Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:284–285
2:284Page 49
لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.
صفحة ١٢٩
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
تَعْلِيلٌ واسْتِدْلالٌ عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وعَلى ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن نَحْوِ: واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَإذا كانَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، فَقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ تَصْرِيحًا واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، فَجُمْلَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِها هي مَحَطُّ التَّصْرِيحِ، وهي المَقْصُودُ بِالكَلامِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إلى ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وجُمْلَةُ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هي مَوْقِعُ الِاسْتِدْلالِ، وهي اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، أوْ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بِاعْتِبارِ إرادَةِ الوَعِيدِ والوَعْدِ، فالمَعْنى أنَّكم عَبِيدُهُ فَلا يَفُوتُهُ عَمَلُكم والجَزاءُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى: إنَّكم عَبِيدُهُ، وهو مُحاسِبُكم. ونَظِيرُها في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولا يُخالِفُ بَيْنَهُما إلّا أُسْلُوبُ نَظْمِ الكَلامِ.
ومَعْنى الِاسْتِدْلالِ هُنا: أنَّ النّاسَ قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وخالِقُ الخَلْقِ، فَإذا كانَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ، مَخْلُوقًا لَهُ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ؛ لِأنَّهُ مُكَوِّنُ ضَمائِرِهِمْ وخَواطِرِهِمْ، وعُمُومُ عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ مِن تَمامِ مَعْنى الخالِقِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكانَ العَبْدُ في حالَةِ اخْتِفاءِ حالِهِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا عَنْ خالِقِهِ، ومالِكِيَّةُ اللَّهِ تَعالى أتَمُّ أنْواعِ المِلْكِ عَلى الحَقِيقَةِ كَسائِرِ الصِّفاتِ الثّابِتَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي الصِّفاتُ عَلى الحَقِيقَةِ مِنَ الوُجُودِ الواجِبِ إلى ما اقْتَضاهُ واجِبُ الوُجُودِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ.
صفحة ١٣٠
وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وأنَّ ما قَبْلَهُ كالتَّمْهِيدِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وإنْ تُبْدُوا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَهُما.
وإبْداءُ ما في النَّفْسِ: إظْهارُهُ، وهو إعْلانُهُ بِالقَوْلِ، فِيما سَبِيلُهُ القَوْلُ وبِالعَمَلِ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، وإخْفاؤُهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وعَطْفُ ”أوْ تُخْفُوهُ“ لِلتَّرَقِّي في الحِسابِ عَلَيْهِ، فَقَدْ جاءَ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ في عَطْفِ الأقْوى عَلى الأضْعَفِ، في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ في سِياقِ الإثْباتِ، و(ما) في النَّفْيِ يَعُمُّ الخَيْرَ والشَّرَّ.
والمُحاسَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُسْبانِ وهو العَدُّ، فَمَعْنى (﴿يُحاسِبْكُمْ﴾) في أصْلِ اللُّغَةِ: يَعُدُّهُ عَلَيْكم. إلّا أنَّهُ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى لازِمِ المَعْنى، وهو المُؤاخَذَةُ والمُجازاةُ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وشاعَ هَذا في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ، ويُوَضِّحُهُ هُنا قَوْلُهُ: (﴿فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ مَن يَشاءُ﴾) .
وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ تَعالى هُنا الأحْوالَ المَغْفُورَةَ وغَيْرَ المَغْفُورَةِ: لِيَكُونَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَلا يُقَصِّرُوا في اتِّباعِ الخَيْراتِ النَّفْسِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، إلّا أنَّهُ أثْبَتَ غُفْرانًا وتَعْذِيبًا بِوَجْهِ الإجْمالِ عَلى كُلٍّ مِمّا نُبْدِيهِ وما نُخْفِيهِ، ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ والجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ «مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» وقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْها بِهِ أنْفُسُها» وأحْسَنُ كَلامٍ فِيهِ ما يَأْتَلِفُ مِن كَلامَيِ المازِرِيِّ وعِياضٍ، في شَرْحَيْهِما لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو - مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ -: أنَّ ما يَخْطُرُ في النَّفْسِ إنْ كانَ مُجَرَّدَ خاطِرٍ وتَرَدُّدٍ مِن غَيْرِ عَزْمٍ فَلا خِلافَ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِهِ، إذْ لا طاقَةَ لِلْمُكَلَّفِ بِصَرْفِهِ عَنْهُ، وهو مَوْرِدُ حَدِيثِ التَّجاوُزِ لِلْأُمَّةِ عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، وإنْ كانَ قَدْ جاشَ في النَّفْسِ عَزْمٌ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها أفْعالٌ بَدَنِيَّةٌ أوْ لا، فَإنْ كانَ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي لا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها أفْعالٌ، مِثْلَ الإيمانِ، والكُفْرِ، والحَسَدِ، فَلا خِلافَ في المُؤاخَذَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَدْخُلُ في طَوْقِ المُكَلَّفِ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وإنْ كانَ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها آثارٌ في الخارِجِ، فَإنْ حَصَلَتِ الآثارُ فَقَدْ خَرَجَ مِن أحْوالِ الخَواطِرِ إلى الأفْعالِ؛ كَمَن يَعْزِمُ عَلى السَّرِقَةِ
صفحة ١٣١
فَيَسْرِقُ، وإنْ عَزَمَ عَلَيْهِ ورَجَعَ عَنْ فِعْلِهِ اخْتِيارًا لِغَيْرِ مانِعٍ مَنَعَهُ، فَلا خِلافَ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِهِ وهو مَوْرِدُ حَدِيثِ «مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» وإنْ رَجَعَ لِمانِعٍ قَهَرَهُ عَلى الرُّجُوعِ فَفي المُؤاخَذَةِ بِهِ قَوْلانِ: أيْ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى يُجازِيكم. وأنَّهُ مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ مَوارِدُ الثَّوابِ والعِقابِ في أدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، وإنَّ مَن سَمّى ذَلِكَ نَسْخًا مِنَ السَّلَفِ فَإنَّما جَرى عَلى تَسْمِيَةٍ سَبَقَتْ ضَبْطَ المُصْطَلَحاتِ الأُصُولِيَّةِ، فَأطْلَقَ النَّسْخَ عَلى مَعْنى البَيانِ وذَلِكَ كَثِيرٌ في عِباراتِ المُتَقَدِّمِينَ. وهَذِهِ الأحادِيثُ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلائِلُ قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، هي البَيانُ لِـ (مَن يَشاءُ) في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ مَن يَشاءُ﴾) .
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ بِالَّتِي بَعْدَها، أيْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ.
وقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ المَشِيئَةَ هُنا مُتَرَتِّبَةٌ عَلى أحْوالِ المُبْدى والمُخْفى، كَما هو بَيِّنٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَيَغْفِرْ“ ”ويُعَذِّبْ“ بِالجَزْمِ، عَطْفًا عَلى (يُحاسِبْكم) وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ بِتَقْدِيرِ ”فَهو يَغْفِرُ“، وهُما وجْهانِ فَصِيحانِ، ويَجُوزُ النَّصْبُ ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ إلّا في الشّاذِّ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما دَلَّ عَلى عُمُومِ العِلْمِ، بِما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ القُدْرَةِ.
2:285Page 49
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥
The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْكامًا كَثِيرَةً وقِصَصًا خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وأتْباعِهِ وتَأْكِيدًا وفَذْلَكَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن قَبْلُ، يَعْنِي أنَّ هَذا انْتِقالٌ مِنَ المَواعِظِ والإرْشادِ
صفحة ١٣٢
والتَّشْرِيعِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِمّا هو عَوْنٌ عَلى تِلْكَ المَقاصِدِ، إلى الثَّناءِ عَلى رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إيمانًا خالِصًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ العَمَلُ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ والكِتابِ، يَقْتَضِي الِامْتِثالَ لِما جاءَ بِهِ مِن عَمَلٍ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وُضِعَتْ في هَذا المَوْقِعِ لِمُناسَبَةِ ما تَقَدَّمَ، وهو انْتِقالٌ مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ لِأنَّهُ لَمّا انْتَقَلَ مِن أغْراضٍ مُتَناسِبَةٍ إلى غَرَضٍ آخَرَ هو كالحاصِلِ والفَذْلَكَةِ، فَقَدْ أشْعَرَ بِأنَّهُ اسْتَوْفى تِلْكَ الأغْراضَ. ووَرَدَ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ يَرْتَبِطُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
و”ال“ في ”الرَّسُولِ“ لِلْعَهْدِ، وهو عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، في وقْتِ النُّزُولِ. قالَ تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] والمُؤْمِنُونَ مَعْطُوفٌ عَلى ”الرَّسُولُ“، والوَقْفُ عَلَيْهِ.
والمُؤْمِنُونَ هُنا لَقَبٌ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلِذَلِكَ كانَ في جَعْلِهِ فاعِلًا لِقَوْلِهِ (آمَنَ) فائِدَةٌ، مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في قَوْلِكَ: قامَ القائِمُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ جَمْعٌ بَعْدَ التَّفْصِيلِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ ”كُلٌّ“ إذا جاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ مُتَعَدِّدٍ في حُكْمٍ، ثُمَّ إرادَةُ جَمْعِهِ في ذَلِكَ، كَقَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللِّهْبِيِّ، بَعْدَ أبْياتٍ:
كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا
وإذا كانَتْ ”كُلٌّ“ مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ الإضافَةَ، فَإذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ نُوِّنَتْ تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنْ مُفْرَدٍ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ ”كُلٌّ“ اسْمٌ مُعْرَبٌ، لِأنَّ التَّنْوِينَ قَدْ يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في مَعْنَيَيْهِ، فَمَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفُ ”المُؤْمِنُونَ“ عَطْفَ جُمْلَةٍ، وجَعَلَ ”المُؤْمِنُونَ“ مُبْتَدَأً وجَعَلَ ”كُلٌّ“ مُبْتَدَأً ثانِيًا و”آمَنَ“ خَبَرُهُ، فَقَدْ شَذَّ عَنِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكُتُبِهِ“ بِصِيغَةِ جَمْعِ كِتابٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ”وكِتابِهِ“، بِصِيغَةِ المُفْرَدِ عَلى أنَّ المُرادَ القُرْآنُ أوْ جِنْسُ الكِتابِ، فَيَكُونُ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ: ”وكُتُبِهِ“ إذِ المُرادُ الجِنْسُ، والحَقُّ أنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ سَواءٌ في إرادَةِ الجِنْسِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ:
صفحة ١٣٣
إنَّ الجَمْعَ في مَدْخُولِ ”ال“ الجِنْسِيَّةِ صُوَرِيٌّ، ولِذَلِكَ يُقالُ: إذا دَخَلَتْ ”ال“ الجِنْسِيَّةُ عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، فَكَذَلِكَ كُلُّ ما أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ كالمُضافِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، والإضافَةُ تَأْتِي لِما تَأْتِي لَهُ اللّامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لَمّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ القِراءَةِ: ”كِتابِهِ“ أكْثَرُ مِن ”كُتُبِهِ“ أوِ الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ، فَقِيلَ: أرادَ أنَّ تَناوُلَ المُفْرَدِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ أكْثَرُ مِن تَناوُلِ الجَمْعِ حِينَ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، لِاحْتِمالِ إرادَةِ جِنْسِ الجُمُوعِ، فَلا يَسْرِي الحُكْمُ لِما دُونَ عَدَدِ الجَمْعِ مِن أفْرادِ الجِنْسِ، ولِهَذا قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: اسْتِغْراقُ المُفْرَدِ أشْمَلُ مِنِ اسْتِغْراقِ الجَمْعِ، والحَقُّ أنَّ هَذا لا يَقْصِدُهُ العَرَبُ في نَفْيِ الجِنْسِ ولا في اسْتِغْراقِهِ في الإثْباتِ، وأنَّ كَلامَ ابْنِ عَبّاسٍ - إنْ صَحَّ نَقْلُهُ عَنْهُ - فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ أكْثَرُ لِمُساواتِهِ لَهُ مَعْنًى، مَعَ كَوْنِهِ أخْصَرَ لَفْظًا، فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالأكْثَرِ مَعْنى الأرْجَحِ والأقْوى.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارَكِ وهو يَحْتَمِلُ الِالتِفاتَ بِأنْ يَكُونَ مِن مَقُولِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ وعُطِفَ ”وقالُوا“ عَلَيْهِ، أوِ النُّونُ فِيهِ لِلْجَلالَةِ أيْ: آمَنُوا في حالِ أنَّنا أمَرْناهم بِذَلِكَ، لِأنَّنا لا نُفَرِّقُ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وقِيلَ: هو مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”آمَنَ“، لِأنَّ الإيمانَ اعْتِقادٌ وقَوْلٌ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالياءِ: عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ .
والتَّفْرِيقُ هُنا أُرِيدَ بِهِ التَّفْرِيقُ في الإيمانِ بِهِ والتَّصْدِيقِ: بِأنْ يُؤْمِنَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرَ بِبَعْضٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]
﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ والسَّمْعُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الرِّضا والقَبُولِ والِامْتِثالِ، وعَكْسُهُ لا يَسْمَعُونَ أيْ: لا يُطِيعُونَ. وقالَ النّابِغَةُ:
تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سَمْعِها
صفحة ١٣٤
أيْ: عَدَمُ امْتِثالِها لِلرُّقْيا.
والمَعْنى: إنَّهم آمَنُوا واطْمَأنُّوا وامْتَثَلُوا، وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ الماضِي دُونَ المُضارِعِ؛ لِيَدُلُّوا عَلى رُسُوخِ ذَلِكَ، لِأنَّهم أرادُوا إنْشاءَ القَبُولِ والرِّضا، وصِيَغُ العُقُودِ ونَحْوِها تَقَعُ بِلَفْظِ الماضِي نَحْوَ: بِعْتُ.
”وغُفْرانَكَ“ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ: أيِ اغْفِرْ غُفْرانَكَ، فَهو بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، و(المَصِيرُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ اعْتِرافًا بِالبَعْثِ، وجُعِلَ مُنْتَهِيًا إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُنْتَهٍ إلى يَوْمٍ، أوْ عالَمٍ تَظْهَرُ فِيهِ قُدْرَةُ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مَجازٌ عَنْ تَمامِ الِامْتِثالِ والإيمانِ، كَأنَّهم كانُوا قَبْلَ الإسْلامِ آبِقِينَ، ثُمَّ صارُوا إلى اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وجَعْلُ المَصِيرِ إلى اللَّهِ تَمْثِيلًا لِلْمَصِيرِ إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ: كَقَوْلِهِ ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩] وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ: أيِ المَصِيرُ إلَيْكَ لا إلى غَيْرِكَ، وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ قُصِدَ بِهِ لازِمُ فائِدَتِهِ، وهو أنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ، ولا يَصِيرُونَ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْبُدُهم أهْلُ الضَّلالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences