Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:238–240

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:238–240

2:238Page 39

حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨

Maintain with care the [obligatory] prayers and [in particular] the middle [i.e., ʿaṣr] prayer and stand before Allāh, devoutly obedient.

﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾

الِانْتِقالُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، في آيِ القُرْآنِ، لا تَلْزَمُ لَهُ قُوَّةُ ارْتِباطٍ، لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كِتابَ تَدْرِيسٍ يُرَتَّبُ بِالتَّبْوِيبِ وتَفْرِيعِ المَسائِلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ ولَكِنَّهُ كِتابُ تَذْكِيرٍ، ومَوْعِظَةٍ فَهو مَجْمُوعُ ما نَزَلَ مِنَ الوَحْيِ في هَدْيِ الأُمَّةِ، وتَشْرِيعِها ومَوْعِظَتِها، وتَعْلِيمِها، فَقَدْ يُجْمَعُ فِيهِ الشَّيْءُ لِلشَّيْءِ، مِن غَيْرِ لُزُومِ ارْتِباطٍ، وتَفَرُّعِ مُناسَبَةٍ، ورُبَّما كَفى في ذَلِكَ نُزُولُ الغَرَضِ الثّانِي، عَقِبَ الغَرَضِ الأوَّلِ، أوْ تَكُونُ الآيَةُ مَأْمُورًا بِإلْحاقِها بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِن إحْدى سُوَرِ القُرْآنِ. كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، ولا يَخْلُو ذَلِكَ مِن مُناسَبَةٍ في المَعانِي، أوْ في انْسِجامِ نَظْمِ الكَلامِ، فَلَعَلَّ آيَةَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ نَزَلَتْ عَقِبَ آياتِ تَشْرِيعِ العِدَّةِ والطَّلاقِ، لِسَبَبٍ اقْتَضى ذَلِكَ: مِن غَفْلَةٍ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، أوِ اسْتِشْعارِ مَشَقَّةٍ في المُحافَظَةِ عَلَيْها، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ أحْكامِ الطَّلاقِ والعَدَدِ، وإذا أبَيْتَ ألّا تَطْلُبَ الِارْتِباطَ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمّا طالَ تِبْيانُ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ مُتَوالِيَةٍ: ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥]، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُرْتَبِطَةً بِالتَّذْيِيلِ الَّذِي ذُيِّلَتْ بِهِ الآيَةُ السّابِقَةُ: وهو قَوْلُهُ ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإنَّ اللَّهَ دَعانا إلى خُلُقٍ حُمَيْدٍ، وهو العَفْوُ عَنِ الحُقُوقِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الخُلُقُ قَدْ يَعْسُرُ عَلى النَّفْسِ، لِما فِيهِ مِن تَرْكِ ما تُحِبُّهُ مِنَ المَلائِمِ، مِن مالٍ وغَيْرِهِ: كالِانْتِقامِ مِنَ الظّالِمِ، وكانَ في طِباعِ الأنْفُسِ الشُّحُّ، عَلَّمَنا اللَّهُ تَعالى دَواءَ

صفحة ٤٦٦

هَذا الدّاءِ بِدَواءَيْنِ، أحَدُهُما دُنْيَوِيٌّ عَقْلِيٌّ، وهو قَوْلُهُ ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، المُذَكِّرُ بِأنَّ العَفْوَ يُقَرِّبُ إلَيْكَ البَعِيدَ، ويُصَيِّرُ العَدُوَّ صَدِيقًا وإنَّكَ إنْ عَفَوْتَ فَيُوشِكُ أنْ تَقْتَرِفَ ذَنْبًا فَيُعْفى عَنْكَ، إذا تَعارَفَ النّاسُ الفَضْلَ بَيْنَهم، بِخِلافِ ما إذا أصْبَحُوا لا يَتَنازَعُونَ عَنِ الحَقِّ.

الدَّواءُ الثّانِي أُخْرَوِيٌّ رُوحانِيٌّ: وهو الصَّلاةُ الَّتِي وصَفَها اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى بِأنَّها تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَلَمّا كانَتْ مُعِينَةً عَلى التَّقْوى، ومَكارِمِ الأخْلاقِ، حَثَّ اللَّهُ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، ولَكَ أنْ تَقُولَ: لَمّا طالَ تَعاقُبُ الآياتِ المُبَيِّنَةِ تَشْرِيعاتٍ تَغْلُبُ فِيها الحُظُوظُ الدُّنْيَوِيَّةُ لِلْمُكَلَّفِينَ، عُقِبَّتْ تِلْكَ التَّشْرِيعاتُ بِتَشْرِيعٍ تَغْلِبُ فِيهِ الحُظُوظُ الأُخْرَوِيَّةُ، لِكَيْ لا يَشْتَغِلَ النّاسُ بِدِراسَةِ أحَدِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ التَّشْرِيعِ، عَنْ دِراسَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: أُمِرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها في تَضاعِيفِ أحْكامِ الأوْلادِ والأزْواجِ، لِئَلّا يُلْهِيَهُمُ الِاشْتِغالُ بِشَأْنِهِمْ عَنْها.

وقالَ بَعْضُهم: (لَمّا ذَكَرَ حُقُوقَ النّاسِ دَلَّهم عَلى المُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِ اللَّهِ) وهو في الجُمْلَةِ. مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ في العِنايَةِ بِالصَّلَواتِ أداءَ حَقِّ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى عَلى ما وجَّهَ إلَيْنا مِن عِنايَتِهِ بِأُمُورِنا الَّتِي بِها قِوامُ نِظامِنا وقَدْ أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ ﴿كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] أيْ مِن قَوانِينِ المُعامَلاتِ النِّظامِيَّةِ.

وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ مُعْتَرِضَةً ومَوْقِعُها ومَعْناها مِثْلُ مَوْقِعِ قَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] . وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] . وكَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] الآيَةَ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] الآيَةَ.

(وحافِظُوا) صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ اسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلْمُبالَغَةِ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِها. والمُحافَظَةُ عَلَيْها هي المُحافَظَةُ عَلى أوْقاتِها مِن أنْ تُؤَخَّرَ عَنْها والمُحافَظَةُ تُؤْذِنُ بِأنَّ المُتَعَلِّقَ بِها حَقٌّ عَظِيمٌ يُخْشى التَّفْرِيطُ فِيهِ.

صفحة ٤٦٧

والمُرادُ: الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ و(ال) في الصَّلَواتِ لِلْعَهْدِ، وهي الصَّلَواتُ الخَمْسُ المُتَكَرِّرَةُ؛ لِأنَّها الَّتِي تُطْلَبُ المُحافَظَةُ عَلَيْها.

والصَّلاةِ الوُسْطى لا شَكَّ أنَّها صَلاةٌ مِن جُمْلَةِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ: لِأنَّ الأمْرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الفَرائِضِ، وقَدْ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مُعَرَّفَةً بِلامِ التَّعْرِيفِ، ومَوْصُوفَةً بِأنَّها وُسْطى، فَسَمِعَها المُسْلِمُونَ وقَرَءُوها، فَإمّا عَرَفُوا المَقْصُودَ مِنها في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِمُ الِاحْتِمالُ بَعْدَهُ فاخْتَلَفُوا، وإمّا شَغَلَتْهُمُ العِنايَةُ بِالسُّؤالِ عَنْ مُهِمّاتِ الدِّينِ في حَياةِ الرَّسُولِ عَنِ السُّؤالِ عَنْ تَعْيِينِها: لِأنَّهم كانُوا عازِمِينَ عَلى المُحافَظَةِ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا تَذاكَرُوها بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ فَنَبَعَ مِن ذَلِكَ خِلافٌ شَدِيدٌ: أنْهَيْتُ الأقْوالَ فِيهِ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ قَوْلًا، بِالتَّفْرِيقِ والجَمْعِ، وقَدْ سَلَكُوا لِلْكَشْفِ عَنْها مَسالِكَ؛ مَرْجِعُها إلى أخْذِ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالوُسْطى، أوْ مِنِ الوِصايَةِ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها.

فَأمّا الَّذِينَ تَعَلَّقُوا بِالِاسْتِدْلالِ بِوَصْفِ الوُسْطى: فَمِنهم مَن حاوَلَ جَعْلَ الوَصْفِ مِنَ الوَسَطِ بِمَعْنى الخِيارِ والفَضْلِ، فَرَجَعَ إلى تَتَبُّعِ ما ورَدَ في تَفْضِيلِ بَعْضِ الصَّلَواتِ عَلى بَعْضٍ، مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وحَدِيثِ عائِشَةَ «أفْضَلُ الصَّلَواتِ عِنْدَ اللَّهِ صَلاةُ المَغْرِبِ» .

ومِنهم مَن حاوَلَ جَعْلَ الوَصْفِ مِنَ الوَسَطِ: وهو الواقِعُ بَيْنَ جانِبَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ مِنَ العَدَدِ فَذَهَبَ يَتَطَلَّبُ الصَّلاةَ الَّتِي هي بَيْنَ صَلاتَيْنِ مِن كُلِّ جانِبٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ صالِحَةً لِأنْ تُعْتَبَرَ واقِعَةً بَيْنَ صَلاتَيْنِ، لِأنَّ ابْتِداءَ الأوْقاتِ اعْتِبارِيٌّ، ذَهَبُوا يُعَيِّنُونَ المَبْدَأ: فَمِنهم مَن جَعَلَ المَبْدَأ ابْتِداءَ النَّهارِ، فَجَعَلَ مَبْدَأ الصَّلَواتِ الخَمْسِ صَلاةَ الصُّبْحِ فَقُضِيَ بِأنَّ الوُسْطى: العَصْرُ، ومِنهم مَن جَعَلَ المَبْدَأ الظَّهْرَ، لِأنَّها أوَّلُ صَلاةٍ فُرِضَتْ؛ كَما في حَدِيثِ جِبْرِيلَ في المُوَطَّأِ، فَجَعَلَ الوُسْطى: المَغْرِبَ.

وأمّا الَّذِينَ تَعَقَّلُوا بِدَلِيلِ الوِصايَةِ عَلى المُحافَظَةِ، فَذَهَبُوا يَتَطَلَّبُونَ أشَقَّ صَلاةٍ عَلى النّاسِ: تَكْثُرُ المُتَطَلَّباتُ عَنْها، فَقالَ قَوْمٌ: هي الظُّهْرُ لِأنَّها أشَقُّ صَلاةٍ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ، كانُوا أهْلَ شُغْلٍ، وكانَتْ تَأْتِيهِمُ الظُّهْرُ وهم قَدْ أتْعَبَتْهم أعْمالُهم، ورُبَّما كانُوا في إكْمالِ أعْمالِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: هي العِشاءُ؛ لِما ورَدَ أنَّها أثْقَلُ صَلاةٍ عَلى المُنافِقِينَ، وقالَ بَعْضُهم: هي العَصْرُ لِأنَّها وقْتُ شُغْلٍ وعَمَلٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الصُّبْحُ لِأنَّها وقْتُ نَوْمٍ في الصَّيْفِ، ووَقْتُ تَطَلُّبِ الدِّفْءِ في الشِّتاءِ.

صفحة ٤٦٨

وأصَحُّ ما في هَذا الخِلافِ: ما جاءَ مِن جِهَةِ الأثَرِ وذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها الصُّبْحُ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ فُقَهاءِ المَدِينَةِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وعَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وحَفْصَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وهو عَنِ الشّافِعِيِّ أيْضًا، لِأنَّ الشّائِعَ عِنْدَهم أنَّها الصُّبْحُ، وهم أعْلَمُ النّاسِ بِما يُرْوى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مِن قَوْلٍ، أوْ فِعْلٍ، أوْ قَرِينَةِ حالٍ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَصْرُ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا، وهو الأصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ونُسِبَ إلى عائِشَةَ، وحَفْصَةَ، والحَسَنِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ في رِوايَةٍ، ومالَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، وحُجَّتُهم ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حِينَ نَسِيَ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ مِن شِدَّةِ الشُّغْلِ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقالَ: شَغَلُونا - أيِ المُشْرِكُونَ - عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، أضْرَمَ اللَّهُ قُبُورَهم نارًا» .

والأصَحُّ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أوَّلُهُما: لِما في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ، أنْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ أمَرَتا كاتِبَيْ مُصْحَفَيْهِما أنْ يَكْتُبا قَوْلَهُ تَعالى (حافَظُوا عَلى الصَّلَواتِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) وأسْنَدَتْ عائِشَةُ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ تُسْنِدْهُ حَفْصَةُ، فَإذا بَطَلَ أنْ تَكُونَ الوُسْطى هي العَصْرَ، بِحُكْمِ عَطْفِها عَلى الوُسْطى تَعَيَّنَ كَوْنُها الصُّبْحَ، هَذا مِن جِهَةِ الأثَرِ.

وأمّا مِن جِهَةِ مَسالِكِ الأدِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَأفْضَلِيَّةُ الصُّبْحِ ثابِتَةٌ بِالقُرْآنِ، قالَ تَعالى، مُخَصِّصًا لَها بِالذِّكْرِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وفي الصَّحِيحِ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ، ومَلائِكَةَ النَّهارِ، يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وتَوَسُّطُها بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ ظاهِرٌ، لِأنَّ وقْتَها بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فالظُّهْرُ والعَصْرُ نَهارِيَّتانِ، والمَغْرِبُ والعِشاءُ لَيْلِيَّتانِ، والصُّبْحُ وقْتٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ، حَتّى إنَّ الشَّرْعَ عامَلَ نافِلَتَهُ مُعامَلَةَ نَوافِلِ النَّهارِ: فَشَرَعَ فِيها الإسْرارَ، وفَرِيضَتَهُ مُعامَلَةَ فَرائِضِ اللَّيْلِ: فَشَرَعَ فِيها الجَهْرَ.

ومِن جِهَةِ الوَصايا بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، هي أجْدَرُ الصَّلَواتِ بِذَلِكَ: لِأنَّها الصَّلاةُ الَّتِي تَكْثُرُ المُثَبِّطاتُ عَنْها، بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والعُصُورِ والأُمَمِ، بِخِلافِ غَيْرِها فَقَدْ تَشُقُّ إحْدى الصَّلَواتِ الأُخْرى عَلى طائِفَةٍ دُونَ أُخْرى، بِحَسَبِ الأحْوالِ والأقالِيمِ والفُصُولِ.

صفحة ٤٦٩

ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى قُصِدَ إخْفاؤُها لِيُحافِظَ النّاسُ عَلى جَمِيعِ الصَّلَواتِ، وهَذا قَوْلٌ باطِلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَها بِاللّامِ ووَصَفَها. فَكَيْفَ يَكُونُ مَجْمُوعُ هَذَيْنِ المُعَرَّفَيْنِ غَيْرَ مَفْهُومٍ، وأمّا قِياسُ ذَلِكَ عَلى ساعَةِ الجُمُعَةِ ولَيْلَةِ القَدْرِ فَفاسِدٌ، لِأنَّ كِلَيْهِما قَدْ ذُكِرَ بِطَرِيقِ الإبْهامِ وصَحَّتِ الآثارُ بِأنَّها غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ. هَذا خُلاصَةُ ما يُعْرَضُ هُنا مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ أمْرٌ بِالقِيامِ في الصَّلاةِ بِخُضُوعٍ، فالقِيامُ: الوُقُوفُ، وهو رُكْنٌ في الصَّلاةِ فَلا يُتْرَكُ إلّا لِعُذْرٍ، وأمّا القُنُوتُ: فَهو الخُضُوعُ والخُشُوعُ قالَ تَعالى: ﴿وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وقالَ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وسُمِّيَ بِهِ الدُّعاءُ المَخْصُوصُ الَّذِي يُدْعى بِهِ في صَلاةِ الصُّبْحِ أوْ في صَلاةِ المَغْرِبِ، عَلى خِلافٍ بَيْنَهم، وهو هُنا مَحْمُولٌ عَلى الخُضُوعِ والخُشُوعِ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «كُنّا نُسَلِّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنا، فَلَمّا رَجَعْنا مِن عِنْدِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنا، وقالَ: إنَّ في الصَّلاةِ لَشُغْلًا» «وعَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ: كانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إلى جَنْبِهِ، في الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ» .

فَلَيْسَ قانِتِينَ هُنا بِمَعْنى قارِئِينَ دُعاءَ القُنُوتِ، لِأنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ إنَّما سُمِّيَ قُنُوتًا اسْتِرْواحًا مِن هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الوُسْطى بِصَلاةِ الصُّبْحِ كَما في حَدِيثِ أنَسٍ «دَعا النَّبِيءُ عَلى رِعْلٍ وذَكْوانَ في صَلاةِ الغَداةِ شَهْرًا وذَلِكَ بَدْءُ القُنُوتِ وما كُنّا نَقْنُتُ» .

2:239Page 39

فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ٢٣٩

And if you fear [an enemy, then pray] on foot or riding. But when you are secure, then remember Allāh [in prayer], as He has taught you that which you did not [previously] know.

﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حالَةَ الخَوْفِ لا تَكُونُ عُذْرًا في تَرْكِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، ولَكِنَّها عُذْرٌ في تَرْكِ القِيامِ لِلَّهِ قانِتِينَ، فَأفادَ هَذا التَّفْرِيعُ غَرَضَيْنِ: أحَدُهُما بِصَرِيحِ لَفْظِهِ، والآخَرُ بِلازِمِ مَعْناهُ.

والخَوْفُ هُنا خَوْفُ العَدُوِّ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ صَلاةَ الخَوْفِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الحَرْبَ بِأسْماءِ الخَوْفِ: فَيَقُولُونَ الرَّوْعُ ويَقُولُونَ الفَزَعُ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

وتَحْمِلُنا غَداةَ الرَّوْعِ جُرْدُ البَيْتِ

صفحة ٤٧٠

وقالَ سَبْرَةُ بْنُ عُمَرَ الفَقْعَسِيُّ:

ونِسْوَتُكم في الرَّوْعِ بادٍ وُجُودُها ∗∗∗ يُخَلْنَ إمَـاءً والإماءُ حَـرائِرُ

وفِي الحَدِيثِ «إنَّكم لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الفَزَعِ وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ» ولا يُعْرَفُ إطْلاقُ الخَوْفِ عَلى الحَرْبِ قَبْلَ القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] .

والمَعْنى: فَإنْ حارَبْتُمْ أوْ كُنْتُمْ في حَرْبٍ، ومِنهُ سَمّى الفُقَهاءُ (صَلاةَ الخَوْفِ) الصَّلاةَ الَّتِي يُؤَدِّيها المُسْلِمُونَ وهم يُصافُّونَ العَدُوَّ، في ساحَةِ الحَرْبِ: وإيثارُ كَلِمَةِ الخَوْفِ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَشْمَلَ خَوْفَ العَدُوِّ، وخَوْفَ السِّباعِ، وقُطّاعِ الطَّرِيقِ، وغَيْرِها.

ورِجالًا جَمْعُ راجِلٍ كالصِّحابِ ورُكْبانًا جَمْعُ راكِبٍ وهُما حالانِ مِن مَحْذُوفٍ أيْ فَصَلُّوا رِجالًا أوْ رُكْبانًا وهَذا في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] لِأنَّ هاتِهِ الحالَةَ تُخالِفُ القُنُوتَ في حالَةِ التَّرَجُّلِ، وتُخالِفُهُما مَعًا في حالَةِ الرُّكُوبِ. والآيَةُ إشارَةٌ إلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لا يُشْتَرَطُ فِيها الخُشُوعُ، لِأنَّها تَكُونُ مَعَ الِاشْتِغالِ بِالقِتالِ ولا يُشْتَرَطُ فِيها القِيامُ.

وهَذا الخَوْفُ يُسْقِطُ ما ذُكِرَ مِن شُرُوطِ الصَّلاةِ، وهو هُنا صَلاةُ النّاسِ فُرادى، وذَلِكَ عِنْدَ مالِكٍ، إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، وأظَلَّهُمُ العَدُوُّ، ولَمْ يَكُنْ حِصْنٌ بِحَيْثُ تَتَعَذَّرُ الصَّلاةُ جَماعَةً مَعَ الإمامِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِبَيانِ صَلاةِ الجَيْشِ في الحَرْبِ جَماعَةً: المَذْكُورَةِ في سُورَةِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِلنّاسِ في أوَّلِ الأمْرِ صَلاةَ الخَوْفِ فُرادى عَلى الحالِ الَّتِي يَتَمَكَّنُونَ مَعَها مِن مُواجَهَةِ العَدُوِّ، ثُمَّ شَرَعَ لَهم صَلاةَ الخَوْفِ جَماعَةً في سُورَةِ النِّساءِ، وأيْضًا شَمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ خَوْفٍ مِن سِباعٍ، أوْ قُطّاعِ طَرِيقٍ، أوْ مِن سَيْلِ الماءِ، قالَ مالِكٌ: وتُسْتَحَبُّ إعادَةُ الصَّلاةِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُصَلُّونَ كَما وصَفَ اللَّهُ ويُعِيدُونَ، لِأنَّ القِتالَ في الصَّلاةِ مُفْسِدٌ عِنْدَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أرادَ الصَّلاةَ أيِ ارْجِعُوا إلى الذِّكْرِ المَعْرُوفِ. وجاءَ في الأمْنِ بِإذا وفي الخَوْفِ بِإنْ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم سَيَكُونُ لَهُمُ النَّصْرُ والأمْنُ.

وقَوْلُهُ ﴿كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ: أيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا يُشابِهُ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْكم مِن عِلْمِ الشَّرِيعَةِ في تَفاصِيلِ هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ المُشابَهَةِ

صفحة ٤٧١

المُشابَهَةُ في التَّقْدِيرِ الِاعْتِبارِيِّ، أيْ أنْ يَكُونُ الذِّكْرُ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ والجَزاءِ، فَإنَّ الشَّيْءَ المُجازى بِهِ شَيْءٌ آخَرُ، يُعْتَبَرُ كالمُشابِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المِقْدارِ، وقَدْ يُسَمُّونَ هَذِهِ الكافَ كافَ التَّعْلِيلِ، والتَّعْلِيلُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّشْبِيهِ، لِأنَّ العِلَّةَ عَلى قَدْرِ المَعْلُولِ.

2:240Page 39

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٤٠

And those who are taken in death among you and leave wives behind - for their wives is a bequest: maintenance for one year without turning [them] out. But if they leave [of their own accord], then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable way.1 And Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا، بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] إلى آخِرِها في غايَةِ الإشْكالِ: فَإنَّ حُكْمَها يُخالِفُ، في الظّاهِرِ، حُكْمَ نَظِيرَتِها الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ هاتِهِ الآيَةُ سابِقَةٌ في النُّزُولِ عَلى آيَةِ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] يَزْدادُ مَوْقِعُها غَرابَةً: إذْ هي سابِقَةٌ في النُّزُولِ مُتَأخِّرَةً في الوَضْعِ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرَعَتْ حُكْمَ تَرَبُّصِ المُتَوَفّى عَنْها حَوْلًا في بَيْتِ زَوْجِها وذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِعِدَّةِ الوَفاةِ وبِالمِيراثِ، رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وفي البُخارِيِّ، في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى، فَلَمْ تَكْتُبْها، قالَ: لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ عَنْ مَكانِهِ يا ابْنَ أخِي فاقْتَضى أنَّ هَذا هو مَوْضِعُ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها ناسِخَةٌ لَها، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ وضْعُها هُنا بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِقَوْلِ عُثْمانَ لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ عَنْ مَكانِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أرادَ بِالآيَةِ الأُخْرى آيَةَ سُورَةِ النِّساءِ في المِيراثِ.

وفِي البُخارِيِّ: قالَ مُجاهِدٌ: شَرَعَ اللَّهُ العِدَّةَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا تَعْتَدُّ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبًا، ثُمَّ نَزَلَتْ وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ فَجَعَلَ اللَّهُ لَها تَمامَ السَّنَةِ وصِيَّةً، إنْ شاءَتْ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ، ولَمْ يَكُنْ لَها يَوْمَئِذٍ مِيراثٌ مُعَيَّنٌ، فَكانَ ذَلِكَ حَقَّها في تَرِكَةِ زَوْجِها، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالمِيراثِ. فَلا تَعَرُّضَ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْعِدَّةِ ولَكِنَّها في بَيانِ حُكْمٍ آخَرَ وهو إيجابُ الوَصِيَّةِ لَها بِالسُّكْنى حَوْلًا: إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَبِسَ عَنِ التَّزَوُّجِ حَوْلًا مُراعاةً لِما

صفحة ٤٧٢

كانُوا عَلَيْهِ، ويَكُونُ الحَوْلُ تَكْمِيلًا لِمُدَّةِ السُّكْنى لا العِدَّةِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ مُجاهِدٌ أصْرَحُ ما في هَذا البابِ، وهو المَقْبُولُ.

واعْلَمُوا أنَّ العَرَبَ، في الجاهِلِيَّةِ، كانَ مِن عادَتِهِمُ المُتَّبَعَةِ أنَّ المَرْأةَ إذا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها تَمْكُثُ في شَرِّ بَيْتٍ لَها حَوْلًا، مُحِدَّةً لابِسَةً شَرَّ ثِيابِها مُتَجَنِّبَةً الزِّينَةَ والطِّيبَ، كَما تَقَدَّمَ في حاشِيَةِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَنِ المُوَطَّأِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أبْطَلَ ذَلِكَ الغُلُوَّ في سُوءِ الحالَةِ، وشَرَعَ عِدَّةَ الوَفاةِ والإحْدادَ، فَلَمّا ثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، في مَبْدَأِ أمْرِ تَغْيِيرِ العادَةِ، أمَرَ الأزْواجَ بِالوَصِيَّةِ لِأزْواجِهِمْ بِسُكْنى الحَوَلِ بِمَنزِلِ الزَّوْجِ والإنْفاقِ عَلَيْها مِن مالِهِ، إنْ شاءَتِ السُّكْنى بِمَنزِلِ الزَّوْجِ، فَإنْ خَرَجَتْ وأبَتِ السُّكْنى هُنالِكَ لَمْ يُنْفَقْ عَلَيْها، فَصارَ الخِيارُ لِلْمَرْأةِ في ذَلِكَ بَعْدَ أنْ كانَ حَقًّا عَلَيْها لا تَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ، ثُمَّ نُسِخَ الإنْفاقُ والوَصِيَّةُ بِالمِيراثِ، فاللَّهُ لَمّا أرادَ نَسْخَ عِدَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وراعى لُطْفَهُ بِالنّاسِ في قَطْعِهِمْ عَنْ مُعْتادِهِمْ، أقَرَّ الِاعْتِدادَ بِالحَوْلِ، وأقَرَّ ما مَعَهُ مِنَ المُكْثِ في البَيْتِ مُدَّةَ العِدَّةِ، لَكِنَّهُ أوْقَفَهُ عَلى وصِيَّةِ الزَّوْجِ، عِنْدَ وفاتِهِ، لِزَوْجِهِ بِالحُسْنى، وعَلى قَبُولِ الزَّوْجَةِ ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُوصِ لَها أوْ لَمْ تَقْبَلْ، فَلَيْسَ عَلَيْها السُّكْنى، ولَها الخُرُوجُ، وتَعْتَدُّ حَيْثُ شاءَتْ، ونَسَخَ وصِيَّةَ السُّكْنى حَوْلًا بِالمَوارِيثِ، وبَقِيَ لَها السُّكْنى في مَحَلِّ زَوَّجَها مُدَّةَ العِدَّةِ مَشْرُوعًا بِحَدِيثِ الفُرَيْعَةِ.

وقَوْلُهُ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: بِرَفْعِ وصِيَّةٍ عَلى الِابْتِداءِ، مُحَوَّلًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، وأصْلُهُ وصِيَّةً بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، فَحُوِّلَ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِمْ: حَمْدٌ وشُكْرٌ، وصَبْرٌ جَمِيلٌ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .

ولَمّا كانَ المَصْدَرُ في المَفْعُولِ المُطْلَقِ، في مِثْلِ هَذا، دالًّا عَلى النَّوْعِيَّةِ، جازَ عِنْدَ وُقُوعِهِ مُبْتَدَأً أنْ يَبْقى مُنَكَّرًا، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ فَرْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ حَتّى يُنافِيَ الِابْتِداءَ، بَلِ المَقْصُودُ النَّوْعُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: (لِأزْواجِهِمْ) خَبَرٌ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: وصِيَّةً بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِأزْواجِهِمْ مُتَعَلِّقًا بِهِ عَلى أصْلِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ لِإفادَةِ الأمْرِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الوَصِيَّةَ وصِيَّةُ المُتَوَفِّينَ، فَتَكُونُ مِنَ الوَصِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِها مَن تَحْضُرُهُ الوَفاةُ: مِثْلَ الوَصِيَّةِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فَعَلى هَذا الِاعْتِبارِ إذا لَمْ يُوصِ المُتَوَفّى لِزَوْجِهِ بِالسُّكْنى

صفحة ٤٧٣

فَلا سُكْنى، لَها، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الزَّوْجَةَ مَعَ الوَصِيَّةِ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أنَّ تَقْبَلَ الوَصِيَّةَ، وبَيْنَ أنْ تَخْرُجَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وعَطاءٌ، والرَّبِيعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ﴾ هي وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْأزْواجِ بِلُزُومِ البُيُوتِ حَوْلًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وقَوْلُهُ ﴿وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] فَذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَنْ إيصاءِ المُتَوَفِّينَ ولا عَلى قَبُولِ الزَّوْجاتِ، بَلْ هو حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ يَجِبُ تَنْفِيذُهُ، وعَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ لِأزْواجِهِمْ مُتَعَلِّقًا بِوَصِيَّةٍ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ هو الَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ لِعَدَمِ تَأتِّي ما قَرَّرَ في الوَجْهِ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾: تَقَدَّمَ مَعْنى المَتاعِ في قَوْلِهِ ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] والمَتاعُ هُنا هو السُّكْنى، وهو مَنصُوبٌ عَلى حَذْفِ فِعْلِهِ أيْ لِيُمَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، وانْتَصَبَ مَتاعًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِوَصِيَّةٍ والتَّقْدِيرُ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ بِمَتاعٍ. و”إلى“ مُؤْذِنَةٌ بِشَيْءٍ جُعِلَتْ غايَتُهُ الحَوْلَ، وتَقْدِيرُهُ: مَتاعًا بِسُكْنى إلى الحَوْلِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ .

والتَّعْرِيفُ في الحَوَلِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، وهو الحَوَلُ المَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِي تَعْتَدُّ بِهِ المَرْأةُ المُتَوَفّى عَنْها، فَهو كَتَعْرِيفِهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ

وقَوْلُهُ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ حالٌ مِن مَتاعًا مُؤَكِّدَةً، أوْ بَدَلٌ مِن مَتاعًا بَدَلًا مُطابِقًا، والعَرَبُ تُؤَكِّدُ الشَّيْءَ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي العَبّاسِ الأعْمى يَمْدَحُ بَنِي أُمَيَّةَ:

خُطَباءُ عَلى المَنابِرِ فُرْسا ∗∗∗ نٌ عَلَيْها وقالَةٌ غَيْرُ خُرْسِ

وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ هو عَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ مَعْناهُ: فَإنْ أبَيْنَ قَبُولَ الوَصِيَّةِ فَخَرَجْنَ، فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ: مِنَ الخُرُوجِ وغَيْرِهِ مِنَ المَعْرُوفِ عَدا الخِطْبَةِ والتَّزَوُّجِ، والتَّزَيُّنِ في العِدَّةِ، فَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَعْرُوفِ.

صفحة ٤٧٤

وعَلى قَوْلِ الفِرْقَةِ الأُخْرى الَّتِي جَعَلَتِ الوَصِيَّةَ مِنَ اللَّهِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ لِلْإيجازِ، مِثْلَ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ فَإنْ تَمَّ الحَوْلُ فَخَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ: أيْ مَن تَزَوَّجَ وغَيْرُهُ، مِنَ المَعْرُوفِ عَدا، المُنْكَرِ كالزِّنا وغَيْرِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَعْرُوفَ يُفَسَّرُ: بِغَيْرِ ما حُرِّمَ عَلَيْها في الحالَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها الخُرُوجُ وكُلُّ ذَلِكَ فِعْلٌ في نَفْسِها، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ (وتَنْكِيرُ مَعْرُوفٍ هُنا وتَعْرِيفُهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأُخْرى، فَصارَ هُنالِكَ مَعْهُودًا) .

وأحْسَبُ هَذا غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ، وأنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو والنَّكِرَةُ سَواءٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَنِ القِراءَةِ المَنسُوبَةِ إلى عَلِيٍّ - بِفَتْحِ ياءٍ يَتَوَفَّوْنَ - وما فِيها مِن نُكْتَةٍ عَرَبِيَّةٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآيَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском