Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:36–37
2:36Page 6
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦
But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."
﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ ولا تَقْرَبا وحَقُّها إفادَةُ التَّعْقِيبِ فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ عُرْفِيًّا لِأنَّ وُقُوعَ الإزْلالِ كانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ هي بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّةِ المُرادَةِ مِن سُكْنى الجَنَّةِ كالأمَدِ القَلِيلِ. والأحْسَنُ جَعْلُ الفاءِ لِلتَّفْرِيعِ مُجَرَّدَةً عَنِ التَّعْقِيبِ.
والإزْلالُ: جَعْلُ الغَيْرِ زالًّا أيْ قائِمًا بِهِ الزَّلَلُ وهو كالزَّلَقِ أنْ تَسِيرَ الرِّجْلانِ عَلى الأرْضِ بِدُونِ اخْتِيارٍ لِارْتِخاءِ الأرْضِ بِطِينٍ ونَحْوِهِ، أيْ ذاهِبَةً رِجْلاهُ بِدُونِ إرادَةٍ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ في صُدُورِ الخَطِيئَةِ والغَلَطِ المُضِرِّ ومِنهُ سُمِّي العِصْيانُ ونَحْوُهُ الزَّلَلَ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (عَنْها) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الشَّجَرَةِ لِأنَّها أقْرَبُ ولِيَتَبَيَّنَ سَبَبُ الزَّلَّةِ وسَبَبُ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلِ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الشَّجَرَةِ لَخَلَتِ القِصَّةُ عَنْ ذِكْرِ سَبَبِ الخُرُوجِ. و(عَنْ) في أصْلِ مَعْناها أيْ أزَلَّهُما إزْلالًا ناشِئًا عَنِ الشَّجَرَةِ أيْ عَنِ الأكْلِ مِنها، وتَقْدِيرُ المُضافِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]) ولَيْسَتْ (عَنْ) لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَن ذَكَرَ السَّبَبِيَّةَ أرادَ حاصِلَ المَعْنى كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] أنَّ مَعْناهُ وما يَنْطِقُ بِالهَوى فَقالَ الرَّضِيُّ: الأوْلى أنَّ (عَنْ) بِمَعْناها وأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ نُطْقًا صادِرًا عَنِ الهَوى. ويَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْجَنَّةِ وتَكُونُ (عَنْ) عَلى ظاهِرِها والإزْلالُ مَجازًا في الإخْراجِ بِكُرْهٍ والمُرادُ مِنهُ الهُبُوطُ مِنَ الجَنَّةِ مُكْرَهَيْنِ كَمَن يُزَلُّ عَنْ مَوْقِفِهِ فَيَسْقُطُ كَقَوْلِهِ: وكَمْ مَنزِلٍ لَوْلايَ طِحْتَ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا﴾) فِيهِ تَفْرِيعٌ عَنِ الإزْلالِ بِناءً عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّجَرَةِ
صفحة ٤٣٤
والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ التَّعْظِيمُ، كَقَوْلِهِمْ: قَدْ كانَ ما كانَ، فَإنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ عَنْها عائِدًا إلى الجَنَّةِ كانَ هَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعَ المُفَصَّلِ عَنِ المُجْمَلِ وكانَتِ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المُجَرَّدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] وقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] أمّا دَلالَةُ المَوْصُولِ عَنِ التَّعْظِيمِ فَهي هي. وقَرَأ حَمْزَةُ ”فَأزالَهُما“ بِألْفٍ بَعْدِ الزّايِ وهو مِنَ الإزالَةِ بِمَعْنى الإبْعادِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (عَنْها) عائِدًا إلى الجَنَّةِ لا إلى الشَّجَرَةِ. وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ مَن خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ فَقَدْ خَرَجَ مِمّا كانَ فِيهِ إحْضارًا لِهَذِهِ الخَسارَةِ العَظِيمَةِ في ذِهْنِ السّامِعِينَ حَتّى لا تَكُونَ اسْتِفادَتُها بِدَلالَةِ الِالتِزامِ خاصَّةً فَإنَّها دَلالَةٌ قَدْ تَخْفى فَكانَتْ إعادَتُهُ في هَذِهِ الصِّلَةِ بِمُرادِفِهِ كَإعادَتِهِ بِلَفْظِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] وتُفِيدُ الآيَةُ إثارَةَ الحَسْرَةِ في نُفُوسِ بَنِي آدَمَ عَلى ما أصابَ آدَمَ مِن جَرّاءِ عَدَمِ امْتِثالِهِ لِوِصايَةِ اللَّهِ تَعالى ومَوْعِظَةً تُنَبِّهُ بِوُجُوبِ الوُقُوفِ عِنْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ في السَّعْيِ إلى ما يُعِيدُهم إلى هَذِهِ الجَنَّةِ الَّتِي كانَتْ لِأبِيهِمْ وتَرْبِيَةَ العَداوَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ الشَّيْطانِ وجُنْدِهِ إذْ كانَ سَبَبًا في جَرِّ هَذِهِ المُصِيبَةِ لِأبِيهِمْ حَتّى يَكُونُوا أبَدًا ثَأْرًا لِأبِيهِمْ مُعادِينَ لِلشَّيْطانِ ووَسْوَسَتِهِ مُسِيئِينَ الظُّنُونَ بِإغْرائِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلُهُ هُنا ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في تَرْبِيَةِ العامَّةِ ولِأجْلِهِ كانَ قادَةُ الأُمَمِ يَذْكُرُونَ لَهم سَوابِقَ عَداواتِ مُنافِسِيهِمْ ومَن غَلَبَهم في الحُرُوبِ لِيَكُونَ ذَلِكَ باعِثًا عَلى أخْذِ الثَّأْرِ.
وعَطْفُ (وقُلْنا اهْبِطُوا) بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَفَرِّعٍ عَنِ الإخْراجِ، بَلْ هو مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ ذِكْرَ الإخْراجِ قَبْلَ هَذا لِمُناسَبَةِ سِياقِ ما فَعَلَهُ الشَّيْطانُ وغُرُورِهِ بِآدَمَ فَلِذَلِكَ قُدِّمَ قَوْلُهُ (فَأخْرَجَهُما) إثْرَ قَوْلِهِ ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾ ووَجْهُ جَمْعِ الضَّمِيرِ في (اهْبِطُوا) قِيلَ لِأنَّ هُبُوطَ آدَمَ وحَوّاءَ اقْتَضى أنْ لا يُوجَدَ نَسْلُهُما في الجَنَّةِ فَكانَ إهْباطُهُما إهْباطًا لِنَسْلِهِما، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُما ولِإبْلِيسَ وهو وإنْ أُهْبِطَ عِنْدَ إبايَتِهِ السُّجُودَ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها
صفحة ٤٣٥
مَذْءومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]) إلى قَوْلِهِ (﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] فَهَذا إهْباطٌ ثانٍ فِيهِ تَحْجِيرُ دُخُولِ الجَنَّةِ عَلَيْهِ والإهْباطُ الأوَّلُ كانَ إهْباطَ مَنعٍ مِنَ الكَرامَةِ مَعَ تَمْكِينِهِ مِنَ الدُّخُولِ لِلْوَسْوَسَةِ وكِلا الوَجْهَيْنِ بِعِيدٌ، فالَّذِي أراهُ أنَّ جَمْعَ الضَّمِيرِ مُرادٌ بِهِ التَّثْنِيَةُ لِكَراهِيَةِ تُوالِي المُثَنَّياتِ بِالإظْهارِ والإضْمارِ مِن قَوْلِهِ ( وكُلا مِنها رَغَدًا) والعَرَبُ يَسْتَثْقِلُونَ ذَلِكَ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
وإنَّما لَهُ صاحِبانِ لِقَوْلِهِ قَفا نَبْكِ إلَخْ وقالَ تَعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] وسَيَأْتِي في سُورَةِ التَّحْرِيمِ. وقَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِالبَعْضِ بَعْضُ الأنْواعِ وهو عَداوَةُ الإنْسِ والجِنِّ إنْ كانَ الضَّمِيرُ في اهْبِطُوا لِآدَمَ وزَوْجِهِ وإبْلِيسَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ عَداوَةُ بَعْضِ أفْرادِ نَوْعِ البَشَرِ، إنْ كانَ ضَمِيرُ اهْبِطُوا لِآدامَ وحَوّاءَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إعْلامًا لَهُما بِأثَرٍ مِن آثارِ عَمَلِهِما يُورَثُ في بَنِيهِما، ولِذَلِكَ مَبْدَأُ ظُهُورِ آثارِ الِاخْتِلالِ في تَكْوِينِ خِلْقَتِهِما بِأنْ كانَ عِصْيانُهُما يُورَثُ في أنْفُسِهِما وأنْفُسِ ذُرِّيَّتِهِما داعِيَةَ التَّغْرِيرِ والحِيلَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] فَإنَّ الأخْلاقَ تُوَرَّثُ وكَيْفَ لا وهي مِمّا يُعَدّى بِكَثْرَةِ المُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ وقَدْ قالَ أبُو تَمامٍ:
لَأعْدَيْتَنِي بِالحِلْمِ إنَّ العُلا تُعْدِي
ووَجْهُ المُناسِبَةِ بَيْنَ هَذا الأثَرِ وبَيْنَ مَنشَئِهِ الَّذِي هو الأكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ أنَّ الأكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ كانَ مُخالَفَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ورَفْضًا لَهُ، وسُوءُ الظَّنِّ بِالفائِدَةِ مِنهُ دَعا لِمُخالَفَتِهِ الطَّمَعُ والحِرْصُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لِأنْفُسِهِما، وهو الخُلُودُ في الجَنَّةِ والِاسْتِئْثارُ بِخَيْراتِها مَعَ سُوءِ الظَّنِّ بِالَّذِي نَهاهُما عَنِ الأكْلِ مِنها وإعْلامِهِ لَهُما بِأنَّهُما إنْ أكَلا مِنها ظَلَما أنْفُسَهُما لِقَوْلِ إبْلِيسَ لَهُما ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فَكَذَلِكَ كانَتْ عَداوَةُ أفْرادِ البَشَرِ مَعَ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الأُلْفَةِ والأُنْسِ والِاتِّحادِ مَنشَؤُها رَفْضُ تِلْكَ الأُلْفَةِ والِاتِّحادِ لِأجْلِ جَلْبِ النَّفْعِ لِلنَّفْسِ وإهْمالِ مَنفَعَةِ الغَيْرِ، فَلا جَرَمَ كانَ بَيْنَ ذَلِكَ الخاطِرِ الَّذِي بَعَثَهُما عَلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ وبَيْنَ أثَرِهِ الَّذِي بَقِيَ في نُفُوسِهِما والَّذِي سَيُوَرِّثُونَهُ نَسْلَهُما فَيُخْلَقُ النَّسْلُ مُرَكَّبَةً عُقُولُهم عَلى التَّخَلُّقِ بِذَلِكَ الخُلُقِ الَّذِي طَرَأ عَلى عَقْلِ
صفحة ٤٣٦
أبَوَيْهِما، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الخُلُقَ الرّاجِعَ لِإيثارِ النَّفْسِ بِالخَيْرِ وسُوءِ الظَّنِّ بِالغَيْرِ هو مَنبَعُ العَداواتِ كُلِّها لِأنَّ الواحِدَ لا يُعادِي الآخَرَ إلّا لِاعْتِقادِ مُزاحِمَةٍ في مَنفَعَةٍ أوْ لِسُوءِ ظَنٍّ بِهِ في مَضَرَّةٍ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى مَسْألَةٍ أخْلاقِيَّةٍ وهي أنَّ أصْلَ الأخْلاقِ حَسَنِها وقَبِيحِها هو الخَواطِرُ الخَيِّرَةُ والشِّرِّيرَةُ ثُمَّ يَنْقَلِبُ الخاطِرُ إذا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ فَيَصِيرُ خُلُقًا وإذا قاوَمَهُ صاحِبُهُ ولَمْ يَفْعَلْ صارَتْ تِلْكَ المُقاوَمَةُ سَبَبًا في اضْمِحْلالِ ذَلِكَ الخاطِرِ، ولِذَلِكَ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعاصِي وكانَ جَزاءُ تَرْكِ فِعْلِ ما يَهُمُّ بِهِ مِنها حَسَنَةً، وأمَرَتْ بِخَواطِرِ الخَيْرِ فَكانَ جَزاءُ مُجَرَّدِ الهَمِّ بِالحَسَنَةِ حَسَنَةً ولَوْ لَمْ يَعْمَلْها، وكانَ العَمَلُ بِذَلِكَ الهَمِّ عَشْرَ حَسَناتٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، ثُمَّ قالَ ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَعَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ» وجَعَلَ العَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ مِنَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَغْفِرَةً في حَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي فِيما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسَها» .
إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ خَيِّرًا أيْ سالِمًا مِنَ الشُّرُورِ والخَواطِرِ الشِّرِّيرَةِ عَلى صِفَةٍ مَلَكِيَّةٍ وهو مَعْنى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ثُمَّ جَعَلَهُ أطْوارًا فَأوَّلُها طَوْرُ تَعْلِيمِهِ النُّطْقَ ووَضْعِ الأسْماءِ لِلْمُسَمَّياتِ لِأنَّ ذَلِكَ مَبْدَأُ المَعْرِفَةِ وبِهِ يَكُونُ التَّعْلِيمُ، أيْ يُعَلِّمُ بَعْضُ أفْرادِهِ بَعْضًا ما عَلِمَهُ وجَهِلَهُ الآخَرُ فَكانَ إلْهامُهُ اللُّغَةَ مَبْدَأ حَرَكَةِ الفِكْرِ الإنْسانِيِّ وهو مَبْدَأٌ صالِحٌ لِلْخَيْرِ ومُعِينٌ عَلَيْهِ لِأنَّ بِهِ عَلَّمَ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا ولِذَلِكَ تَرى الصَّبِيَّ يَرى الشَّيْءَ فَيُسْرِعُ إلى قُرَنائِهِ يُنادِيهِمْ لِيَرَوْهُ مَعَهُ حِرْصًا عَلى إفادَتِهِمْ فَكانَ الإنْسانُ مُعَلِّمًا بِالطَّبْعِ وكانَ ذَلِكَ مُعِينًا عَلى خَيْرِيَّتِهِ إلّا أنَّهُ صالِحٌ أيْضًا لِاسْتِعْمالِ النُّطْقِ في التَّمْوِيهِ والكَذِبِ؛ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ أمْرٍ كَلَّفَهُ بِما في اسْتِطاعَتِهِ أنْ يَمْتَثِلَهُ وأنْ يُخالِفَهُ فَتِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ مَبْدَأُ حَرَكَةِ نَفْسِهِ في الحِرْصِ والِاسْتِئْثارِ، فَكانَ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى تِلْكَ الِاسْتِطاعَةِ مَبْدَأ طَوْرِ جَدِيدٍ هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ثُمَّ هَداهُ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ فَصارَ بِاتِّباعِها يَبْلُغُ إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ ويَرْجِعُ إلى تَقْوِيمِهِ الأوَّلِ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وقَدْ أُشِيرَ إلى هَذا الطَّوْرِ الأخِيرِ بِقَوْلِهِ فِيما يَأْتِي ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا وإمّا جُمْلَةُ حالٍ مِن ضَمِيرِ (اهْبِطُوا) وهي اسْمِيَّةٌ خَلَتْ مِنَ الواوِ، وفي اعْتِبارِ الجُمْلَةِ الإسْمِيَّةِ الخالِيَةِ مِنَ الواوِ حالًا
صفحة ٤٣٧
خِلافٌ بَيْنَ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، مَنَعَ ذَلِكَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ وأجازَهُ ابْنُ مالِكٍ وجَماعَةٌ. والحَقُّ عِنْدِي أنَّ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ تَسْتَغْنِي بِالضَّمِيرِ عَنِ الواوِ وبِالواوِ عَنِ الضَّمِيرِ فَإذا كانَتْ في مَعْنى الصِّفَةِ لِصاحِبِها اشْتَمَلَتْ عَلى ضَمِيرِهِ أوْ ضَمِيرِ سَبَبِيِّهِ فاسْتَغْنَتْ عَنِ الواوِ نَحْوُ الآيَةِ ونَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ يَدُهُ عَلى رَأْسِهِ أوْ أبُوهُ يُرافِقُهُ، وإلّا وجَبَتِ الواوُ إذْ لا رابِطَ حِينَئِذٍ غَيْرُها نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، وقَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا:
فَخالَطَ سَهْلَ الأرْضِ لَمْ يَكْدَحِ الصَّفا ∗∗∗ بِهِ كَدْحَةٌ والمَوْتُ خَزْيانُ يَنْظُرُ
وقَوْلُهُ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ ضَمِيرُهُ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (اهْبِطُوا) عَلى التَّقادِيرِ كُلِّها. والحِينُ الوَقْتُ والمُرادُ بِهِ وقْتُ انْقِراضِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ والشَّيْطانِيِّ بِانْقِراضِ العالَمِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ضَمِيرِ (لَكم) التَّوْزِيعَ أيْ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ. وإنَّما كانَ ذَلِكَ مَتاعًا لِأنَّ الحَياةَ أمْرٌ مَرْغُوبٌ لِسائِرِ البَشَرِ عَلى أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِن لَذّاتٍ وتَمَتُّعٍ بِما وهَبَنا اللَّهُ مِنَ المُلائِماتِ. هَذا إنْ أُرِيدَ بِالخَبَرِ المَجْمُوعِ أيْ لِجَمِيعِكم، وإنْ أُرِيدَ بِهِ التَّوْزِيعُ فالحِينُ هو وقْتُ مَوْتِ كُلِّ فَرْدٍ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ لِلْجَيْشِ: هَذِهِ الأفْراسُ لَكم، أيْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنكم فَرَسٌ.
2:37Page 6
فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧
Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
جاءَ بِالفاءِ إيذانًا بِمُبادَرَةِ آدَمَ بِطَلَبِ العَفْوِ.
والتَّلَقِّي اسْتِقْبالُ إكْرامٍ ومَسَرَّةٍ، قالَ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ووَجْهُ دَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ صِيغَةُ ”تَفَعَّلَ“ مَن لَقِيَهُ وهي دالَّةٌ عَلى التَّكَلُّفِ لِحُصُولِهِ وتَطَلُّبِهِ وإنَّما يُتَكَلَّفُ ويُتَطَلَّبُ لِقاءُ الأمْرِ المَحْبُوبِ، بِخِلافِ لاقى، فَلا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُلاقى مَحْبُوبًا بَلْ تَقُولُ: لاقى العَدْوَ، واللِّقاءُ الحُضُورُ نَحْوُ الغَيْرِ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ وفي خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥] الآيَةَ فالتَّعْبِيرُ بِتَلَقّى هُنا مُؤَذِنٌ بِأنَّ الكَلِماتِ الَّتِي أخَذَها آدَمُ كَلِماتٌ نافِعَةٌ لَهُ فَعُلِمَ أنَّها لَيْسَتْ كَلِماتِ زَجْرٍ وتَوْبِيخٍ بَلْ كَلِماتُ عَفْوٍ ومَغْفِرَةٍ ورِضًا، وهي إمّا كَلِماتٌ لُقِّنَها آدَمُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِيَقُولَها طالِبًا المَغْفِرَةَ وإمّا كَلِماتُ إعْلامٍ مِنَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ عَفا عَنْهُ بَعْدَ أنْ أهْبِطَهُ مِنَ الجَنَّةِ اكْتِفاءً بِذَلِكَ في العُقُوبَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّها كَلِماتُ عَفْوٍ عَطْفُ (فَتابَ عَلَيْهِ) بِالفاءِ إذْ لَوْ كانَتْ كَلِماتِ تَوْبِيخٍ لَما صَحَّ التَّسَبُّبُ، وتَلَقِّي آدَمَ لِلْكَلِماتِ إمّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ
صفحة ٤٣٨
أوِ الإلْهامِ ولَهم في تَعْيِينِ هَذِهِ الكَلِماتِ رِواياتٌ أعْرَضْنا عَنْها لِقِلَّةِ جَدْوى الِاشْتِغالِ بِذَلِكَ، فَقَدْ قالَ آدَمُ الكَلِماتِ فَتِيبَ عَلَيْهِ فَلْنَهْتَمَّ نَحْنُ بِما يَنْفَعُنا مِنَ الكَلامِ الصّالِحِ والفِعْلِ الصّالِحِ.
ولَمْ تُذْكَرْ تَوْبَةُ حَوّاءَ هُنا مَعَ أنَّها مَذْكُورَةٌ في مَواضِعَ أُخْرى نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] لِظُهُورِ أنَّها تَتْبَعُهُ في سائِرِ أحْوالِهِ وأنَّهُ أرْشَدَها إلى ما أُرْشِدَ إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الكَلامَ جَرى عَلى الِابْتِداءِ بِتَكْرِيمِ آدَمَ وجَعْلِهِ في الأرْضِ خَلِيفَةً فَكانَ الِاعْتِناءُ بِذِكْرِ تَقَلُّباتِهِ هو الغَرَضَ المَقْصُودَ، وأصْلُ مَعْنى تابَ رَجَعَ ونَظِيرُهُ ثابَ بِالمُثَلَّثَةِ، ولَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ رُجُوعًا مِنَ التّائِبِ إلى الطّاعَةِ ونَبْذًا لِلْعِصْيانِ، وكانَ قَبُولُها رُجُوعًا مِنَ المَتُوبِ إلَيْهِ إلى الرِّضا وحُسْنِ المُعامَلَةِ وُصِفَ بِذَلِكَ رُجُوعُ العاصِي عَنِ العِصْيانِ ورُجُوعُ المَعْصِيِّ عَنِ العِقابِ فَقالُوا تابَ فُلانٌ لِفُلانٍ فَتابَ عَلَيْهِ لِأنَّهم ضَمَّنُوا الثّانِيَ مَعْنى عَطْفٍ ورَضًى، فاخْتِلافُ مُفادَيْ هَذا الفِعْلِ بِاخْتِلافِ الحَرْفِ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ وكانَ أصْلُهُ مَبْنِيًّا عَلى المُشاكَلَةِ. والتَّوْبَةُ تَتَرَكَّبُ مِن عِلْمٍ وحالٍ وعَمَلٍ فالعِلْمُ هو مَعْرِفَةُ الذَّنَبِ، والحالُ هو تَألُّمُ النَّفْسِ مِن ذَلِكَ الضَّرَرِ ويُسَمّى نَدَمًا، والعَمَلُ هو التَّرْكُ لِلْإثْمِ وتَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكَهُ وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّوْبَةِ وأمّا النَّدَمُ فَهو الباعِثُ عَلى العَمَلِ ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» قالَهُ الغَزالِيُّ. قُلْتُ: أيْ لِأنَّهُ سَبَبُها ضَرُورَةً أنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ لِأنَّ أحَدَ الجُزْءَيْنِ غَيْرُ مَعْرِفَةٍ.
ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِـ (تابَ عَلَيْهِ) هُنا مُشْعِرٌ بِأنَّ أكْلَ آدَمَ مِنَ الشَّجَرَةِ خَطِيئَةٌ وإثْمٌ، غَيْرَ أنَّ الخَطِيئَةَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا عَلَيْها جَزاءُ عِقابٍ أُخْرَوِيٍّ ولا نَقْصٌ في الدِّينِ، ولَكِنَّها أوْجَبَتْ تَأْدِيبًا عاجِلًا لِأنَّ الإنْسانَ يَوْمَئِذٍ في طَوْرٍ كَطَوْرِ الصِّبا فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ ارْتِكابُها بِقادِحٍ في نُبُوءَةِ آدَمَ، عَلى أنَّها لا يَظْهَرُ أنْ تُعَدَّ مِنَ الكَبائِرِ بَلْ قِصارُها أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّغائِرِ إذْ لَيْسَ فِيها مَعْنًى يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالأمْرِ ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسادٌ، وفي عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الصَّغائِرِ خِلافٌ بَيْنِ أصْحابِ الأشْعَرِيِّ وبَيْنَ الماتُرِيدِيِّ وهي في كُتُبِ الكَلامِ، عَلى أنَّ نُبُوءَةَ آدَمَ فِيما يَظْهَرُ كانَتْ بَعْدَ النُّزُولِ إلى الأرْضِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِصْمَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ إذِ العِصْمَةُ عِنْدَ النُّبُوءَةِ.
وعِنْدِي - وبَعْضُهُ مَأْخُوذٌ مِن كَلامِهِمْ - أنَّ ذَلِكَ العالَمَ لَمْ يَكُنْ عالَمَ تَكْلِيفٍ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرائِعِ، بَلْ عالَمَ تَرْبِيَةٍ فَقَطْ، فَتَكُونُ خَطِيئَةُ آدَمَ ومَعْصِيَتُهُ مُخالَفَةً تَأْدِيبِيَّةً ولِذَلِكَ كانَ الجَزاءُ عَلَيْها جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العُقُوباتِ التَّأْدِيبِيَّةِ بِالحِرْمانِ مِمّا جَرَّهُ إلى المَعْصِيَةِ، فَإطْلاقُ المَعْصِيَةِ والتَّوْبَةِ وظُلْمِ النَّفْسِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ هو بِغَيْرِ المَعْنى الشَّرْعِيِّ المَعْرُوفِ بَلْ هي مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ،
صفحة ٤٣٩
وتَوْبَةٌ بِمَعْنى النَّدَمِ والرُّجُوعِ إلى التِزامِ حُسْنِ السُّلُوكِ، وتَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرِّضا لا بِمَعْنى غُفْرانِ الذُّنُوبِ، وظُلْمُ النَّفْسِ بِمَعْنى التَّسَبُّبِ في حِرْمانِها مِن لَذّاتٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ لَذَّةٍ قَلِيلَةٍ فَهو قَدْ خالَفَ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُخالِفَهُ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ﴿خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] فَإنَّهُ هو الَّذِي بَيَّنَ بِهِ لَهم أنَّ المَعْصِيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ جَزاؤُها جَهَنَّمُ، فَأوْرَدَ عَلَيَّ بَعْضُ الحُذّاقِ مِن طَلَبَةِ الدَّرْسِ أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنِ العالَمُ عالَمَ تَكْلِيفٍ فَكَيْفَ كَفَرَ إبْلِيسُ بِاعْتِراضِهِ وامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ ؟ فَأجَبْتُهُ بِأنَّ دَلالَةَ أُلُوهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ العالَمِ حاصِلَةٌ بِالمُشاهَدَةِ حُصُولًا أقْوى مِن كُلِّ دَلالَةٍ زِيادَةً عَلى دَلالَةِ العَقْلِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ شاهِدٌ بِالحِسِّ الدَّلائِلَ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والخَلْقِ والتَّصَرُّفِ المُطْلَقِ وبِعَلَمِهِ وحِكْمَتِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ كَما حَصَلَ العِلْمُ بِمِثْلِهِ لِلْمَلائِكَةِ، فَكانَ اعْتِراضُهُ عَلى فِعْلِهِ والتَّغْلِيطُ إنْكارًا لِمُقْتَضى تِلْكَ الصِّفاتِ فَكانَ مُخالَفَةً لِدَلائِلِ الإيمانِ فَكَفَرَ بِهِ. وأمّا الأمْرُ والنَّهْيُ والطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ وجَزاءُ ذَلِكَ فَلا يُتَلَقّى إلّا بِالإخْباراتِ الشَّرْعِيَّةِ وهي لَمْ تَحْصُلْ يَوْمَئِذٍ وإنَّما حَصَلَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهم (فَمَن تَبِعَ هُدايَ) الآيَةَ فَظَهَرَ الفَرْقُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ آدَمُ بِالرَّفْعِ و(كَلِماتٍ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِنَصْبِ (آدَمَ) ورَفْعِ (كَلِماتٌ) عَلى تَأْوِيلِ (تَلَقى) بِمَعْنى بَلَغَتْهُ كَلِماتٌ فَيَكُونُ التَّلَقِّي مَجازًا عَنِ البُلُوغِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهي (فَتابَ عَلَيْهِ) لِأنَّهُ يُفِيدُ مُفادَها مَعَ زِيادَةِ التَّعْمِيمِ والتَّذْيِيلِ مِنَ الإطْنابِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي. ومَعْنى المُبالَغَةِ في التَّوّابِ أنَّهُ الكَثِيرُ القَبُولِ لِلتَّوْبَةِ أيْ لِكَثْرَةِ التّائِبِينَ فَهو مِثالُ مُبالَغَةٍ مِن ”تابَ المُتَعَدِّي“ بِعَلى الَّذِي هو بِمَعْنى قَبُولِ التَّوْبَةِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يَخُصُّ تائِبًا دُونَ آخَرَ وهو تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ فَتَلْقى آدَمُ مِن رَبِّهِ المُؤَذِنُ بِتَقْدِيرِ تابَ آدَمُ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلى جَعْلِ التَّوّابِ بِمَعْنى المُلْهِمِ لِعِبادِهِ الكَثِيرِينَ أنْ يَتُوبُوا، فَإنَّ أمْثِلَةَ المُبالَغَةِ قَدْ تَجِيءُ مِن غَيْرِ التَّكاثُرِ، فالتَّوّابُ هُنا مَعْناهُ المُلْهَمُ التَّوْبَةِ وهو كِنايَةٌ عَنْ قَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِ.
وتَعْقِيبُهُ بِالرَّحِيمِ لِأنَّ الرَّحِيمَ جارٍ مَجْرى العِلَّةِ لِلتَّوّابِ إذْ قَبُولُهُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ضَرْبٌ مِنَ الرَّحْمَةِ بِهِمْ وإلّا لَكانَتِ التَّوْبَةُ لا تَقْتَضِي إلّا نَفْعَ التّائِبِ نَفْسَهُ بِعَدَمِ العَوْدِ لِلذَّنْبِ حَتّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الآثامُ. وأمّا الإثْمُ المُتَرَتِّبُ فَكانَ مِنَ العَدْلِ أنْ يَتَحَقَّقَ عِقابُهُ لَكِنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتِ العَدْلَ هُنا بِوَعْدٍ مِنَ اللَّهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences