Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:231–232

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:231–232

2:231Page 37

وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٣١

And when you divorce women and they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or release them according to acceptable terms, and do not keep them, intending harm, to transgress [against them]. And whoever does that has certainly wronged himself. And do not take the verses of Allāh in jest. And remember the favor of Allāh upon you and what has been revealed to you of the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the Prophet's sunnah] by which He instructs you. And fear Allāh and know that Allāh is Knowing of all things.

﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجْلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠] الآيَةُ عَطْفُ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ، وتَشْرِيعٍ عَلى تَشْرِيعٍ، لِقَصْدِ زِيادَةِ الوَصاةِ بِحُسْنِ المُعامَلَةِ في الِاجْتِماعِ والفُرْقَةِ، وما تَبِعَ ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرِ الَّذِي سَيَأْتِي بَيانُهُ.

وقَوْلُهُ فَبَلَغْنَ أجْلَهُنَّ مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُرادَ: وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ طَلاقًا فِيهِ أجَلٌ. والأجَلُ هُنا لَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ المُطَلَّقاتِ عُلِمَ أنَّهُ أجَلٌ مَعْهُودٌ بِالمُضافِ إلَيْهِ. أعْنِي أجَلَ الِانْتِظارِ، وهو العِدَّةُ، وهو التَّرَبُّصُ في الآيَةِ السّابِقَةِ.

وبُلُوغُ الأجَلِ: الوُصُولُ إلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ هُنا مُشارَفَةُ الوُصُولِ إلَيْهِ بِإجْماعِ العُلَماءِ؛ لِأنَّ الأجَلَ إذا انْقَضى زالَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الإمْساكِ والتَّسْرِيحِ، وقَدْ يُطْلَقُ البُلُوغُ عَلى مُشارَفَةِ الوُصُولِ ومُقارَبَتِهِ، تَوَسُّعًا أيْ مَجازًا بِالأوَّلِ. وفي القاعِدَةِ الخامِسَةِ مِنَ البابِ الثّامِنِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ، أنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ بِالفِعْلِ عَنْ أُمُورٍ: أحَدُها، وهو الكَثِيرُ المُتَعارَفُ، عَنْ حُصُولِ الفِعْلِ، وهو الأصْلُ. الثّانِي: عَنْ مُشارَفَتِهِ نَحْوَ ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] أيْ يُقارِبُونَ الوَفاةَ، لِأنَّهُ حِينَ الوَصِيَّةِ.

صفحة ٤٢٢

الثّالِثُ: إرادَتُهُ نَحْوَ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] .

الرّابِعُ: القُدْرَةُ عَلَيْهِ نَحْوَ ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أيْ قادِرِينَ.

(والأجَلُ) في كَلامِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ الَّتِي يُمْهَلُ إلَيْها الشَّخْصُ في حُدُوثِ حادِثٍ مُعَيَّنٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: ضَرَبَ لَهُ أجَلًا، ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨] .

والمُرادُ بِالأجَلِ هُنا آخِرُ المُدَّةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ (فَبَلَغْنَ) مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ وصُولٌ بَعْدَ مَسِيرٍ إلَيْهِ، وأسْنَدَ بَلَغْنَ إلى النِّساءِ لِأنَّهُنَّ اللّاتِي يَنْتَظِرْنَ انْقِضاءَ الأجَلِ، لِيَخْرُجْنَ مِن حَبْسِ العِدَّةِ، وإنْ كانَ الأجَلُ لِلرِّجالِ والنِّساءِ مَعًا: لِلْأوَّلِينَ تَوْسِعَةً لِلْمُراجَعَةِ، ولِلْأخِيراتِ تَحْدِيدًا لِلْحِلِّ لِلتَّزَوُّجِ. وأُضِيفَ الأجَلُ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ لَهاتِهِ النُّكْتَةِ.

والقَوْلُ في الإمْساكِ والتَّسْرِيحِ مَضى قَرِيبًا. وفي هَذا الوَجْهِ تَكْرِيرُ الحُكْمِ المُفادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فَأُجِيبَ عَنْ هَذا بِما قالَهُ الفَخْرُ: إنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ أفادَتِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الإمْساكِ والتَّسْرِيحِ، في مُدَّةِ العِدَّةِ، وهَذِهِ أفادَتْ ذَلِكَ التَّخْيِيرَ في آخِرِ أوْقاتِ العِدَّةِ، تَذْكِيرًا بِالإمْساكِ وتَحْرِيضًا عَلى تَحْصِيلِهِ، ويَسْتَتْبِعُ هَذا التَّذْكِيرُ الإشارَةَ إلى التَّرْغِيبِ في الإمْساكِ، مِن جِهَةِ إعادَةِ التَّخْيِيرِ بَعْدَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وذَكَرَ التَّسْرِيحَ هُنا مَعَ الإمْساكِ لِيُظْهِرَ مَعْنى التَّخْيِيرِ بَيْنَ أمْرَيْنِ ولِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى الإشارَةِ إلى رَغْبَةِ الشَّرِيعَةِ في الإمْساكِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الأمْرانِ لَما تَأتّى التَّقْدِيمُ المُؤْذِنُ بِالتَّرْغِيبِ وعِنْدِي أنَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أُعِيدَ الحُكْمُ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ما قَصَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الضِّرارِ وما تَلا ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرِ والمَوْعِظَةِ وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا أُبْعِدَ عَنْ تَذَكُّرِهِ الجُمَلُ السّابِقَةِ: الَّتِي اقْتَضى الحالُ الِاعْتِراضَ بِها.

وقَوْلُهُ ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ قَيَّدَ التَّسْرِيحَ هُنا بِالمَعْرُوفِ، وقَيَّدَ في قَوْلِهِ السّالِفِ أوْ ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، بِالإحْسانِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإحْسانَ المَذْكُورَ هُنالِكَ، هو عَيْنُ المَعْرُوفِ الَّذِي يُعْرَضُ لِلتَّسْرِيحِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَمْ يُحْتَجْ هُنا إلى الفَرْقِ بَيْنَ قَيْدِهِ وقَيْدِ الإمْساكِ. أوْ لِأنَّ إعادَةَ أحْوالِ الإمْساكِ والتَّسْرِيحِ هُنا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنِ المُضارَّةِ، والَّذِي تُخافُ مُضارَّتُهُ بِمَنزِلَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أنْ يُطْلَبَ مِنهُ الإحْسانُ، فَطَلَبَ مِنهُ الحَقَّ، وهو المَعْرُوفُ الَّذِي عَدَمُ المُضارَّةِ مِن فُرُوعِهِ، سَواءٌ في الإمْساكِ أوْ في التَّسْرِيحِ، ومُضارَّةُ كُلٍّ بِما يُناسِبُهُ.

وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: تَقَدَّمَ أنَّ المَعْرُوفَ أخَفُّ مِنَ الإحْسانِ فَلَمّا وقَعَ الأمْرُ في الآيَةِ الأُخْرى

صفحة ٤٢٣

بِتَسْرِيحِهِنَّ، مُقارِنًا لِلْإحْسانِ، خِيفَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ الأمْرَ بِالإحْسانِ عِنْدَ تَسْرِيحِهِنَّ لِلْوُجُوبِ فَعَقَّبَهُ بِهَذا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ لا لِلْوُجُوبِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومٍ ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إذِ الضِّرارُ ضِدُّ المَعْرُوفِ، وكَأنَّ وجْهَ عَطْفِهِ مَعَ اسْتِفادَتِهِ مِنَ الأمْرِ بِضِدِّهِ التَّشْوِيهُ بِذِكْرِ هَذا الضِّدِّ لِأنَّهُ أكْثَرُ أضْدادِ المَعْرُوفِ يَقْصِدُهُ الأزْواجُ المُخالِفُونَ لِحُكْمِ الإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ، ونُكْتَتُهُ تَقْرِيرُ المَعْنى المُرادِ في الذِّهْنِ بِطَرِيقَتَيْنِ غايَتُهُما واحِدَةٌ وقالَ الفَخْرُ: نُكْتَةُ عَطْفِ النَّهْيِ عَلى الأمْرِ بِالضِّدِّ في الآيَةِ هي أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ بِخِلافِ النَّهْيِ، وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ، وفِيها نِزاعٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، ولَكِنَّهُ بَناها عَلى أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ هو مُقْتَضى اللُّغَةِ. عَلى أنَّ هَذا العَطْفَ إنْ قُلْنا: إنَّ المَعْرُوفَ في الإمْساكِ حَيْثُما تَحَقَّقَ انْتَفى الضِّرارُ، وحَيْثُما انْتَفى المَعْرُوفُ تَحَقَّقَ الضِّرارُ، فَيَصِيرُ الضِّرارُ مُساوِيًا لِنَقِيضِ المَعْرُوفِ، قُلْنا أنْ نَجْعَلَ نُكْتَةَ العَطْفِ، حِينَئِذٍ، لِتَأْكِيدِ حُكْمِ الإمْساكِ بِالمَعْرُوفِ: بِطَرِيقَيْ إثْباتٍ، ونَفْيٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: (ولا تُمْسِكُوهُنَّ إلّا بِالمَعْرُوفِ)، كَما في قَوْلِ السَّمَوْألِ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظِّباتِ تَسِيلُ

والضِّرارُ مَصْدَرُ ضارَّ، وأصْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَدُلَّ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، مِثْلُ خاصَمَ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ مِثْلَ: عافاكَ اللَّهُ، والظّاهِرُ أنَّها هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في الضُّرِّ، تَشْنِيعًا عَلى مَن يَقْصِدُهُ بِأنَّهُ مُفْحِشٌ فِيهِ. ونَصَبَ ضِرارًا عَلى الحالِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ.

وقَوْلُهُ لِتَعْتَدُوا جُرَّ بِاللّامِ ولَمْ يُعْطَفُ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الجَرَّ بِاللّامِ هو أصْلُ التَّعْلِيلِ، وحَذَفَ مَفْعُولَ (تَعْتَدُوا) لِيَشْمَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِنَّ، وعَلى أحْكامِ اللَّهِ تَعالى، فَتَكُونُ اللّامُ مُسْتَعْمَلَةً في التَّعْلِيلِ والعاقِبَةِ. والِاعْتِداءُ عَلى أحْكامِ اللَّهِ لا يَكُونُ عِلَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ العِلَّةِ مَجازًا في الحُصُولِ، تَشْنِيعًا عَلى المُخالِفِينَ، فَحَرْفُ اللّامِ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

وقَوْلُهُ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ جَعَلَ ظُلْمَهم نِساءَهم ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ، واضْطِرابِ حالِ البَيْتِ، وفَواتِ المَصالِحِ: بِشَغَبِ الأذْهانِ في المُخاصَماتِ. وظَلَمَ نَفْسَهُ أيْضًا بِتَعْرِيضِها لِعِقابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ.

* * *

صفحة ٤٢٤

﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

عَطْفُ هَذا النَّهْيِ عَلى النَّهْيِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ مِن صَنِيعِهِمْ في تَطْوِيلِ العِدَّةِ، لِقَصْدِ المُضارَّةِ، بِأنَّ في ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِأحْكامِ اللَّهِ الَّتِي شَرَّعَ فِيها حَقَّ المُراجَعَةِ، مُرِيدًا رَحْمَةَ النّاسِ، فَيَجِبُ الحَذَرُ مِن أنْ يَجْعَلُوها هُزُؤًا، وآياتُ اللَّهِ هي ما في القُرْآنِ مِن شَرائِعِ المُراجِعَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .

والهُزُءُ بِضَمَّتَيْنِ، مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ إذا سَخِرَ ولَعِبَ، وهو هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لا تَتَّخِذُوها مُسْتَهْزَأً بِهِ، ولَمّا كانَ المُخاطَبُ بِهَذا المُؤْمِنِينَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا بِالَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِالآياتِ، تَعَيَّنَ أنَّ الهُزُءَ مُرادٌ بِهِ مَجازُهُ وهو الِاسْتِخْفافُ، وعَدَمُ الرِّعايَةِ، لِأنَّ المُسْتَخِفَّ بِالشَّيْءِ المُهِمِّ يُعَدُّ لِاسْتِخْفافِهِ بِهِ، مَعَ العِلْمِ بِأهَمِّيَّتِهِ، كالسّاخِرِ واللّاعِبِ. وهو تَحْذِيرٌ لِلنّاسِ مِنَ التَّوَصُّلِ بِأحْكامِ الشَّرِيعَةِ إلى ما يُخالِفُ مُرادَ اللَّهِ، ومَقاصِدَ شَرْعِهِ، ومِن هَذا التَّوَصُّلِ المَنهِيِّ عَنْهُ، ما يُسَمّى بِالحِيَلِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَعْنى أنَّها جارِيَةٌ عَلى صُوَرٍ صَحِيحَةِ الظّاهِرِ، بِمُقْتَضى حُكْمِ الشَّرْعِ، كَمَن يَهِبُ مالَهُ لِزَوْجِهِ لَيْلَةَ الحَوْلِ لِيَتَخَلَّصَ مِن وُجُوبِ زَكاتِهِ، ومِن أبْعَدِ الأوْصافِ عَنْها الوَصْفُ بِالشَّرْعِيَّةِ.

فالمُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآياتِ مُحَذَّرُونَ أنْ يَجْعَلُوا حُكْمَ اللَّهِ في العِدَّةِ، الَّذِي قُصِدَ مِنهُ انْتِظارُ النَّدامَةِ وتَذَكُّرُ حُسْنِ المُعاشَرَةِ، لَعَلَّهُما يَحْمِلانِ المُطَّلِقَ عَلى إمْساكِ زَوْجَتِهِ حِرْصًا عَلى بَقاءِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ، فَيُغَيِّرُوا ذَلِكَ ويَجْعَلُوهُ وسِيلَةً إلى زِيادَةِ النِّكايَةِ، وتَفاقُمِ الشَّرِّ والعَداوَةِ. وفي المُوَطَّأِ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي مِائَةَ طَلْقَةٍ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بانَتْ مِنكَ بِثَلاثٍ، وسَبْعٌ وتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِها آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا. يُرِيدُ أنَّهُ عَمَدَ إلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ مِن عَدَدِ الطَّلاقِ، بِحِكْمَةِ تَوَقُّعِ النَّدامَةِ مَرَّةً أُولى وثانِيَةً، فَجَعَلَهُ سَبَبُ نِكايَةٍ وتَغْلِيظٍ، حَتّى اعْتَقَدَ أنَّهُ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ المُراجَعَةِ إذْ جَعَلَهُ مِائَةً، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ حَذَّرَهم دَعاهم بِالرَّغْبَةِ فَقالَ

صفحة ٤٢٥

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فَذَكَّرَهم بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، بَعْدَ الجاهِلِيَّةِ، بِالإسْلامِ، الَّذِي سَمّاهُ نِعْمَةً كَما سَمّاهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فَكَما أنْعَمَ عَلَيْكم بِالِانْسِلاخِ عَنْ تِلْكَ الضَّلالَةِ، فَلا تَرْجِعُوا إلَيْها بِالتَّعاهُدِ بَعْدَ الإسْلامِ وقَوْلُهُ ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى نِعْمَةٍ، وجُمْلَةُ يَعِظُكم بِهِ حالٌ ويَجُوزُ جَعْلُهُ مُبْتَدَأً؛ وجُمْلَةُ يَعِظُكم خَبَرٌ، والكِتابُ: القُرْآنُ. والحِكْمَةُ: العِلْمُ المُسْتَفادُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وهو العِبْرَةُ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإدْراكُ مَصالِحِ الدِّينِ، وأسْرارِ الشَّرِيعَةِ، كَما قالَ تَعالى، بَعْدَ أنْ بَيَّنَ حُكْمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ومَعْنى إنْزالِ الحِكْمَةِ أنَّها كانَتْ حاصِلَةً مِن آياتِ القُرْآنِ، كَما ذَكَرْنا، ومِنَ الإيماءِ إلى العِلَلِ، ومِمّا يَحْصُلُ أثْناءَ مُمارَسَةِ الدِّينِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ومَن فَسَّرَ الحِكْمَةَ بِالسَّنَةِ فَقَدْ فَسَّرَها بِبَعْضِ دَلائِلِها. والمَوْعِظَةُ والوَعْظُ: النُّصْحُ والتَّذْكِيرُ بِما يُلِينُ القُلُوبَ، ويُحَذِّرُ المَوْعُوظَ.

وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْكِيرٌ بِالتَّقْوى وبِمُراعاةِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ تَنْزِيلًا لَهم في حِينِ مُخالَفَتِهِمْ بِأفْعالِهِمْ لِمَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ، مَنزِلَةَ مَن يَجْهَلُ أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ، فَإنَّ العَلِيمَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو إذا عَلِمَ مُخالَفَتَهم لا يَحُولُ بَيْنَ عِقابِهِ وبَيْنَهم شَيْءٌ، لِأنَّ هَذا العَلِيمَ قَدِيرٌ.

2:232Page 37

وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢٣٢

And when you divorce women1 and they have fulfilled their term, do not prevent them from remarrying their [former] husbands if they [i.e., all parties] agree among themselves on an acceptable basis. That is instructed to whoever of you believes in Allāh and the Last Day. That is better for you and purer, and Allāh knows and you know not.

﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾

المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ مُخاطَبَةُ أوْلِياءِ النِّساءِ، بِألّا يَمْنَعُوهُنَّ مِن مُراجَعَةِ أزْواجِهِنَّ، بَعْدَ أنْ أمَرَ المُفارِقِينَ بِإمْساكِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ ورَغَّبَهم في ذَلِكَ، إذْ قَدْ عَلِمَ أنَّ المَرْأةَ إذا رَأتِ الرَّغْبَةَ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كانَتْ تَأْلَفُهُ وتُعاشِرُهُ لَمْ تَلْبَثْ أنْ تَقْرِنَ رَغْبَتَهُ بِرَغْبَتِها، فَإنَّ المَرْأةَ سَرِيعَةُ

صفحة ٤٢٦

الِانْفِعالِ قَرِيبَةُ القَلْبِ، فَإذا جاءَ مَنعٌ فَإنَّما يَجِيءُ مِن قَبَلِ الأوْلِياءِ ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَرْغِيبَ النِّساءِ في الرِّضا بِمُراجَعَةِ أزْواجِهِنَّ ونَهى الأوْلِياءَ عَنْ مَنعِهِنَّ مِن ذَلِكَ.

وقَدْ عُرِفَ مِن شَأْنِ الأوْلِياءِ في الجاهِلِيَّةِ، وما قارَبَها، الأنَفَةُ مِن أصْهارِهِمْ، عِنْدَ حُدُوثِ الشِّقاقِ بَيْنَهم وبَيْنَ ولاياهم، ورُبَّما رَأوُا الطَّلاقَ اسْتِخْفافًا بِأوْلِياءِ المَرْأةِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِهِمْ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ عَلى قَصْدِ الِانْتِقامِ مِنهم عِنْدَما يَرَوْنَ مِنهم نَدامَةً، ورَغْبَةً في المُراجَعَةِ، وقَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحِ أنَّ البَدّاحَ بْنَ عاصِمٍ الأنْصارِيَّ طَلَّقَ زَوْجَهُ جُمَيْلا بِالتَّصْغِيرِ وقِيلَ جُمَلا وقِيلَ جَمِيلَةُ ابْنَةُ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها، أرادَ مُراجَعَتَها، فَقالَ لَهُ أبُوها مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ: إنَّكَ طَلَّقْتَها طَلاقًا لَهُ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ تَرَكْتَها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فَلَمّا خُطِبَتْ إلَيَّ أتَيْتَنِي تَخْطُبُها مَعَ الخُطّابِ، واللَّهِ لا أُنْكِحُها أبَدًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ مَعْقِلٌ: فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وأرْجَعْتُها إلَيْهِ وقالَ الواحِدِيُّ: نَزَلْتُ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كانَتْ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ طَلَّقَها زَوْجُها وانْقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ جاءَ يُرِيدُ مُراجَعَتَها، وكانَتْ راغِبَةً فِيهِ، فَمَنَعَهُ جابِرٌ مِن ذَلِكَ فَنَزَلَتْ.

والمُرادُ مِن أجْلَهُنَّ هو العِدَّةُ، وهو يَعْضُدُ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ مِن نَظِيرِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ: دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ فَجَعَلَ البُلُوغَ، في الآيَةِ الأوْلى، بِمَعْنى مُشارَفَةِ بُلُوغِ الأجَلِ، وجَعْلَهُ، هُنا، بِمَعْنى انْتِهاءِ الأجَلِ.

فَجُمْلَةُ وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ عَطْفٌ عَلى ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] الآيَةَ.

والخِطابُ الواقِعُ في قَوْلِهِ طَلَّقْتُمْ وتَعْضِلُوهُنَّ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ دُونَ اخْتِلافِ التَّوَجُّهِ، فَيَكُونُ مُوَجَّهًا إلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ صالِحٌ لِأنَّ يَقَعُ مِنهُ الطَّلاقُ، إنْ كانَ زَوْجًا، ويَقَعُ مِنهُ العَضْلُ، إنْ كانَ ولِيًّا، والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ عَلى مِثْلِهِ فَلا يَكادُ يَخْفى في اسْتِعْمالِهِمْ، ولَمّا كانَ المُسْنَدُ إلَيْهِ أحَدَ الفِعْلَيْنِ، غَيْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ الفِعْلُ الآخَرُ، إذْ لا يَكُونُ الطَّلاقُ مِمَّنْ يَكُونُ مِنهُ العَضْلُ، ولا العَكْسُ، كانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَأْخُذُ مِنِ الخِطابِ ما هو بِهِ جَدِيرٌ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُمْ أوْقَعْتُمُ الطَّلاقَ، فَهُمُ الأزْواجُ، وبِقَوْلِهِ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ النَّهْيُ عَنْ صُدُورِ العَضْلِ، وهم أوْلِياءُ النِّساءِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ الخِطابَ لِلنّاسِ عامَّةً أيْ إذا وُجِدَ فِيكُمُ الطَّلاقُ، وبَلَغَ المُطَلَّقاتُ أجَلَهُنَّ، فَلا يَقَعُ مِنكُمُ العَضْلُ

صفحة ٤٢٧

ووَجْهُ تَفْسِيرِهِ هَذا بِقَوْلِهِ: (لِأنَّهُ إذا وُجِدَ العَضْلُ بَيْنَهم وهم راضُونَ كانُوا في حُكْمِ العاضِلِينَ) .

والعَضْلُ: المَنعُ والحَبْسُ وعَدَمُ الِانْتِقالِ، فَمِنهُ عَضَّلَتِ المَرْأةُ بِالتَّشْدِيدِ إذا عَسَرَتْ وِلادَتُها وعَضَّلَتِ الدَّجاجَةُ إذا نَشِبَ بَيْضُها فَلَمْ يَخْرُجْ، والمُعاضَلَةُ في الكَلامِ: احْتِباسُ المَعْنى حَتّى لا يَبْدُوَ مِنَ الألْفاظِ، وهو التَّعْقِيدُ، وشاعَ في كَلامِ العَرَبِ في مَنعِ الوَلِيِّ مَوْلاتَهُ مِنَ النِّكاحِ. وفي الشَّرْعِ: هو المَنعُ بِدُونِ وجْهِ صَلاحٍ، فالأبُ لا يُعَدُّ عاضِلًا بِرَدِّ كُفْءٍ أوِ اثْنَيْنِ، وغَيْرُ الأبِ يُعَدُّ عاضِلًا بِرَدِّ كُفْءٍ واحِدٍ.

وإسْنادُ النِّكاحِ إلى النِّساءِ هُنا لِأنَّهُ هو المَعْضُولُ عَنْهُ، والمُرادُ بِأزْواجِهِنَّ طالِبُوا المُراجَعَةَ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وسَمّاهُنَّ أزْواجًا مَجازًا بِاعْتِبارِ ما كانَ، لِقُرْبِ تِلْكَ الحالَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَنعَ ظُلْمٌ؛ فَإنَّهم كانُوا أزْواجًا لَهُنَّ مِن قَبْلُ، فَهم أحَقُّ بِأنْ يَرْجِعْنَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ﴾ شَرْطٌ لِلنَّهْيِ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ إذا عَلِمَ عَدَمَ التَّراضِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، ورَأى أنَّ المُراجَعَةَ سَتَعُودُ إلى دَخَلٍ وفَسادٍ فَلَهُ أنْ يَمْنَعَ مَوْلاتَهُ، نُصْحًا لَها، وفي هَذا الشَّرْطِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ النَّهْيِ: وهي أنَّ الوَلِيَّ لا يَحِقُّ لَهُ مَنعُها، مَعَ تَراضِي الزَّوْجَيْنِ بِعَوْدِ المُعاشَرَةِ، إذْ لا يَكُونُ الوَلِيُّ أدْرى بِمَيْلِها مِنها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ، في المَثَلِ المَشْهُورِ: رَضِيَ الخَصْمانِ ولَمْ يَرْضَ القاضِي. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى اعْتِبارِ الوِلايَةَ لِلْمَرْأةِ في النِّكاحِ، بِناءً عَلى غالِبِ الأحْوالِ يَوْمَئِذٍ؛ لِأنَّ جانِبَ المَرْأةِ جانِبٌ ضَعِيفٌ، مَطْمُوعٌ فِيهِ، مَعْصُومٌ عَنِ الِامْتِهانِ، فَلا يَلِيقُ تَرْكُها تَتَوَلّى مِثْلَ هَذا الأمْرِ بِنَفْسِها؛ لِأنَّهُ يُنافِي نَفاسَتِها وضَعْفِها، فَقَدْ يَسْتَخِفُّ بِحُقُوقِها الرِّجالُ، حِرْصًا عَلى مَنافِعِهِمْ وهي تَضْعُفُ عَنِ المُعارَضَةِ.

ووَجْهُ الإشارَةِ: أنَّ اللَّهَ أشارَ إلى حَقَّيْنِ: حَقِّ الوَلِيِّ بِالنَّهْيِ عَنِ العَضْلِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ بِيَدِهِ، لَما نَهى عَنْ مَنعِهِ، ولا يُقالُ: نَهى عَنِ اسْتِعْمالِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ النَّهْيُ عَنِ البَغْيِ والعُدْوانِ كافِيًا، ولَجِيءَ بِصِيغَةِ (ما يَكُونُ لَكم) ونَحْوِها وحَقِّ المَرْأةِ في الرِّضا ولِأجْلِهِ أسْنَدَ اللَّهُ النِّكاحَ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ، ولَمْ يَقُلْ: أنْ تُنْكِحُوهُنَّ أزْواجَهُنَّ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الإسْلامِ، وشَذَّ أبُو حَنِيفَةَ في المَشْهُورِ عَنْهُ فَلَمْ يَشْتَرِطِ الوِلايَةَ في النِّكاحِ، واحْتَجَّ لَهُ الجَصّاصُ بِأنَّ اللَّهَ أسْنَدَ النِّكاحَ هُنا لِلنِّساءِ وهو اسْتِدْلالٌ بَعِيدٌ عَنِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: نَكَحَتِ المَرْأةُ، فَإنَّهُ بِمَعْنى تَزَوَّجَتْ

صفحة ٤٢٨

دُونَ تَفْصِيلٍ بِكَيْفِيَّةِ هَذا التَّزَوُّجِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ رِضا المَرْأةِ بِالزَّوْجِ هو العَقْدُ المُسَمّى بِالنِّكاحِ، وإنَّما الخِلافُ في اشْتِراطِ مُباشَرَةِ الوَلِيِّ لِذَلِكَ دُونَ جَبْرٍ، وهَذا لا يُنافِيهِ إسْنادُ النِّكاحِ إلَيْهِنَّ، أمّا وِلايَةُ الإجْبارِ فَلَيْسَتْ مِن غَرَضِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها وارِدَةٌ في شَأْنِ الأيامى ولا جَبْرَ عَلى أيِّمٍ بِاتِّفاقِ العُلَماءِ.

وقَوْلُهُ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ إشارَةٌ إلى حُكْمِ النَّهْيِ عَنِ العَضْلِ، وإفْرادُ الكافِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ جَماعَةٌ، رَعْيًا لِتَناسِي أصْلِ وضْعِها مِنِ الخِطابِ إلى ما اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ مِن مَعْنى بُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ فَقَطْ، فَإفْرادُها في أسْماءِ الإشارَةِ هو الأصْلُ، وأمّا جَمْعُها في قَوْلِهِ ذَلِكم أزْكى لَكم فَتَجْدِيدٌ لِأصْلِ وضْعِها.

ومَعْنى أزْكى وأطْهَرُ أنَّهُ أوْفَرُ لِلْعِرْضِ، وأقْرَبُ لِلْخَيْرِ، فَأزْكى دالٌّ عَلى النَّماءِ والوَفْرِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْضُلُونَهُنَّ حَمِيَّةً وحِفاظًا عَلى المُرُوءَةِ مِن لَحاقِ ما فِيهِ شائِبَةُ الحَطِيطَةِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ عَدَمَ العَضْلِ أوْفَرُ لِلْعِرْضِ؛ لِأنَّ فِيهِ سَعْيًا إلى اسْتِبْقاءِ الوُدِّ بَيْنَ العائِلاتِ الَّتِي تَقارَبَتْ بِالصِّهْرِ والنَّسَبِ؛ فَإذا كانَ العَضْلُ إبايَةً لِلضَّيْمِ، فالإذْنُ لَهُنَّ بِالمُراجَعَةِ حِلْمٌ وعَفْوٌ ورِفاءٌ لِلْحالِ وذَلِكَ أنْفَعُ مِن إبايَةِ الضَّيْمِ.

وأمّا قَوْلُهُ أطَهْرُ فَهو مَعْنى أنْزَهُ، أيْ أنَّهُ أقْطَعُ لِأسْبابِ العَداواتِ والإحَنِ والأحْقادِ بِخِلافِ العَضْلِ الَّذِي قَصَدْتُمْ مِنهُ قَطْعَ العَوْدِ إلى الخُصُومَةِ، وماذا تَضُرُّ الخُصُومَةُ في وقْتٍ قَلِيلٍ يَعْقُبُها رِضا ما تَضُرُّ الإحَنُ الباقِيَةُ، والعَداواتُ المُتَأصِّلَةُ، والقُلُوبُ المُحْرَقَةُ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أزْكى بِالمَعْنى الأوَّلِ، ناظِرًا لِأحْوالِ الدُّنْيا، وأطَهْرُ بِمَعْنى فِيهِ السَّلامَةُ مِنَ الذُّنُوبِ في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ أطْهَرُ مَطْلُوبَ المُفاضَلَةِ، جاءَ عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُزاوَجَةِ مَعَ قَوْلِهِ أزْكى.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، وإزالَةٌ لِاسْتِغْرابِهِمْ حِينَ تَلَقِّي هَذا الحُكْمِ، لِمُخالَفَتِهِ لِعاداتِهِمُ القَدِيمَةِ، وما اعْتَقَدُوا نَفْعًا وصَلاحًا وإبْقاءً عَلى أعْراضِهِمْ، فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ أنَّ ما أمَرَهم بِهِ ونَهاهم عَنْهُ هو الحَقُّ، لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ النّافِعَ، وهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا، فَمَفْعُولُ ”يَعْلَمُ“ مَحْذُوفٌ أيْ واللَّهُ يَعْلَمُ ما فِيهِ كَمالُ زَكاتِكم وطَهارَتِكم؛ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском