Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:282
2:282Page 48
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢
O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولَيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ .
لَمّا اهْتَمَّ القُرْآنُ بِنِظامِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ في أمْوالِهِمْ فابْتَدَأ بِما بِهِ قِوامُ عامَّتِهِمْ مِن مُواساةِ الفَقِيرِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، ووَضُحَ ذَلِكَ بِما فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ
صفحة ٩٨
التَّحْذِيرَ مِن مُضايَقَةِ المُحْتاجِينَ إلى المُواساةِ مُضايَقَةَ الرِّبا مَعَ ما في تِلْكَ المُعامَلاتِ مِنَ المَفاسِدِ، ثَلَّثَ بِبَيانِ التَّوَثُّقاتِ المالِيَّةِ مِنَ الإشْهادِ، وما يَقُومُ مَقامَهُ وهو الرَّهْنُ والِائْتِمانُ، وإنَّ تَحْدِيدَ التَّوَثُّقِ في المُعامَلاتِ مِن أعْظَمِ وسائِلِ بَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ المُتَعامِلِينَ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ تَكْثِيرُ عُقُودِ المُعامَلاتِ ودَوْرانِ دُولابِ التَّمَوُّلِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، والمُناسَبَةُ في الِانْتِقالِ ظاهِرَةٌ عَقِبَ الكَلامِ عَلى غُرَماءَ أهْلِ الرِّبا.
والتَّدايُنُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ رَواجِ المُعامَلاتِ لِأنَّ المُقْتَدِرَ عَلى تَنْمِيَةِ المالِ قَدْ يَعُوزُهُ المالُ فَيَضْطَرُّ إلى التَّدايُنِ لِيُظْهِرَ مَواهِبَهُ في التِّجارَةِ أوِ الصِّناعَةِ أوِ الزِّراعَةِ، ولِأنَّ المُتَرَفِّهَ قَدْ يَنْضُبُ المالُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولَهُ قِبَلٌ بِهِ بَعْدَ حِينٍ، فَإذا لَمْ يَتَدايَنِ اخْتَلَّ نِظامُ مالِهِ، فَشَرَعَ اللَّهُ تَعالى لِلنّاسِ بَقاءَ التَّدايُنِ المُتَعارَفِ بَيْنَهم كَيْلا يَظُنُّوا أنَّ تَحْرِيمَ الرِّبا والرُّجُوعَ بِالمُتَعامِلِينَ إلى رُءُوسِ أمْوالِهِمْ إبْطالٌ لِلتَّدايُنِ كُلِّهِ، وأفادَ ذَلِكَ التَّشْرِيعَ بِوَضْعِهِ في تَشْرِيعٍ آخَرَ مُكَمِّلٍ لَهُ وهو التَّوَثُّقُ لَهُ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ لِمَجْمُوعِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ خُصُوصُ المُتَدايِنِينَ، والأخَصُّ بِالخِطابِ هو المَدِينُ لِأنَّ مِن حَقٍّ عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ دائِنَهُ مُطْمَئِنَّ البالِ عَلى مالِهِ، فَعَلى المُسْتَقْرِضِ أنْ يَطْلُبَ الكِتابَةَ وإنْ لَمْ يَسْألْها الدّائِنُ، ويُؤْخَذْ هَذا مِمّا حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ القَصَصِ عَنْ مُوسى وشُعَيْبٍ، إذِ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبٌ مُوسى، فَلَمّا تَراوَضا عَلى الإجارَةِ وتَعْيِينِ أجَلِها قالَ مُوسى ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَذَلِكَ إشْهادٌ عَلى نَفْسِهِ لِمُؤاجِرِهِ دُونَ أنْ يَسْألَهُ شُعَيْبٌ ذَلِكَ.
والتَّدايُنُ تَفاعَلٌ، وأُطْلِقَ هُنا مَعَ أنَّ الفِعْلَ صادِرٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي جِهَةُ المُسَلِّفِ، لِأنَّكَ تَقُولُ دانَ مِنهُ فَدانَهُ، فالمُفاعَلَةُ مَنظُورٌ فِيها إلى المُخاطَبِينَ وهم مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، لِأنَّ في المَجْمُوعِ دائِنًا ومَدِينًا فَصارَ المَجْمُوعُ مُشْتَمِلًا عَلى جانِبَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المُفاعَلَةَ عَلى غَيْرِ بابِها كَما تَقُولُ تَدايَنْتُ مِن زِيدٍ.
وزِيادَةُ قَيْدِ ”بِدَيْنٍ“ إمّا لِمُجَرَّدِ الإطْنابِ، كَما يَقُولُونَ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي ولَمْسَتُهُ بِيَدِي، وإمّا لِيَكُونَ مَعادًا لِلضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (﴿فاكْتُبُوهُ﴾) ولَوْلا ذِكْرُهُ لَقالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ فَلَمْ. يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الحَسَنَ، ولِأنَّهُ أبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَّيْنِ إلى مُؤَجَّلٍ وحالٍّ، قالَهُ في الكَشّافِ.
صفحة ٩٩
وقالَ الطِّيبِيُّ عَنْ صاحِبِ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُظَنَّ اسْتِعْمالُ التَّدايُنِ مَجازًا في الوَعْدِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:
دايَنْتُ أرْوى والدُّيُونُ تُقْضى فَمَطَلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضا
فَذَكَرَ قَوْلَهُ: (بِدَيْنٍ) دَفْعًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ، والدَّيْنُ في كَلامِ العَرَبِ العِوَضُ المُؤَخَّرُ. قالَ شاعِرُهم:
وعَدَتْنا بِدِرْهَمَيْنا طِلاءً ∗∗∗ وشِواءً مُعَجَّلًا غَيْرَ دَيْنِ
وقَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ طَلَبُ تَعْيِينِ الآجالِ لِلدُّيُونِ لِئَلّا يَقَعُوا في الخُصُوماتِ والتَّداعِي في المُراداتِ، فَأُدْمِجَ تَشْرِيعُ التَّأْجِيلِ في أثْناءِ تَشْرِيعِ التَّسْجِيلِ.
والأجَلُ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ مَحْدُودَةُ النِّهايَةِ مَجْعُولَةٌ ظَرْفًا لِعَمَلٍ غَيْرِ مَطْلُوبٍ فِيهِ المُبادَرَةُ، لِرَغْبَةِ تَمامِ ذَلِكَ العَمَلِ عِنْدَ انْتِهاءِ تِلْكَ المُدَّةِ أوْ في أثْنائِها.
والأجَلُ اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ التَّأْجِيلُ، وهو إعْطاءُ الأجَلِ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّوْسِعَةِ في العَمَلِ أُطْلِقَ الأجَلُ عَلى التَّأْخِيرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] .
والمُسَمّى حَقِيقَتُهُ المُمَيَّزُ بِاسْمٍ يُمَيِّزُهُ عَمّا يُشابِهُهُ في جِنْسِهِ أوْ نَوْعِهِ، فَمِنهُ أسْماءُ الأعْلامِ وأسْماءُ الأجْناسِ، والمُسَمّى هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُعَيَّنِ المَحْدُودِ، وإنَّما يُقْصَدُ تَحْدِيدُهُ بِنِهايَةٍ مِنَ الأزْمانِ المَعْلُومَةِ عِنْدَ النّاسِ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِالتَّحْدِيدِ بِوَضْعِ الِاسْمِ بِجامِعِ التَّعْيِينِ، إذْ لا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ عَنْ أمْثالِهِ إلّا بِذَلِكَ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّسْمِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ: المَهْرُ المُسَمّى، فالمَعْنى أجَلٌ مُعَيَّنٌ بِنِهايَتِهِ، والدَّيْنُ لا يَكُونُ إلّا إلى أجَلٍ، فالمَقْصُودُ مِن وصْفِ الدَّيْنِ بِهَذا الوَصْفِ، هو وصْفُ أجَلٍ مُسَمًّى إدْماجًا لِلْأمْرِ بِتَعْيِينِ الأجَلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ يَعُمُّ كُلَّ دَيْنٍ: مِن قَرْضٍ أوْ مِن بَيْعٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في السَّلَمِ - يَعْنِي بَيْعَ الثِّمارِ ونَحْوِها مِنَ المِثْلِيّاتِ في ذِمَّةِ البائِعِ إذا كانَ ذا ذِمَّةٍ إلى أجَلٍ - وكانَ السَّلَمُ مِن مُعامَلاتِ أهْلِ المَدِينَةِ، ومَعْنى كَلامِهِ أنَّ بَيْعَ السَّلَمِ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، ومِنَ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ أنَّ السَّبَبَ الخاصَّ لا يُخَصِّصُ العُمُومَ.
صفحة ١٠٠
والأمْرُ في (فاكْتُبُوهُ) قِيلَ: لِلِاسْتِحْبابِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] تَكْمِيلًا لِمَعْنى الِاسْتِحْبابِ. وقِيلَ: الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ والنَّخَعِيُّ، ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وهو قَوْلُ داوُدَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، ولَعَلَّ القائِلِينَ بِوُجُوبِ الإشْهادِ الآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ قائِلُونَ بِوُجُوبِ الكِتابَةِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ أزْمِنَةِ الوُجُوبِ لِأنَّ الأمْرَ لِلتَّكْرارِ، لاسِيَّما مَعَ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، وسَمّاهُ الأقْدَمُونَ في عِباراتِهِمْ نَسْخًا.
والقَصْدُ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ التَّوَثُّقُ لِلْحُقُوقِ وقَطْعُ أسْبابِ الخُصُوماتِ، وتَنْظِيمُ مُعامَلاتِ الأُمَّةِ، وإمْكانُ الِاطِّلاعِ عَلى العُقُودِ الفاسِدَةِ، والأرْجَحُ أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَإنَّهُ الأصْلُ في الأمْرِ، وقَدْ تَأكَّدَ بِهَذِهِ المُؤَكِّداتِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآيَةَ. رُخْصَةٌ خاصَّةٌ بِحالَةِ الِائْتِمانِ بَيْنَ المُتَعاقِدَيْنَ كَما سَيَأْتِي - فَإنَّ حالَةَ الِائْتِمانِ حالَةٌ سالِمَةٌ مِن تَطَرُّقِ التَّناكُرِ والخِصامِ - لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ مِنَ الأُمَّةِ قَطْعَ أسْبابِ التَّهارُجِ والفَوْضى، فَأوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّوْثِيقَ في مَقاماتِ المُشاحَنَةِ، لِئَلّا يَتَساهَلُوا ابْتِداءً ثُمَّ يُفْضُوا إلى المُنازَعَةِ في العاقِبَةِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ في الوُجُوبِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ عَنِ الدّائِنِ إذا طَلَبَ مِن مَدِينِهِ الكَتْبَ حَتّى لا يَعُدَّ المَدِينُ ذَلِكَ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِهِ، فَإنَّ في القَوانِينِ مَعْذِرَةً لِلْمُتَعامِلَيْنِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ عَدَمُ الوُجُوبِ لِأنَّ لِلْمَرْءَ أنْ يَهَبَ هَذا الحَقَّ ويَتْرُكَهُ بِإجْماعٍ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَهُ، وإنَّما هو نَدْبٌ لِلِاحْتِياطِ، وهَذا كَلامٌ قَدْ يَرُوجُ في بادِئِ الرَّأْيِ ولَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأنَّ مَقامَ التَّوَثُّقِ غَيْرُ مُقامِ التَّبَرُّعِ.
ومَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ تَنْبِيهُ أصْحابِ الحُقُوقِ حَتّى لا يَتَساهَلُوا ثُمَّ يَنْدَمُوا ولَيْسَ المَقْصُودُ إبْطالَ ائْتِمانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، كَما أنَّ مِن مَقاصِدِها دَفْعَ مُوجِدَةِ الغَرِيمِ مِن تَوَثُّقِ دائِنِهِ إذا عَلِمَ أنَّهُ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ ومِن مَقاصِدِها قَطْعُ أسْبابِ الخِصامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ يَشْمَلُ حالَتَيْنِ: الأُولى: حالَةُ كِتابَةِ المُتَدايِنَيْنِ بِخَطَّيْهِما، أوْ خَطِّ أحَدِهِما ويُسَلِّمُهُ لِلْآخَرِ إذا كانا يُحْسِنانِ الكِتابَةَ مَعًا، لِأنَّ جَهْلَ أحَدِهِما بِها يَنْفِي ثِقَتَهُ بِكِتابَةِ الآخَرِ.
صفحة ١٠١
والثّانِيَةُ: حالَةُ كِتابَةِ ثالِثٍ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُما، فَيَكْتُبُ ما تَعاقَدا عَلَيْهِ ويَشْهَدُ عَلَيْهِ شاهِدانِ ويُسَلِّمُهُ بِيَدِ صاحِبِ الحَقِّ إذا كانا لا يُحْسِنانِ الكِتابَةَ أوْ أحَدُهُما، وهَذِهِ غالِبُ أحْوالِ العَرَبِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَكانَتِ الأُمِّيَّةُ بَيْنَهم فاشِيَّةً، وإنَّما كانَتِ الكِتابَةُ في الأنْبارِ والحِيرَةِ وبَعْضِ جِهاتِ اليَمَنِ وفِيمَن يَتَعَلَّمُها قَلِيلًا مِن مَكَّةَ والمَدِينَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِأنْ يُوَسِّطُوا كاتِبًا يَكْتُبُ بَيْنَهم لِأنَّ غالِبَ حالِهِمْ جَهْلُ الكِتابَةِ.
فِعْلُ الأمْرِ بِهِ إلى الكاتِبِ مُبالَغَةٌ في أمْرِ المُتَعاقِدَيْنَ بِالِاسْتِكْتابِ، والعَرَبُ تَعْمِدُ إلى المَقْصُودِ فَتُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ الوَسِيلَةِ مُبالَغَةً في حُصُولِهِ؛ كَقَوْلِهِمْ في الأمْرِ: لِيَكُنْ ولَدُكَ مُهَذَّبًا، وفي النَّهْيِ: لا تَنْسَ ما أوْصَيْتُكَ، ولا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا.
فَمُتَعَلِّقُ فِعْلِ الطَّلَبِ هو ظَرْفُ (بَيْنَكم) ولَيْسَ هَذا أمْرًا لِلْكاتِبِ، وأمّا أمْرُ الكاتِبِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ .
وقَوْلُهُ: ”بِالعَدْلِ“، أيْ: بِالحَقِّ، ولَيْسَ العَدْلُ هُنا بِمَعْنى العَدالَةِ الَّتِي يُوصَفُ بِها الشّاهِدُ فَيُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، لِأنَّ وُجُودَ الباءِ يَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ الآتِي: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ .
ولِذَلِكَ قَصَرَ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: (فاكْتُبُوهُ) عَلى أنْ يَكْتُبَهُ كاتِبٌ غَيْرُ المُتَدايِنَيْنِ لِأنَّهُ الغالِبُ، ولِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ فَإنَّهُ كالبَيانِ لِكَيْفِيَّةِ (فاكْتُبُوهُ) . عَلى أنَّ كِتابَةَ المُتَعاقِدَيْنَ إنْ كانا يُحْسِنانِها تُؤْخَذُ بِلَحْنِ الخِطابِ أوْ فَحْواهُ.
ولِذَلِكَ كانَتِ الآيَةُ حُجَّةً عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ لِصِحَّةِ الِاحْتِجاجِ بِالخَطِّ، فَإنَّ اسْتِكْتابَ الكاتِبِ إنَّما يَنْفَعُ بِقِراءَةِ خَطِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ﴾ نَهْيٌ لِمَن تُطْلَبُ مِنهُ الكِتابَةُ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ عَنِ الِامْتِناعِ مِنها إذا دُعِيَ إلَيْها، فَهَذا حُكْمٌ آخَرُ ولَيْسَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن كَوْنِ ذَلِكَ حُكْمًا مُوَجَّهًا لِلْمُتَدايِنَيْنِ، وهَذا النَّهْيُ قَدِ اخْتُلِفَ في مُقْتَضاهُ فَقِيلَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، فالَّذِي يُدْعى لِأنْ يَكْتُبَ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِامْتِناعُ، وعَلَيْهِ فالإجابَةُ لِلْكِتابَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ
صفحة ١٠٢
والطَّبَرِيِّ وهو الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّما تَجِبُ الإجابَةُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا إذا لَمْ يَكُنْ في المَوْضِعِ إلّا كاتِبٌ واحِدٌ، فَإنْ كانَ غَيْرُهُ فَهو واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومَعْناهُ أنَّهُ مَوْكُولٌ إلى دِيانَتِهِمْ لِأنَّهم إذا تَمالَئُوا عَلى الِامْتِناعِ أثِمُوا جَمِيعًا، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ عَلى مَن يَعْرِفُ الكِتابَةَ مِن أهْلِ مَكانِ المُتَدايِنَيْنِ، وإنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ طالِبِ التَّوَثُّقِ أحَدَهم لَكانَ وجِيهًا، والأحَقُّ بِطَلَبِ التَّوَثُّقِ هو المُسْتَقْرِضُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وقِيلَ: إنَّما يَجِبُ عَلى الكاتِبِ في حالِ فَراغِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وفي هَذا نَظَرٌ لِأنَّ الحُضُورَ لِلْكِتابَةِ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ لَيْسَ مِنَ الإضْرارِ إلّا في أحْوالٍ نادِرَةٍ كَبُعْدِ مَكانِ المُتَدايِنَيْنِ مِن مَكانِ الكاتِبِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وسَيَأْتِي لَنا إبْطالُ ذَلِكَ.
وعَلى هَذا الخِلافِ يُخْتَلَفُ في جَوازِ الأجْرِ عَلى الكِتابَةِ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ، لِأنَّها إنْ كانَتْ واجِبَةً فَلا أجْرَ عَلَيْها، وإلّا فالأجْرُ جائِزٌ.
ويُلْحَقُ بِالتَّدايُنِ جَمِيعُ المُعامَلاتِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيها التَّوَثُّقُ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى حُكْمِ أداءِ الشَّهادَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: كِتابَةً تُشابِهُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ أنْ يَكْتُبَها والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ المُطابَقَةُ لا المُقارَنَةُ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] فالكافُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ لِأنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ و(ما) مَوْصُولَةٌ.
ومَعْنى ”ما عَلَّمَهُ اللَّهُ“ أنَّهُ يَكْتُبُ ما يَعْتَقِدُهُ ولا يُجْحِفُ أوْ يُوارِبُ، لِأنَّ اللَّهَ ما عَلَّمَ إلّا الحَقَّ وهو المُسْتَقِرُّ في فِطْرَةِ الإنْسانِ، وإنَّما يَنْصَرِفُ النّاسُ عَنْهُ بِالهَوى فَيُبَدِّلُونَ ويُغَيِّرُونَ ولَيْسَ ذَلِكَ التَّبْدِيلُ بِالَّذِي عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وهَذا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «واسْتَفْتِ نَفْسَكَ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ» .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِمُقابَلَةِ الشَّيْءِ بِمُكافِئِهِ والعِوَضِ بِمُعَوِّضِهِ، أيْ أنْ يَكْتُبَ كِتابَةً تُكافِئُ تَعْلِيمَ اللَّهِ إيّاهُ الكِتابَةَ، بِأنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِها شُكْرًا عَلى تَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ
صفحة ١٠٣
أسْبابَ عِلْمِها، وإنَّما يَحْصُلُ هَذا الشُّكْرُ بِأنْ يَكْتُبَ ما فِيهِ حِفْظُ الحَقِّ ولا يُقَصِّرُ ولا يُدَلِّسُ، ويَنْشَأُ عَنْ هَذا المَعْنى مِنَ التَّشْبِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
والكافُ عَلى هَذا إمّا نائِبَةٌ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ أوْ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ بِهِ مَحْذُوفٍ عَلى تَأْوِيلِ مَصْدَرِ فِعْلِ أنْ يَكْتُبَ بِالمَكْتُوبِ، و”ما“ عَلى هَذا الوَجْهِ مَصْدَرِيَّةٌ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”أنْ يَكْتُبَ“ وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ تَعْلِيقَهُ بِقَوْلِهِ ”فَلْيَكْتُبْ“ فَهو وجْهٌ في تَفْسِيرِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ”فَلْيَكْتُبْ“ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضى النَّهْيِ وتَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ: (فاكْتُبُوهُ) فَهو يُفِيدُ تَأْكِيدَ الأمْرِ وتَأْكِيدَ النَّهْيِ أيْضًا، وإنَّما أُعِيدَ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لِبُعْدِ الأمْرِ الأوَّلِ بِما ولِيَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ”اتَّخَذُوهُ“ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ أمَلَّ وأمْلى لُغَتانِ: فالأُولى لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما قالَ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ وقالَ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] قالُوا: والأصْلُ هو أمْلَلَ ثُمَّ أُبْدِلَتِ اللّامُ ياءً لِأنَّها أخَفُّ، أيْ عَكْسُ ما فَعَلُوا في قَوْلِهِمْ: تَقَضّى البازِيُّ، إذْ أصْلُهُ: تَقَضَّضَ.
ومَعْنى اللَّفْظَيْنِ أنْ يُلْقِيَ كَلامًا عَلى سامِعِهِ لِيَكْتُبَهُ عَنْهُ، هَكَذا فَسَّرَهُ في اللِّسانِ والقامُوسِ، وهو قُصُورٌ في التَّفْسِيرِ أحْسَبُ أنَّهُ نَشَأ عَنْ حَصْرِ نَظَرِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ الوارِدَةِ في غَرَضِ الكِتابَةِ، وإلّا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] تَشْهَدُ بِأنَّ الإمْلاءَ والإمْلالَ يَكُونانِ لِغَرَضِ الكِتابَةِ ولِغَرَضِ الرِّوايَةِ والنَّقْلِ كَما في آيَةِ الفُرْقانِ، ولِغَرَضِ الحِفْظِ كَما يُقالُ مَلَّ المُؤَدِّبُ عَلى الصَّبِيِّ لِلْحِفْظِ، وهي طَرِيقَةُ تَحْفِيظِ العُمْيانِ، فَتَحْرِيرُ العِبارَةِ أنْ يُفَسَّرَ هَذانِ اللَّفْظانِ بِإلْقاءِ كَلامٍ لِيُكْتَبَ عَنْهُ أوْ لِيُرْوى أوْ لِيُحْفَظَ، و(الحَقُّ) هُنا: ما حَقَّ أيْ ثَبَتَ لِلدّائِنِ.
وفِي هَذا الأمْرِ عِبْرَةٌ لِلشُّهُودِ فَإنَّ مِنهم مَن يَكْتُبُونَ في شُرُوطِ الحُبْسِ ونَحْوِهِ ما لَمْ يُمْلِلْهُ عَلَيْهِمُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ إلّا إذا كانَ قَدْ فَوَّضَ إلى الشّاهِدِ الإحاطَةَ بِما فِيهِ تَوَثُّقُهُ لِحَقِّهِ أوْ أوْقَفَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ عَقْدِهِ عَلى السَّدارَةِ.
صفحة ١٠٤
والضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ: ”ولْيَتَّقِ“ وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا إلى الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ، أيْ: لا يُنْقِصْ رَبَّ الدَّيْنِ شَيْئًا حِينَ الإمْلاءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهو عَلى هَذا أمْرٌ لِلْمَدِينِ بِأنْ يُقِرَّ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ ولا يَغْبِنَ الدّائِنَ، وعِنْدِي أنَّ هَذا بَعِيدٌ إذْ لا فائِدَةَ بِهَذِهِ الوِصايَةِ، فَلَوْ أخْفى المَدِينُ شَيْئًا أوْ غَبَنَ لَأنْكَرَ عَلَيْهِ رَبُّ الدَّيْنِ لِأنَّ الكِتابَةَ يَحْضُرُها كِلاهُما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ إلى (كاتِبٌ) بِقَرِينَةِ أنَّ هَذا النَّهْيَ أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالكاتِبِ، فَإنَّهُ الَّذِي قَدْ يَغْفُلُ عَنْ بَعْضِ ما وقَعَ إمْلاؤُهُ عَلَيْهِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَقِّ وهو حَقٌّ لِكِلا المُتَدايِنَيْنِ، فَإذا بَخَسَ مِنهُ شَيْئًا أضَرَّ بِأحَدِهِما لا مَحالَةَ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ.
والبَخْسُ فَسَرَّهُ أهْلُ اللُّغَةِ بِالنَّقْصِ ويَظْهَرُ أنَّهُ أخَصُّ مِنَ النَّقْصِ، فَهو نَقْصٌ بِإخْفاءٍ، وأقْرَبُ الألْفاظِ إلى مَعْناهُ الغَبْنُ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ في سُورَةِ الأعْرافِ: البَخْسُ في لِسانِ العَرَبِ هو النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ والتَّزْهِيدِ، أوِ المُخادَعَةُ عَنِ القِيمَةِ، أوِ الِاحْتِيالُ في التَّزَيُّدِ في الكَيْلِ، أوِ النُّقْصانُ مِنهُ، أيْ: عَنْ غَفْلَةِ صاحِبِ الحَقِّ، وهَذا هو المُناسِبُ في مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ مِنَ الحَقِّ عَنْ غَفْلَةٍ مِن صاحِبِهِ، ولِذَلِكَ نُهِيَ الشّاهِدُ أوِ المَدِينُ أوِ الدّائِنُ، وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] .
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ السَّفِيهُ هو مُخْتَلُّ العَقْلِ، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] .
والضَّعِيفُ الصَّغِيرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] .
والَّذِي ﴿لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ﴾ هو العاجِزُ كَمَن بِهِ بَكَمٌ وعَمًى وصَمَمٌ جَمِيعًا.
ووَجْهُ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في فِعْلِ ”يُمِلَّ“ بِالضَّمِيرِ البارِزِ هو التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ النّاسُ أنَّ عَجْزَهُ يُسْقِطُ عَنْهُ واجِبَ الإشْهادِ عَلَيْهِ بِما يَسْتَدِينُهُ، وكانَ الأوْلِياءُ قَبْلَ الإسْلامِ وفي صَدْرِهِ كُبَراءَ القَرابَةِ، والوَلِيُّ مَن لَهُ ولايَةٌ عَلى السَّفِيهِ والضَّعِيفِ ومَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ كالأبِ والوَصِيِّ وعُرَفاءِ القَبِيلَةِ، وفي حَدِيثِ
صفحة ١٠٥
وفْدِ هَوازِنَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِيَرْفَعْ إلَيَّ عُرَفاؤُكم أمْرَكم» وكانَ ذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ وفي الحُقُوقِ القِبْلِيَّةِ.
ومَعْنى ”بِالعَدْلِ“ أيْ بِالحَقِّ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ إقْرارَ الوَصِيِّ والمُقَدَّمِ في حَقِّ المُوَلّى عَلَيْهِ ماضٍ إذا ظَهَرَ سَبَبُهُ، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ بِهِ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ خَشْيَةَ التَّواطُؤِ عَلى إضاعَةِ أمْوالِ الضُّعَفاءِ.
* * *
﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ .
عَطْفٌ عَلى ”فاكْتُبُوهُ“ وهو غَيْرُهُ ولَيْسَ بَيانًا لَهُ إذْ لَوْ كانَ بَيانًا لَما اقْتَرَنَ بِالواوِ، فالمَأْمُورُ بِهِ المُتَدايِنُونَ شَيْئانِ: الكِتابَةُ والإشْهادُ عَلَيْها، والمَقْصُودُ مِنَ الكِتابَةِ ضَبْطُ صِيغَةِ التَّعاقُدِ وشُرُوطِهِ، وتَذَكُّرُ ذَلِكَ خَشْيَةَ النِّسْيانِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ سَمّاها الفُقَهاءُ ذُكْرَ الحَقِّ، وتُسَمّى عَقْدًا. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْ قُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ فُقْدانِ الكاتِبِ وبَيْنَ الرَّهْنِ دَرَجَةً وهي الشَّهادَةُ بِلا كِتابَةٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] صارَ في مَعْنى: ولَمْ تَجِدُوا شَهادَةً، ولِأجْلِ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ أحَدَ الشّاهِدَيْنِ، وإنَّما جَعَلَ القُرْآنُ كاتِبًا وشاهِدَيْنِ لِنُدْرَةِ الجَمْعِ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الكِتابَةِ وأهْلِيَّةِ الشَّهادَةِ.
”واسْتَشْهِدُوا“ بِمَعْنى أشْهِدُوا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُما لِلطَّلَبِ أيِ اطْلُبُوا شَهادَةَ شاهِدَيْنِ، فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِالسَّعْيِ لِلْإشْهادِ وهو التَّكْلِيفُ المُتَعَلِّقُ بِصاحِبِ الحَقِّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ تَكْلِيفًا لِمَن يَطْلُبُ مِنهُ صاحِبُ الحَقِّ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِما ألّا يَمْتَنِعَ.
صفحة ١٠٦
والشَّهادَةُ حَقِيقَتُها الحُضُورُ والمُشاهَدَةُ والمُرادُ بِها هُنا حُضُورٌ خاصٌّ، وهو حُضُورٌ لِأجْلِ الِاطِّلاعِ عَلى التَّدايُنِ، وهَذا إطْلاقٌ مَعْرُوفٌ لِلشَّهادَةِ عَلى حُضُورٍ لِمُشاهَدَةِ تَعاقُدٍ بَيْنَ مُتَعاقِدَيْنِ أوْ لِسَماعِ عَقْدٍ مِن عاقِدٍ واحِدٍ مِثْلِ الطَّلاقِ والحُبْسِ، وتُطْلَقُ الشَّهادَةُ أيْضًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ صاحِبُهُ عَنْ أمْرٍ حَصَلَ لِقَصْدِ الِاحْتِجاجِ بِهِ لِمَن يَزْعُمُهُ، والِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى مَن يُنْكِرُهُ، وهَذا هو الوارِدُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] .
وجَعَلَ المَأْمُورَ بِهِ طَلَبَ الإشْهادِ لِأنَّهُ الَّذِي في قُدْرَةِ المُكَلَّفِ، وقَدْ فَهِمَ السّامِعُ أنَّ الغَرَضَ مِن طَلَبِ الإشْهادِ حُصُولُهُ، ولِهَذا أمَرَ المُسْتَشْهَدَ - بِفَتْحِ الهاءِ - بَعْدَ ذَلِكَ بِالِامْتِثالِ فَقالَ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ .
والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ قِيلَ: لِلْوُجُوبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وقِيلَ: لِلنَّدْبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ المُتَأخِّرِينَ: مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ .
وقَوْلُهُ مِن رِجالِكم أيْ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ، فَحَصَلَ بِهِ شَرْطانِ: أنَّهم رِجالٌ، وأنَّهم مِمَّنْ يَشْمَلُهُمُ الضَّمِيرُ.
وضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ مُرادٌ بِهِ المُسْلِمُونَ لِقَوْلِهِ في طالِعَةِ هَذِهِ الأحْكامِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.
وأمّا الصَّبِيُّ فَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ عَنِ الإحاطَةِ بِمَواقِعِ الِاسْتِشْهادِ ومَداخِلِ التُّهَمِ.
والرَّجُلُ في أصْلِ اللُّغَةِ يُفِيدُ وصْفَ الذُّكُورَةِ فَخَرَجَتِ الإناثُ، ويُفِيدُ البُلُوغَ فَخَرَجَ الصِّبْيانُ، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ أفادَ وصْفَ الإسْلامِ، فَأمّا الأُنْثى فَيُذْكَرُ حُكْمُها بَعْدَ هَذا، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّ اخْتِلافَ الدِّينِ يُوجِبُ التَّباعُدَ في الأحْوالِ والمُعاشَراتِ والآدابِ فَلا تُمْكِنُ الإحاطَةُ بِأحْوالِ العُدُولِ والمُرْتابِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، كَيْفَ وقَدِ اشْتُرِطَ في تَزْكِيَةِ المُسْلِمِينَ شِدَّةُ المُخالَطَةِ، ولِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ مِن غالِبِ أهْلِ المِلَلِ اسْتِخْفافُ المُخالِفِ في الدِّينِ بِحُقُوقِ مُخالِفِهِ، وذَلِكَ مِن تَخْلِيطِ الحُقُوقِ والجَهْلِ بِواجِباتِ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، فَإنَّ الأدْيانَ السّالِفَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِاحْتِرامِ حُقُوقِ المُخالِفِينَ، فَتَوَهَّمَ أتْباعُهم دَحْضَها، وقَدْ حَكى اللَّهُ
صفحة ١٠٧
عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وهَذِهِ نُصُوصُ التَّوْراةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ تَنْهى عَنْ أشْياءَ أوْ تَأْمُرُ بِأشْياءَ وتَخُصُّها بِبَنِي إسْرائِيلَ، وتُسَوِّغُ مُخالَفَةَ ذَلِكَ مَعَ الغَرِيبِ، ولَمْ نَرَ في دِينٍ مِنَ الأدْيانِ التَّصْرِيحَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُقُوقِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، فَكَيْفَ نَعْتَدُّ بِشَهادَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ المُسْلِمِينَ مارِقِينَ عَنْ دِينِ الحَقِّ مُناوِئِينَ لَهم، ويَرْمُونَ بِذَلِكَ نَبِيئَهم فَمَن دُونَهُ، فَماذا يُرْجى مِن هَؤُلاءِ أنْ يَقُولُوا الحَقَّ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، والنَّصْرانِيَّةُ تابِعَةٌ لِأحْكامِ التَّوْراةِ، عَلى أنَّ تَجافِيَ أهْلِ الأدْيانِ أمْرٌ كانَ كالجِبِلِّيِّ فَهَذا الإسْلامُ مَعَ أمْرِهِ المُسْلِمِينَ بِالعَدْلِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ لا نَرى مِنهُمُ امْتِثالًا فِيما يَأْمُرُهم بِهِ في شَأْنِهِمْ.
وفِي القُرْآنِ إيماءٌ إلى هَذِهِ العِلَّةِ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وفي البُخارِيِّ، في حَدِيثِ أبِي قِلابَةَ في مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وما رُوِيَ «عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ الأنْصارِيِّ، أنَّ نَفَرًا مِن قَوْمِهِ ذَهَبُوا إلى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا بِها، فَوَجَدُوا أحَدَهم قَتِيلًا، فَقالوُا لِلَّذِينَ وُجِدَ فِيهِمُ القَتِيلُ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ صاحِبَنا، قالُوا: ما قَتَلْنا، فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ فَشَكَوْا إلَيْهِ فَقالَ لَهم: تَأْتُونَ بِالبَيِّنَةِ عَلى مَن قَتَلَهُ. قالُوا: ما لَنا بَيِّنَةٌ. قالَ: فَتَحْلِفُ لَكم يَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا. قالُوا: ما يُبالُونَ أنْ يَقْتُلُونا أجْمَعِينَ ثُمَّ يَحْلِفُونَ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ ووَداهُ مِن مالِ الصَّدَقَةِ. فَقَدْ أقَرَّ النَّبِيءُ ﷺ قَوْلَ الأنْصارِ في اليَهُودِ، إنَّهم ما يُبالُونَ أنْ يَقْتُلُوا كُلَّ القَوْمِ ثُمَّ يَحْلِفُونَ» .
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اعْتَدَّتِ الشَّرِيعَةُ بِيَمِينِ المُدَّعى عَلَيْهِ مِنَ الكُفّارِ، قُلْتُ: اعْتَدَّتْ بِها لِأنَّها أقْصى ما يُمْكِنُ في دَفْعِ الدَّعْوى، فَرَأتْها الشَّرِيعَةُ خَيْرًا مِن إهْمالِ الدَّعْوى مِن أصْلِها.
ولِأجْلِ هَذا اتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في غَيْرِ الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، واخْتَلَفُوا في الإشْهادِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وشُرَيْحٌ بِقَبُولِ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وقَضى بِهِ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ مُدَّةَ قَضائِهِ في الكُوفَةِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الجُمْهُورُ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ ورَأوْا أنَّ ما في آيَةِ الوَصِيَّةِ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، واخْتَلَفُوا في شَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عِنْدَ قاضِي المُسْلِمِينَ فَأجازَها أبُو حَنِيفَةَ ناظِرًا في ذَلِكَ
صفحة ١٠٨
إلى انْتِفاءِ تُهْمَةِ تَساهُلِهِمْ بِحُقُوقِ المُسْلِمِينَ، وخالَفَهُمُ الجُمْهُورُ، والوَجْهُ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ لِقاضِي المُسْلِمِينَ مَعْرِفَةُ أمانَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وصِدْقِ أخْبارِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا.
وظاهِرُ الآيَةِ قَبُولُ شَهادَةِ العَبْدِ العَدْلِ وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ وعُثْمانَ البَتِّيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ وأبِي ثَوْرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ المُرادُ الأحْرارُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ تَخْصِيصَ العَبِيدِ مِن عُمُومِ الآيَةِ بِالعُرْفِ وبِالقِياسِ؛ أمّا العُرْفُ فَلِأنَّ غالِبَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ الرَّجُلِ والرِّجالِ ألّا يَرِدَ مُطْلَقًا إلّا مُرادًا بِهِ الأحْرارُ، يَقُولُونَ: رِجالُ القَبِيلَةِ ورِجالُ الحَيِّ: قالَ مَحْكانُ التَّمِيمِيُّ:
يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ∗∗∗ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالَ الحَيِّ والغُرَبا
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences