Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:259–262

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:259–262

2:259Page 43

أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

تَخْيِيرٌ في التَّشْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ تَكْرِيرِ التَّشْبِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في مَعْنى التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ كَما تَقَدَّمَ، وهو مُرادُ صاحِبِ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ أوْ كالَّذِي مَرَّ، وإذْ قَدْ قَرَّرَ بِالآيَةِ قَبْلَها ثُبُوتَ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلاهِيَّةِ، وذَلِكَ أصْلُ الإسْلامِ، أعْقَبَ بِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي إنْكارُهُ أصْلُ أهْلِ الإشْراكِ.

صفحة ٣٥

واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الصِّيغَتَيْنِ في التَّعَجُّبِ، يَقُولُونَ: ألَمْ تَرَ إلى كَذا، ويَقُولُونَ: أرَأيْتَ مِثْلَ كَذا، أوْ: كَكَذا، وقَدْ يُقالُ: ألَمْ تَرَ كَكَذا. لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَمْ أرَ كاليَوْمِ. في الخَيْرِ أوْ في الشَّرِّ، وفي الحَدِيثِ: «فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ مَنظَرًا قَطُّ» وإذا كانَ ذَلِكَ يُقالُ في الخَيْرِ جازَ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَتَقُولَ: ألَمْ تَرَ كاليَوْمِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وحَيْثُ حُذِفَ الفِعْلُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ، ومالَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى تَقْدِيرِهِ: أرَأيْتَ كالَّذِي. لِأنَّهُ الغالِبُ في التَّعَجُّبِ مَعَ كافِ التَّشْبِيهِ.

والَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قِيلَ هو أرْمِيا بْنُ حَلْقيا، وقِيلَ هو عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيا (عِزْرا بْنُ سَرَّيّا) والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ في أكْثَرِ الأقْوالِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ حِزْقِيالُ بْنُ بُوزِي نَبِيءُ إسْرائِيلَ كانَ مُعاصِرًا لِأرْمِيا ودانْيالَ، وكانَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أسَرَهم بُخْتُنَصَّرُ إلى بابِلَ في أوائِلِ القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ المَسِيحِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى عَزْمَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى اسْتِئْصالِ اليَهُودِ وجَمْعِهِ آثارِ الهَيْكَلِ لِيَأْتِيَ بِها إلى بابِلَ، جَمَعَ كُتُبَ شَرِيعَةِ مُوسى وتابُوتَ العَهْدِ وعَصا مُوسى ورَماها في بِئْرِ أُورْشَلِيمَ خَشْيَةَ أنْ يَحْرِقَها بُخْتُنَصَّرُ، ولَعَلَّهُ اتَّخَذَ عَلامَةً يَعْرِفُها بِها وجَعَلَها سِرًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِياءِ زَمانِهِ ووَرَثَتِهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمّا أُخْرِجَ إلى بابِلَ بَقِيَ هُنالِكَ وكَتَبَ كِتابًا في مَراءٍ رَآها وحْيًا تَدُلُّ عَلى مَصائِبِ اليَهُودِ وما يُرْجى لَهم مِنَ الخَلاصِ، وكانَ آخِرُ ما كَتَبَهُ في السَّنَةِ الخامِسَةِ والعِشْرِينَ بَعْدَ سَبْيِ اليَهُودِ، ولَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ بَعْدُ، كَما ورَدَ في تارِيخِهِمْ، ويُظَنُّ أنَّهُ ماتَ أوْ قُتِلَ.

ومِن جُمْلَةِ ما كَتَبَهُ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأنْزَلَنِي في وسَطِ البُقْعَةِ وهي مَلْآنَةٌ عِظامًا كَثِيرَةً وأمَّرَنِي عَلَيْها، وإذا تِلْكَ البُقْعَةُ يابِسَةٌ فَقالَ لِي: أتَحْيى هَذِهِ العِظامُ ؟ فَقُلْتُ: يا سَيِّدِي الرَّبُّ أنْتَ تَعْلَمُ. فَقالَ لِي: تَنَبَّأْ عَلى هَذِهِ العِظامِ وقُلْ لَها: أيَّتُها العِظامُ اليابِسَةُ اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ قالَ ها أنا ذا أُدْخِلُ فِيكُمُ الرُّوحَ وأضَعُ عَلَيْكم عَصَبًا وأكْسُوكم لَحْمًا وجِلْدًا. فَتَنَبَّأْتُ كَما أمَرَنِي فَتَقارَبَتِ العِظامُ كُلُّ عَظْمٍ إلى عَظْمِهِ، ونَظَرْتُ وإذا بِاللَّحْمِ والعَصَبِ كَساها وبُسِطَ الجِلْدُ عَلَيْها مِن فَوْقُ، ودَخَلَ فِيهِمُ الرُّوحُ فَحَيُوا وقامُوا عَلى أقْدامِهِمْ جَيْشٌ عَظِيمٌ جِدًّا.

ولَمّا كانَتْ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيًا فَلا شَكَّ أنَّ اللَّهَ لَمّا أعادَ عُمْرانَ أُورْشَلِيمَ في عَهْدِ عِزْرا النَّبِيءِ في حُدُودِ سَنَةِ ٤٥٠ قَبْلَ المَسِيحِ أحْيا النَّبِيءَ حِزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَرى مِصْداقَ نُبُوَّتِهِ، وأراهُ إحْياءَ العِظامِ، وأراهُ آيَةً في طَعامِهِ وشَرابِهِ وحِمارِهِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ بَيْنَ الخالِقِ وبَعْضِ أصْفِيائِهِ عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ، وجَعَلَ خَبَرَهُ آيَةً لِلنّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ

صفحة ٣٦

الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِما أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، أوْ لِقَوْمٍ أطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ مِن أصْفِيائِهِ، أوْ لِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَ فِيها وفُقِدَ مِن بَيْنِهِمْ فَجاءَهم بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ وتَحَقَّقَهُ مَن يَعْرِفُهُ بِصِفاتِهِ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأمَّرَنِي عَلَيْها، فَقَوْلُهُ: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ أتَحْيى هَذِهِ العِظامُ فَقُلْتُ: يا سَيِّدِي أنْتَ تَعْلَمُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ هَذا يُنْبِئُ بِاسْتِبْعادِ إحْيائِها ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ إلخ، مِمّا زادَهُ القُرْآنُ مِنَ البَيانِ عَلى ما في كُتُبِ اليَهُودِ لِأنَّهم كَتَبُوها بَعْدَ مُرُورِ أزْمِنَةٍ، ويُظَنُّ مِن هُنا أنَّهُ ماتَ في حُدُودِ سَنَةِ ٥٦٠ قَبْلَ المَسِيحِ، وكانَ تَجْدِيدُ أُورْشَلِيمَ في حُدُودِ ٤٥٨ فَتِلْكَ مِائَةُ سَنَةٍ تَقْرِيبًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ تَذْكِرَةً لَهُ بِتِلْكَ النُّبُوءَةِ وهي تَجْدِيدُ مَدِينَةِ إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ الخاوِيَةُ: الفارِغَةُ مِنَ السُّكّانِ والبِناءِ، والعُرُوشُ جَمْعُ عَرْشٍ وهو السَّقْفُ، والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى أنَّها خاوِيَةٌ ساقِطَةٌ عَلى سَقْفِها، وذَلِكَ أشَدُّ الخَرابِ لِأنَّ أوَّلَ ما يَسْقُطُ مِنَ البِناءِ السَّقْفُ، ثُمَّ تَسْقُطُ الجُدْرانُ عَلى تِلْكَ السَّقُفُ، والقَرْيَةُ هي بَيْتُ المَقْدِسِ رَآها في نَوْمِهِ كَذَلِكَ أوْ رَآها حِينَ خَرَّبَها رُسُلُ بُخْتُنَصَّرَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ كانَ مِمَّنْ سُبِيَ مَعَ (يَهُويا قِيمَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ وهو لَمْ يَقَعِ التَّخْرِيبُ في زَمَنِهِ بَلْ وقَعَ في زَمَنِ (صِدِقْيا) أخِيهِ بَعْدَ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً.

وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ﴾ التَّعْقِيبُ فِيهِ بِحَسَبِ المُعَقَّبِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أماتَهُ في وقْتِ قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ نامَ فَأماتَهُ اللَّهُ في نَوْمِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ حَياةً خاصَّةً رُدَّتْ بِها رُوحُهُ إلى جَسَدِهِ؛ لِأنَّ جَسَدَهُ لَمْ يَبْلَ كَسائِرِ الأنْبِياءِ، وهَذا بَعْثٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ وهو غَيْرُ بَعْثِ الحَشْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ اعْتَقَدَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ أوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ تَذَكَّرَ أنَّهُ نامَ في أوَّلِ النَّهارِ ووَجَدَ الوَقْتَ الَّذِي أفاقَ فِيهِ آخِرَ النَّهارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ والأمْرُ بِالنَّظَرِ أمْرٌ لِلِاعْتِبارِ أيْ فانْظُرْهُ في حالِ أنَّهُ لَمْ يَتَسَنَّهْ، والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ كانا مَعَهُ حِينَ أُمِيتَ أوْ كانا مَوْضُوعَيْنِ في قَبْرِهِ إذا كانَ مِن أُمَّةٍ أوْ في بَلَدٍ يَضَعُونَ الطَّعامَ لِلْمَوْتى المُكَرَّمِينَ كَما يَفْعَلُ المِصْرِيُّونَ القُدَماءُ، أوْ كانَ مَعَهُ طَعامٌ حِينَ خَرَجَ فَأماتَهُ اللَّهُ في نَوْمِهِ كَما قِيلَ ذَلِكَ.

صفحة ٣٧

ومَعْنى ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّنَةِ؛ لِأنَّ مَرَّ السِّنِينَ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ وهو مِثْلُ تَحَجُّرِ الطِّينِ، والهاءُ أصْلِيَّةٌ لا هاءُ سَكْتٍ، ورُبَّما عامَلُوا هاءَ (سَنَةٍ) مُعامَلَةَ التّاءِ في الِاشْتِقاقِ فَقالُوا: أسْنَتَ فُلانٌ: إذا أصابَتْهُ سَنَةٌ أيْ مَجاعَةٌ، قالَ مَطْرُودٌ الخُزاعِيُّ، أوِ ابْنُ الزِّبَعْرى:

عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ قَوْمٍ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينِ عِجافِ

وقَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كانَ حِمارُهُ قَدْ بَلِيَ، فَلَمْ تَبْقَ إلّا عِظامُهُ فَأحْياهُ اللَّهُ أمامَهُ، ولَمْ يُؤْتِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ بِذِكْرِ الحالَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ الِاعْتِبارِ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّظَرِ إلَيْهِ كافٍ، فَإنَّهُ رَآهُ عِظامًا ثُمَّ رَآهُ حَيًّا، ولَعَلَّهُ هَلَكَ فَبَقِيَ بِتِلْكَ السّاحَةِ الَّتِي كانَ فِيها حِزْقِيالُ بَعِيدًا عَنِ العُمْرانِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أنْواعَ الإحْياءِ إذْ أحْيا جَسَدَهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ عَنْ غَيْرِ إعادَةٍ، وأحْيا طَعامَهُ بِحِفْظِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ وأحْيا حِمارَهُ بِالإعادَةِ فَكانَ آيَةً عَظِيمَةً لِلنّاسِ المُوقِنِينَ بِذَلِكَ، ولَعَلَّ اللَّهَ أطْلَعَ عَلى ذَلِكَ الأحْياءَ - بَعْضَ الأحْياءِ - مِن أصْفِيائِهِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فَإنَّ الأمْرَ فِيهِ لِلِاعْتِبارِ لِأنَّهُ ناظِرٌ إلى ذَلِكَ لا مَحالَةَ، والمَقْصُودُ اعْتِبارُهُ في اسْتِبْعادِهِ أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ القَرْيَةَ بَعْدَ مَوْتِها، فَكانَ مِن قُوَّةِ الكَلامِ: انْظُرْ إلى ما ذُكِرَ، جَعَلْناهُ آيَةً لَكَ عَلى البَعْثِ وجَعَلْناكَ آيَةً لِلنّاسِ لِأنَّهم لَمْ يَرَوْا طَعامَهُ وشَرابَهُ وحِمارَهُ، ولَكِنْ رَأوْا ذاتَهُ وتَحَقَّقُوهُ بِصِفاتِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها﴾، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عِظامُ بَعْضِ الآدَمِيِّينَ الَّذِينَ هَلَكُوا، أوْ أرادَ عِظامَ الحِمارِ فَتَكُونَ ”ال“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلى العِظامِ﴾ في قُوَّةِ البَدَلِ مِن حِمارِكَ إلّا أنَّهُ بَرَزَ فِيهِ العامِلُ المَنَوِيُّ تَكْرِيرُهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ (نُنْشِرُها) بِالرّاءِ، مُضارِعُ (أنْشَرَ) الرُّباعِيِّ بِمَعْنى الإحْياءِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ نُنْشِزُها بِالزّايِ، مُضارِعُ (أنْشَزَ) إذا رَفَعَهُ، والنَّشْزُ الِارْتِفاعُ، والمُرادُ ارْتِفاعُها حِينَ تَغْلُظُ بِإحاطَةِ العَصَبِ واللَّحْمِ والدَّمِ بِها، فَحَصَلَ مِنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنَيانِ لِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وفي كِتابِ حِزْقِيالَ: ”فَتَقارَبَتِ العِظامُ، كُلُّ عَظْمٍ إلى عَظْمِهِ، ونَظَرْتُ وإذا بِالعَصَبِ واللَّحْمِ كَساها وبُسِطَ الجِلْدُ عَلَيْها“ .

صفحة ٣٨

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْلَمُ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (عَلِمَ) فَيَكُونُ جَوابَ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ الآيَةَ، وجاءَ بِالمُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى ما في كَلامِ هَذا النَّبِيءِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَهُ مِن قَبْلُ، وتَجَدَّدَ عَلِمُهُ إيّاهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ لَكِنَّهُ تُرِكَ عَطْفُهُ لِأنَّهُ جُعِلَ كالنَّتِيجَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ الآيَةَ.

2:260Page 44

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فَهو مِثالٌ ثالِثٌ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] الآيَةَ، ومِثالٌ ثانٍ لِقَضِيَّةِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فالتَّقْدِيرُ: أوْ هو كَإبْراهِيمَ إذْ قالَ رَبِّ أرِنِي، إلخ، فَإنَّ إبْراهِيمَ لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ الوُصُولَ إلى مَرْتَبَةِ المُعايَنَةِ في دَلِيلِ البَعْثِ رامَ الِانْتِقالَ مِنَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ البُرْهانِيِّ إلى العِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى بِالمَحْسُوسِ.

وانْتَصَبَ (كَيْفَ) هُنا عَلى الحالِ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاسْتِفْهامِ، كانْتِصابِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] .

وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ الواوُ فِيهِ واوُ الحالِ، والهَمْزَةُ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وعامِلُ الحالِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أرِنِي، والتَّقْدِيرُ: أأُرِيكَ في حالِ أنَّكَ لَمْ تُؤْمِن، وهو تَقْرِيرٌ مَجازِيٌّ مُرادٌ بِهِ لَفْتُ عَقْلِهِ إلى دَفْعِ هَواجِسِ الشَّكِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ كَلامٌ صَدَرَ عَنِ اخْتِبارِهِ يَقِينَهُ وإلْفائِهِ سالِمًا مِنَ الشَّكِّ.

صفحة ٣٩

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ مَعْناهُ: لِيَثْبُتَ ويَتَحَقَّقَ عِلْمِي ويَنْتَقِلَ مِن مُعالَجَةِ الفِكْرِ والنَّظَرِ إلى بَساطَةِ الضَّرُورَةِ بِيَقِينِ المُشاهَدَةِ، وانْكِشافِ المَعْلُومِ انْكِشافًا لا يَحْتاجُ إلى مُعاوَدَةِ الِاسْتِدْلالِ ودَفْعِ الشُّبَهِ عَنِ العَقْلِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ (يَطَمْئِنُ) يَسْكُنُ، ومَصْدَرُهُ الِاطْمِئْنانُ، واسْمُ المَصْدَرِ الطُّمَأْنِينَةُ، فَهو حَقِيقَةٌ في سُكُونِ الأجْسامِ، وإطْلاقُهُ عَلى اسْتِقْرارِ العِلْمِ في النَّفْسِ وانْتِفاءِ مُعالَجَةِ الِاسْتِدْلالِ أصْلُهُ مَجازٌ بِتَشْبِيهِ التَّرَدُّدِ وعِلاجِ الِاسْتِدْلالِ بِالِاضْطِرابِ والحَرَكَةِ، وشاعَ ذَلِكَ المَجازُ حَتّى صارَ مُساوِيًا لِلْحَقِيقَةِ يُقالُ: اطْمَأنَّ بالُهُ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ.

والأظْهَرُ أنَّ (اطْمَأنَّ) وزْنُهُ (افْعَلَلَّ) وأنَّهُ لا قَلْبَ فِيهِ، فالهَمْزَةُ فِيهِ هي لامُ الكَلِمَةِ، والمِيمُ عَيْنُ الكَلِمَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرٍو، وهو البَيِّنُ إذْ لا داعِيَ إلى القَلْبِ، فَإنَّ وُقُوعَ الهَمْزَةِ لامًا أكْثَرُ وأخَفُّ مِن وُقُوعِها عَيْنًا، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ (اطْمَأنَّ) مَقْلُوبٌ، وأصْلُهُ (اطْأمَنَّ) وقَدْ سُمِعَ طَمْأنْتُهُ وطَأْمَنتُهُ، وأكْثَرُ الِاسْتِعْمالِ عَلى تَقْدِيمِ المِيمِ عَلى الهَمْزَةِ، والَّذِي أوْجَبَ الخِلافَ عَدَمُ سَماعِ المُجَرَّدِ مِنهُ؛ إذْ لَمْ يُسْمَعْ (طَمَنَ) .

والقَلْبُ مُرادٌ بِهِ العِلْمُ إذِ القَلْبُ لا يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّكِّ ولا يَتَحَرَّكُ عِنْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ وإنَّما ذَلِكَ لِلْفِكْرِ، وأرادَ بِالِاطْمِئْنانِ العِلْمَ المَحْسُوسَ وانْشِراحَ النَّفْسِ بِهِ وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ عَلى طَرِيقَةٍ يَرى بِها إحْياءَ المَوْتى رَأْيَ العَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الطَّيْرَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ مُرادِفًا لِطائِرٍ، فَإنَّهُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ وأصْلُها وصْفٌ فَأصْلُها الوَحْدَةُ، ولا شَكَّ في هَذا الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيِّ وقُطْرُبٍ ولا وجْهَ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ، ويُطْلَقُ عَلى جَمْعِهِ أيْضًا وهو اسْمُ جَمْعِ (طائِرٍ) كَصَحْبٍ وصاحِبٍ، وذَلِكَ أنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ، والمَصْدَرُ يَجْرِي عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ.

وجِيءَ بِـ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأرْبَعَةَ مُخْتَلِفَةُ الأنْواعِ، والظّاهِرُ أنَّ حِكْمَةَ التَّعَدُّدِ والِاخْتِلافِ زِيادَةٌ في تَحَقُّقِ أنَّ الإحْياءَ لَمْ يَكُنْ أهْوَنَ في بَعْضِ الأنْواعِ دُونَ بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ عُدِّدَتِ الأنْواعُ، ولَعَلَّ جَعْلَها أرْبَعَةً لِيَكُونَ وضْعُها عَلى الجِهاتِ الأرْبَعِ: المَشْرِقِ والمَغْرِبِ والجَنُوبِ والشَّمالِ لِئَلّا يَظُنَّ لِبَعْضِ الجِهاتِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِتَأتِّي الإحْياءِ، ويَجُوزُ أنَّ المُرادَ بِالأرْبَعَةِ أرْبَعَةُ أجْزاءٍ مِن طَيْرٍ واحِدٍ فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى طَيْرٍ

صفحة ٤٠

حاضِرٍ، أيْ: خُذْ أرْبَعَةً مِن أجْزائِهِ ثُمَّ ادْعُهُنَّ. والسَّعْيُ مِن أنْواعِ المَشْيِ لا مِن أنْواعِ الطَّيَرانِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً عَلى أنَّهُنَّ أُعِيدَتْ إلَيْهِنَّ حَياةٌ مُخالِفَةٌ لِلْحَياةِ السّابِقَةِ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّهُنَّ لَمْ يَمُتْنَ تَمامًا.

وذِكْرُ ”كُلِّ جَبَلٍ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِجَعْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الطَّيْرِ عَلى جَبَلٍ؛ لِأنَّ وضْعَها عَلى الجِبالِ تَقْوِيَةٌ لِتَفَرُّقِ تِلْكَ الأجْزاءِ، فَإنَّها فُرِّقَتْ بِالفَصْلِ مِن أجْسادِها وبِوَضْعِها في أمْكِنَةٍ مُتَباعِدَةٍ وعَسِرَةِ التَّناوُلِ.

والجَبَلُ قِطْعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتُ حِجارَةٍ وتُرابٍ، ناتِئَةٌ تِلْكَ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ، وفي الأرْضِ جِبالٌ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةُ الِارْتِفاعِ، وفي بَعْضِها مَساكِنُ لِلْبَشَرِ مِثْلُ جِبالِ طَيِّئٍ، وبَعْضُها تَعْتَصِمُ بِهِ النّاسُ مِنَ العَدُوِّ؛ كَما قالَ السَّمَوْألُ:

لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مِن نُجِيرُهُ مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وهو كَلَيْلُ

ومَعْنى (صُرْهُنَّ) أدْنِهِنَّ أوْ: أيْلِهِنَّ. يُقالُ: صارَهُ يَصُورُهُ ويَصِيرُهُ بِمَعْنًى، وهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ عَلى الأصَحِّ. وقِيلَ: مُعَرَّبٌ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ نَبَطِيٌّ، وعَنْ قَتادَةَ هو حَبَشِيٌّ، وعَنْ وهْبٍ هو رُومِيٌّ، وفائِدَةُ الأمْرِ بِإدْنائِها أنْ يَتَأمَّلَ أحْوالَها، حَتّى يَعْلَمَ بَعْدَ إحْيائِها أنَّها لَمْ يَنْتَقِلْ جُزْءٌ مِنها عَنْ مَوْضِعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”جُزْءًا“ لِأنَّ تَجْزِئَتَهُنَّ إنَّما تَقَعُ بَعْدَ الذَّبْحِ، فالتَّقْدِيرُ فاذْبَحْهُنَّ ثُمَّ اجْعَلْ. إلخ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الرّاءِ، مَن صارَهُ يَصُورُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ ﴿فَصِرْهُنَّ﴾ بِكَسْرِ الصّادِ مَن صارَ يَصِيرُ. لُغَةٌ في هَذا الفِعْلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ جُزْءًا بِسُكُونِ الزّايِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الزّايِ، وهُما لُغَتانِ.

2:261–262Page 44

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١

The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢

Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

صفحة ٤١

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

عَوْدٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا المَثَلُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ. يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ الِاسْتِشْرافَ لِما يَلْقاهُ المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ أنْ أعْقَبَ بِدَلائِلَ ومَواعِظَ وعِبَرٍ، وقَدْ تَهَيَّأتْ نُفُوسُ السّامِعِينَ إلى التَّمَحُّضِ لِهَذا فَأُطِيلَ الكَلامُ فِيهِ إطالَةً تُناسِبُ أهَمِّيَّتَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَشْبِيهُ حالِ جَزائِهِمْ وبَرَكَتِهِمْ، والصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المُرادَ خُصُوصُ حالِ إنْفاقِهِمْ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ“ وقَدْ شُبِّهَ حالُ إعْطاءِ النَّفَقَةِ ومُصادَفَتُها مَوْقِعَها وما أُعْطِيَ مِنَ الثَّوابِ لَهم بِحالِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ إلخ، أيْ زُرِعَتْ في أرْضٍ نَقِيَّةٍ وتُرابٍ طَيِّبٍ وأصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، وحُذِفَ ذَلِكَ كُلُّهُ إيجازًا؛ لِظُهُورِ أنَّ الحَبَّةَ لا تُنْبِتُ ذَلِكَ إلّا كَذَلِكَ، فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والمُشَبَّهُ بِهِ هَيْأةٌ مَعْلُومَةٌ، وجُعِلَ أصْلُ التَّمْثِيلِ في التَّضْعِيفِ حَبًّا لِأنَّ تَضْعِيفَها مِن ذاتِها لا بِشَيْءٍ يُزادُ عَلَيْها، وقَدْ شاعَ تَشْبِيهُ المَعْرُوفِ بِالزَّرْعِ وتَشْبِيهُ السّاعِي بِالزّارِعِ، وفي المَثَلِ: (رُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ وزارِعٍ غَيْرِ حاصِدٍ) ولَمّا كانَتِ المُضاعَفَةُ تُنْسَبُ إلى أصْلِ وحْدَةٍ، فَأصْلُ الوَحْدَةِ هُنا هي ما يُثِيبُ اللَّهُ بِهِ عَلى الحَسَناتِ الصَّغِيرَةِ، أيْ: ما يَقَعُ ثَوابًا عَلى أقَلِّ الحَسَناتِ كَمَنَ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، فَإنَّهُ في حَسَنَةِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ.

قالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أرادَ

صفحة ٤٢

الخُرُوجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَثَّ النّاسَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ الجَيْشُ يَوْمَئِذَ بِحاجَةٍ إلى الجِهازِ، وهو جَيْشُ العُسْرَةِ، فَجاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ. فَجَهَّزَ الجَيْشَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها. وقِيلَ: جاءَ بِألْفِ دِينارٍ ذَهَبًا فَصَبَّها في حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنَّ المُضاعَفَةَ دَرَجاتٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلى أحْوالِ المُتَصَدِّقِ وأحْوالِ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وأوْقاتِ ذَلِكَ وأماكِنِهِ، ولِلْإخْلاصِ وقَصْدِ الِامْتِثالِ ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لِلنّاسِ والإيثارِ عَلى النَّفْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحُفُّ بِالصَّدَقَةِ والإنْفاقِ تَأْثِيرٌ في تَضْعِيفِ الأجْرِ ”واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ“ .

وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ جاءَ في عَطْفِهِ بِـ (ثُمَّ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُعْطَفَ بِالواوِ، قالَ في الكَشّافِ: لِإظْهارِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ. يَعْنِي أنَّ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرَّئِيسِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ تَرْفِيعًا لِرُتْبَةِ تَرْكِ المَنِّ والأذى عَلى رُتْبَةِ الصَّدَقَةِ، لِأنَّ العَطاءَ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ كَرَمِ النَّفْسِ وحُبِّ المَحْمَدَةِ؛ فَلِلنُّفُوسِ حَظٌّ فِيهِ مَعَ حَظِّ المُعْطى، بِخِلافِ تَرْكِ المَنِّ والأذى فَلا حَظَّ فِيهِ لِنَفْسِ المُعْطِي، إذْ شُبِّهُ حُصُولُ الشَّيْءِ المُهِمِّ في عِزَّةِ حُصُولِهِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ المُتَأخِّرِ زَمَنُهُ، وكَأنَّ الَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى هَذا أنَّهُ رَأى مَعْنى المُهْلَةِ هُنا غَيْرَ مُرادٍ؛ لِأنَّ المُرادَ حُصُولُ الإنْفاقِ وتَرْكُ المَنِّ مَعًا.

والمَنُّ أصْلُهُ الإنْعامُ والفَضْلُ، يُقالُ: مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى عَدِّ الإنْعامِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وهو إذا ذُكِرَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ والعَطاءِ تَعَيَّنَ لِلْمَعْنى الثّانِي.

وإنَّما يَكُونُ المَنُّ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالتَّطاوُلِ عَلى المُسْلِمِينَ والرِّياءِ بِالإنْفاقِ، وبِالتَّطاوُلِ عَلى المُجاهِدِينَ الَّذِينَ يُجَهِّزُهم أوْ يَحْمِلُهم، ولَيْسَ مِنَ المَنِّ التَّمَدُّحُ بِمَواقِفِ المُجاهِدِ في الجِهادِ أوْ بِمَواقِفِ قَوْمِهِ، فَقَدْ قالَ الحُرَيْشُ بْنُ هِلالٍ القُرَيْعِيُّ يَذْكُرُ خَيْلَهُ في غَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ ويَوْمَ حُنَيْنٍ:

صفحة ٤٣

شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مَسُوَّماتٍ حُنَيْنًا وهْيَ دامِيَةُ الحَوامِي

ووَقْعَةَ خالِدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ ∗∗∗ سَنابِكَها عَلى البَلَدِ الحَرامِ

وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ يَتَمَدَّحُ بِمَواقِعِ قَوْمِهِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ:

حَتّى إذا قالَ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ∗∗∗ أبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وفَيْتُمْ فارْجِعُوا

عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا

والأذى هو أنْ يُؤْذِيَ المُنافِقُ مَن أنْفَقَ عَلَيْهِ بِإساءَةٍ في القَوْلِ أوْ في الفِعْلِ. قالَ النّابِغَةُ:

عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ

فالمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ أنْ يَكُونَ إنْفاقُ المُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُرادًا بِهِ نَصْرُ الدِّينِ ولا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، فَذَلِكَ هو أعْلى دَرَجاتِ الإنْفاقِ وهو المَوْعُودُ عَلَيْهِ بِهَذا الأجْرِ الجَزِيلِ، ودُونَ ذَلِكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَتَفاوَتُ أحْوالُها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском