Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:266–268
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ ضَرْبُ المَثَلِ العَجِيبِ لِلْمُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، ومَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ إلى آخِرِ ما وُصِفَ مِنَ المَثَلَيْنِ، ولَمّا أُتْبِعَ بِما يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِلْمُنْفِقِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى، ثُمَّ أُتْبِعَ بِالنَّهْيِ عَنْ أنْ يُتْبِعُوا صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى - اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُ السّامِعِ لِتَلَقِّي مَثَلٍ لَهم يُوَضِّحُ حالَهُمُ الذَّمِيمَةَ كَما ضُرِبَ المَثَلُ لِمَن كانُوا بِضِدِّ حالِهِمْ في حالَةٍ مَحْمُودَةٍ.
ضَرَبَ اللَّهُ هَذا مَثَلًا لِمُقابِلِ مَثَلِ النَّفَقَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ والتَّصْدِيقِ. وهو نَفَقَةُ الرِّئاءِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو حُصُولُ خَيْبَةٍ ويَأْسٍ في وقْتِ تَمامِ الرَّجاءِ وإشْرافِ الإنْتاجِ، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ
صفحة ٥٤
﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآيَةَ، وقَدْ وصَفَ الجَنَّةَ بِأعْظَمِ ما يَحْسُنُ بِهِ أحْوالُ الجَنّاتِ وما يُرْجى مِنهُ تَوَفُّرُ رَيْعِها، ثُمَّ وصَفَ صاحِبَها بِأقْصى صِفاتِ الحاجَةِ إلى فائِدَةِ جَنَّتِهِ، بِأنَّهُ ذُو عِيالٍ فَهو في حاجَةٍ إلى نَفْعِهِمْ، وأنَّهم ضُعَفاءُ، أيْ صِغارٌ، إذِ الضَّعِيفُ في لِسانِ العَرَبِ هو القاصِرُ، ويُطْلَقُ الضَّعِيفُ عَلى الفَقِيرِ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ أبُو خالِدٍ العَتّابِيُّ:
لَقَدْ زادَ الحَياةَ إلَيَّ حُبًّا بَناتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ
وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَسْبِ غَيْرَ تِلْكَ الجَنَّةِ. فَهَذِهِ أشَدُّ أحْوالِ الحِرْصِ كَقَوْلِ الأعْشى:
كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ فَحَصَلَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ الحالَةِ أعْظَمُ التَّرَقُّبِ لِثَمَرَةِ هَذِهِ الجَنَّةِ كَما كانَ المُعْطِي صَدَقَتَهُ في تَرَقُّبٍ لِثَوابِها.
”فَأصابَها إعْصارٌ“ أيْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَقْلَعُ الشَّجَرَ والنَّباتَ، فِيها نارٌ أيْ شِدَّةُ حَرارَةٍ، وهي المُسَمّاةُ بِرِيحِ السَّمُومِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ نارٍ عَلى شِدَّةِ الحَرِّ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، فَأحْرَقَتِ الجَنَّةَ (أيْ أشْجارَها) أيْ صارَتْ أعْوادُها يابِسَةً، فَهَذا مُفاجَأةُ الخَيْبَةِ في حِينِ رَجاءِ المَنفَعَةِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”أيَوَدُّ“ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَحْذِيرٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مَحْذُوفَةٌ وهي هَيْئَةُ المُنْفِقِ نَفَقَةً مُتْبَعَةً بِالمَنِّ والأذى.
رَوى البُخارِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ يَوْمًا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: اللَّهُ أعْلَمُ. فَغَضِبَ عُمَرُ وقالَ: (قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ) . فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ) . فَقالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي قُلْ ولا تَحْقِرْ نَفْسَكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: (أيُّ عَمَلٍ) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ. قالَ: صَدَقْتَ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ شَيْطانًا لَمّا فَنِيَ عُمْرُهُ فَعَمِلَ في المَعاصِي حَتّى أحْرَقَ عَمَلَهُ.
صفحة ٥٥
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ تَذْيِيلٌ؛ أيْ كَهَذا البَيانِ الَّذِي فِيهِ تَقْرِيبُ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ بَيَّنَ اللَّهُ نُصْحًا لَكم، رَجاءَ تَفَكُّرِكم في العَواقِبِ حَتّى لا تَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ نَحْوُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجَنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيُّ حَمِيدٌ﴾ .
إفْضاءٌ إلى المَقْصُودِ وهو الأمْرُ بِالصَّدَقاتِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَواعِظُ وتَرْغِيبٌ وتَحْذِيرٌ، وهو طَرِيقَةٌ بَلاغِيَّةٌ في الخَطابَةِ والخِطابِ، فَرُبَّما قَدَّمُوا المَطْلُوبَ ثُمَّ جاءُوا بِما يُكْسِبُهُ قَبُولًا عِنْدَ السّامِعِينَ، ورُبَّما قَدَّمُوا ما يُكْسِبُ القَبُولَ قَبْلَ المَقْصُودِ كَما هُنا، وهَذا مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ الجُمَلِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَ النّاسِ التَّرْغِيبُ في الصَّدَقَةِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في نُزُولِ القُرْآنِ فَصارَ غَرَضًا دِينِيًّا مَشْهُورًا، وكانَ الِاهْتِمامُ بِإيضاحِهِ والتَّرْغِيبُ في أحْوالِهِ والتَّنْفِيرُ مِن نَقائِصِهِ أجْدَرَ بِالبَيانِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ عَلِيٍّ في خُطْبَتِهِ الَّتِي خَطَبَها حِينَ دَخَلَ سُفْيانُ الغامِدِيُّ - أحَدَ قُوّادِ أهْلِ الشّامِ - بَلَدَ الأنْبارِ - وهي مِنَ البِلادِ المُطِيعَةِ لِلْخَلِيفَةِ عَلِيٍّ - وقَتَلُوا عامِلَها حَسّانَ بْنَ حَسّانَ البَكْرِيَّ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ مَن تَرَكَ الجِهادَ رَغْبَةً عَنْهُ ألْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وشَمِلَهُ البَلاءُ، ودُيِّثَ بِالصَّغارِ، وضُرِبَ عَلى قَلْبِهِ، وسِيمَ الخَسْفَ، ومُنِعَ النَّصَفَ، ألا وإنِّي قَدْ دَعَوْتُكم إلى قِتالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لَيْلًا ونَهارًا وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهم قَبْلَ أنْ يَغْزُوكم، فَواللَّهِ ما غُزِيَ قَوْمٌ في عُقْرِ دارِهِمْ إلّا ذُلُّوا، فَتَواكَلْتُمْ، هَذا أخُو غامِدٍ قَدْ ورَدَتْ خَيْلُهُ الأنْبارَ. . . إلخ. وانْظُرْ كَلِمَةَ الجِهادِ في هَذِهِ الخُطْبَةِ فَلَعَلَّ أصْلَها القِتالُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إلى قِتالِ هَؤُلاءِ. فَحَرَّفَها قاصِدٌ أوْ غافِلٌ، ولا إخالُها تَصْدُرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
صفحة ٥٦
والأمْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، فَتَكُونَ الآيَةُ في الأمْرِ بِالزَّكاةِ، أوْ لِلنَّدَبِ، فَهي في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أوْ هو لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ في الطَّلَبِ فَتَشْمَلُ الزَّكاةَ وصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، والأدِلَّةُ الأُخْرى تُبَيِّنُ حُكْمَ كُلٍّ، والقَيْدُ بِالطَّيِّباتِ يُناسِبُ تَعْمِيمَ النَّفَقاتِ.
والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ خِيارُ الأمْوالِ، فَيُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلى الأحْسَنِ في صِنْفِهِ، والكَسْبُ ما يَنالُهُ المَرْءُ بِسَعْيِهِ كالتِّجارَةِ والغَنِيمَةِ والصَّيْدِ، ويُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلى المالِ المُكْتَسَبِ بِوَجْهٍ حَلالٍ لا يُخالِطُهُ ظُلْمٌ ولا غِشٌّ، وهو الطَّيِّبُ عِنْدَ اللَّهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طِيبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ» الحَدِيثَ، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا» . ولَمْ يَذْكُرِ الطَّيِّباتِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ اكْتِفاءً بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَسِيمِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِالطَّيِّباتِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخْرَجْنا لَكُمْ﴾ أشْعَرَ بِأنَّهُ مِمّا اكْتَسَبَهُ المَرْءُ بِعَمَلِهِ بِالحَرْثِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ الأمْوالَ الخَبِيثَةَ تُحَصَّلُ غالِبًا مِن ظُلْمِ النّاسِ أوِ التَّحَيُّلِ عَلَيْهِمْ وغِشِّهِمْ وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الثَّمَراتِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنَ الأرْضِ غالِبًا.
والمُرادُ بِما أُخْرِجَ مِنَ الأرْضِ الزُّرُوعُ والثِّمارُ، فَمِنهُ ما يَخْرُجُ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ ما يُعالَجُ بِأسْبابِهِ كالسَّقْيِ لِلشَّجَرِ والزَّرْعِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ اللَّهُ بِما أوْجَدَ مِنَ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَدَّ المَعادِنَ داخِلَةً في ﴿مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ وتَجِبُ عَلى المَعْدِنِ الزَّكاةُ عِنْدَ مالِكٍ إذا بَلَغَ مِقْدارَ النِّصابِ، وفِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، وهو مِنَ الأمْوالِ المَفْرُوضَةِ ولَيْسَ بِزَكاةٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولِذَلِكَ قالَ: فِيهِ الخُمُسُ، وبَعْضُهم عَدَّ الرِّكازَ داخِلًا فِيما أُخْرِجَ مِنَ الأرْضِ ولَكِنَّهُ يُخَمَّسُ، وأُلْحِقَ في الحُكْمِ بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ (ما كَسَبْتُمُ) الأمْوالُ المُزَكّاةُ مِنَ العَيْنِ والماشِيَةِ، وبِالمُخْرَجِ مِنَ الأرْضِ الحُبُوبُ والثِّمارُ المُزَكّاةُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ أصْلُ (تَيَمَّمُوا) تَتَيَمَّمُوا، حُذِفَتْ تاءُ المُضارَعَةِ في المُضارِعِ وتَيَمَّمَ بِمَعْنى قَصَدَ وعَمَدَ.
والخَبِيثُ: الشَّدِيدُ سُوءًا في صِنْفِهِ؛ فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الحَرامِ وعَلى المُسْتَقْذَرِ. قالَ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو الضِّدُّ الأقْصى لِلطَّيِّبِ، فَلا يُطْلَقُ عَلى الرَّدِيءِ إلّا عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، ووُقُوعُ لَفْظِهِ في سِياقِ النَّهْيِ يُفِيدُ عُمُومَ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ.
صفحة ٥٧
وجُمْلَةُ ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ والجارُّ والمَجْرُورُ لِلْحالِ قُدِّما عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ لا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ في حالِ ألّا تُنْفِقُوا إلّا مِنهُ، لِأنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ أنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِن خُصُوصِ رَدِيءِ مالِهِ، أمّا إخْراجُهُ مِنَ الجَيِّدِ ومِنَ الرَّدِيءِ فَلَيْسَ بِمَنهِيٍّ لاسِيَّما في الزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ كُلِّ ما هو عِنْدَهُ مِن نَوْعِهِ، وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ في البُيُوعِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أرْسَلَ عامِلًا عَلى صَدَقاتِ خَيْبَرَ فَأتاهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقالَ لَهُ: أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا ؟ قالَ: لا، ولَكِنِّي أبِيعُ الصّاعَيْنِ مِنَ الجَمْعِ بِصاعٍ مِن جَنِيبٍ. فَقالَ لَهُ: بِعِ الجَمْعَ بِالدَّراهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا» . فَدَلَّ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مَن كُلِّ نِصابٍ مِن نَوْعِهِ، ولَكِنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ أنْ يَخُصَّ الصَّدَقَةَ بِالأصْنافِ الرَّدِيئَةِ، وأمّا في الحَيَوانِ فَيُؤْخَذُ الوَسَطُ لِتَعَذُّرِ التَّنْوِيعِ غالِبًا إلّا إذا أكْثَرَ عَدَدَهُ فَلا إشْكالَ في تَقْدِيرِ الظَّرْفِ هُنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَيَمَّمُوا“ بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ وصْلًا وابْتِداءً، أصْلُهُ تَتَيَمَّمُوا. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ في الوَصْلِ عَلى اعْتِبارِ الإدْغامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ ”تُنْفِقُونَ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الإخْبارِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الحالِ تَعْلِيلًا لِنَهْيِهِمْ عَنِ الإنْفاقِ مِنَ المالِ الخَبِيثِ شَرْعًا بِقِياسِ الإنْفاقِ مِنهُ عَلى اكْتِسابِهِ قِياسَ مُساواةٍ، أيْ كَما تَكْرَهُونَ كَسْبَهُ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكْرَهُوا إعْطاءَهُ، وكَأنَّ كَراهِيَةَ كَسْبِهِ كانَتْ مَعْلُومَةً لَدَيْهِمْ مُتَقَرِّرَةً في نُفُوسِهِمْ، ولِذَلِكَ وقَعَ القِياسُ عَلَيْها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُسْتَعْمَلًا في النَّهْيِ عَنْ أخْذِ المالِ الخَبِيثِ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُنْصَرِفًا إلى غَرَضٍ ثانٍ وهو النَّهْيُ عَنْ أخْذِ المالِ الخَبِيثِ والمَعْنى: لا تَأْخُذُوهُ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هو مُقْتَضٍ تَحْرِيمَ أخْذِ المالِ المَعْلُومَةِ حُرْمَتُهُ عَلى مَن هو بِيَدِهِ ولا يُحِلُّهُ انْتِقالُهُ إلى غَيْرِهِ.
والإغْماضُ إطْباقُ الجَفْنِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى لازِمِ ذَلِكَ، فَيُطْلَقُ تارَةً عَلى الهَناءِ والِاسْتِراحَةِ لِأنَّ مِن لَوازِمِ الإغْماضِ راحَةَ النّائِمِ. قالَ الأعْشى:
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي جَفْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا
صفحة ٥٨
أرادَ فاهْنَئِي.
ويُطْلَقُ تارَةً عَلى لازَمِهِ مِن عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فَيَدُلُّ عَلى التَّسامُحِ في الأمْرِ المَكْرُوهِ كَقَوْلِ الطِّرِمّاحِ:
لَمْ يَفُتْنا بِالوِتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّيْ ∗∗∗ مِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ
فَإذا أرادُوا المُبالَغَةَ في التَّغافُلِ عَنِ المَكْرُوهِ قالُوا: أغْمَضَ عَيْنَهُ عَلى قَذًى، وذَلِكَ لِأنَّ إغْماضَ الجَفْنِ مَعَ وُجُودِ القَذى في العَيْنِ، لِقَصْدِ الرّاحَةِ مِن تَحَرُّكِ القَذى. قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ زُرارَةَ الكَلّائِيُّ:
وأغْمَضْتُ العُيُونَ عَلى قَذاها ∗∗∗ ولَمْ أسْمَعْ إلى قالٍ وقِيلِ
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن جَعْلِ الكَلامِ إخْبارًا هو تَقْيِيدٌ لِلنَّفْيِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن جَعْلِ النَّفْيِ بِمَعْنى النَّهْيِ فَهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ أما لا تَأْخُذُوهُ إلّا إذا تَغاضَيْتُمْ عَنِ النَّهْيِ وتَجاهَلْتُمُوهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقاتِكُمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ الفُقَراءَ، أوِ الَّتِي فِيها اسْتِساغَةُ الحَرامِ، حَمِيدٌ، أيْ: شاكِرٌ لِمَن تَصَدَّقَ صَدَقَةً طَيِّبَةً، وافْتَتَحَهُ بِـ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أوْ نُزِّلَ المُخاطَبُونَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ الإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ فَأعْطَوْا لِوَجْهِهِ ما يَقْبَلُهُ المُحْتاجُ بِكُلِّ حالٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ يَحْمَدُ مَن يُعْطِي لِوَجْهِهِ مِن طَيِّبِ الكَسْبِ.
والغَنِيُّ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى ما تَكْثُرُ حاجَةُ غالِبِ النّاسِ إلَيْهِ، ولِلَّهِ الغِنى المُطْلَقُ فَلا يُعْطى لِأجْلِهِ ولِامْتِثالِ أمْرِهِ إلّا خَيْرَ ما يُعْطِيهِ أحَدٌ لِلْغَنِيِّ عَنِ المالِ.
والحَمِيدُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، أيْ: شَدِيدُ الحَمْدِ، لِأنَّهُ يُثْنِي عَلى فاعِلِي الخَيْراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ مَحْمُودٌ، فَيَكُونُ ”حَمِيدٌ“ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ فَتَخَلَّقُوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى كَمالاتٌ، فَكُونُوا أغْنِياءَ القُلُوبِ عَنِ الشُّحِّ مَحْمُودِينَ عَلى صَدَقاتِكم، ولا تُعْطُوا صَدَقاتٍ تُؤْذِنُ بِالشُّحِّ ولا تُشْكَرُونَ عَلَيْها.
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
صفحة ٥٩
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] لِأنَّ الشَّيْطانَ يَصُدُّ النّاسَ عَنْ إعْطاءِ خِيارِ أمْوالِهِمْ، ويُغْرِيهِمْ بِالشُّحِّ أوْ بِإعْطاءِ الرَّدِيءِ والخَبِيثِ، ويُخَوِّفُهم مِنَ الفَقْرِ إنْ أعْطَوْا بَعْضَ مالِهِمْ.
وقَدَّمَ اسْمَ الشَّيْطانِ مُسْنَدًا إلَيْهِ لِأنَّ تَقْدِيمَهُ مُؤْذِنٌ بِذَمِّ الحُكْمِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ وشُؤْمِهِ لِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن هَذا الحُكْمِ، كَما يُقالُ في مِثالِ عِلْمِ المَعانِي: السَّفّاحُ في دارِ صَدِيقِكَ، ولِأنَّ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ وتَحْقِيقَهُ.
ومَعْنى (يَعِدُكم): يُسَوِّلُ لَكم وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ إذا أنْفَقْتُمْ خِيارَ أمْوالِكم، وذَلِكَ بِما يُلْقِيهِ في قُلُوبِ الَّذِينَ تَخَلَّقُوا بِالأخْلاقِ الشَّيْطانِيَّةِ، وسُمِّيَ الإخْبارُ بِحُصُولِ أمْرٍ في المُسْتَقْبَلِ وعْدًا مَجازًا لِأنَّ الوَعْدَ إخْبارٌ بِحُصُولِ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ، ولِذَلِكَ يُقالُ: أنْجَزَ فُلانٌ وعْدَهُ أوْ أخْلَفَ وعْدَهُ، ولا يَقُولُونَ أنْجَزَ خَبَرَهُ، ويَقُولُونَ صَدَقَ خَبَرَهُ وصَدَقَ وعْدَهُ، فالوَعْدُ أخَصُّ مِنَ الخَبَرِ، وبِذَلِكَ يُؤْذِنُ كَلامُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَشَبَّهَ إلْقاءَ الشَّيْطانِ في نُفُوسِهِمْ تَوَقُّعَ الفَقْرِ بِوَعْدٍ مِنهُ بِحُصُولِهِ لا مَحالَةَ، ووَجْهُ الشَّبَهِ ما في الوَعْدِ مِن مَعْنى التَّحَقُّقِ، وحُسْنُ هَذا المَجازِ هُنا مُشاكَلَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ حَقِيقِيٌّ.
ثُمَّ إنَّ كانَ الوَعْدُ يُطْلَقُ عَلى التَّعَهُّدِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، كَما هو كَلامُ القامُوسِ تَبَعًا لِفَصِيحِ ثَعْلَبٍ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ مَجازٌ واحِدٌ، وإنْ كانَ خاصًّا بِالخَيْرِ كَما هو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الأساسِ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ مَجازانِ.
والفَقْرُ شِدَّةُ الحاجَةِ إلى لَوازِمِ الحَياةِ لِقِلَّةِ أوْ فَقْدِ ما يُعاوِضُ بِهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن فِقارِ الظَّهْرِ، فَأصْلُهُ مَصْدَرُ: فَقَرَهُ: إذا كَسَرَ ظَهْرَهُ، جَعَلُوا العاجِزَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْتَطِيعُ أدْنى حَرَكَةٍ؛ لِأنَّ الظَّهْرَ هو مَجْمَعُ الحَرَكاتِ، ومِن هَذا تَسْمِيَتُهُمُ المُصِيبَةَ فاقِرَةً، وقاصِمَةَ الظَّهْرِ، ويُقالُ: فَقْرٌ وفَقَرٌ وفُقْرٌ وفُقُرٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وبِفَتْحَتَيْنِ، وبِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وبِضَمَّتَيْنِ، ويُقالُ رَجُلٌ فَقِيرٌ، ويُقالُ: رَجُلٌ فَقْرٌ، وصْفا بِالمَصْدَرِ.
صفحة ٦٠
والفَحْشاءُ اسْمٌ لِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ شَدِيدِ السُّوءِ، واسْتِحْقاقِ الذَّمِّ عُرْفًا أوْ شَرْعًا، مُشْتَقٌّ مِنَ الفُحْشِ - بِضَمِّ الفاءِ وسُكُونِ الحاءِ - تَجاوُزِ الحَدِّ، وخَصَّهُ الِاسْتِعْمالُ بِالتَّجاوُزِ في القَبِيحِ، أيْ يَأْمُرُكم بِفِعْلٍ قَبِيحٍ، وهَذا ارْتِقاءٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي تَدْعُو إلى الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالفَحْشاءِ البُخْلَ لِأنَّ لَفْظَ الفَحْشاءِ لا يُطْلَقُ عَلى البُخْلِ، وإنْ كانَ البَخِيلُ يُسَمّى فاحِشًا، وإطْلاقُ الأمْرِ عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وتَأْثِيرِ قُوَّتِهِ في النُّفُوسِ مَجازٌ لِأنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ مِن أقْسامِ الكَلامِ، والتَّعْرِيفُ في (الفَحْشاءِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
* * *
﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ لِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ ما تَدْعُو إلَيْهِ وساوِسُ الشَّيْطانِ وما تَدْعُو إلَيْهِ أوامِرُ اللَّهِ تَعالى، والوَعْدُ فِيهِ حَقِيقَةٌ لا مَحالَةَ، والقَوْلُ في تَقْدِيمِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ القَوْلِ في تَقْدِيمِ اسْمِ الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ .
ومَعْنى ”واسِعٌ“: أنَّهُ واسِعُ الفَضْلِ، والوَصْفُ بِالواسِعِ مُشْتَقٌّ مِن (وسِعَ) المُتَعَدِّي: إذا عَمَّ بِالعَطاءِ ونَحْوِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وتَقُولُ العَرَبُ: لا يَسَعُنِي أنْ أفْعَلَ كَذا، أيْ: لا أجِدُ فِيهِ سَعَةً، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ في وصْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ وسِعَ النّاسَ بِشْرُهُ وخُلُقُهُ» فالمَعْنى هُنا وسِعَ النّاسَ والعالَمِينَ بِعَطائِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences