْوى، ولِأنَّ دَوامَهُ مِن دَوامِ الإصْلاحِ، ويَحْدُثُ بِفَقْدِهِ الشِّقاقُ، وهو مُنافٍ لِلتَّقْوى. وقَدْ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، ولا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ إلّا بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ المُدَّةِ، ولا كَلامَ لِلْمَرْأةِ في ذَلِكَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ لا يُرِيدُ المَرْأةَ، ولا يُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَها، لِئَلّا يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَكانَ يَحْلِفُ ألّا يَقْرَبَها مُضارَّةً لِلْمَرْأةِ أيْ ويُقْسِمَ عَلى ذَلِكَ لِكَيْلا يَعُودَ إلَيْها إذا حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ النَّدَمِ. قالَ: ثُمَّ كانَ أهْلُ الإسْلامِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، فَأزالَ اللَّهُ ذَلِكَ، وأمْهَلَ لِلزَّوْجِ مُدَّةً حَتّى يَتَرَوّى فَكانَ هَذا الحُكْمُ مِن أهَمِّ المَقاصِدِ في أحْكامِ الأيْمانِ، الَّتِي مَهَّدَ لَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ [البقرة: ٢٢٤] .

والإيلاءُ: الحَلِفُ، وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ الحَلِفُ مُطْلَقًا: يُقالُ آلى يُولِي إيلاءً، وتَأْلى يَتَألّى تَألِّيًا، وائْتَلى يَأْتَلِي ائْتِلاءً، والِاسْمُ الألُوَّةُ والألِيَّةُ، كِلاهُما بِالتَّشْدِيدِ، وهو واوِيُّ فالأُلُوَّةُ فُعُولَةٌ والألِيَّةُ فَعِيلَةٌ.

وقالَ الرّاغِبُ: الإيلاءُ حَلِفٌ يَقْتَضِي التَّقْصِيرَ في المَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُلُوِّ وهو

صفحة ٣٨٥

التَّقْصِيرُ قالَ تَعالى ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] وصارَ في الشَّرْعِ الحَلِفَ المَخْصُوصَ ( فَيُؤْخَذُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ الإيلاءَ حَلِفٌ عَلى الِامْتِناعِ والتَّرْكِ؛ لِأنَّ التَّقْصِيرَ لا يَتَحَقَّقُ بِغَيْرِ مَعْنى التَّرْكِ؛ وهو الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ أصْلُ الِاشْتِقاقِ مِنَ الألْوِ، وتَشْهَدُ بِهِ مَوارِدُ الِاسْتِعْمالِ، لِأنّا نَجِدُهم لا يَذْكُرُونَ حَرْفَ النَّفْيِ بَعْدَ فِعْلِ آلى ونَحْوِهِ كَثِيرًا، ويَذْكُرُونَهُ كَثِيرًا، قالَ المُتَلَمِّسُ:

آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطْعَمُهُ

وقالَ تَعالى ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا﴾ [النور: ٢٢] أيْ عَلى أنْ يُؤْتُوا وقالَ تَعالى هُنا ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ فَعَدّاهُ بِمِن، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى الحَذْفِ والتَّضْمِينِ.

وأيًّا ما كانَ فالإيلاءُ، بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً في هَذا الحَلِفِ عَلى الوَصْفِ المَخْصُوصِ.

ومَجِيءُ اللّامِ في ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ لِبَيانِ أنَّ التَّرَبُّصَ جُعِلَ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ، فاللّامُ لِلْأجْلِ مِثْلُ (هَذا لَكَ) ويُعْلَمُ مِنهُ مَعْنى التَّخْيِيرِ فِيهِ، أيْ لَيْسَ التَّرَبُّصُ بِواجِبٍ، فَلِلْمُوَلِّي أنْ يَفِيءَ في أقَلَّ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ. وعُدِّيَ فِعْلُ الإيلاءِ بِمِن، مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِعَلى؛ لِأنَّهُ ضُمِّنَ هُنا مَعْنى البُعْدِ، فَعُدِّيَ بِالحَرْفِ المُناسِبِ لِفِعْلِ البُعْدِ، كَأنَّهُ قالَ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مُتَباعِدِينَ مِن نِسائِهِمْ، فَمِن لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ.

والنِّساءُ: الزَّوْجاتُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وتَعْلِيقُ الإيلاءِ بِاسْمِ النِّساءِ مِن بابِ إضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ونَحْوِهِما إلى الأعْيانِ، مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] .

والتَّرَبُّصُ: انْتِظارُ حُصُولِ شَيْءٍ لِغَيْرِ المُنْتَظَرِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وإضافَةُ تَرَبُّصٍ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ إضافَةٌ عَلى مَعْنى في كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبإ: ٣٣] .

وتَقْدِيمُ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ عَلى المُبْتَدَأِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهو تَرَبُّصٌ، لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ التَّوْسِعَةِ الَّتِي وسَّعَ اللَّهُ عَلى الأزْواجِ، وتَشْوِيقٌ لِذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ. وفاءُوا رَجَعُوا أيْ رَجَعُوا إلى قُرْبانِ النِّساءِ، وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ فاءُوا بِالظُّهُورِ المَقْصُودِ. والفَيْئَةُ تَكُونُ بِالتَّكْفِيرِ عَنِ اليَمِينِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ العُقُودِ.

صفحة ٣٨٦

وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ، أيْ فَحِنْثُهم في يَمِينِ الإيلاءِ، مَغْفُورٌ لَهم؛ لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الإيلاءَ حَرامٌ، لِأنَّ شَأْنَ إيلائِهِمْ، الوارِدَ فِيهِ القُرْآنُ، قَصْدُ الإضْرارِ بِالمَرْأةِ. وقَدْ يَكُونُ الإيلاءُ مُباحًا إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الإضْرارُ، ولَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ: كالَّذِي يَكُونُ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ، أوْ لِقَصْدٍ آخَرَ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا، غَيْرِ قَصْدِ الإضْرارِ المَذْمُومِ شَرْعًا. وقَدْ «آلى النَّبِيءُ ﷺ مِن نِسائِهِ شَهْرًا»، قِيلَ: لِمَرَضٍ كانَ بِرِجْلِهِ، وقِيلَ: لِأجْلِ تَأْدِيبِهِنَّ؛ لِأنَّهُنَّ قَدْ لَقِينَ مِن سِعَةِ حِلْمِهِ ورِفْقِهِ ما حَدا بِبَعْضِهِمْ إلى الإفْراطِ في الإدْلالِ، وحَمَلَ البَقِيَّةَ عَلى الِاقْتِداءِ بِالأُخْرَياتِ، أوْ عَلى اسْتِحْسانِ ذَلِكَ. واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ بِبَواطِنِ الأُمُورِ.

وأمّا جَوازُ الإيلاءِ لِلْمَصْلَحَةِ: كالخَوْفِ عَلى الوَلَدِ مِنَ الغَيْلِ، وكالحِمْيَةِ مِن بَعْضِ الأمْراضِ في الرَّجُلِ والمَرْأةِ، فَإباحَتُهُ حاصِلَةٌ مِن أدِلَّةِ المَصْلَحَةِ ونَفْيِ المَضَرَّةِ، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالحَلِفِ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ، لِما فِيهِمْ مِن ضَعْفِ العَزْمِ، واتِّهامِ أنْفُسِهِمْ بِالفَلْتَةِ في الأمْرِ، إنْ لَمْ يُقَيِّدُوها بِالحَلِفِ.

وعَزْمُ الطَّلاقِ: التَّصْمِيمُ عَلَيْهِ، واسْتِقْرارُ الرَّأْيِ فِيهِ بَعْدَ التَّأمُّلِ وهو شَيْءٌ لا يَحْصُلُ لِكُلِّ مُوَّلٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، وخاصَّةً إذا كانَ غالِبُ القَصْدِ مِنِ الإيلاءِ المُغاضَبَةَ والمُضارَّةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ دَلِيلٌ عَلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ فالتَّقْدِيرُ: وإنْ لَمْ يَفِيئُوا فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمُ الطَّلاقُ، فَهم بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: بَيْنَ أنْ يَفِيئُوا، أوْ يُطَلِّقُوا، فَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَقَدْ وقَعَ طَلاقُهم.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ دَلِيلُ الجَوابِ، أيْ فَقَدْ لَزِمَهم وأمْضى طَلاقَهم، فَقَدْ حَدَّ اللَّهُ لِلرِّجالِ في الإيلاءِ أجَلًا مَحْدُودًا، لا يَتَجاوَزُونَهُ، فَإمّا أنْ يَعُودُوا إلى مُضاجَعَةِ أزْواجِهِمْ، وإمّا أنْ يُطَلِّقُوا، ولا مَندُوحَةَ لَهم غَيْرُ هَذَيْنِ.

وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُوَلِّي أجَلًا وغايَةً: أمّا الأجَلُ فاتَّفَقَ عَلَيْهِ عُلَماءُ الإسْلامِ، واخْتَلَفُوا في الحالِفِ عَلى أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فالأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإيلاءٍ، وبَعْضُ العُلَماءِ: كَإسْحاقَ بْنِ راهْوَيْهِ وحَمّادٍ يَقُولُ: هو إيلاءٌ، ولا ثَمَرَةَ لِهَذا الخِلافِ، فِيما يَظْهَرُ، إلّا ما يَتَرَتَّبُ عَلى الحَلِفِ بِقَصْدِ الضُّرِّ مِن تَأْدِيبِ القاضِي إيّاهُ إذا رَفَعَتْ زَوْجُهُ أمْرَها إلى القاضِي ومِن أمْرِهِ إيّاهُ بِالفَيْئَةِ.

صفحة ٣٨٧

وأمّا الغايَةُ، فاخْتَلَفُوا أيْضًا في الحاصِلِ بَعْدَ مُضِيِّ الأجَلِ، فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: إنْ رَفَعَتْهُ امْرَأتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، يُوقَفُ لَدى الحاكِمِ، فَإمّا أنْ يَفِيءَ، أوْ يُطَلِّقَ بِنَفْسِهِ، أوْ يُطَلِّقَ الحاكِمُ عَلَيْهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ مِن أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ مَضَتِ المُدَّةُ ولَمْ يَفِئْ فَقَدْ بانَتْ مِنهُ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ غَيْرَ القادِرِ يَكْفِي أنْ يَفِيءَ بِالعَزْمِ، والنِّيَّةِ، وبِالتَّصْرِيحِ لَدى الحاكِمِ، كالمَرِيضِ والمَسْجُونِ والمُسافِرِ.

واحْتَجَّ المالِكِيَّةُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّ هُنالِكَ مَسْمُوعًا؛ لِأنَّ وصْفَ اللَّهِ بِالسَّمِيعِ مَعْناهُ العَلِيمُ بِالمَسْمُوعاتِ، عَلى قَوْلِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، لا سِيَّما وقَدْ قُرِنَ بِعَلِيمٍ، فَلَمْ يَبْقَ مَجالٌ لِاحْتِمالِ قَوْلِ القائِلِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، بِأنَّ (السَّمِيعُ) مُرادِفٌ (لِلْعَلِيمِ) ولَيْسَ المَسْمُوعُ إلّا لَفْظَ المُولِي، أوْ لَفْظَ الحاكِمِ، دُونَ البَيْنُونَةِ الِاعْتِبارِيَّةِ.

وقَوْلُهُ عَلِيمٌ يَرْجِعُ لِلنِّيَّةِ والقَصْدِ. وقالَ الحَنَفِيَّةُ سَمِيعٌ لِإيلائِهِ، الَّذِي صارَ طَلاقًا بِمُضِيِّ أجَلِهِ، وكَأنَّهم يُرِيدُونَ: أنَّ صِيغَةَ الإيلاءِ، جَعَلَها الشَّرْعُ سَبَبَ طَلاقٍ، بِشَرْطِ مُضِيِّ الأمَدِ عَلِيمٌ بِنِيَّةِ العازِمِ عَلى تَرْكِ الفَيْئَةِ. وقَوْلُ المالِكِيَّةِ أصَحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ جُعِلَ مُفَرَّعًا عَنْ عَزْمِ الطَّلاقِ؛ لا عَنْ أصْلِ الإيلاءِ؛ ولِأنَّ تَحْدِيدَ الآجالِ وتَنْهِيَتَها مَوْكُولٌ لِلْحُكّامِ.

وقَدْ خَفِيَ عَلى النّاسِ وجْهُ التَّأْجِيلِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وهو أجَلٌ حَدَّدَهُ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ نَطَّلِعْ عَلى حِكْمَتِهِ، وتِلْكَ المُدَّةُ ثُلُثُ العامِ، فَلَعَلَّها تَرْجِعُ إلى أنَّ مِثْلَها يُعْتَبَرُ زَمَنًا طَوِيلًا، فَإنَّ الثُّلُثَ اعْتُبِرَ مُعْظَمَ الشَّيْءِ المَقْسُومِ، مِثْلُ ثُلُثِ المالِ في الوَصِيَّةِ، وأشارَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في صَوْمِ الدَّهْرِ. وحاوَلَ بَعْضُ العُلَماءِ تَوْجِيهَهُ بِما وقَعَ في قِصَّةٍ مَأْثُورَةٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَزا ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ رِوايَتَها لِمالِكٍ في المُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ. ولا يُوجَدُ هَذا في الرِّواياتِ المَوْجُودَةِ لَدَيْنا: وهي رِوايَةُ يَحْيى بْنِ يَحْيى اللَّيْثِيِّ، ولا رِوايَةُ ابْنِ القاسِمِ والقَعْنَبِيِّ وسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبانِيِّ، ولا رِوايَةُ يَحْيى بْنِ يَحْيى بْنِ بُكَيْرٍ التَّمِيمِيِّ الَّتِي يَرْوِيها المَهْدِيُّ بْنُ تُومَرْتَ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ الَّتِي لَدَيْنا فَلَعَلَّها مَذْكُورَةٌ في رِوايَةٍ أُخْرى لَمْ نَقِفْ عَلَيْها. وقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ في شَرْحِهِ عَلى المُوَطَّأِ المُسَمّى بِالمُنْتَقى، ولَمْ يَعْزُها إلى شَيْءٍ مِن رِواياتِ المُوَطَّأِ: أنَّ عُمَرَ خَرَجَ لَيْلَةً يَطُوفُ بِالمَدِينَةِ يَتَعَرَّفُ أحْوالَ النّاسِ فَمَرَّ بِدارٍ سَمِعَ امْرَأةً بِها تُنْشِدُ:

صفحة ٣٨٨

ألا طالَ هَذا اللَّيْلُ واسْوَدَّ جانِبُهُ ∗∗∗ وأرَّقَنِي أنْ لا خَلِيلَ أُلاعِبُهُ

فَلَوْلا حَذارِ اللَّهِ لا شَيْءَ غَـيْرُهُ ∗∗∗ لَزُعْزِعَ مِن هَذا السَّرِيرِ جَوانِبُهُ

فاسْتَدْعاها، مِنَ الغَدِ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّ زَوْجَها أُرْسِلَ في بَعْثِ العِراقِ، فاسْتَدْعى عُمَرُ نِساءً فَسَألَهُنَّ عَنِ المُدَّةِ الَّتِي تَسْتَطِيعُ المَرْأةُ فِيها الصَّبْرَ عَلى زَوْجِها قُلْنَ شَهْرانِ ويَقِلُّ صَبْرُها في ثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ويَنْفَدُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وقِيلَ: إنَّهُ سَألَ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ. فَأمَرَ عُمَرُ قُوّادَ الأجْنادِ ألّا يُمْسِكُوا الرَّجُلَ في الغَزْوِ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا مَضَتِ اسْتَرَدَّ الغازِينَ ووَجَّهَ قَوْمًا آخَرِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском