Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:40

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:40, continued

فالمَعْنى هُنا ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ومَهْما يَكُنْ شَيْءٌ فَإيّايَ ارْهَبُونِي، فَلَمّا حُذِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ بَعْدَ واوِ العَطْفِ بَقِيَتْ فاءُ الجَوابِ مُوالِيَةً لِواوِ العَطْفِ فَزُحْلِقَتْ إلى أثْناءِ الجَوابِ كَراهِيَةَ تَوالِي

صفحة ٤٥٦

حَرْفَيْنِ فَقِيلَ وإيّايَ فارْهَبُونِ بَدَلًا عَنْ أنْ يُقالَ فارْهَبُونِ. والتَّعْلِيقُ عَلى الشَّرْطِ العامِّ يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ وُقُوعِ الجَوابِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ بِمَنزِلَةِ رَبْطِ المُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ فَإذا كانَ المُعَلَّقُ عَلَيْهِ أمْرًا مُحَقَّقَ الوُقُوعِ لِعَدَمِ خُلُوِّ الحَدَثانِ عَنْهُ تَعَيَّنَ تَحَقُّقُ وُقُوعِ المُعَلَّقِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في بابِ الأمْرِ والنَّهْيِ يُخْتارُ فِيهِما النَّصْبُ في الِاسْمِ الَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ الفِعْلُ وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِكَ زَيْدًا اضْرِبْهُ ومِثْلَ ذَلِكَ أمّا زَيْدًا فاقْتُلْهُ فَإذا قُلْتَ ”زَيْدٌ فاضْرِبْهُ“ لَمْ يَسْتَقِمْ أنْ تَحَمِلَهُ عَلى الِابْتِداءِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ ”زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ“ لَمْ يَسْتَقِمْ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ الفاءَ هُنا في مَعْنى فاءِ الجَزاءِ فَمِن ثَمَّ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ هاتِهِ الفاءَ مَهْما وُجِدَتْ في الِاشْتِغالِ دَلَّتْ عَلى شَرْطٍ عامٍّ مَحْذُوفٍ وإنَّ الفاءَ كانَتْ داخِلَةً عَلى الِاسْمِ فَزُحْلِقَتْ عَلى حُكْمِ فاءِ جَوابِ أمّا الشَّرْطِيَّةُ وأحْسَبُ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ مِن مُبْتَكَرِ أسالِيبِ القُرْآنِ ولَمْ أذْكُرْ أنِّي عَثَرْتُ عَلى مِثْلِهِ في كَلامِ العَرَبِ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ المَبْنِيَّ عَلى كَلامِ سِيبَوَيْهِ مِنِ اعْتِبارِ الفاءِ مُشْعِرَةً بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أنَّ غالِبَ مَواقِعِ هاتِهِ الفاءِ المُتَقَدِّمِ مَعَها المَفْعُولُ عَلى مَدْخَلِها أنْ تَقَعَ بَعْدَ نَهْيٍ أوْ أمْرٍ يُناقِضُ الأمْرَ والنَّهْيَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الفاءُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾ [الزمر: ٦٥] إلى قَوْلِهِ ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] وقَوْلِ الأعْشى

ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا

فَكانَ ما يَتَقَدَّمُ هاتِهِ الفاءَ يَتَوَلَّدُ مِنهُ شَرْطٌ في المَعْنى وكانَتِ الفاءُ مُؤْذِنَةً بِذَلِكَ الشَّرْطِ وعَلامَةً عَلَيْهِ فَلِأجْلِ كَوْنِهِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلَيْنِ أصْلِهِ وفَرْعِهِ كانَ كالمَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وفَإنْ كُنْتَ عابِدًا شَيْئًا فاللَّهَ فاعْبُدْ، وكَذا في البَيْتِ. وهَذِهِ فائِدَةٌ لَمْ يُفْصِحْ عَنْها السَّلَفُ فَخُذْها ولا تَخَفْ.

صفحة ٤٥٧

قالَ التَّفْتَزانِيُّ ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ قالَ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ وُجُوهًا مِنَ التَّأْكِيدِ: تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ وتَأْخِيرُ المُتَّصِلِ، والفاءُ المُوجِبَةُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ومَعْطُوفًا تَقْدِيرُهُ إيّايَ ارْهَبُوا فارْهَبُونِ: أحَدُهُما مُقَدَّرٌ والثّانِي مُظْهَرٌ. وما في ذَلِكَ مِن تَكْرارِ الرَّهْبَةِ. وما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ بِدِلالَةِ الفاءِ كَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتُمْ راهِبِينَ شَيْئًا فارْهَبُونِ اهـ. يُرِيدُ أنَّ في تَقْدِيمِ الضَّمِيرِ إفادَةَ الِاخْتِصاصِ والِاخْتِصاصُ تَأْكِيدٌ، قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ لَيْسَ الحَصْرُ والتَّخْصِيصُ إلّا تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ وأمّا تَأْخِيرُ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ فَلَمّا في إعادَةِ الإسْنادِ مِنَ التَّقْوى، ومُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ومَعْطُوفًا العَطْفُ اللُّغَوِيُّ أيْ مُعَقَّبًا ومُعَقَّبًا بِهِ لا العَطْفُ النَّحْوِيُّ إذْ لا يَسْتَقِيمُ هُنا. فَتَحَصَّلَ أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْ مِثْلِ هَذا الِاخْتِصاصِ في كَلامِ البُلَغاءِ مَراتِبَ أرْبَعًا: مُجَرَّدُ التَّقْدِيمِ لِلْمَفْعُولِ نَحْوَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وتَقْدِيمُهُ عَلى فِعْلِهِ العامِلِ في ضَمِيرِهِ نَحْوَ زَيْدًا رَهِبْتُهُ. وتَقْدِيمُهُ عَلى فِعْلِهِ مَعَ اقْتِرانِ الفِعْلِ بِالفاءِ نَحْوَ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ. وتَقْدِيمُهُ عَلى فِعْلِهِ العامِلِ في ضَمِيرِهِ مَعَ اقْتِرانِ الفِعْلِ بِالفاءِ نَحْوَ ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فالثّانِيَةُ والثّالِثَةُ والرّابِعَةُ أوْكَدُ مِنهُما.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ في قَوْلِهِ فارْهَبُونِ لِلْجُمْهُورِ مِنَ العَشَرَةِ في الوَصْلِ والوَقْفِ وأثْبَتَها يَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وجُمْهُورُ العَرَبِ يَحْذِفُونَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ وهُذَيْلٌ يَحْذِفُونَها في الوَقْفِ والوَصْلِ وأهْلُ الحِجازِ يُثْبِتُونَها في الحالَيْنِ وإنَّما اتَّفَقَ الجُمْهُورُ هُنا عَلى حَذْفِها في الوَصْلِ مِثْلَ الوَقْفِ لِأنَّ كَلِمَةَ فارْهَبُونِ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ الإمامِ بِدُونِ ياءٍ وقُرِئَتْ كَذَلِكَ في سُنَّةِ القِراءَةِ.

ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّها وقَعَتْ فاصِلَةً فاعْتَبَرُوها كالمَوْقُوفِ عَلَيْها قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يُحْذَفُ مِن أواخِرِ الأسْماءِ في الوَقْفِ وجَمِيعِ ما لا يُحْذَفُ في الكَلامِ وما يُخْتارُ فِيهِ أنْ لا يُحْذَفَ يُحْذَفُ في الفَواصِلِ والقَوافِي. ولِأنَّ لُغَةَ هُذَيْلٍ تَحْذِفُها مُطْلَقًا، وقِراءَةُ يَعْقُوبَ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ جَرى عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ ولِأنَّهُ رَواها بِالإثْباتِ وهو وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ ويَكُونُ قَدْ تَأوَّلَ كِتابَتَها بِدُونِ ياءٍ في المُصْحَفِ أنَّهُ اعْتِمادٌ عَلى أنَّ القارِئَ يُجْرِيها عَلى رِوايَتِهِ ولِذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ ياءُ المُتَكَلِّمِ في كَلِمَةٍ هي فاصِلَةً مِنَ الآيِ لَما اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى حَذْفِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِي إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] كَما سَيَأْتِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском