Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:246–247
2:246Page 40
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦
Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
صفحة ٤٨٤
﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيءٍ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] سِيقَ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ لِجُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وفِيها زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِفَظاعَةِ حالِ التَّقاعُسِ عَنِ القِتالِ بَعْدَ التَّهَيُّؤِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والتَّكْرِيرُ في مَثَلِهِ يُفِيدُ مَزِيدَ تَحْذِيرٍ وتَعْرِيضٍ بِالتَّوْبِيخِ؛ فَإنَّ المَأْمُورِينَ بِالجِهادِ في قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] لا يَخْلَوْنَ مَن نَفَرٍ تَعْتَرِيهِمْ هَواجِسُ تُثَبِّطُهم عَنِ القِتالِ، حُبًّا لِلْحَياةِ ومِن نَفَرٍ تَعْتَرِضُهم خَواطِرُ تُهَوِّنُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ أكْدارِ الحَياةِ، ومَصائِبِ المَذَلَّةِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِهَذَيْنِ الحالَيْنِ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] والثّانِي قَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وقَدْ قَدَّمَ أحَدَهُما وأخَّرَ الآخَرَ: لِيَقَعَ التَّحْرِيضُ عَلى القِتالِ بَيْنَهُما، ومُناسَبَةُ تَقْدِيمِ الأُولى أنَّها تُشَنِّعُ حالَ الَّذِينَ اسْتَسْلَمُوا واسْتَضْعَفُوا أنْفُسَهم، فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وهَذِهِ الحالَةُ أنْسَبُ بِأنْ تُقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الأمْرِ بِالقِتالِ والدِّفاعِ عَنِ البَيْضَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ بَعْدَها يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ السّامِعِينَ لا مَحالَةَ، ومُناسَبَةُ تَأْخِيرِ الثّانِيَةِ أنَّها تَمْثِيلُ حالِ الَّذِينَ عَرَفُوا فائِدَةَ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِقَوْلِهِمْ ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ إلَخْ. فَسَألُوهُ دُونَ أنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا عُيِّنَ لَهُمُ القِتالُ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ، ومَوْضِعُ العِبْرَةِ هو التَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ حالِهِمْ، بَعْدَ الشُّرُوعِ في القِتالِ، أوْ بَعْدَ كُتُبِهِ عَلَيْهِمْ، فَلِلَّهِ بَلاغَةُ هَذا الكَلامِ، وبَراعَةُ هَذا الأُسْلُوبِ: تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ألَمْ تَرَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المِلْءِ وهو تَعْمِيرُ الوِعاءِ بِالماءِ ونَحْوِهِ، وأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِالتَّشاوُرِ لِقَوْلِهِمْ: تَمالَأ القَوْمُ إذا اتَّفَقُوا عَلى شَيْءٍ والكُلُّ مَأْخُوذٌ مِن مِلْءِ الماءِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَمْلَئُونَ قِرَبَهم وأوْعِيَتَهم كُلَّ مَساءٍ، عِنْدَ الوِرْدِ، فَإذا مَلَأ
صفحة ٤٨٥
أحَدٌ لِآخَرَ فَقَدْ كَفاهُ شَيْئًا مُهِمًّا؛ لِأنَّ الماءَ قِوامُ الحَياةِ، فَضَرَبُوا ذَلِكَ مَثَلًا لِلتَّعاوُنِ عَلى الأمْرِ النّافِعِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَياةِ، والتَّمْثِيلُ بِأحْوالِ الماءِ في مِثْلِ هَذا مِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ فَإنَّهم قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وأكْفَئُوا إنائِي. تَمْثِيلًا لِإضاعَتِهِمْ حَقَّهُ.
وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ إعْلامٌ بِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ القِصَّةِ كانُوا مَعَ نَبِيءٍ بَعْدَ مُوسى، فَإنَّ زَمانَ مُوسى لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصْبُ مُلُوكٍ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم أضاعُوا الِانْتِفاعَ بِالزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ رَسُولُهم بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَكانُوا يَقُولُونَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا﴾ [المائدة: ٢٤]، وكانَ النَّصْرُ لَهم مَعَهُ أرْجى لَهم بِبَرَكَةِ رَسُولِهِمْ والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاخْتِلافِ عَلى رَسُولِهِمْ. وتَنْكِيرُ ”نَبِيءٍ لَهم“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَحَلَّ العِبْرَةِ لَيْسَ هو شَخْصَ النَّبِيءِ فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ حالُ القَوْمِ وهَذا دَأْبُ القُرْآنِ في قِصَصِهِ، وهَذا النَّبِيءُ هو صَمْوِيلُ وهو بِالعَرَبِيَّةِ شَمْوِيلُ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إذْ قالُوا لِنَبِيِّهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ هَذا النَّبِيءُ مَعْهُودًا عَنْهُ السّامِعِينَ حَتّى يُعْرَفَ لَهم بِالإضافَةِ.
وفِي قَوْلِهِ (لِنَبِيءٍ لَهم) تَأْيِيدٌ لِقَوْلِ عُلَماءِ النَّحْوِ إنَّ أصْلَ الإضافَةِ أنْ تَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ، ومَعْنى ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ عَيِّنْ لَنا مَلِكًا؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَلِكٌ في حالَةِ الحاجَةِ إلى مَلِكٍ فَكَأنَّ المَلِكَ غائِبٌ عَنْهم، وكَأنَّ حالَهم يَسْتَدْعِي حُضُورَهُ فَإذا عُيِّنَ لَهم شَخْصٌ مَلِكًا فَكَأنَّهُ كانَ غائِبًا عَنْهم فَبُعِثَ أيْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، أوْ هو مُسْتَعارٌ مِن بَعْثِ البَعِيرِ أيْ إنْهاضِهِ لِلْمَشْيِ.
وقَوْلُهُ ﴿هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ الآيَةَ، اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ وتَحْذِيرٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾، مُسْتَفْهَمٌ عَنْهُ بِهَلْ وخَبَرٌ لَعَسى مُتَوَقَّعٌ، ودَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ ﴿إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ وهَذا مِن أبْدَعِ الإيجازِ: فَقَدْ حَكى جُمَلًا كَثِيرَةً وقَعَتْ في كَلامٍ بَيْنَهم، وذَلِكَ أنَّهُ قَرَّرَهم عَلى إضْمارِهِمْ نِيَّةَ عَدَمِ القِتالِ اخْتِبارًا وسَبْرًا لِمِقْدارِ عَزْمِهِمْ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جاءَ في الِاسْتِفْهامِ بِالنَّفْيِ فَقالَ ما يُؤَدِّي مَعْنى (هَلْ لا تُقاتِلُونَ) ولَمْ يَقُلْ: هَلْ تُقاتِلُونَ؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ هو الطَّرَفُ الرّاجِحُ عِنْدَ المُسْتَفْهِمِ، وإنْ كانَ الطَّرَفُ الآخَرُ مُقَدَّرًا، وإذا خَرَجَ الِاسْتِفْهامُ إلى مَعانِيهِ المَجازِيَّةِ كانَتْ حاجَةُ المُتَكَلِّمِ إلى اخْتِيارِ الطَّرَفِ الرّاجِحِ مُتَأكَّدَةً. وتَوَقَّعَ مِنهم عَدَمَ القِتالِ وحَذَّرَهم مِن عَدَمِ القِتالِ إنْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَجُمْلَةُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ يَتَنازَعُ مَعْناها كُلٌّ مِن هَلْ وعَسى وإنْ، وأُعْطِيَتْ لِعَسى، فَلِذَلِكَ قُرِنَتْ بِأنْ، وهي دَلِيلٌ لِلْبَقِيَّةِ فَيُقَدَّرُ لِكُلِّ عامِلٍ ما يَقْتَضِيهِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّحْرِيضُ: لِأنَّ ذا الهِمَّةِ يَأْنَفُ
صفحة ٤٨٦
مِن نِسْبَتِهِ إلى التَّقْصِيرِ، فَإذا سُجِّلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُودِ دَواعِيهِ كانَ عَلى حَذَرٍ مِن وُقُوعِهِ في المُسْتَقْبَلِ، كَما يَقُولُ مَن يُوصِي غَيْرَهُ: افْعَلْ كَذا وكَذا وما أظُنُّكَ تَفْعَلُ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ في ”عَسى“ إذا اتَّصَلَ بِها ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ، وكَأنَّهم قَصَدُوا مِن كَسْرِ السِّينِ التَّخْفِيفَ بِإماتَةِ سُكُونِ الياءِ.
وقَوْلُهُ ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاءَتْ واوُ العَطْفِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ كانَ في كَلامِهِمْ ما يُفِيدُ إرادَةَ أنْ يَكُونَ جَوابُهم عَنْ كَلامِهِ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما يُؤَدِّي مِثْلَهُ بِواوِ العَطْفِ فَأرادُوا تَأْكِيدَ رَغْبَتِهِمْ، في تَعْيِينِ مَلِكٍ يُدَبِّرُ أُمُورَ القِتالِ، بِأنَّهم يُنْكِرُونَ كُلَّ خاطِرٍ يَخْطُرُ في نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّثْبِيطِ عَنِ القِتالِ، فَجَعَلُوا كَلامَ نَبِيئِهِمْ بِمَنزِلَةِ كَلامٍ مُعْتَرِضٍ في أثْناءِ كَلامِهِمُ الَّذِي كَمَّلُوهُ، فَما يَحْصُلُ بِهِ جَوابُهم عَنْ شَكِّ نَبِيِّهِمْ في ثَباتِهِمْ، فَكانَ نَظْمُ كَلامِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُّسُلِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ [إبراهيم: ١١] .
و ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وتَعَجُّبِيٌّ مِن قَوْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا﴾ لِأنَّ شَأْنَ المُتَعَجَّبِ مِنهُ أنْ يُسْألَ عَنْ سَبَبِهِ. واسْمُ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، ولَنا خَبَرُهُ، ومَعْناهُ: ما حَصَلَ لَنا أوْ ما اسْتَقَرَّ لَنا، فاللّامُ في قَوْلِهِ لَنا لامُ الِاخْتِصاصِ و أنْ حَرْفُ مَصْدَرٍ واسْتِقْبالٍ، ونُقاتِلَ مَنصُوبٌ بِأنْ، ولَمّا كانَ حَرْفُ المَصْدَرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفِعْلُ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ وفِعْلِها إمّا أنْ يُجْعَلَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ جَرٍّ مُقَدَّرٍ قَبْلَ أنْ مُناسِبٍ لِتَعَلُّقِ لا نُقاتِلَ بِالخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: ما لَنا في ألّا نُقاتِلَ أيِ انْتِفاءِ قِتالِنا أوْ ما لَنا لِألّا نُقاتِلَ أيْ لِأجْلِ انْتِفاءِ قِتالِنا، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ إنْكارَهم أنْ يَثْبُتَ لَهم سَبَبٌ يَحْمِلُهم عَلى تَرْكِهِمُ القِتالَ، أوْ سَبَبٌ لِأجْلِ تَرْكِهِمُ القِتالَ، أيْ لا يَكُونُ لَهم ذَلِكَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ”لَنا“: بَدَلُ اشْتِمالٍ، والتَّقْدِيرُ: ما لَنا لِتَرْكِنا القِتالَ.
ومِثْلُ هَذا النَّظْمِ يَجِيءُ بِأشْكالٍ خَمْسَةٍ: مِثْلَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] فَما لَكَ والتَّلَدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ حالٍ، ولَكِنَّ الإعْرابَ يَخْتَلِفُ ومَآلُ المَعْنى مُتَّحِدٌ.
صفحة ٤٨٧
و ”ما“ مُبْتَدَأٌ و(لَنا) خَبَرُهُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ كانَ لَنا. وجُمْلَةُ ﴿ألّا نُقاتِلَ﴾ حالٌ وهي قَيْدٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ: أيْ لا يَثْبُتُ لَنا شَيْءٌ في حالَةِ تَرْكِنا القِتالَ. وهَذا كَنَظائِرِهِ في قَوْلِكَ: ما لِيَ لا أفْعَلُ أوْ ما لِيَ أفْعَلُ، فَأنْ مَصْدَرِيَّةٌ مَجْرُورَةٌ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِفي أوْ لامِ الجَرِّ، مُتَعَلِّقٍ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَنا.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ حالٌ مُعَلِّلَةٌ لِوَجْهِ الإنْكارِ: أيْ إنَّهم في هَذِهِ الحالِ أبْعَدُ النّاسِ عَنْ تَرْكِ القِتالِ؛ لِأنَّ أسْبابَ حُبِّ الحَياةِ تَضْعُفُ في حالَةِ الضُّرِّ والكَدَرِ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والأبْناءِ.
وعَطْفُ الأبْناءِ عَلى الدِّيارِ لِأنَّ الإخْراجَ يُطْلَقُ عَلى إبْعادِ الشَّيْءِ مِن حَيِّزِهِ، وعَلى إبْعادِهِ مِن بَيْنِ ما يُصاحِبُهُ، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى جَعْلِ الواوِ عاطِفَةً عامِلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وأبْعَدَنا عَنْ أبْنائِنا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا﴾ إلَخْ. جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وهي مَحَلُّ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ لِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَوَلَّوْا عَنِ القِتالِ بَعْدَ أنْ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مِن دِيارِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وبَعْدَ أنْ تَمَنَّوْا قِتالَ أعْدائِهِمْ وفَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ والإشارَةُ إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بَعْدُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] إلَخْ.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ: لِأنَّ فِعْلَهم هَذا مِنَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا القِتالَ خُيِّلُوا أنَّهم مُحِبُّونَ لَهُ ثُمَّ نَكَصُوا عَنْهُ. ومِن أحْسَنِ التَّأْدِيب قَوْلُ الرّاجِزِ:
مَن قالَ لا في حاجَةٍ مَسْئُولَةٍ فَما ظَلَمْ ∗∗∗ وإنَّما الظّالِـمُ مـن يَقُولُ لا بَعْدَ نَعَمْ
وهَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلى قِصَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن تارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ، لِما فِيها مِنَ العِلْمِ والعِبْرَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ يَأْتِي بِذِكْرِ الحَوادِثِ التّارِيخِيَّةِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِفَوائِدِ ما في التّارِيخِ، ويَخْتارُ لِذَلِكَ ما هو مِن تارِيخِ أهْلِ الشَّرائِعِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ لِلْغَرَضِ الَّذِي جاءَ لِأجْلِهِ القُرْآنُ: هَذِهِ القِصَّةُ هي حادِثُ انْتِقالِ نِظامِ حُكُومَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الصِّبْغَةِ الشُّورِيَّةِ، المُعَبَّرِ عَنْها عِنْدَهم بِعَصْرِ القُضاةِ، إلى الصِّبْغَةِ المَلَكِيَّةِ، المُعَبَّرِ عَنْها بِعَصْرِ المُلُوكِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حُدُودِ سَنَةِ ١٣٨٠ قَبْلَ المِيلادِ المَسِيحِيِّ، خَلَفَهُ في الأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، الَّذِي عَهِدَ لَهُ مُوسى في آخِرِ حَياتِهِ بِأنْ يَخْلُفَهُ فَلَمّا صارَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى يُوشَعَ جَعَلَ
صفحة ٤٨٨
لِأسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ حُكّامًا يَسُوسُونَهم. ويَقْضُونَ بَيْنَهم، وسَمّاهُمُ القُضاةَ فَكانُوا في مُدُنٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وكانَ مِن أُولَئِكَ الحُكّامِ أنْبِياءُ، وكانَ هُنالِكَ أنْبِياءُ غَيْرُ حُكّامٍ، وكانَ كُلُّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَسِيرُونَ عَلى ما يَظْهَرُ لَهم، وكانَ مِن قَضائِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ صَمْوِيلُ بْنُ القانَةِ، مِن سِبْطِ أفْرايِمْ، قاضِيًا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مَحْبُوبًا عِنْدَهم، فَلَمّا شاخَ وكَبُرَ وقَعَتْ حُرُوبٌ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ والفِلَسْطِينِيِّينَ وكانَتْ سِجالًا بَيْنَهم، ثُمَّ كانَ الِانْتِصارُ لِلْفِلَسْطِينِيِّينَ، فَأخَذُوا بَعْضَ قُرى بَنِي إسْرائِيلَ: حَتّى إنَّ تابُوتَ العَهْدِ، الَّذِي سَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ، أسَرَهُ الفِلَسْطِينِيُّونَ، وذَهَبُوا بِهِ إلى أُشْدُودِ بِلادِهِمْ وبَقِيَ بِأيْدِيهِمْ عِدَّةَ أشْهُرٍ، فَلَمّا رَأتْ بَنُو إسْرائِيلَ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الهَزِيمَةِ، ظَنُّوا أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو ضَعْفُ صَمْوِيلَ عَنْ تَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ، وظَنُّوا أنَّ انْتِظامَ أمْرِ الفِلَسْطِينِيِّينَ، لَمْ يَكُنْ إلّا بِسَبَبِ النِّظامِ المَلَكِيِّ، وكانُوا يَوْمَئِذٍ يَتَوَقَّعُونَ هُجُومَ ناحاشَ: مَلِكِ العُمُونِيِّينَ عَلَيْهِمْ أيْضًا، فاجْتَمَعَتْ إسْرائِيلُ وأرْسَلُوا عُرَفاءَهم مِن كُلِّ مَدِينَةٍ، وطَلَبُوا مِن صَمْوِيلَ أنْ يُقِيمَ لَهم مَلِكًا يُقاتِلُ بِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، فاسْتاءَ صَمْوِيلُ مِن ذَلِكَ، وحَذَّرَهم عَواقِبَ حُكْمِ المُلُوكِ قائِلًا: إنَّ المَلِكَ يَأْخُذُ بَنِيكم لِخِدْمَتِهِ وخِدْمَةِ خَيْلِهِ، ويَتَّخِذُ مِنكم مَن يَرْكُضُ أمامَ مَراكِبِهِ، ويَسْخَرُ مِنكم حِراثَيْنِ لِحَرْثِهِ، وعَمَلَةً لِعُدَدِ حَرْبِهِ، وأدَواتِ مَراكِبِهِ، ويَجْعَلُ بَناتِكم عَطّاراتٍ وطَبّاخاتٍ وخَبّازاتٍ، ويَصْطَفِي مِن حُقُولِكم، وكُرُومِكم، وزِياتِينِكم، أجْوَدَها فَيُعْطِيها لِعَبِيدِهِ، ويَتَّخِذُكم عَبِيدًا، فَإذا صَرَخْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ في وجْهِ مَلِكِكم لا يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَكم، فَقالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن مَلِكٍ لِنَكُونَ مِثْلَ سائِرِ الأُمَمِ، وقالَ لَهم: ﴿هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ إلَخْ.
وكانَ ذَلِكَ في أوائِلِ القَرْنِ الحادِيَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَوْلُهُ ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ يَقْتَضِي أنَّ الفِلَسْطِينِيِّينَ أخَذُوا بَعْضَ مُدُنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ إجْمالًا في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ صَمْوِيلَ الأوَّلِ، وأنَّهم أسَرُوا أبْناءَهم، وأطْلَقُوا كُهُولَهم وشُيُوخَهم، وفي ذِكْرِ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والأبْناءِ تَلْهِيبٌ لِلْمُهاجِرِينَ، مِنَ المُسْلِمِينَ، عَلى مُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، وفَرَّقُوا بَيْنَهم وبَيْنَ نِسائِهِمْ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبْنائِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ [النساء: ٧٥] .
2:247Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧
And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."
صفحة ٤٨٩
﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
أعادَ الفِعْلَ، في قَوْلِهِ ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ الأوَّلِ، بَلْ هو حَدِيثٌ آخَرُ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ: وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ حَذَّرَهم عَواقِبَ الحُكُومَةِ المَلَكِيَّةِ، وحَذَّرَهُمُ التَّوَلِّيَ عَنِ القِتالِ، تَكَلَّمَ مَعَهم كَلامًا آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنَّ: إيذانٌ بِأنَّ مِن شَأْنِ هَذا الخَبَرِ أنْ يُتَلَقّى بِالِاسْتِغْرابِ والشَّكِّ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهم أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا.
ووَقَعَ في سِفْرِ صَمْوِيلَ، في الإصْحاحِ التّاسِعِ، أنَّهُ لَمّا صَمَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ في سُؤالِهِمْ أنْ يُعَيِّنَ لَهم مَلِكًا، صَلّى لِلَّهِ تَعالى فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ أجِبْهم إلى كُلِّ ما طَلَبُوهُ، فَأجابَهم وقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا إلى مُدُنِكم، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ صِفَةَ المَلِكِ الَّذِي سَيُعَيِّنُهُ لَهم، وأنَّهُ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِن بِنْيامِينَ اسْمُهُ شاوَلُ بْنُ قَيْسٍ، فَوَجَدَ فِيهِ الصِّفَةَ: وهي أنَّهُ أطْوَلُ القَوْمِ، ومَسَحَهُ صَمْوِيلُ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ، إذْ صَبَّ عَلى رَأْسِهِ زَيْتًا، وقَبَّلَهُ وجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، بَعْدَ أيّامٍ، في بَلَدِ المُصَفّاةِ، وأحْضَرَهُ، وعَيَّنَهُ لَهم مَلِكًا، وذَلِكَ سَنَةَ ١٠٩٥ قَبْلَ المَسِيحِ.
وهَذا المَلِكُ هو الَّذِي سُمِّيَ في الآيَةِ (طالُوتَ) وهو (شاوُلُ) وطالُوتُ لَقَبُهُ، وهو وزْنُ اسْمِ مَصْدَرٍ: مِنَ الطُّولِ، عَلى وزْنِ فَعَلُوتٍ مِثْلَ جَبَرُوتٍ ومَلَكُوتٍ ورَهَبُوتٍ ورَغَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ، ومِنهُ طاغُوتٌ أصْلُهُ طَغَيُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ، وطالُوتُ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في طُولِ قامَتِهِ، ولَعَلَّهُ جُعِلَ لَقَبًا لَهُ في القُرْآنِ لِلْإشارَةِ إلى الصِّفَةِ الَّتِي عُرِّفَ بِها لِصَمْوِيلَ، في الوَحْيِ الَّذِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ، ولِمُراعاةِ التَّنْظِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ جالُوتَ غَرِيمِهِ في الحَرْبِ، أوْ كانَ ذَلِكَ لَقَبًا لَهُ في قَوْمِهِ قَبْل أنْ يُؤْتى المُلْكَ، وإنَّما يُلَقَّبُ بِأمْثالِ هَذا اللَّقَبِ، مَن كانَ مِنَ العُمُومِ. ووَزْنُ فَعَلُوتٍ وزْنٌ نادِرٌ في العَرَبِيَّةِ ولَعَلَّهُ مِن بَقايا العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ السّامِيَّةِ، وهَذا هو الَّذِي يُؤْذَنُ بِهِ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ، فَإنَّ مَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لا عِلَّةَ
صفحة ٤٩٠
لَهُ إلّا العِلْمِيَّةُ والعُجْمَةُ، وجَزَمَ الرّاغِبُ بِأنَّهُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ ولَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ اللُّغَةِ لِذَلِكَ ولَعَلَّهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الِاسْمِ العَجَمِيِّ لَمّا جُعِلَ عَلَمًا عَلى هَذا العَجَمِيِّ في العَرَبِيَّةِ، فَعُجْمَتُهُ عارِضَةٌ ولَيْسَ هو عَجَمِيًّا بِالأصالَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ هَذا الِاسْمُ في لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ كَداوُدَ وشاوُلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِمَصِيرِهِ بِالإبْدالِ إلى شِبْهِ وزْنِ فاعُولٍ، ووَزْنُ فاعُولٍ في الأعْلامِ عَجَمِيٌّ، مِثْلُهارُوتَ ومارُوتَ وشاوُلَ وداوُدَ، ولِذَلِكَ مَنَعُوا قابُوسَ مِنَ الصَّرْفِ، ولَمْ يَعْتَدُّوا بِاشْتِقاقِهِ مِنَ القَبَسِ، وكَأنَّ عُدُولَ القُرْآنِ عَنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ شاوُلَ لِثِقَلِ هَذا اللَّفْظِ وخِفَّةِ طالُوتَ.
وأنّى في قَوْلِهِ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ بِمَعْنى كَيْفَ، وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ، تَعَجَّبُوا مِن جَعْلِ مِثْلِهِ مَلِكًا، وكانَ رَجُلًا فَلّاحًا مِن بَيْتٍ حَقِيرٍ، إلّا أنَّهُ كانَ شُجاعًا، وكانَ أطْوَل القَوْمِ، ولَمّا اخْتارَهُ صَمْوِيل لِذَلِكَ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ، وتَنَبَّأ نُبُوءاتٍ كَثِيرَةً، ورَضِيَتْ بِهِ بَعْضُ إسْرائِيلَ، وأباهُ بَعْضُهم، فَفي سِفْرِ صَمْوِيلَ: أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ هم بَنُو بَلِيعالَ والقُرْآنُ ذَكَرَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّهم لا بُدَّ أنْ يَكُونُوا قَدْ ظَنُّوا أنَّ مَلِكَهم سَيَكُونُ مِن كُبَرائِهِمْ وقُوّادِهِمْ. والسِّرُّ في اخْتِيارِ نَبِيِّهِمْ لَهم هَذا المَلِكَ: أنَّهُ أرادَ أنْ تَبْقى لَهم حالَتُهُمُ الشُّورِيَّةُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَجَعَلَ مَلِكَهم مِن عامَّتِهِمْ لا مِن سادَتِهِمْ، لِتَكُونَ قَدَمُهُ في المُلْكِ غَيْرَ راسِخَةٍ، فَلا يُخْشى مِنهُ أنْ يَشْتَدَّ في اسْتِعْبادِ أُمَّتِهِ، لِأنَّ المُلُوكَ في ابْتِداءِ تَأْسِيسِ الدُّوَلِ يَكُونُونَ أقْرَبَ إلى الخَيْرِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا عَظَمَةَ المُلْكِ ولَمْ يَنْسَوْا مُساواتَهم لِأمْثالِهِمْ، وما يَزالُونَ يَتَوَقَّعُونَ الخَلْعَ، ولِهَذا كانَتِ الخِلافَةُ سُنَّةَ الإسْلامِ. وكانَتِ الوِراثَةُ مَبْدَأ المُلْكِ في الإسْلامِ: إذْ عَهِدَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ لِابْنِهِ يَزِيدَ بِالخِلافَةِ بَعْدَهُ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسَعُهُ يَوْمَئِذٍ إلّا ذَلِكَ؛ لِأنَّ شِيعَةَ بَنِي أُمَيَّةَ راغِبُونَ فِيهِ، ثُمَّ كانَتْ قاعِدَةُ الوِراثَةِ لِلْمُلْكِ في دُوَلِ الإسْلامِ وهي مِن تَقالِيدِ الدُّوَلِ مِن أقْدَمِ عُصُورِ التّارِيخِ. وهي سُنَّةٌ سَيِّئَةٌ ولِهَذا تَجِدُ مُؤَسِّسِي الدُّوَلِ أفْضَلَ مُلُوكِ عائِلاتِهِمْ. وقُوّادُ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِهَذِهِ الحِكْمَةِ لِقِصَرِ أنْظارِهِمْ، وإنَّما نَظَرُوا إلى قِلَّةِ جَدَّتِهِ، فَتَوَهَّمُوا ذَلِكَ مانِعًا مِن تَمْلِيكِهِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الِاعْتِبارَ بِالخِلالِ النَّفْسانِيَّةِ، وأنَّ الغِنى غِنى النَّفْسِ لا وفْرَةُ المالِ وماذا تُجْدِي وفْرَتُهُ إذا لَمْ يَكُنْ يُنْفِقُهُ في المَصالِحِ، وقَدْ قالَ الرّاجِزُ:
قَدْنِي مِن نَصْرِ الخَبَيْبَيْنِ قَدِي لَيْسَ الإمامُ بِالشَّحِيحِ المُلْحِدِ
صفحة ٤٩١
فَقَوْلُهم ”﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، وهم قادَةُ بَنِي إسْرائِيلَ وجَعَلُوا الجُمْلَةَ حالًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لَمّا ذَكَرُوا أحَقِّيَّتَهم بِالمُلْكِ لَمْ يَحْتاجُوا إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذا الأمْرَ عِنْدَهم مُسَلَّمٌ مَعْرُوفٌ، إذْ هم قادَةٌ وعُرَفاءُ، وشاوُلُ رَجُلٌ مِنَ السُّوقَةِ، فَهَذا تَسْجِيلٌ مِنهم بِأرْجَحِيَّتِهِمْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الحالِ فَهي حالٌ ثانِيَةٌ. وهَذا إبْداءٌ مانِعٌ فِيهِ مِن وِلايَتِهِ المُلْكَ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهُ فَقِيرٌ، وشَأْنُ المَلِكِ أنْ يَكُونَ ذا مالٍ لِيَكْفِيَ نَوائِبَ الأُمَّةِ فَيُنْفِقَ المالَ في العَدَدِ، والعَطاءِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ مَن لَيْسَ بِذِي مالٍ أنْ يَكُونَ مَلِكًا، وإنَّما قالُوا هَذا لِقُصُورِهِمْ في مَعْرِفَةِ سِياسَةِ الأُمَمِ ونِظامِ المُلْكِ؛ فَإنَّهم رَأوُا المُلُوكَ المُجاوِرِينَ لَهم في بَذَخَةٍ وسَعَةٍ، فَظَنُّوا ذَلِكَ مِن شُرُوطِ المُلْكِ.
ولِذا أجابَهم نَبِيئُهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ رادًّا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ فَإنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إلى اصْطِفاءِ الجُمْهُورِ إيّاهم فَأجابَهم بِأنَّهُ أرْجَحُ مِنهم لِأنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ، وبِقَوْلِهِ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ رادًّا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾، أيْ زادَهُ عَلَيْكم بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ، فَأعْلَمَهم نَبِيئُهم أنَّ الصِّفاتِ المُحْتاجَ إلَيْها في سِياسَةِ أمْرِ الأُمَّةِ تَرْجِعُ إلى أصالَةِ الرَّأْيِ، وقُوَّةِ البَدَنِ؛ لِأنَّهُ بِالرَّأْيِ يَهْتَدِي لِمَصالِحِ الأُمَّةِ، لا سِيَّما في وقْتِ المَضائِقِ، وعِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِشارَةِ، أوْ عِنْدَ خِلافِ أهْلِ الشُّورى وبِالقُوَّةِ يَسْتَطِيعُ الثَّباتَ في مَواقِعِ القِتالِ فَيَكُونُ بِثَباتِهِ ثَباتُ نُفُوسِ الجَيْشِ، وقَدَّمَ النَّبِيءُ في كَلامِهِ العِلْمَ عَلى القُوَّةِ لِأنَّ وقْعَهُ أعْظَمُ، قالَ أبُو الطَّيِّبِ:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجاعَةِ الشُّجْعانِ ∗∗∗ هو أوَّلٌ وهي المَحَلُّ الثّانِي
فالعِلْمُ المُرادُ هُنا، هو عِلْمُ تَدْبِيرِ الحَرْبِ وسِياسَةِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: هو عِلْمُ النُّبُوءَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ طالُوتَ لَمْ يَكُنْ مَعْدُودًا مِن أنْبِيائِهِمْ.
ولَمْ يُجِبْهم نَبِيئُهم عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اقْتِصارِهِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾؛ فَإنَّهُ بِبَسْطَةِ العِلْمِ وبِالنَّصْرِ يَتَوافَرُ لَهُ المالُ؛ لِأنَّ المالَ تَجْلِبُهُ الرَّعِيَّةُ كَما قالَ أرِسْطَطالِيسُ، ولِأنَّ المَلِكَ ولَوْ كانَ ذا ثَرْوَةٍ، فَثَرْوَتُهُ لا تَكْفِي لِإقامَةِ أُمُورِ المَمْلَكَةِ ولِهَذا لَمْ يَكُنْ مِن شَرْطِ وُلاةِ الأُمُورِ مِنَ الخَلِيفَةِ فَما دُونَهُ أنْ يَكُونَ ذا سَعَةٍ، وقَدْ ولِيَ عَلى الأُمَّةِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ ولَمْ يَكُونُوا ذَوِي يَسارٍ. وغِنى الأُمَّةِ في بَيْتِ مالِها ومِنهُ تَقُومُ مَصالِحُها، وأرْزاقُ وُلاةِ أُمُورِها.
صفحة ٤٩٢
والبَسْطَةُ اسْمٌ مِنَ البَسْطِ وهو السِّعَةُ والِانْتِشارُ، فالبَسْطَةُ الوَفْرَةُ والقُوَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، وسَيَجِيءُ كَلامٌ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩] في الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النَّبِيءِ، فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ بِهِمْ إلى التَّسْلِيمِ إلى أمْرِ اللَّهِ، بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم شَيْئًا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ في ذَلِكَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences