Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:272–274

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:272–274

2:272Page 46

۞ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٢

Not upon you, [O Muḥammad], is [responsibility for] their guidance, but Allāh guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the face [i.e., approval] of Allāh. And whatever you spend of good1 - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مُعْتَرَضٌ بِهِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ ومُناسَبَتُهُ هُنا أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ يَلُوحُ مِن خِلالِها أصْنافٌ مِنَ النّاسِ، مِنهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ يُبْطِلُونَ صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى، ومِنهُمُ الَّذِينَ يَتَيَمَّمُونَ الخَبِيثَ مِنهُ يُنْفِقُونَ، ومِنهم مَن يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ الفَقْرَ ويَأْمُرُهم بِالفَحْشاءِ، وكانَ وُجُودُ هَذِهِ الفِرَقِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَعَقَّبَ اللَّهُ ذَلِكَ بِتَسْكِينِ نَفْسِ رَسُولِهِ والتَّهْوِينِ عَلَيْهِ بِأنْ لَيْسَ عَلَيْهِ هُداهم ولَكِنْ عَلَيْهِ البَلاغُ، فالهُدى هُنا بِمَعْنى الإلْجاءِ لِحُصُولِ الهُدى في قُلُوبِهِمْ، وأمّا الهُدى بِمَعْنى التَّبْلِيغِ والإرْشادِ فَهو عَلى النَّبِيءِ، ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى جَمِيعِ مَن بَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن عَدَمِ الهُدى وأشَدُّهُمُ المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ناسٍ مَعْرُوفِينَ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِأسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أُمٌّ كافِرَةٌ وجَدٌّ كافِرٌ فَأرادَتْ أسْماءُ - عامَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ - أنْ تُواسِيَهُما بِمالٍ، وأنَّهُ أرادَ بَعْضُ الأنْصارِ الصَّدَقَةَ عَلى قَرابَتِهِمْ وأصْهارِهِمْ في بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ، فَنَهى

صفحة ٧٠

النَّبِيءُ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلى الكُفّارِ، إلْجاءً لِأُولَئِكَ الكُفّارِ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآياتِ، أيْ هُدى الكُفّارِ إلى الإسْلامِ، أيْ فَرَخِّصْ لِلْمُسْلِمِينَ الصَّدَقَةَ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ.

فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ لِلْمُخاطَبِ، فَيَكُونُ نُزُولُ الآيَةِ لِذَلِكَ السَّبَبِ ناشِئًا عَنْ نُزُولِ آياتِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ والصَّدَقَةِ، فَتَكُونُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ سَبَبَ السَّبَبِ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

والمَعْنى أنْ لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْدِيَهم بِأكْثَرَ مِنَ الدَّعْوَةِ والإرْشادِ، دُونَ هُداهم بِالفِعْلِ أوِ الإلْجاءِ، إذْ لا هادِيَ لِمَن يُضْلِلُ اللَّهُ، ولَيْسَ مِثْلُ هَذا بِمُيَسَّرٍ لِلْهُدى.

والخِطابُ في ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في مُعادِ ضَمِيرِ (هُداهم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن يَسْمَعُ عَلى الوَجْهِ الآتِي في الضَّمِيرِ إذا اعْتَبَرْنا ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِ النُّزُولِ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ أيُّها المُتَرَدِّدُ في إعْطاءِ قَرِيبِكَ.

و(عَلى) في قَوْلِهِ: (عَلَيْكَ) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ طَلَبِ فِعْلٍ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ. والمَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِواجِبٍ عَلى الرَّسُولِ، فَلا يَحْزَنُ عَلى عَدَمِ حُصُولِ هُداهم لِأنَّهُ أدّى واجِبَ التَّبْلِيغِ، أوِ المَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِواجِبٍ عَلَيْكم أيُّها المُعالِجِينَ لِإسْلامِهِمْ بِالحِرْمانِ مِنَ الإنْفاقِ حَتّى تَسْعَوْا إلى هُداهم بِطُرُقِ الإلْجاءِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وهو ”عَلَيْكَ“ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ”هُداهم“ إذا أُجْرِيَ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي مِن أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ الَّذِي حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ وكانَ ذَلِكَ في الإثْباتِ بَيِّنًا لا غُبارَ عَلَيْهِ نَحْوَ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وقَوْلِهِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] - فَهو إذا وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيمُ في صُورَةِ الإثْباتِ مُفِيدًا لِلْحَصْرِ اقْتَضى أنَّهُ إذا نُفِيَ فَقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ الِانْحِصارُ، لِأنَّ الجُمْلَةَ المُكَيَّفَةَ بِالقَصْرِ في حالَةِ الإثْباتِ هي جُمْلَةٌ مُقَيَّدَةٌ نِسْبَتُها بِقَيْدِ الِانْحِصارِ؛ أيْ بِقَيْدِ انْحِصارِ مَوْضُوعِها في مَعْنى مَحْمُولِها، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها النَّفْيُ كانَ مُقْتَضِيًا نَفْيَ النِّسْبَةِ المُقَيَّدَةِ أيْ نَفْيَ ذَلِكَ الِانْحِصارِ، لِأنَّ شَأْنَ النَّفْيِ إذا تَوَجَّهَ إلى كَلامٍ مُقَيَّدٍ أنْ يَنْصَبَّ عَلى ذَلِكَ القَيْدِ.

صفحة ٧١

لَكِنَّ أئِمَّةَ الفَنِّ حِينَ ذَكَرُوا أمْثِلَةَ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ سَوَّوْا فِيها بَيْنَ الإثْباتِ - كَما ذَكَرْنا - وبَيْنَ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] فَقَدْ مَثَّلَ بِهِ في الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] فَقالَ: قَصَدَ تَفْضِيلَ خَمْرِ الجَنَّةِ عَلى خُمُورِ الدُّنْيا، وقالَ السَّيِّدُ في شَرْحِهِ هُنالِكَ: عُدَّ قَصْرًا لِلْمَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ؛ أيِ الغَوْلُ مَقْصُورٌ عَلى عَدَمِ الحُصُولِ في خُمُورِ الجَنَّةِ لا يَتَعَدّاهُ إلى عَدَمِ الحُصُولِ فِيما يُقابِلُها، أوْ عَدَمُ الغُولِ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ فِيها لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ في هَذِهِ الخُمُورِ.

وقَدْ أحَلْتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] عَلى هَذِهِ الآيَةِ هُنا، فَبِنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَةَ القَصْرِ بِالتَّقْدِيمِ في النَّفْيِ، وهي أنَّ القَصْرَ لَمّا كانَ كَيْفِيَّةً عارِضَةً لِلتَّرْكِيبِ ولَمْ يَكُنْ قَيْدًا لَفْظِيًّا بِحَيْثُ يَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلَيْهِ كانَتْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ مُسْتَصْحَبَةً مَعَ النَّفْيِ، فَنَحْوُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] يُفِيدُ قَصْرَ الغَوْلِ عَلى الِانْتِفاءِ عَنْ خُمُورِ الدُّنْيا ولا يُفِيدُ نَفْيَ قَصْرِ الغَوْلِ عَلى الكَوْنِ في خُمُورِ الجَنَّةِ، وإلى هَذا أشارَ السَّيِّدُ في شَرْحِ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] إذْ قالَ: وبِالجُمْلَةِ يُجْعَلُ حَرْفُ النَّفْيِ جُزْءًا أوْ حَرْفًا مِن حُرُوفِ المُسْنَدِ أوِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وعَلى هَذا بَنى صاحِبُ الكَشّافِ؛ فَجَعَلَ وجْهَ أنْ لَمْ يُقَدَّمِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] كَما قُدِّمَ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] لِأنَّهُ لَوْ أُوِّلَ لَقُصِدَ أنَّ كِتابًا آخَرَ فِيهِ الرَّيْبُ، لا في القُرْآنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ.

فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ إذا أُجْرِيَ عَلى هَذا المِنوالِ كانَ مُفادُهُ: هُداهم مَقْصُورٌ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِهِ عَلَيْكَ، فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِفادَةُ إبْطالِ انْتِفاءِ كَوْنِهِ عَلى غَيْرِ المُخاطَبِ، أيْ إبْطالُ انْتِفاءِ كَوْنِهِ عَلى اللَّهِ، وكِلا المُفادَيْنِ غَيْرُ مُرادٍ إذْ لا يُعْقَدُ الأوَّلُ ولا الثّانِي، فالوَجْهُ: إمّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ كَتَقْدِيمِ يَوْمِ النَّدى في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ:

ما فِيهِ مِن عَيْبٍ سِوى أنَّهُ يَوْمَ النَّدى قِسْمَتُهُ ضِيزى

بِنَفْيِ كَوْنِ هُداهم حَقًّا عَلى الرَّسُولِ تَهْوِينًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ، فَأمّا الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُفَوَّضًا إلى اللَّهِ فَمِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وإمّا أنْ يَكُونَ جَرى عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ السّامِعِينَ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ إيجادَ الإيمانِ في الكُفّارِ يَكُونُ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وبِالإلْجاءِ مِنَ المَخْلُوقِ، فَقَصَرَ هُداهم عَلى عَدَمِ الكَوْنِ في إلْجاءِ المَخْلُوقِينَ إيّاهم لا عَلى عَدَمِ الكَوْنِ في أنَّهُ عَلى اللَّهِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلى اللَّهِ، أيْ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ.

صفحة ٧٢

وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ جِيءَ فِيهِ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِما في الكَلامِ المَنفِيِّ مِن تَوَهُّمِ إمْكانِ هَدْيِهِمْ بِالحِرْصِ أوْ بِالإلْجاءِ، فَمَصَبُّ الِاسْتِدْراكِ هو الصِّلَةُ، أعْنِي مَن يَشاءُ أيْ: فَلا فائِدَةَ في إلْجاءِ مَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ هَدْيَهُ. والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ هُداهم بِيَدِ اللَّهِ، وهو يَهْدِي مَن يَشاءُ، فَإذا شاءَ أنْ يَهْدِيَهم هَداهم.

* * *

﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] ومَوْقِعُها زِيادَةُ فَضْلِ الصَّدَقاتِ كُلِّها، وأنَّها لَمّا كانَتْ مَنفَعَتُها لِنَفْسِ المُتَصَدِّقِ فَلْيَخْتَرْ لِنَفْسِهِ ما هو خَيْرٌ، وعَلَيْهِ أنْ يُكْثِرَ مِنها بِنَبْذِ كُلِّ ما يَدْعُو لِتَرْكِ بَعْضِها.

وقَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأمْرِ أيْ: إنَّما تَكُونُ مَنفَعَةُ الصَّدَقاتِ لِأنْفُسِكم إنْ كُنْتُمْ ما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ لا لِلرِّياءِ ولا لِمُراعاةِ حالِ مُسْلِمٍ وكافِرٍ، وهَذا المَعْنى صالِحٌ لِكِلا المَعْنَيَيْنِ المُحْتَمَلَيْنِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها ويَجُوزُ كَوْنُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها إذا كانَ الخَبَرُ بِمَعْنى النَّهْيِ، أيْ: لا تُنْفِقُوا إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ لِقَصْدِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ خُولِفَ فِيهِ أُسْلُوبُ ما حُفَّ بِهِ مِن جُمْلَةِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ وجُمْلَةِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِبَيانِ أنَّ جَزاءَ النَّفَقاتِ بِمِقْدارِها وأنَّ مَن نُقِصَ لَهُ مِنَ الأجْرِ فَهو السّاعِي في نَقْصِهِ، وكَرَّرَ فِعْلَ (تُنْفِقُونَ) ثَلاثَ مَرّاتٍ في الآيَةِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِهِ، وجِيءَ بِهِ مَرَّتَيْنِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ عِنْدَ قَصْدِ بَيانِ المُلازَمَةِ بَيْنَ الإنْفاقِ والثَّوابِ، وجِيءَ بِهِ مَرَّةً في صِيغَةِ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ قَصَدَ الخَبَرَ بِمَعْنى الإنْشاءِ، أيِ: النَّهْيِ عَنْ أنْ يُنْفِقُوا إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ.

صفحة ٧٣

وتَقَدَّمَ ”وأنْتُمْ“ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِمُجَرَّدِ التَّقَوِّي وزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يُظْلَمُونَ وإنَّما يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم.

وإنَّما جُعِلَتْ هاتِهِ الأحْكامُ جُمَلًا مُسْتَقِلًّا بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ ولَمْ تُجْعَلْ جُمْلَةً واحِدَةً مُقَيَّدَةً فائِدَتُها بِقُيُودِ جَمِيعِ الجُمَلِ، وأُعِيدَ لَفْظُ الإنْفاقِ في جَمِيعِها بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ تَكْرِيرًا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، لِتَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِمَعْناها قَصِيرَةَ الألْفاظِ كَثِيرَةَ المَعانِي، فَتَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ وتَتَناقَلُها الأجْيالُ.

وقَدْ أُخِذَ مِنَ الآياتِ الأخِيرَةِ - عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ - جَوازُ الصَّدَقَةِ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ الكُفّارُ الَّذِينَ يَخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ غَيْرَ مُؤْذِينَ لَهم، وهم أهْلُ العَهْدِ وأهْلُ الذِّمَّةِ والجِيرانُ، واتَّفَقَ فُقَهاءُ الإسْلامِ عَلى جَوازِ إعْطاءِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِلْكافِرِينَ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ أنَّ الصَّدَقَةَ مِن إغاثَةِ المَلْهُوفِ، والكافِرُ مِن عِبادِ اللَّهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِالإحْسانِ إلى الحَيَوانِ، فَفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنَّ لَنا في البَهائِمِ لَأجْرًا ؟ فَقالَ: في كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ» .

واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ - أعْنِي الزَّكاةَ - لا تُعْطى لِلْكُفّارِ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ أنَّها إنَّما فُرِضَتْ لِإقامَةِ أوَدِ المُسْلِمِينَ ومُواساتِهِمْ، فَهي مالُ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ يُؤْخَذُ بِمَقادِيرَ مُعَيَّنَةٍ، فَفِيهِ غِنى المُسْلِمِينَ بِخِلافِ ما يُعْطِيهِ المَرْءُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لِأجْلِ الرَّأْفَةِ والشَّفَقَةِ، واخْتَلَفُوا في صَدَقَةِ الفِطْرِ، فالجُمْهُورُ ألْحَقُوها بِالصَّدَقاتِ المَفْرُوضَةِ، وأبُو حَنِيفَةَ ألْحَقَها بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَأجازَ إعْطاءَها إلى الكُفّارِ، ولَوْ قِيلَ ذَلِكَ في غَيْرِ زَكاةِ الفِطْرِ كانَ أشْبَهَ، فَإنَّ العِيدَ عِيدُ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّهُ رَآها صَدَقَةَ شُكْرٍ عَلى القُدْرَةِ عَلى الصِّيامِ، فَكانَ المَنظُورُ فِيها حالَ المُتَصَدِّقِ لا حالَ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ أصَحُّ لِأنَّ مَشْرُوعِيَّتَها لِكِفايَةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْألَةِ في يَوْمِ عِيدِهِمْ، ولِيَكُونُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ أوْسَعَ حالًا مِنهم في سائِرِ المُدَّةِ، وهَذا القَدْرُ لا تَظْهَرُ حِكْمَتُهُ في فُقَراءِ الكافِرِينَ.

2:273Page 46

لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allāh, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allāh is Knowing of it.

صفحة ٧٤

﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ .

”لِلْفُقَراءِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُنْفِقُونَ“ الأخِيرَةِ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيقِ مَعْناهُ بِنَظائِرِهِ المُقَدَّمَةِ، فَما مِن نَفَقَةٍ ذُكِرَتْ آنِفًا إلّا وهي لِلْفُقَراءِ لِأنَّ الجُمَلَ قَدْ عَضَّدَ بَعْضُها بَعْضًا.

و﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ أيْ: حُبِسُوا وأُرْصِدُوا، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ هُنا الجِهادُ، فَإنْ كانَ نُزُولُها في قَوْمٍ جُرِحُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَصارُوا زَمْنى فَـ (في) لِلسَّبَبِيَّةِ. والضَّرْبُ في الأرْضِ المَشْيُ لِلْجِهادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: في سَبِيلِ اللَّهِ والمَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِمْ لِعَجْزِهِمُ الحاصِلِ بِالجِهادِ، وإنْ كانُوا قَوْمًا بِصَدَدِ القِتالِ يَحْتاجُونَ لِلْمَعُونَةِ، فَـ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِمْ أهْلَ الصُّفَّةِ، وهم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِمَكَّةَ وجاءُوا دارَ الهِجْرَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ زِراعَةً ولا تِجارَةً، فَمَعْنى أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ: عِيقُوا عَنْ أعْمالِهِمْ لِأجْلِ سَبِيلِ اللَّهِ وهو الهِجْرَةُ، فَـ (في) لِلتَّعْلِيلِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ الصُّفَّةِ كانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سِرِّيَّةٍ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِ فَسَبِيلُ اللَّهِ هو الجِهادُ، ومَعْنى ﴿أُحْصِرُوا﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أُرْصِدُوا، و(في) باقِيَةٌ عَلى التَّعْلِيلِ.

والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ التِّجارَةِ لِقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ، والضَّرْبُ في الأرْضِ كِنايَةٌ عَنِ التَّجَرِ؛ لِأنَّ شَأْنَ التّاجِرِ أنْ يُسافِرَ لِيَبْتاعَ ويَبِيعَ، فَهو يَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلَيْهِ أوْ دابَّتِهِ.

صفحة ٧٥

وجُمْلَةُ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا وأنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”أُحْصِرُوا“ .

وقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ حالٌ مِنَ الفُقَراءِ، أيِ الجاهِلُ بِحالِهِمْ مِنَ الفَقْرِ يَظُنُّهم أغْنِياءَ، و”مِن“ لِلِابْتِداءِ لِأنَّ التَّعَفُّفَ مَبْدَأُ هَذا الإحْسانِ.

والتَّعَفُّفُ تَكَلُّفُ العَفافِ وهو النَّزاهَةُ عَمًّا لا يَلِيقُ، وفي البُخارِيِّ بابُ الِاسْتِعْفافِ عَنِ المَسْألَةِ، أخْرَجَ فِيهِ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ: «أنَّ الأنْصارَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهم، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطاهم، حَتّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ فَقالَ: ما يَكُونُ عِنْدِي مَن خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكم، ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» .

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ (يَحْسِبُهم) بِكَسْرِ السِّينِ وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ.

ومَعْنى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ بِعَلامَةِ الحاجَةِ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، ولَيْسَ لِلرَّسُولِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ (تَعْرِفُهم) هو الَّذِي تَصَدّى لِتَطَلُّعِ أحْوالِ الفُقَراءِ، فَهو المُقابِلُ لِلْجاهِلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ .

والجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ: يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِماذا تَصِلُ إلَيْهِمْ صَدَقاتُ المُسْلِمِينَ إذا كانَ فَقْرُهم خَفِيًّا، وكَيْفَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فَأُحِيلَ ذَلِكَ عَلى مَظِنَّةِ المُتَأمِّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] .

والسِّيما العَلّامَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِن (سامَ) الَّذِي هو مَقْلُوبُ وسَمَ، فَأصْلُها وِسْمى، فَوَزْنُها عِفْلى، وهي في الصُّورَةِ فِعْلى، يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم سِمَةٌ، فَإنَّ أصْلَها وسْمَةٌ ويَقُولُونَ سِيمى بِالقَصْرِ وسِيماءُ بِالمَدِّ وسِيمِياءُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ المِيمِ وبِالمَدِّ، ويَقُولُونَ سَوَّمَ إذا جَعَلَ سِمَةً، وكَأنَّهم إنَّما قَلَبُوا حُرُوفَ الكَلِمَةِ لِقَصْدِ التَّوَصُّلِ إلى التَّخْفِيفِ بِهَذِهِ الأوْزانِ لِأنَّ قَلْبَ عَيْنِ الكَلِمَةِ مُتَأتٍّ بِخِلافِ قَلْبِ فائِها، ولَمْ يُسْمَعْ مِن كَلامِهِمْ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ مِن (سَوَّمَ) المقْلُوبِ، وإنَّما سُمِعَ مِنهُ فِعْلٌ مُضاعَفٌ في قَوْلِهِمْ سَوَّمَ فَرَسَهُ.

صفحة ٧٦

وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ بَيانًا ثانِيًا لِكَيْفِيَّةِ حُسْبانِهِمْ أغْنِياءَ في أنَّهم لا يَسْألُونَ النّاسَ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ تَقْدِيمَهُ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ بِما سَبَقَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى تَوَسُّمِ احْتِياجِهِمْ بِأنَّهم مَحْصُورُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن سِياقِ الكَلامِ.

فَأنْتَ تَرى كَيْفَ لَمْ يُغادِرِ القُرْآنُ شَيْئًا مِنَ الحَثِّ عَلى إبْلاغِ الصَّدَقاتِ إلى أيْدِي الفُقَراءِ إلّا وقَدْ جاءَ بِهِ، وأظْهَرَ بِهِ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ.

والإلْحافُ: الإلْحاحُ في المَسْألَةِ، ونُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ ضَمِيرِ (يَسْألُونَ) بِتَأْوِيلِ مُلْحِفِينَ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهُمُ السُّؤالُ المُقَيَّدُ بِالإلْحافِ، أوِ المُقَيَّدُونَ فِيهِ بِأنَّهم مُلْحِفُونَ - وذَلِكَ لا يُفِيدُ نَفْيَ صُدُورِ المَسْألَةِ مِنهم. مَعَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْألُونَ أصْلًا. وقَدْ تَأوَّلَهُ الزَّجاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ السُّؤالِ ونَفْيُ الإلْحافِ مَعًا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ يُرِيدُ نَفْيَ المَنارِ والِاهْتِداءِ، وقَرِينَةُ هَذا المَقْصُودِ أنَّهم وُصِفُوا بِأنَّهم يُحْسَبُونَ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] أيْ: لا شَفِيعَ أصْلًا ثُمَّ حَيْثُ لا شَفِيعَ فَلا إطاعَةَ، فَأنْتَجَ لا شَفِيعَ يُطاعُ، فَهو مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الشَّفِيعِ لِأنَّهُ كَنَفْيِهِ بِنَفْيِ لازِمِهِ وجَعَلُوهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الكِنايَةِ، وقالَ التَّفْتازانِيُّ: إنَّما تَحْسُنُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إذا كانَ القَيْدُ الواقِعُ بَعْدَ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ اللّازِمِ لِلنَّفْيِ لِأنَّ شَأْنَ اللّاحِبِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَنارٌ، وشَأْنَ الشَّفِيعِ أنْ يُطاعَ، فَيَكُونَ نَفْيُ اللّازِمِ نَفْيًا لِلْمَلْزُومِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، ولَيْسَ الإلْحافُ بِالنِّسْبَةِ إلى السُّؤالِ كَذَلِكَ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضِدُّ الإلْحافِ - وهو الرِّفْقُ والتَّلَطُّفُ - أشْبَهَ باللّازِمِ، أيْ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ مُطَّرِدَ اللُّزُومِ لِلْمَنفِيِّ عَنْهُ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ سَألُوا سَألُوا بِتَلَطُّفٍ خَفِيفٍ دُونَ إلْحافٍ، أيْ إنَّ شَأْنَهم أنْ يَتَعَفَّفُوا، فَإذا سَألُوا سَألُوا بِغَيْرِ إلْحافٍ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ فَصْلَ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها دَلِيلٌ عَلى أنَّها كالبَيانِ لَها، والأظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي جُعِلَ في الكَشّافِ ثانِيًا، وأجابَ الفَخْرُ بِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالتَّعَفُّفِ فَأغْنى عَنْ ذِكْرِ أنَّهم لا

صفحة ٧٧

يَسْألُونَ، وتَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا. تَعْرِيضٌ بِالمُلْحِفِينَ في السُّؤالِ، أيْ: زِيادَةُ فائِدَةٍ في عَدَمِ السُّؤالِ.

* * *

﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .

أُعِيدَ التَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ فَذُكِرَ مَرَّةً رابِعَةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ يُكْنى بِهِ عَنْ أثَرِهِ كَثِيرًا، فَلَمّا كانَ الإنْفاقُ مُرَغَّبًا فِيهِ مِنَ اللَّهِ، وكانَ عِلْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ مَعْرُوفًا لِلْمُسْلِمِينَ، تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِأنَّهُ عَلِيمٌ بِهِ أنَّهُ عَلِيمٌ بِامْتِثالِ المُنْفِقِ، أيْ: فَهو لا يُضِيعُ أجْرَهُ إذْ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ بَعْدَ كَوْنِهِ عَلِيمًا بِهِ، لِأنَّهُ قَدِيرٌ عَلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ المَرّاتِ الأرْبَعِ مِنَ التَّحْرِيضِ ما أفادَ شِدَّةَ فَضْلِ الإنْفاقِ بِأنَّهُ نَفْعٌ لِلْمُنْفِقِ، وصِلَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، ونَوالُ الجَزاءِ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ ثابِتٌ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ.

2:274Page 46

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤

Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُفِيدُ تَعْمِيمَ أحْوالِ فَضائِلِ الإنْفاقِ، بَعْدَ أنْ خُصِّصَ الكَلامُ بِالإنْفاقِ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فاسْمُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

وأُدْخِلَ الفاءُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَسَبُّبِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ عَلى الإنْفاقِ لِأنَّ المُبْتَدَأ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى صِلَةٍ مَقْصُودٍ مِنها التَّعْمِيمُ والتَّعْلِيلُ والإيماءُ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وهي (يُنْفِقُونَ) - صَحَّ إدْخالُ الفاءِ في خَبَرِهِ كَما تَدْخُلُ في جَوابِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ أصْلَ الفاءِ الدَّلالَةُ عَلى التَّسَبُّبِ وما أُدْخِلَتْ في جَوابِ الشَّرْطِ إلّا لِذَلِكَ، والسِّرُّ: الخَفاءُ، والعَلانِيَةُ: الجَهْرُ والظُّهُورُ، وذُكِرَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الأجْرِ.

صفحة ٧٨

وقَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إذْ هو تَهْدِيدٌ لِمانِعِي الصَّدَقاتِ بِإسْلامِ النّاسِ إيّاهم عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ، وهَذا بِشارَةٌ لِلْمُنْفِقِينَ بِطِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا فَلا يَخافُونَ اعْتِداءَ المُعْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أكْسَبَهم مَحَبَّةَ النّاسِ إيّاهم، ولا تَحِلُّ بِهِمُ المَصائِبُ المُحْزِنَةُ إلّا ما لا يَسْلَمُ مِنهُ أحَدٌ مِمّا هو مُعْتادٌ في إبّانِهِ.

أمّا انْتِفاءُ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم في الآخِرَةِ فَقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .

ورُفِعَ (خَوْفٌ) في نَفْيِ الجِنْسِ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ في الفَرْدِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَعانِي الَّتِي هي أجْناسٌ مَحْضَةٌ لا أفْرادَ لَها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ومِنهُ ما في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «لا حَرٌّ ولا قَرٌّ، ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَةٌ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском