Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:256–258
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ .
اسْتِئْنافُ بَيانٍ ناشِئٌ عَنِ الأمْرِ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] إذْ يَبْدُو لِلسّامِعِ أنَّ القِتالَ لِأجْلِ دُخُولِ العَدُوِّ في الإسْلامِ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا إكْراهَ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ.
وتَعْقِيبُ آيَةِ الكُرْسِيِّ بِهاتِهِ الآيَةِ بِمُناسَبَةِ أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وعَظَمَةِ الخالِقِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ شَوائِبِ ما كَفَرَتْ بِهِ الأُمَمُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوقَ ذَوِي العُقُولِ إلى قَبُولِ هَذا الدِّينِ الواضِحِ العَقِيدَةِ، المُسْتَقِيمِ الشَّرِيعَةِ، بِاخْتِيارِهِمْ دُونَ جَبْرٍ ولا إكْراهٍ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَجْعَلَ دَوامَهم عَلى الشِّرْكِ بِمَحَلِّ السُّؤالِ: أيُتْرَكُونَ عَلَيْهِ أمْ يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
والإكْراهُ الحَمْلُ عَلى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعْلِهِ ذا كَراهِيَةٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِتَخْوِيفِ وُقُوعِ ما هو أشَدُّ كَراهِيَةً مِنَ الفِعْلِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ.
والدِّينُ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهو هَنا مُرادُ بِهِ الشَّرْعُ.
والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) لِلْعَهْدِ، أيْ: دِينِ الإسْلامِ.
صفحة ٢٦
ونَفْيُ الإكْراهِ خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ، والمُرادُ نَفْيُ أسْبابِ الإكْراهِ في حُكْمِ الإسْلامِ، أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ قَسْرًا، وجِيءَ بِنَفْيِ الجِنْسِ لِقَصْدِ العُمُومِ نَصًّا، وهي دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى إبْطالِ الإكْراهِ عَلى الدِّينِ بِسائِرِ أنْواعِهِ، لِأنَّ أمْرَ الإيمانِ يَجْرِي عَلى الِاسْتِدْلالِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ النَّظَرِ، وبِالِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَدْرِ الإسْلامِ قِتالُ المُشْرِكِينَ عَلى الإسْلامِ، وفي الحَدِيثِ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» ولا جائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ابْتِداءِ القِتالِ كُلِّهِ، فالظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ واسْتِخْلاصِ بِلادِ العَرَبِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَدُومَ نُزُولُ السُّورَةِ سِنِينَ كَما قَدَّمْناهُ في صَدْرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ لا سِيَّما وقَدْ قِيلَ بِأنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ هي في سُورَةِ النِّساءِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] الآيَةَ، فَنَسَخَتْ حُكْمَ القِتالِ عَلى قَبُولِ الكافِرِينَ الإسْلامَ ودَلَّتْ عَلى الِاقْتِناعِ مِنهم بِالدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطانِ الإسْلامِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالذِّمَّةِ، ووَضَّحَهُ عَمَلُ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ حِينَ خَلَصَتْ بِلادُ العَرَبِ مِنَ الشَّرَكِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ دُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا حِينَ جاءَتْ وُفُودُ العَرَبِ بَعْدَ الفَتْحِ، فَلَمّا تَمَّ مُرادُ اللَّهِ مِن إنْقاذِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ والرُّجُوعِ بِهِمْ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن تَخْلِيصِ الكَعْبَةِ مِن أرْجاسِ المُشْرِكِينَ، ومِن تَهْيِئَةِ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِحَمْلِ هَذا الدِّينِ وحِمايَةِ بَيْضَتِهِ، وتَبَيَّنَ هَدْيُ الإسْلامِ وزالَ ما كانَ يَحُولُ دُونَ اتِّباعِهِ مِنَ المُكابَرَةِ، وحَقَّقَ اللَّهُ سَلامَةَ بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ كَما وقَعَ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ مِن أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا» لَمّا تَمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ أبْطَلَ اللَّهُ القِتالَ عَلى الدِّينِ وأبْقى القِتالَ عَلى تَوْسِيعِ سُلْطانِهِ، لِذَلِكَ قالَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ ٢٩ ]: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ ناسِخَةً لِما تَقَدَّمَ مِن آياتِ القِتالِ مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .
عَلى أنَّ الآياتِ النّازِلَةَ قَبْلَها أوْ بَعْدَها أنْواعٌ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها آياتٌ أمَرَتْ بِقِتالِ الدِّفاعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]
صفحة ٢٧
وهَذا قِتالٌ لَيْسَ لِلْإكْراهِ عَلى الإسْلامِ بَلْ هو لِدَفْعِ غائِلَةِ المُشْرِكِينَ.
النَّوْعُ الثّانِي: آياتٌ أمَرَتْ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ والكُفّارِ ولَمْ تُغَيَّ بِغايَةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُها مُقَيَّدًا بِغايَةِ آيَةِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَلا تُعارِضُهُ آيَتُنا هَذِهِ ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ .
النَّوْعُ الثّالِثُ: ما غُيِّيَ بِغايَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِهاتِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] كَما نُسِخَ حَدِيثُ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ»، هَذا ما يَظْهَرُ لَنا في مَعْنى الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ولِأهْلِ العِلْمِ قَبْلَنا فِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى الإسْلامِ وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلّا بِهِ. ولَعَلَّهُما يُرِيدانِ مِنَ النَّسْخِ مَعْنى التَّخْصِيصِ. والِاسْتِدْلالُ عَلى نَسْخِها بِقِتالِ النَّبِيءِ ﷺ العَرَبَ عَلى الإسْلامِ يُعارِضُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ، فَوَجْهُ الجَمْعِ هو التَّخْصِيصُ.
القَوْلُ الثّانِي: إنَّها مُحْكَمَةٌ ولَكِنَّها خاصَّةٌ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ: هي خاصَّةٌ بِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ وإنَّما يُجْبَرُ عَلى الإسْلامِ أهْلُ الأوْثانِ، وإلى هَذا مالَ الشّافِعِيُّ فَقالَ: إنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: وعَلى هَذا فَكُلُّ مَن رَأى قَبُولَ الجِزْيَةِ مِن جِنْسٍ يَحْمِلُ الآيَةَ عَلَيْهِ، يَعْنِي مَعَ بَقاءِ طائِفَةٍ يَتَحَقَّقُ فِيها الإكْراهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْصارِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَتِ المَرْأةُ مِنهم مِقْلاتًا - أيْ: لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ - تَنْذُرُ إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمُوا كانَ كَثِيرٌ مِن أبْناءِ الأنْصارِ يَهُودًا فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا بَلْ نُكْرِهُهم عَلى الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ .
صفحة ٢٨
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ أبُو حُصَيْنٍ مِن بَنِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْفٍ ولَهُ ابْنانِ جاءَ تُجّارٌ مِن نَصارى الشّامِ إلى المَدِينَةِ فَدَعَوْهُما إلى النَّصْرانِيَّةِ فَتَنَصَّرا وخَرَجا مَعَهم فَجاءَ أبُوهُما فَشَكا لِلنَّبِيءِ ﷺ وطَلَبَ أنْ يَبْعَثَ مَن يَرُدُّهُما مُكْرَهَيْنِ فَنَزَلَتْ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ولَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآياتِ القِتالِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِنَفْيِ الإكْراهِ نَفْيُ تَأْثِيرِهِ في إسْلامِ مَن أسْلَمَ كُرْهًا فِرارًا مِنَ السَّيْفِ، عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النساء: ٩٤] وهَذا القَوْلُ تَأْوِيلٌ في مَعْنى الإكْراهِ وحَمْلٌ لِلنَّفْيِ عَلى الإخْبارِ دُونَ الأمْرِ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالدِّينِ التَّوْحِيدُ ودِينٌ لَهُ كِتابٌ سَماوِيٌّ، وإنَّ نَفْيَ الإكْراهِ نَهْيٌ، والمَعْنى لا تُكْرِهُوا السَّبايا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُنَّ أهْلُ دِينٍ وأكْرِهُوا المَجُوسَ مِنهم والمُشْرِكاتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ.
و(الرُّشْدُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وبِفَتْحٍ فَفَتْحٍ، الهُدى وسَدادُ الرَّأْيِ، ويُقابِلُهُ الغَيُّ والسَّفَهُ، والغَيُّ: الضَّلالُ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ: غَوى، المُتَعَدِّي، فَأصْلُهُ (غَوِيٌ) قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتا، وضُمِّنَ (تَبَيَّنَ) مَعْنى: تَمَيَّزَ. فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (مِن) وإنَّما تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ في بَلَدٍ مُسْتَقِلٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ التَّبْيِينِ إلّا الكُفْرُ بِالطّاغُوتِ، وفِيهِ بَيانُ الإكْراهِ في الدِّينِ، إذْ قَدْ تَفَرَّعَ عَنْ تَمَيُّزِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ ظُهُورُ أنَّ مُتَّبِعَ الإسْلامِ مُسْتَمْسِكٌ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى فَهو يَنْساقُ إلَيْهِ اخْتِيارًا.
والطّاغُوتُ الأوْثانُ والأصْنامُ، والمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ الصَّنَمَ الطّاغِيَةَ، وفي الحَدِيثِ «كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ» ويَجْمَعُونَ الطّاغُوتَ عَلى طَواغِيتَ، ولا أحْسَبُهُ إلّا مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الِارْتِفاعُ والغُلُوُّ في الكِبْرِ، وهو مَذْمُومٌ ومَكْرُوهٌ، ووَزْنُ طاغُوتٍ عَلى التَّحْقِيقِ طَغَيُوتٌ - فَعَلُوتٌ - مِن أوْزانِ المَصادِرِ
صفحة ٢٩
مِثْلُ مَلَكُوتٍ ورَهَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ - بَيْنَ عَيْنِهِ ولامِهِ - فَصُيِّرَ إلى فَلَعَوَتٍ طَيَغُوتٍ لِيَتَأتّى قَلْبُ اللّامِ ألِفًا فَصارَتْ طاغُوتًا، ثُمَّ أُزِيلَ عَنْهُ مَعْنى المَصْدَرِ وصارَ اسْمًا لِطائِفَةٍ مِمّا فِيهِ هَذا المَصْدَرُ فَصارَ مِثْلَ مَلَكُوتٍ في أنَّهُ اسْمُ طائِفَةٍ مِمّا فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ، لا مِثْلَ رَحَمُوتٍ ورَهَبُوتٍ في أنَّهُما مَصْدَرانِ، فَتاؤُهُ زائِدَةٌ وجُعِلَ عَلَمًا عَلى الكُفْرِ وعَلى الأصْنامِ، وأصْلُهُ صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ ويُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كَشَأْنِ المَصادِرِ.
وعُطِفَ ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّ نَبْذَ عِبادَةِ الأصْنامِ لا مَزِيَّةَ فِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَوَّضَها بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.
ومَعْنى (اسْتَمْسَكَ) تَمَسَّكَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقَوْلِ النّابِغَةِ: فاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرٍ. إذْ لا مَعْنى لِطَلَبِ التَّمَسُّكِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى بَعْدَ الإيمانِ، بَلِ الإيمانُ التَّمَسُّكُ نَفْسُهُ، والعُرْوَةُ بِضَمِّ العَيْنِ ما يُجْعَلُ كالحَلْقَةِ في طَرَفِ شَيْءٍ لِيُقْبَضَ عَلى الشَّيْءِ مِنهُ، فَلِلدَّلْوِ عُرْوَةٌ ولِلْكُوزِ عُرْوَةٌ، وقَدْ تَكُونُ العُرْوَةُ في حَبْلٍ بِأنْ يُشَدَّ طَرَفُهُ إلى بَعْضِهِ ويُعْقَدَ فَيَصِيرَ مِثْلَ الحَلْقَةِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ: العُرْوَةُ الوُثْقى مِنَ الحَبْلِ الوَثِيقِ.
و(الوُثْقى) المَحْكَمَةُ الشَّدِّ، و﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ: لا انْقِطاعَ، والفَصْمُ القَطْعُ بِتَفْرِيقِ الِاتِّصالِ دُونَ تَجْزِئَةٍ بِخِلافِ القَصْمِ بِالقافِ فَهو قَطْعٌ مَعَ إبانَةٍ وتَجْزِئَةٍ.
والِاسْتِمْساكُ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى تَمْثِيلِيٌّ، شُبِّهَتْ هَيْأةُ المُؤْمِنِ في ثَباتِهِ عَلى الإيمانِ بِهَيْئَةِ مَن أمْسَكَ بِعُرْوَةٍ وُثْقى مِن حَبْلٍ، وهو راكِبٌ عَلى صَعْبٍ أوْ في سَفِينَةٍ في هَوْلِ البَحْرِ، وهي هَيْأةٌ مَعْقُولَةٌ شُبِّهَتْ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ: وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ بِالمُشاهَدِ، وقَدْ أفْصَحَ عَنْهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ إذْ قالَ: مُثِّلَتْ حالُ المُتَوَكِّلِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَدَلّى مِن شاهِقٍ فاحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِأنِ اسْتَمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرْوَةٍ مِن حَبْلٍ مَتِينٍ مَأْمُونٍ انْقِطاعُهُ، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ ثابِتُ اليَقِينِ سالِمٌ مِنِ اضْطِرابِ القَلْبِ في الدُّنْيا، وهو ناجٍ مِن مَهاوِي السُّقُوطِ في الآخِرَةِ، كَحالِ مِن تَمَسَّكَ بِعُرْوَةِ حَبْلٍ مَتِينٍ لا يَنْفَصِمُ.
صفحة ٣٠
وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذِهِ فائِدَةٌ لِلْمُؤْمِنِ تَنْفَعُهُ في دُنْياهُ بِأنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ والبَصِيرَةِ وذَلِكَ مِمّا تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ، وأشارَتْ إلى فائِدَةِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ الَّذِي هو تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والثَّوابِ.
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .
وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ [البقرة: ٢٥٦] لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالطّاغُوتِ وآمَنُوا بِاللَّهِ قَدْ تَوَلَّوُا اللَّهَ تَعالى فَصارَ ولِيَّهم، فَهو يُقَدِّرُ لَهم ما فِيهِ نَفْعُهم وهو ذَبُّ الشُّبُهاتِ عَنْهم فَبِذَلِكَ يَسْتَمِرُّ تَمَسُّكُهم بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ويَأْمَنُونَ انْفِصامَها، أيْ: فَإذا اخْتارَ أحَدٌ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَإنَّ اللَّهَ يَزِيدُهُ هُدًى.
والوَلِيُّ: الحَلِيفُ. فَهو يَنْصُرُ مَوْلاهُ. فالمُرادُ بِالنُّورِ نُورُ البُرْهانِ والحَقِّ، وبِالظُّلُماتِ ظُلُماتُ الشُّبُهاتِ والشَّكِّ، فاللَّهُ يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى لِأنَّ اتِّباعَهُمُ الإسْلامَ تَيْسِيرٌ لِطُرُقِ اليَقِينِ، فَهم يَزْدادُونَ تَوَغُّلًا فِيها يَوْمًا فَيَوْمًا، وبِعَكْسِهِمُ الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإسْلامِ فَإنَّ اخْتِيارَهم ذَلِكَ دَلَّ عَلى خَتْمٍ ضُرِبَ عَلى عُقُولِهِمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَزْدادَونَ في الضَّلالِ يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِأجْلِ هَذا الِازْدِيادِ المُتَجَدِّدِ في الأمْرَيْنِ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ تَعْقِيبِ هَذِهِ الآياتِ بِآيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ثُمَّ بِآيَةِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ثُمَّ بِآيَةِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَإنَّ جَمِيعَها جاءَ لِبَيانِ وُجُوهِ انْجِلاءِ الشَّكِّ والشُّبُهاتِ عَنْ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ صَدَقَ إيمانُهم، ولا داعِيَ إلى ما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ مِن تَأْوِيلِ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ كَفَرُوا بِالَّذِينَ أرادُوا ذَلِكَ، وجَعْلِ النُّورِ والظُّلُماتِ تَشْبِيهًا لِلْإيمانِ والكُفْرِ، لِما عَلِمْتَ مِن ظُهُورِ المَعْنى بِما يَدْفَعُ الحاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ بِذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ وقْعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فَإنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِلْحَمْلِ عَلى زِيادَةِ تَضْلِيلِ الكافِرِ في كُفْرِهِ بِمَزِيدِ الشَّكِّ كَما
صفحة ٣١
فِي قَوْلِهِ: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ولِأنَّ الطّاغُوتَ كانُوا أوْلِياءَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ الإيمانِ فَإنَّ الجَمِيعَ كانُوا مُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ ما أطالَ بِهِ فَخْرُ الدِّينِ مِن وُجُوهِ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُعْتَزِلَةِ واسْتِدْلالِهِمْ عَلَيْنا.
وجُمْلَةُ (يُخْرِجُهم) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ، وجُمْلَةُ (يُخْرِجُونَهم) حالٌ مِنَ الطّاغُوتِ، وأُعِيدَ الضَّمِيرُ إلى الطّاغُوتِ بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أسْنَدَ إلَيْهِمْ ما هو مِن فِعْلِ العُقَلاءِ وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ سَبَبَ الخُرُوجِ لا مُخْرِجِينَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطّاغُوتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]
2:258Page 43
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨
Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
جَرى هَذا الكَلامُ مَجْرى الحُجَّةِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الماضِيَةِ أوِ المِثالِ لَها، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وأنَّ الطّاغُوتَ يُخْرِجُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، ساقَ ثَلاثَةَ شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ هَذا أوَّلُها وأجْمَعُها؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى ضَلالِ الكافِرِ وهُدى المُؤْمِنِ، فَكانَ هَذا في قُوَّةِ المِثالِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا تَمْثِيلُ حالِ المُشْرِكِينَ في مُجادَلَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ في البَعْثِ بِحالِ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما يَرِدُ مِنَ التَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] الآيَةَ.
وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ (ألَمْ تَرَ) .
والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَ) مَجازِيٌّ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعْناهُ وأصْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وهَذا اسْتِدْلالٌ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وإبْطالِ إلاهِيَّةِ غَيْرِهِ لِانْفِرادِهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وانْفِرادِهِ بِخَلْقِ العَوالِمِ المَشْهُودَةِ لِلنّاسِ، ومَعْنى (حاجَّ) خاصَمَ، وهو
صفحة ٣٢
فِعْلٌ جاءَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ، ولا يُعْرَفُ لِـ (حاجَّ) في الِاسْتِعْمالِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ دالٌّ عَلى وُقُوعِ الخِصامِ ولا تُعْرَفُ المادَّةُ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها، ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الحُجَّةَ في كَلامِ العَرَبِ البُرْهانُ المُصَدِّقُ لِلدَّعْوى مَعَ أنَّ (حاجَّ) لا يُسْتَعْمَلُ غالِبًا إلّا في مَعْنى المُخاصَمَةِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] وأنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ يُفِيدُ الخِصامَ بِباطِلٍ، قالَ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، فَمَعْنى: ﴿الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ أنَّهُ خاصَمَهُ خِصامًا باطِلًا في شَأْنِ صِفاتِ اللَّهِ رَبِّ إبْراهِيمَ.
والَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ كافِرٌ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ نُمْرُودُ بْنُ فالِخِ بْنِ عابِرِ بْنِ شالِحِ بْنِ أرْفَخَشْدَ بْنِ سامِ بْنِ كَوْشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، فَيَكُونُ أخا (رَعوَ) جَدِّ إبْراهِيمَ، والَّذِي يُعْتَمَدُ أنَّهُ مَلِكٌ جَبّارٌ، كانَ مَلِكًا في بابِلَ، وأنَّهُ الَّذِي بَنى مَدِينَةَ بابِلَ، وبَنى الصَّرْحَ الَّذِي في بابِلَ، واسْمُهُ نُمْرُودُ، بِالدّالِ المُهْمَلَةِ في آخِرِهِ، ويُقالُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ كُتُبُ اليَهُودِ لِهَذِهِ القِصَّةِ وهي في المَرْوِيّاتِ.
والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (رَبٍّ) عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ، ويَجُوزُ عَوْدُهُ إلى (الَّذِي) والإضافَةُ لِإظْهارِ غَلَطِهِ كَقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ:
نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ
أيْ: ما كانَ مِن شَأْنِ المُرُوءَةِ أنْ يُظْهِرَ شَرًّا لِأهْلِ رَحِمِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ تَعْلِيلٌ حُذِفَتْ مِنهُ لامُ التَّعْلِيلِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ (حاجَّ) مِنَ الإقْدامِ عَلى هَذا الغَلَطِ العَظِيمِ الَّذِي سَهَّلَهُ عِنْدَهُ ازْدِهاؤُهُ وإعْجابُهُ بِنَفْسِهِ، فَهو تَعْلِيلٌ مَحْضٌ ولَيْسَ عِلَّةً غائِيَّةً مَقْصُودَةً لِلْمُحاجِّ مِن حِجاجِهِ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا غائِيًّا، أيْ حاجَّ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ آتاهُ المُلْكَ، فاللّامُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِمَعْنًى يُؤَدّى بِحَرْفٍ غَيْرِ اللّامِ، والدّاعِي لِهاتِهِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمُ، أيْ أنَّهُ وضَعَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ كَما في أحَدِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ: جَزاءَ رِزْقِكم، وإيتاءُ المُلْكِ مَجازٌ في التَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ أنْ جَعَلَهُ مَلِكًا وخَوَّلَهُ ذَلِكَ، ويَجِيءُ تَفْصِيلُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] في سُورَةِ الأنْعامِ، قِيلَ: كانَ نُمْرُودُ أوَّلَ مَلِكٍ في الأرْضِ وأوَّلَ مَن وضَعَ التّاجَ عَلى رَأْسِهِ.
صفحة ٣٣
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِـ (حاجَّ) وقَدْ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي بَدَأ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ واحْتَجَّ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ يُدْرِكُها كُلُّ عاقِلٍ، وهي أنَّ الرَّبَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إحْياءَ مَيِّتٍ، فَلِذَلِكَ ابْتَدَأ إبْراهِيمُ الحُجَّةَ بِدَلالَةِ عَجْزِ النّاسِ عَنْ إحْياءِ الأمْواتِ، وأرادَ بِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي أنَّهُ يَخْلُقُ الأجْسامَ الحَيَّةَ مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ وهَذا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وفي تَقْدِيمِ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الحَياةِ إدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ لِأنَّ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ، وهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وذَلِكَ مَوْضِعُ العِبْرَةِ في سِياقِ الآيَةِ في القُرْآنِ عَلى مَسامِعِ أهْلِ الشِّرْكِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِدَلالَةِ الإماتَةِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ تَنْهِيَةَ حَياةِ الحَيِّ، فَفي الإحْياءِ والإماتَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُما مِن فِعْلِ فاعِلٍ غَيْرِ البَشَرِ، فاللَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ، فاللَّهُ هو الباقِي دُونَ غَيْرِهِ الَّذِينَ لا حَياةَ لَهم أصْلًا كالأصْنامِ إذْ لا يُعْطُونَ الحَياةَ غَيْرَهم وهم فاقِدُوها، ودُونَ مَن لا يَدْفَعُ المَوْتَ عَلى نَفْسِهِ مِثْلُ هَذا الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنا أُحْيِي﴾ بَيانٌ لِـ (حاجَّ) والتَّقْدِيرُ: حاجَّ إبْراهِيمَ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ حِينَ قالَ لَهُ إبْراهِيمُ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وقَدْ جاءَ بِمُغالَطَةٍ عَنْ جَهْلٍ أوْ غُرُورٍ في الإحْياءِ والإماتَةِ إذْ زَعَمَ أنَّهُ يَعْمِدُ إلى مَن حَكَمَ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ فَيَعْفُو عَنْهُ، وإلى بَرِيءٍ فَيَقْتُلُهُ، كَذا نَقَلُوهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ مِن فِعْلِهِ هو لِأنَّ أمْرَهُما خَفِيٌّ لا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهانٌ مَحْسُوسٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ألِفَ ضَمِيرِ (أنا) بِقَصْرِ الألِفِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَفَتْحَةٍ غَيْرِ مُشْبَعَةٍ وذَلِكَ اسْتِعْمالٌ خاصٌّ بِألِفِ (أنا) في العَرَبِيَّةِ، وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ مِثْلَهم إلّا إذا وقَعَ بَعْدَ الألِفِ هَمْزَةُ قَطْعٍ مَضْمُومَةٌ أوْ مَفْتُوحَةٌ كَما هُنا، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] فَيَقْرَأهُ بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وفي هَمْزَةِ القَطْعِ المَكْسُورَةِ رِوايَتانِ لِقالُونَ عَنْ نافِعٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وهَذِهِ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ.
وقَوْلُهُ: قالَ إبْراهِيمُ مُجاوَبَةٌ، فَقُطِعَتْ عَنِ العَطْفِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ وقَدْ عَدَلَ إبْراهِيمُ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الإحْياءِ المُحْتَجِّ بِهِ ولا مِنَ الإماتَةِ المُحْتَجِّ بِها، فَأعْرَضَ عَنْهُ لِما عَلِمَ مِن مُكابَرَةِ خَصْمِهِ، وانْتَقَلَ إلى ما لا يَسْتَطِيعُ الخَصْمُ انْتِحالَهُ، ولِذَلِكَ بُهِتَ، أيْ: عَجَزَ ولَمْ يَجِدْ مُعارَضَةً.
صفحة ٣٤
و(بُهِتَ) فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ. يُقالُ: بَهَتَهُ فَبُهِتَ. بِمَعْنى أعْجَزَهُ عَنِ الجَوابِ فَعَجَزَ أوْ فاجَأهُ بِما لَمْ يَعْرِفْ دَفْعَهُ.
قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] وقالَ عُرْوَةُ العُذْرِيُّ:
فَما هو إلّا أنْ أراها فُجاءَةً ∗∗∗ فَأُبْهَتَ حَتّى ما أكادُ أُجِيبُ
ومِنهُ البُهْتانُ وهو الكَذِبُ الفَظِيعُ الَّذِي يَبْهَتُ سامِعَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ هو حَوْصَلَةُ الحُجَّةِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وإنَّما انْتَفى هُدى اللَّهِ القَوْمَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ حائِلٌ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ التَّنازُلِ إلى التَّأمُّلِ مِنَ الحُجَجِ وإعْمالِ النَّظَرِ فِيما فِيهِ النَّفْعُ إذِ الذِّهْنُ في شاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ بِزَهْوِهِ وغُرُورِهِ.
والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ في إثْباتِ العَقائِدِ والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِذَلِكَ، وأمّا ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الجَدَلِ فَهو جِدالُ المُكابَرَةِ والتَّعَصُّبِ وتَرْوِيجِ الباطِلِ والخَطَأِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences