Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:233

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:233, continued

والفِصالُ: الفِطامُ عَنِ الإرْضاعِ، لِأنَّهُ فُصِلَ عَنْ ثَدْيِ مُرْضِعِهِ. وعَنْ في قَوْلِهِ عَنْ تَراضٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرادا أيْ إرادَةٌ ناشِئَةٌ عَنِ التَّراضِي، إذْ قَدْ تَكُونُ إرادَتُهُما صُورِيَّةً أوْ يَكُونُ أحَدُهُما في نَفْسِ الأمْرِ مُرْغَمًا عَلى الإرادَةِ، بِخَوْفٍ، أوِ اضْطِرارٍ. وقَوْلُهُ وتَشاوُرٍ هو مَصْدَرُ شاوَرَ إذا طَلَبَ المَشُورَةَ. والمَشُورَةُ قِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الإشارَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَشاوِرِينَ يُشِيرُ بِما يَراهُ نافِعًا فَلِذَلِكَ يَقُولُ المُسْتَشِيرُ لِمَن يَسْتَشِيرُهُ بِماذا تُشِيرُ عَلَيَّ كَأنَّ أصْلَهُ أنَّهُ يُشِيرُ لِلْأمْرِ الَّذِي فِيهِ النَّفْعُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الإشارَةِ بِاليَدِ، لِأنَّ النّاصِحَ المُدَبِّرَ كالَّذِي يُشِيرُ إلى الصَّوابِ ويُعِينُهُ لَهُ مَن لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ، ثُمَّ عُدِّيَ بِعَلى لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى التَّدْبِيرِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن شارَ العَسَلَ إذا اسْتَخْرَجَهُ، وأيّامًا كانَ اشْتِقاقُها فَمَعْناها إبْداءُ الرَّأْيِ في عَمَلٍ يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَهُ مَن يُشاوِرُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٣٠] خَلِيفَةً وسَيَجِيءُ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعَطَفَ التَّشاوُرَ عَلى التَّراضِي تَعْلِيمًا لِلزَّوْجَيْنِ شُئُونَ تَدْبِيرِ العائِلَةِ، فَإنَّ التَّشاوُرَ يُظْهِرُ الصَّوابَ ويَحْصُلُ بِهِ التَّراضِي.

وأفادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ [البقرة: ٢٢٩] أنَّ ذَلِكَ مُباحٌ، وأنَّ حَقَّ إرْضاعِ الحَوْلَيْنِ مُراعًى فِيهِ حَقُّ الأبَوَيْنِ وحَقُّ الرَّضِيعِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أمْزِجَةِ الرُّضَعاءِ جَعَلَ اخْتِلافَ الأبَوَيْنِ دَلِيلًا عَلى تَوَقُّعِ حاجَةِ الطِّفْلِ إلى زِيادَةِ الرَّضاعِ، فَأعْمَلَ قَوْلَ طالِبِ الزِّيادَةِ مِنهُما، كَما تَقَدَّمَ، فَإذا تَشاوَرَ الأبَوانِ وتَراضَيا، بَعْدَ ذَلِكَ، عَلى الفِصالِ كانَ تَراضِيهُما دَلِيلًا عَلى أنَّهُما رَأيا مِن حالِ الرَّضِيعِ ما يُغْنِيهِ عَنِ الزِّيادَةِ، إذْ لا يُظَنُّ بِهِما التَّمالُؤُ عَلى ضُرِّ الوَلَدِ، ولا يُظَنُّ إخْفاءُ المَصْلَحَةِ عَلَيْهِما، بَعْدَ تَشاوُرِهِما، إذْ لا يَخْفى عَلَيْهِما حالُ ولَدِهِما.

وقَوْلُهُ ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ انْتِقالٌ إلى حالَةِ إرْضاعِ الطِّفْلِ غَيْرُ والِدَتِهِ، إذا تَعَذَّرَ عَلى الوالِدَةِ إرْضاعُهُ، لِمَرَضِها، أوْ تَزَوُّجِها أوْ إنْ أبَتْ ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ لَها الإباءُ، كَما تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّابِقَةِ، أيْ إنْ أرَدْتُمْ أنْ تَطْلُبُوا الإرْضاعَ لِأوْلادِكم فَلا إثْمَ في ذَلِكَ، والمُخاطَبُ بِأرَدْتُمْ: الأبَوانِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأبَوَيْنِ في الأُمَّةِ ولَيْسَ المُخاطَبُ خُصُوصَ الرِّجالِ، لِقَوْلِهِ تَعالى فِيما سَبَقَ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّ هَذا الحُكْمَ خاصٌّ بِحالَةِ تَراضِي الأبَوَيْنِ عَلى ذَلِكَ لِعُذْرِ الأُمِّ، وبِحالَةِ فَقْدِ الأُمِّ. وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أنَّ حالَةَ التَّراضِي هي المَقْصُودَةُ أوَّلًا، لِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ مُؤْذِنٌ بِتَوَقُّعِهِ،

صفحة ٤٣٩

وإنَّما يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الأُمُّ مَوْجُودَةً، وأُرِيدَ صَرْفُ الِابْنِ عَنْها إلى مُرْضِعٍ أُخْرى، لِسَبَبٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْهِ، وهُما لا يُرِيدانِ ذَلِكَ إلّا حَيْثُ يَتَحَقَّقُ عَدَمُ الضُّرِّ لِلِابْنِ، فَلَوْ عُلِمَ ضُرُّ الوَلَدِ لَمْ يَجُزْ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَرْضِعُ لِأوْلادِها، لا سِيَّما أهْلَ الشَّرَفِ. وفي الحَدِيثِ واسْتُرْضِعْتُ في بَنِي سَعْدٍ.

والِاسْتِرْضاعُ أصْلُهُ طَلَبُ إرْضاعِ الطِّفْلِ، أيْ طَلَبُ أنْ تُرْضِعَ الطِّفْلَ غَيْرُ أُمِّهِ، فالسِّينُ والتّاءُ في تَسْتَرْضِعُوا لِلطَّلَبِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، وأصْلُهُ أنْ تَسْتَرْضِعُوا مَراضِعَ لِأوْلادِكم، لِأنَّ الفِعْلَ يُعَدّى بِالسِّينِ والتّاءِ - الدّالَّيْنِ عَلى الطَّلَبِ - إلى المَفْعُولِ المَطْلُوبِ مِنهُ الفِعْلُ فَلا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وما بَعْدَهُ يُعَدّى إلَيْهِ بِالحَرْفِ وقَدْ يُحْذَفُ الحَرْفُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَما حُذِفَ في اسْتَرْضَعَ واسْتَنْجَحَ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ إلى المَجْرُورِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، وفي الحَدِيثِ «واسْتُرْضِعْتُ في بَنِي سَعْدٍ» ووَقَعَ في الكَشّافِ ما يَقْتَضِي أنَّ السِّينَ والتّاءَ دَخَلَتا عَلى الفِعْلِ المَهْمُوزِ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ فَزادَتاهُ تَعْدِيَةً لِثانٍ، وأصْلُهُ أرْضَعَتِ المَرْأةُ الوَلَدَ، فَإذا قُلْتَ: اسْتَرْضَعْتُها صارَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّنا نَنْظُرُ إلى الحَدَثِ المُرادِ طَلَبُهُ، فَإنْ كانَ حَدَثًا قاصِرًا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ السِّينُ والتّاءُ، عُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، نَحْوَ اسْتَنْهَضْتُهُ فَنَهَضَ، وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ السِّينُ والتّاءُ، عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ اسْتَرْضَعْتُها فَأرْضَعَتْ، والتَّعْوِيلُ عَلى القَرِينَةِ، إذْ لا يُطْلَبُ أصْلُ الرَّضاعِ لا مِنَ الوَلَدِ ولا مِنَ الأُمِّ، وكَذا: اسْتَنْجَحْتُ اللَّهَ سَعْيِي، إذْ لا يُطْلَبُ مِنَ اللَّهِ إلّا إنْجاحُ السَّعْيِ، ولا مَعْنى لِطَلَبِ نَجاحِ اللَّهِ، فَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الفِعْلِ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ إلى الثّانِي بِحَذْفِ الحَرْفِ، نَرى أنَّهُ لا مَعْنى لِتَسَلُّطِ الطَّلَبِ عَلى الفِعْلِ هُنا أصْلًا، عَلى أنَّهُ لَوْلا هَذا الِاعْتِبارُ، لَتَعَذَّرَ طَلَبُ وُقُوعِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِالسِّينِ والتّاءِ، وهو قَدْ يَطْلُبُ حُصُولَهُ فَما أوْرَدُوهُ عَلى الكَشّافِ: مِن أنَّ حُرُوفَ الزِّيادَةِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى المُجَرَّدِ لا المَزِيدِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ حُرُوفَ الزِّيادَةِ إذا تَكَرَّرَتْ، وكانَتْ لِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ جازَ اعْتِبارُ بَعْضِها داخِلًا بَعْدَ بَعْضٍ، وإنْ كانَ مَدْخُولُها كُلِّها هو الفِعْلَ المُجَرَّدَ.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ يُرْضِعْنَ تَشْرِيعَ وُجُوبِ الإرْضاعِ عَلى الأُمَّهاتِ، بَلِ المَقْصُودُ تَحْدِيدُ مُدَّةِ الإرْضاعِ، وواجِباتُ المُرْضِعِ عَلى الأبِ، وأمّا إرْضاعُ الأُمَّهاتِ فَمَوْكُولٌ إلى ما تَعارَفَهُ النّاسُ، فالمَرْأةُ الَّتِي في العِصْمَةِ، إذا كانَ مِثْلُها يُرْضِعُ، يُعْتَبَرُ إرْضاعُها أوْلادَها مِن حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَيْها في العِصْمَةِ،

صفحة ٤٤٠

إذِ العُرْفُ كالشَّرْطِ. والمَرْأةُ المُطَلَّقَةُ لا حَقَّ لِزَوْجِها عَلَيْها، فَلا تُرْضِعُ لَهُ إلّا بِاخْتِيارِها. ما لَمْ يَعْرِضْ في الحالَيْنِ مانِعٌ أوْ مُوجِبٌ، مِثْلُ عَجْزِ المَرْأةِ في العِصْمَةِ عَنِ الإرْضاعِ لِمَرَضٍ، ومِثْلُ امْتِناعِ الصَّبِيِّ مِن رَضاعِ غَيْرِها، إذا كانَتْ مُطَلَّقَةً بِحَيْثُ يُخْشى عَلَيْهِ، والمَرْأةُ الَّتِي لا يُرْضِعُ مِثْلُها وهي ذاتُ القَدْرِ، قَدْ عَلِمَ الزَّوْجُ حِينَما تَزَوَّجَها أنَّ مِثْلَها لا يُرْضِعُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْها حَقُّ الإرْضاعِ. هَذا قَوْلُ مالِكٍ، إذِ العُرْفُ كالشَّرْطِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ عُرْفًا مِن قَبْلِ الإسْلامِ وتَقَرَّرَ في الإسْلامِ، وقَدْ جَرى في كَلامِ المالِكِيَّةِ، في كُتُبِ الأُصُولِ: أنَّ مالِكًا خَصَّصَ عُمُومَ الوالِداتِ بِغَيْرِ ذَواتِ القَدْرِ، وأنَّ المُخَصَّصَ هو العُرْفُ، وكُنّا نُتابِعُهم عَلى ذَلِكَ، ولَكِنِّي الآنَ لا أرى ذَلِكَ مُتَّجِهًا ولا أرى مالِكًا عَمَدَ إلى التَّخْصِيصِ أصْلًا، لِأنَّ الآيَةَ غَيْرُ مَسُوقَةٍ لِإيجابِ الإرْضاعِ، كَما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ إذا سَلَّمْتُمْ إلى المَراضِعِ أُجُورَهُنَّ. فالمُرادُ بِما آتَيْتُمُ: الأجْرُ، ومَعْنى آتى في الأصْلِ دَفَعَ؛ لِأنَّهُ مُعَدّى أتى بِمَعْنى وصَلَ، ولَمّا كانَ أصْلُ ”إذا“ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ، لَمْ يَلْتَئِمْ أنْ يَكُونَ مَعَ فِعْلِ آتَيْتُمُ الماضِي.

وتَأوَّلَ في الكَشّافِ آتَيْتُمْ بِمَعْنى: أرَدْتُمْ إيتاءَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] تَبَعًا لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾، والمَعْنى: إذا سَلَّمْتُمْ أُجُورَ المَراضِعِ بِالمَعْرُوفِ، دُونَ إجْحافٍ ولا مَطْلٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (أتَيْتُمْ) بِتَرْكِ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. فالمَعْنى عَلَيْهِ: إذا سَلَّمْتُمْ ما جِئْتُمْ، أيْ ما قَصَدْتُمْ، فالإتْيانُ حِينَئِذٍ مَجازٌ عَنِ القَصْدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] وقالَ زُهَيْرٌ:

وما كانَ مِن خَيْرٍ أتَوْهُ فَإنَّما تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ

وقَوْلُهُ واتَّقَوُا اللَّهَ تَذْيِيلٌ لِلتَّخْوِيفِ، والحَثِّ عَلى مُراقَبَةِ ما شَرَعَ اللَّهُ، مِن غَيْرِ مُحاوَلَةٍ ولا مُكايَدَةٍ، وقَوْلُهُ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَذْكِيرٌ لَهم بِذَلِكَ، وإلّا فَقَدَ عَلِمُوهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском