Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:26–27

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:26–27

2:26–27Page 5

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦

Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧

Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾

قَدْ يَبْدُو في بادِئِ النَّظَرِ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ مَساقِ الآياتِ السّالِفَةِ ومَساقِ هاتِهِ الآيَةِ فَبَيْنَما كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ ثَناءً عَلى هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ووَصْفَ حالَيِ المُهْتَدِينَ بِهَدْيِهِ والنّاكِبِينَ عَنْ صِراطِهِ وبَيانَ إعْجازِهِ والتَّحَدِّي بِهِ مَعَ ما تَخَلَّلَ وأعْقَبَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ النّافِعَةِ والبَياناتِ البالِغَةِ والتَّمْثِيلاتِ الرّائِعَةِ، إذا بِالكَلامِ قَدْ جاءَ بِخَبَرٍ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْبَأُ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِشَيْءٍ حَقِيرٍ أوْ غَيْرِ حَقِيرٍ.

فَحَقِيقٌ بِالنّاظِرِ عِنْدَ التَّأمُّلِ أنْ تَظْهَرَ لَهُ المُناسِبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ: ذَلِكَ أنَّ الآياتِ السّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى تَحَدِّي البُلَغاءِ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَةِ النَّظْمِ سَلَكُوا في المُعارَضَةِ طَرِيقَةَ الطَّعْنِ في المَعانِي فَلَبَّسُوا عَلى النّاسِ بِأنَّ في القُرْآنِ مِن سَخِيفِ المَعْنى ما يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلامُ اللَّهِ لِيَصِلُوا بِذَلِكَ إلى إبْطالِ

صفحة ٣٥٨

أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِإلْقاءِ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ وبَذْرِ الخَصِيبِ في تَنْفِيرِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ.

رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] وقَوْلُهُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] قالَ المُشْرِكُونَ أرَأيْتُمْ أيَّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ في كِتابِهِ وضَرَبَ بِها المَثَلَ ضَحِكَ اليَهُودُ وقالُوا: ما يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ الآيَةَ. والوَجْهُ أنْ نَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ ونُبَيِّنَ ما انْطَوَتا عَلَيْهِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَفْزَعُونَ إلى يَهُودِ يَثْرِبَ في التَّشاوُرِ في شَأْنِ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَيَتَلَقَّوْنَ مِنهم صُوَرًا مِنَ الكَيْدِ والتَّشْغِيبِ فَيَكُونُ قَدْ تَظاهَرَ الفَرِيقانِ عَلى الطَّعْنِ في بَلاغَةِ ضَرْبِ المَثَلِ بِالعَنْكَبُوتِ والذُّبابِ فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَمْثِيلَ المُنافِقِينَ بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا وكانَ مُعْظَمُهم مِنَ اليَهُودِ هاجَتْ أحْناقُهم وضاقَ خِناقُهم فاخْتَلَفُوا هَذِهِ المَطاعِنَ فَقالَ كُلُّ فَرِيقٍ ما نُسِبَ إلَيْهِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ ونَزَلَتِ الآيَةُ لِلرَّدِّ عَلى الفَرِيقَيْنِ ووَضَحَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.

فَيَحْتَمِلُ أنَّ ذَلِكَ قالَهُ عُلَماءُ اليَهُودِ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم في البَلاغَةِ، أوْ قَدْ قالُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِفُنُونِ ضَرْبِ الأمْثالِ مُكابِرَةً وتَجاهُلًا. وكَوْنُ القائِلِينَ هُمُ اليَهُودَ هو المُوافِقُ لِكَوْنِ السُّورَةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وكانَ أشَدَّ المُعانِدِينَ فِيها هُمُ اليَهُودُ، ولِأنَّهُ الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ وهَذِهِ صِفَةُ اليَهُودِ، ولِأنَّ اليَهُودَ قَدْ شاعَ بَيْنَهُمُ التَّشاؤُمُ والغُلُوُّ في الحَذَرِ مِن مَدْلُولاتِ الألْفاظِ حَتّى اشْتَهَرُوا بِاسْتِعْمالِ الكَلامِ المُوَجَّهِ بِالشَّتْمِ والذَّمِّ كَقَوْلِهِمْ ”راعِنا“، قالَ تَعالى ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٢] كَما ورَدَ تَفْسِيرُهُ في الصَّحِيحِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن شَأْنِ العَرَبِ. وإمّا أنْ يَكُونَ قائِلُهُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِوُقُوعِ مِثْلِهِ في كَلامِ بُلَغائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: أجْرَأُ مِن ذُبابَةٍ، وأسْمَعُ مِن قُرادٍ، وأطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، وأضْعَفُ مِن بَعُوضَةٍ. وهَذا الِاحْتِمالُ أدَلُّ، عَلى أنَّهم ما قالُوا: ما هَذا

صفحة ٣٥٩

التَّمْثِيلُ ؟ إلّا مُكابَرَةً ومُعانِدَةً، فَإنَّهم لَمّا غُلِبُوا بِالتَّحَدِّي وعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ تَعَلَّقُوا في مَعاذِيرِهِمْ بِهاتِهِ السَّفاسِفِ، والمُكابِرُ يَقُولُ ما لا يَعْتَقِدُ، والمَحْجُوجُ المَبْهُوتُ يَسْتَعْوِجُ المُسْتَقِيمَ ويُخْفِي الواضِحَ، وإلى هَذا الثّانِي يَنْزِعُ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ وهو أوْفَقُ بِالسِّياقِ.

والسُّورَةُ وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَزالُوا يُلْقُونَ الشُّبَهَ في صِحَّةِ الرِّسالَةِ ويُشِيعُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِواسِطَةِ المُنافِقِينَ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الواقِعِ فِيها التَّمْثِيلُ الَّذِي أنْكَرُوهُ فَإنَّ البِدارَ بِالرَّدِّ عَلى مَن في مَقالِهِ شُبْهَةٌ رائِحَةٌ يَكُونُ أقْطَعَ لِشُبْهَتِهِ مِن تَأْخِيرِهِ زَمانًا.

قُلْنا: الوَجْهُ في تَأْخِيرِ نُزُولِها أنْ يَقَعَ الرَّدُّ بَعْدَ الإتْيانِ بِأمْثالٍ مُعْجَبَةٍ اقْتَضاها مَقامُ تَشْبِيهِ الهَيْئاتِ، فَذَلِكَ كَما يَمْنَعُ الكَرِيمُ عَدُوَّهُ مِن عَطاءٍ فَيَلْمِزُهُ المَمْنُوعُ بِلَمْزِ البُخْلِ، أوْ يَتَأخَّرُ الكَمِيُّ عَنْ ساحَةِ القِتالِ مَكِيدَةً فَيَظُنُّهُ ناسٌ جُبْنًا فَيُسِرُّها الأوَّلُ في نَفْسِهِ حَتّى يَأْتِيَهُ القاصِدُ فَيُعْطَيهِ عَطاءً جَزْلًا، والثّانِي حَتّى يَكُرَّ كَرَّةً تَكُونُ القاضِيَةَ عَلى قَرْنِهِ. فَكَذَلِكَ لَمّا أتى القُرْآنُ بِأعْظَمِ الأمْثالِ وأرْوَعِها وهي قَوْلُهُ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ [البقرة: ١٧] ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] الآياتِ، وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] أتى إثْرَ ذَلِكَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَهَذا يُبَيِّنُ لَكَ مُناسِبَةَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها، وقَدْ غَفَلَ عَنْ بَيانِهِ المُفَسِّرُونَ.

والمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا الشَّبَهُ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ المُرَكَّبِ مِنَ الهَيْئَةِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] لِأنَّ المَعْنِيَّ هُنا ما طَعَنُوا بِهِ في تَشابِيهِ القُرْآنِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ [الحج: ٧٣] وقَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] ومَوْقِعُ إنَّ هُنا بَيِّنٌ.

وأمّا الإتْيانُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَمًا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ فَلِأنَّ هَذا العَلَمَ جامِعٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَذِكْرُهُ أوْقَعُ في الإقْناعِ بِأنَّ كَلامَهُ هو أعْلى كَلامٍ في مُراعاةِ ما هو حَقِيقٌ بِالمُراعاةِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا إبْطالٌ لِتَمْوِيهِهِمْ بِأنَّ اشْتِمالَ القُرْآنِ عَلى مِثْلِ هَذا المَثَلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَحْيِيَ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مِن هَذا القَبِيلِ.

ولِهَذا أيْضًا اخْتِيرَ أنْ يَكُونَ المُسْنَدُ خُصُوصَ فِعْلِ الِاسْتِحْياءِ زِيادَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم أنْكَرُوا التَّمْثِيلَ بِهاتِهِ الأشْياءِ لِمُراعاةِ كَراهَةِ النّاسِ، ومِثْلُ هَذا ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِحْياءِ كَما سَنُبَيِّنُهُ

صفحة ٣٦٠

فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الخالِقَ لا يَسْتَحْيِي مِن ذَلِكَ إذْ لَيْسَ مِمّا يُسْتَحْيى مِنهُ، ولِأنَّ المَخْلُوقاتِ مُتَساوِيَةٌ في الضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إلى خالِقِها والمُتَصَرِّفِ فِيها، وقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِحْياءِ هُنا مُحاكاةً لِقَوْلِهِمْ أما يَسْتَحْيِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ.

فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى مَعانٍ حَقِيرَةٍ غَيْرَ مُخِلٍّ بِالبَلاغَةِ فَما بالُنا نَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ النَّقْدِ قَدْ نَقَدُوا مِن كَلامِ البُلَغاءِ ما اشْتَمَلَ عَلى مَثَلٍ هَذا كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

مِن عِزِّهِمْ حَجَرَتْ كُلَيْبٌ بَيْتَها زَرْبًا كَأنَّهُمُ لَدَيْهِ القُمَّلُ

وقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:

أماتَكُمُ مِن قَبْلِ مَوْتِكُمُ الجَهْلُ ∗∗∗ وجَرَّكُمُ مِن خِفَّةٍ بِكُمُ النَّمْلُ

وقَوْلِ الطِّرِمّاحِ:

ولَوْ أنَّ بُرْغُوثًا عَلى ظَهْرِ قَمْلَةٍ ∗∗∗ يَكُرُّ عَلى ضَبْعَيْ تَمِيمٍ لَوَلَّتِ

قُلْتُ: أُصُولُ الِانْتِقادِ الأدَبِيِّ تُؤَوَّلُ إلى بَيانِ ما لا يَحْسُنُ أنْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِ كَلامُ الأدِيبِ مِن جانِبِ صِناعَةِ الكَلامِ، ومِن جانِبِ صُوَرِ المَعانِي، ومِن جانِبِ المُسْتَحْسَنِ مِنها والمَكْرُوهِ، وهَذا النَّوْعُ الثّالِثُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ العَوائِدِ ومَدارِكِ العُقُولِ وأصالَةِ الأفْهامِ بِحَسَبِ الغالِبِ مِن أحْوالِ أهْلِ صِناعَةِ الأدَبِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَقْبُولًا عِنْدَ قَوْمٍ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أخِرَيْنِ، ومَقْبُولًا في عَصْرٍ مَرْفُوضًا في غَيْرِهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ يُخاطِبُ المَلِكَ النُّعْمانَ:

فَإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي ∗∗∗ وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ

فَإنَّ تَشْبِيهَ المَلِكِ بِاللَّيْلِ لَوْ وقَعَ في زَمانِ المُوَلَّدِينَ لَعُدَّ مِنَ الجَفاءِ أوِ العَجْرَفَةِ، وكَذَلِكَ تَشْبِيهُهم بِالحَيَّةِ في الإقْدامِ وإهْلاكِ العَدُوِّ في قَوْلِ ذِي الإصْبَعِ:

عَذِيرَ الحَيِّ مِن عَدَوا ∗∗∗ نَ كانُوا حَيَّةَ الأرْضِ

وقَوْلِ النّابِغَةِ في رِثاءِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:

ماذا رُزِئْنا بِهِ مِن حَيَّةٍ ذَكَرٍ ∗∗∗ نَضْناضَةٍ بِالرَّزايا صِلِّ أصْلالِ

وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الأدَبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ الجَهْمِ مَدَحَ الخَلِيفَةَ المُتَوَكِّلَ بِقَوْلِهِ:

أنْتَ كالكَلْبِ في وفائِكَ بِالعَهْ ∗∗∗ دِ وكالتَّيْسِ في قِراعِ الخُطُوبِ

صفحة ٣٦١

وأنَّهُ لَمّا سَكَنَ بَغْدادَ وعَلِقَتْ نَضارَةُ النّاسِ بِخَيالِهِ قالَ في أوَّلِ ما قالَهُ:

عُيُونُ المَها بَيْنَ الرَّصافَةِ والجِسْرِ ∗∗∗ جَلَبْنَ الهَوى مِن حَيْثُ أدْرِي ولا أدْرِي

وقَدِ انْتَقَدَ بَشّارٌ عَلى كُثَيِّرٍ قَوْلَهُ:

ألا إنَّما لَيْلى عَصا خَيْزُرانَةٌ ∗∗∗ إذا لَمَسُوها بِالأكُفِّ تَلِينُ

فَقالَ، لَوْ جَعَلَها عَصا مُخٍّ أوْ عَصا زُبْدٍ لَما تَجاوَزَ مِن أنْ تَكُونَ عَصا، عَلى أنَّ بَشّارًا هو القائِلُ:

إذا قامَتْ لِجارَتِها تَثَنَّتْ ∗∗∗ كَأنَّ عِظامَها مِن خَيْزُرانِ

وشَبَّهَ بِشارٌ عَبْدَةَ بِالحَيَّةِ في قَوْلِهِ:

وكَأنَّها لَمّا مَشَتْ ∗∗∗ أيْمٌ تَأوَّدَ في كَثِيبْ

والِاسْتِحْياءُ والحَياءُ واحِدٌ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَقْدَمَ واسْتَأْخَرَ واسْتَجابَ. وهو انْقِباضُ النَّفْسِ مِن صُدُورِ فِعْلٍ أوْ تَلَقِّيهِ لِاسْتِشْعارِ أنَّهُ لا يَلِيقُ أوْ لا يَحْسُنُ في مُتَعارَفِ أمْثالِهِ، فَهو هَيْئَةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ هي مِن قَبِيلِ الِانْفِعالِ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى الوَجْهِ، وفي الإمْساكِ عَنْ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَفْعَلَ.

والِاسْتِحْياءُ هُنا مَنفِيٌّ عَنْ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ في صِحَّةِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ، والتَّعَلُّلُ لِذَلِكَ بِأنَّ نَفْيَ الوَصْفِ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الِاتِّصافِ تَعَلُّلٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.

والضَّرْبُ في قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الوَضْعِ والجَعْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ خَيْمَةً وضَرَبَ بَيْتًا. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:

إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً ∗∗∗ بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ

وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنْزَلُ

أيْ جَعَلَ شَيْئًا مَثَلًا أيْ شَبَهًا، قالَ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] أيْ لا تَجْعَلُوا لَهُ مُماثِلًا مِن خَلْقِهِ، فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ فِعْلُ ضَرَبَ مُشْتَقًّا

صفحة ٣٦٢

مِنَ الضَّرْبِ بِمَعْنى المُماثِلِ فانْتِصابُ مَثَلًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِلتَّوْكِيدِ لِأنَّ مَثَلًا مُرادِفٌ مَصْدَرَ فِعْلِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، والمَعْنى: لا يَسْتَحْيِي أنْ يُشَبِّهَ بِشَيْءٍ ما. والمَثَلُ المَثِيلُ والمُشابِهُ، وغَلَبَ عَلى مُماثَلَةِ هَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] وتَقَدَّمَ هُناكَ مَعْنى ضَرْبِ المَثَلِ بِالمَعْنى الآخَرِ، وتَنْكِيرُ (مَثَلًا) لِلتَّنْوِيعِ بِقَرِينَةِ بَيانِهِ بِقَوْلِهِ (بَعُوضَةً) فَما فَوْقَها.

وما إبْهامِيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالنَّكِرَةِ فَتُؤَكِّدُ مَعْناها مِن تَنْوِيعٍ أوْ تَفْخِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ، نَحْوِ: لِأمْرٍ ما، وأعْطاهُ شَيْئًا ما. والأظْهَرُ أنَّها مَزِيدَةٌ لِتَكُونَ دَلالَتُها عَلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ، وقِيلَ اسْمٌ بِمَعْنى النَّكِرَةِ المُبْهَمَةِ.

وبَعُوضَةً بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن قَوْلِهِ مَثَلًا والبَعُوضَةُ واحِدَةُ البَعُوضِ وهي حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ طائِرَةٌ ذاتُ خُرْطُومٍ دَقِيقٍ تَحُومُ عَلى الإنْسانِ لِتَمْتَصَّ بِخُرْطُومِها مِن دَمِهِ غِذاءً لَها، وتُعْرَفُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ بِالخُمُوشِ، وأهْلُ تُونِسَ يُسَمُّونَهُ النّامُوسَ واحِدَتُهُ النّامُوسَةُ وقَدْ جُعِلَتْ هُنا مَثَلًا لِشِدَّةِ الضَّعْفِ والحَقارَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَما فَوْقَها﴾ عُطِفَ عَلى بَعُوضَةً وأصْلُ (فَوْقَ) اسْمٌ لِلْمَكانِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ فَهو اسْمٌ مُبْهَمٌ، فَلِذَلِكَ كانَ مُلازِمًا لِلْإضافَةِ لِأنَّهُ تَتَمَيَّزُ جِهَتُهُ بِالِاسْمِ الَّذِي يُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو مِن أسْماءِ الجِهاتِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في المُتَجاوِزِ غَيْرَهُ في صِفَةٍ تَجاوُزًا ظاهِرًا تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الشَّيْءِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ عَلى ما هو مُعْتَلٍ عَلَيْهِ، فَفَوْقَ في مِثْلِهِ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى التَّغَلُّبِ والزِّيادَةِ في صِفَةٍ سَواءٌ كانَتْ مِنَ المَحامِدِ أوْ مِنَ المَذامِّ، يُقالُ: فُلانٌ خَسِيسٌ وفَوْقَ الخَسِيسِ وفُلانٌ شُجاعٌ وفَوْقَ الشُّجاعِ، وتَقُولُ أُعْطِيَ فُلانٌ فَوْقَ حَقِّهِ أيْ زائِدًا عَلى حَقِّهِ. وهو في هَذِهِ الآيَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ أيْ ما هو أشَدُّ مِنَ البَعُوضَةِ في الحَقارَةِ وما هو أكْبَرُ حَجْمًا.

ونَظِيرُهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ» رَواهُ مُسْلِمٌ، يَحْتَمِلُ أقَلَّ مِنَ الشَّوْكَةِ في الأذى مِثْلَ نُخْبَةِ النَّمْلَةِ - كَما جاءَ في حَدِيثٍ آخَرَ - أوْ ما هو أشَدُّ مِنَ الشَّوْكَةِ مِثْلُ الوَخْزِ بِسِكِّينٍ، وهَذا مِن تَصارِيفِ لَفْظِ فَوْقَ في الكَلامِ، ولِذَلِكَ كانَ لِاخْتِيارِهِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ لَفْظِ أقَلَّ، ودُونَ لَفْظِ أقْوى مَثَلًا مَوْقِعٌ مِن بَلِيغِ الإيجازِ.

صفحة ٣٦٣

والفاءُ عاطِفَةٌ ما فَوْقَها عَلى بَعُوضَةً أفادَتْ تَشْرِيكَهُما في ضَرْبِ المَثَلِ بِهِما، وحَقُّها أنْ تُفِيدَ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ، ولَكِنَّها هُنا لا تُفِيدُ التَّعْقِيبَ وإنَّما اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى التَّدَرُّجِ في الرُّتَبِ بَيْنَ مَفاعِيلِ (﴿أنْ يَضْرِبَ﴾) ولا تُفِيدُ أنَّ ضَرْبَ المَثَلِ يَكُونُ بِالبَعُوضَةِ ويَعْقُبُهُ ضَرْبُهُ بِما فَوْقَها بَلِ المُرادُ بَيانُ المَثَلِ بِأنَّهُ البَعُوضَةُ وما يَتَدَرَّجُ في مَراتِبِ القُوَّةِ زائِدًا عَلَيْها دَرَجَةً تَلِي دَرَجَةً، فالفاءُ في مِثْلِ هَذا مَجازٌ مُرْسَلٌ عَلاقَتُهُ الإطْلاقُ عَنِ القَيْدِ لِأنَّ الفاءَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّعْقِيبِ الَّذِي هو اتِّصالٌ خاصٌّ، فاسْتُعْمِلَتْ في مُطْلَقِ الِاتِّصالِ، أوْ هي مُسْتَعارَةٌ لِلتَّدَرُّجِ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالتَّعْقِيبِ في التَّأخُّرِ في التَّعَقُّلِ كَما أنَّ التَّعْقِيبَ تَأخُّرٌ في الحُصُولِ، ومِنهُ: رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ فالمُقَصِّرِينَ.

والمَعْنى أنْ يَضْرِبَ البَعُوضَةَ مَثَلًا فَيَضْرِبَ ما فَوْقَها أيْ ما هو دَرَجَةٌ أُخْرى أيْ أحْقَرَ مِنَ البَعُوضَةِ مِثْلَ الذَّرَّةِ، وأعْظَمَ مِنها مِثْلَ العَنْكَبُوتِ والحِمارِ.

* * *

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾

الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ دُونَ الحُصُولِيِّ أيْ لِتَعْقِيبِ الكَلامِ المُفَصَّلِ عَلى الكَلامِ المُجْمَلِ عَطَفَتِ المُقَدَّرَ في قَوْلِهِ ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: لا يَسْتَحْيِي مِنَ النّاسِ كَما تَقَدَّمَ، ولَمّا كانَ في النّاسِ مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ وكِلا الفَرِيقَيْنِ تَلَقّى ذَلِكَ المَثَلَ واخْتَلَفَتْ حالُهم في الِانْتِفاعِ بِهِ، نَشَأ في الكَلامِ إجْمالٌ مُقَدَّرٌ اقْتَضى تَفْصِيلَ حالِهِمْ. وإنَّما عَطَفَ بِالفاءِ لِأنَّ التَّفْصِيلَ حاصِلٌ عَقِبَ الإجْمالِ.

و(أمّا) حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِتَفْصِيلِ مُجْمَلٍ مَلْفُوظٍ أوْ مُقَدَّرٍ. ولَمّا كانَ الإجْمالُ يَقْتَضِي اسْتِشْرافَ السّامِعِ لِتَفْصِيلِهِ كانَ التَّصَدِّي لِتَفْصِيلِهِ بِمَنزِلَةِ سُؤالٍ مَفْرُوضٍ كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَقُولُ: إنْ شِئْتَ تَفْصِيلَهُ فَتَفْصِيلُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، فَلِذَلِكَ كانَتْ (أمّا) مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْها الفاءُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها لِأنَّها كَجَوابِ شَرْطٍ، وقَدْ تَخْلُو عَنْ مَعْنى التَّفْصِيلِ في خُصُوصِ قَوْلِ العَرَبِ: أمّا بَعْدُ فَتَتَمَحَّضُ لِلشَّرْطِ وذَلِكَ في التَّحْقِيقِ لِخَفاءِ مَعْنى التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَرَقُّبِ السّامِعِ كَلامًا بَعْدَ كَلامِهِ الأوَّلِ.

وقَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بِمَعْنى مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، وتَلَقَّفَهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ بَعْدَهُ وهو عِنْدِي تَقْدِيرُ مَعْنًى لِتَصْحِيحِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِها، وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ

صفحة ٣٦٤

لِأنَّ دَعْوى قَصْدِ عُمُومِ الشَّرْطِ غَيْرُ بَيِّنَةٍ، فَإذا جِيءَ بِأداةِ التَّفْصِيلِ المُتَضَمِّنَةِ مَعْنى الشَّرْطِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ اهْتِمامِ المُتَكَلِّمِ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الكَلامِ الَّتِي سَمّاها الزَّمَخْشَرِيُّ تَوْكِيدًا وما هو إلّا دَلالَةُ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، عَلى أنَّ مَضْمُونَهُ مُحَقَّقٌ ولَوْلا ذَلِكَ لَما اهْتَمَّ بِهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَضْلُ قَوْلِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ عَلى أنْ يُقالَ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ بِدُونِ (أمّا) والفاءِ. وجَعَلَ تَفْصِيلَ النّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ قِسْمَيْنِ لِأنَّ النّاسَ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّشْرِيعِ والتَّنْزِيلِ قِسْمانِ ابْتِداءً: مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ هُنا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِثَباتِ إيمانِهِمْ وتَأْيِيسِ الَّذِينَ أرادُوا إلْقاءَ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ فَيَعْلَمُونَ أنَّ قُلُوبَهم لا مَدْخَلَ فِيها لِذَلِكَ الشَّكِّ. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا إمّا خُصُوصُ المُشْرِكِينَ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ غالِبًا، وإمّا ما يَشْمَلُهم ويَشْمَلُ اليَهُودَ بِناءً عَلى ما سَلَفَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ.

وإنَّما عَبَّرَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ بِـ (يَعْلَمُونَ) تَعْرِيضًا بِأنَّ الكافِرِينَ إنَّما قالُوا ما قالُوا عِنادًا ومُكابَرَةً وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ أصابَ المَحَزَّ، كَيْفَ وهَمَ أهْلُ اللِّسانِ وفُرْسانُ البَيانِ، ولَكِنْ شَأْنُ المُعانِدِ المُكابِرِ أنْ يَقُولَ ما لا يَعْتَقِدُ؛ حَسَدًا وعِنادًا. وضَمِيرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَثَلِ. والحَقُّ تَرْجِعُ مَعانِيهِ إلى مُوافَقَةِ الشَّيْءِ لِما يَحِقُّ أنْ يَقَعَ وهو هُنا المُوافِقُ لِإصابَةِ الكَلامِ وبَلاغَتِهِ. و﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ حالٌ مِنَ (الحَقِّ) و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ لا كَما زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهُ مُخالِفٌ لِلصَّوابِ فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ مِن كَلامِ مَن يَقَعُ مِنهُ الخَطَأُ.

وأصْلُ ماذا كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ وذا اسْمِ الإشارَةِ، ولِذَلِكَ كانَ أصْلُها أنْ يُسْألَ بِها عَنْ شَيْءٍ مُشارٍ إلَيْهِ كَقَوْلِ القائِلِ ”ماذا“ مُشِيرًا إلى شَيْءٍ حاضِرٍ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ما هَذا، غَيْرَ أنَّ العَرَبَ تَوَسَّعُوا فِيهِ فاسْتَعْمَلُوهُ اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُرَكَّبًا مِن كَلِمَتَيْنِ وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ غَيْرِ الإشارَةِ حَتّى تَصِيرَ الإشارَةُ إلَيْهِ مَعَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظٍ آخَرَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، نَحْوَ ماذا التَّوانِي، أوْ حَيْثُ لا يَكُونُ لِلْإشارَةِ مَوْقِعٌ نَحْوَ ﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٣٩] ولِذَلِكَ يَقُولُ النُّحاةُ: إنَّ ذا مُلْغاةٌ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.

وقَدْ يَتَوَسَّعُونَ فِيها تَوَسُّعًا أقْوى فَيَجْعَلُونَ ذا اسْمًا مَوْصُولًا وذَلِكَ حِينَ يَكُونَ المَسْئُولُ عَنْهُ مَعْرُوفًا لِلْمُخاطَبِ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِ فَلِذَلِكَ يُجْرُونَ عَلَيْهِ جُمْلَةً أوْ نَحْوَها هي صِلَةٌ ويَجْعَلُونَ ذا مَوْصُولًا نَحْوَ ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ الآخَرَيْنِ يَصِحُّ إعْرابُهُ مُبْتَدَأً ويَصِحُّ إعْرابُهُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا إذا وقَعَ بَعْدَهُ فِعْلٌ. والِاسْتِفْهامُ هُنا إنْكارِيٌّ أيْ جُعِلَ الكَلامُ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ

صفحة ٣٦٥

كِنايَةً بِهِ عَنِ الإنْكارِ لِأنَّ الشَّيْءَ المُنْكَرَ يُسْتَفْهَمُ عَنْ حُصُولِهِ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في الإنْكارِ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، ومِثْلُهُ لا يُجابُ بِشَيْءٍ غالِبًا لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الِاسْتِعْلامُ. وقَدْ يُلاحَظُ فِيهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ فَيُجابُ بِجَوابٍ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ الكِنائِيَّ لا يَمْنَعُ مِن إرادَةِ المَعْنى الأصْلِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بِهَذا مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيرِ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِهِ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] وانْتَصَبَ قَوْلُهُ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ مِن (هَذا) لِأنَّهُ مُبْهَمٌ فَحُقَّ لَهُ التَّمْيِيزُ وهو نَظِيرُ التَّمْيِيزِ لِلضَّمِيرِ في قَوْلِهِمْ (رُبَّهُ رَجُلًا) .

* * *

﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِأمّا عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المَعْكُوسِ لِأنَّ مَعْنى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِما مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ السّالِفَتَيْنِ إجْمالًا فَإنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ هُدًى، وقَوْلَ الكافِرِينَ (﴿ماذا أرادَ اللَّهُ﴾) الخَ ضَلالٌ، والأظْهَرُ أنْ لا يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ في قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا كَما تَقَدَّمَ.

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمْ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا عَنْ حِكْمَةِ ما أرادَ اللَّهُ بِتِلْكَ الأمْثالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ جَوابًا لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ وبَيانًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ مَكْنِيٌّ بِهِ عَنِ الإنْكارِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا مِن عَدَمِ المانِعِ مِن جَمْعِ المَعْنَيَيْنِ الكِنائِيِّ والأصْلِيِّ.

وكَوْنُ كِلا الفَرِيقَيْنِ مِنَ المُضَلَّلِ والمَهْدِيِّ كَثِيرًا في نَفْسِهِ، لا يُنافِي نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] لِأنَّ قُوَّةَ الشُّكْرِ الَّتِي اقْتَضاها صِيغَةُ المُبالَغَةِ، أخَصُّ في الِاهْتِداءِ.

صفحة ٣٦٦

والفاسِقُ لَفْظٌ مِن مَنقُولاتِ الشَّرِيعَةِ، أصْلُهُ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الفِسْقِ بِكَسْرِ الفاءِ، وحَقِيقَةُ الفِسْقِ خُرُوجُ الثَّمَرَةِ مِن قِشْرِها وهو عاهَةٌ أوْ رَداءَةٌ في الثَّمَرِ، فَهو خُرُوجٌ مَذْمُومٌ يُعَدُّ مِنَ الأدْواءِ مِثْلَ ما قالَ النّابِغَةُ:

صِغارُ النَّوى مَكْنُوزَةٌ لَيْسَ قِشْرُها إذا طارَ قِشْرُ التَّمْرِ عَنْها بِطائِرِ

قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في كَلامِهِمْ في غَيْرِ هَذا المَعْنى حَتّى نَقَلَهُ القُرْآنُ لِلْخُرُوجِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى الجازِمِ بِارْتِكابِ المَعاصِي الكَبائِرِ، فَوَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في كَلامِ المُسْلِمِينَ: قالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ إبِلًا:

فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا ∗∗∗ يَهْوَيْنَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا

والفِسْقُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَبْلُغُ بَعْضُها إلى الكُفْرِ. وقَدْ أُطْلِقَ الفِسْقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى جَمِيعِها لَكِنَّ الَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ هو ما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والفُقَهاءِ وهو أنَّ الفِسْقَ غَيْرُ الكُفْرِ وأنَّ المَعاصِيَ وإنْ كَثُرَتْ لا تُزِيلُ الإيمانَ وهو الحَقُّ، وقَدْ لَقَّبَ اللَّهُ اليَهُودَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ بِالفاسِقِينَ، وأحْسَبُ أنَّهُ المُرادُ هُنا، وعَزاهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِجُمْهُورٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مُراعًى فِيهِ أنَّهُ الَّذِي مَكَّنَ الضّالِّينَ مِنَ الكَسْبِ والِاخْتِيارِ بِما خَلَقَ لَهم مِنَ العُقُولِ وما فَصَلَ لَهم مِن أسْبابِ الخَيْرِ وضِدِّهِ.

وفِي اخْتِيارِ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ صِحَّةِ إسْنادِهِ لِفِعْلِ الضّالِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ضَلالٌ مُتَمَكِّنٌ مِن نُفُوسِهِمْ حَتّى صارَ كالجِبِلَّةِ فِيهِمْ، فَهم مَأْيُوسٌ مِنِ اهْتِدائِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ تَعالى مَنظُورٌ فِيهِ إلى خَلْقِ أسْبابِهِ القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ كُلَّهم بِالهُدى وهي مَسْألَةٌ مَفْرُوغٌ مِنها في عِلْمِ الكَلامِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ إمّا مُسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ لِلْفِسْقِ تَأْثِيرًا في زِيادَةِ الضَّلالِ لِأنَّ الفِسْقَ يَرِينُ عَلى القُلُوبِ ويُكْسِبُ النُّفُوسَ ظُلْمَةً فَتَتَساقَطُ في الضَّلالِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى عَلى التَّعاقُبِ، حَتّى يَصِيرَ لَها دُرْبَةً. وهَذا الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ التَّعْلِيقُ عَلى وصْفِ المُشْتَقِّ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ هُنا المَعْنى الِاشْتِقاقِيَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ فاسِقُونَ وما مِن فاسِقٍ إلّا وهو ضالٌّ فَما ثَبَتَ الضَّلالُ إلّا بِثُبُوتِ الفِسْقِ عَلى نَحْوِ طَرِيقَةِ القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ، وإمّا مُسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ الضَّلالَ والفِسْقَ أخَوانِ، فَحَيْثُما تَحَقَّقَ أحَدُهُما أنْبَأ بِتَحَقُّقِ الآخَرِ عَلى نَحْوِ قِياسِ المُساواةِ إذا أُرِيدَ مِنَ الفاسِقِينَ المَعْنى اللَّقَبِيُّ المَشْهُورُ فَلا يَكُونُ لَهُ إيذانٌ بِتَعْلِيلٍ. وإمّا لِبَيانِ أنَّ الإضْلالَ

صفحة ٣٦٧

المُتَكَيَّفَ في إنْكارِ الأمْثالِ إضْلالٌ مَعَ غَباوَةٍ فَلا يَصْدُرُ إلّا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ عُرِفُوا بِهَذا الوَصْفِ.

والقَوْلُ في مَذاهِبِ عُلَماءِ الإسْلامِ في الفِسْقِ وتَأْثِيرِهِ في الإيمانِ لَيْسَ هَذا مَقامُ بَيانِهِ إذْ لَيْسَ هو المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ. فَإنْ كانَ مَحْمَلُ الفاسِقِينَ عَلى ما يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ الَّذِينَ طَعَنُوا في ضَرْبِ المَثَلِ كانَ القَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ﴾ إلَخْ بِالإضافَةِ إلى المُؤْمِنِينَ لِيَحْصُلَ تَمْيِيزُ المُرادِ مِنَ المُضَلَّلِ والمُهْتَدِي. وإنْ كانَ مَحْمَلُ الفاسِقِينَ عَلى اليَهُودِ كانَ القَصْرُ حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا أيْ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وهُمُ الطّاعِنُونَ فِيهِ وأشَدُّهم ضَلالًا هُمُ الفاسِقُونَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ أبْعَدُ عَنِ الِاهْتِداءِ بِالكِتابِ لِأنَّهم في شِرْكِهِمْ، وأمّا اليَهُودُ فَهم أهْلُ كِتابٍ وشَأْنُهم أنْ يَعْلَمُوا أفانِينَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وضَرْبَ الأمْثالِ، فَإنْكارُهم إيّاها غايَةُ الضَّلالِ، فَكَأنَّهُ لا ضَلالَ سِواهُ.

وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ إلى آخِرِهِ صِفَةٌ لِـ الفاسِقِينَ لِتَقْرِيرِ اتِّصافِهِمْ بِالفِسْقِ لِأنَّ هاتِهِ الخِلالَ مِن أكْبَرِ أنْواعِ الفُسُوقِ بِمَعْنى الخُرُوجِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَقْطُوعَةً مُسْتَأْنَفَةً عَلى أنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ وقَوْلَهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ خَبَرٌ وهي مَعَ ذَلِكَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَعْنى تَوْصِيفِ الفاسِقِينَ بِتِلْكَ الخِلالِ؛ إذِ الِاسْتِئْنافُ لَمّا ورَدَ إثْرَ حِكايَةِ حالٍ عَنِ الفاسِقِينَ تَعَيَّنَ في حُكْمِ البَلاغَةِ أنْ تَكُونَ هاتِهِ الصِّلَةُ مِن صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لِلُزُومِ الِاتِّحادِ في الجامِعِ الخَيالِيِّ، وإلّا لَصارَ الكَلامُ مُقَطَّعًا مَنتُوفًا فَلَيْسَ بَيْنَ الِاعْتِبارَيْنِ إلّا اخْتِلافُ الإعْرابِ، وأمّا المَعْنى فَواحِدٌ، فَلِذَلِكَ كانَ إعْرابُهُ صِفَةً أرْجَحَ أوْ مُتَعَيِّنًا إذْ لا داعِيَ إلى اعْتِبارِ القَطْعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском