Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:62–67, continued
والتَّعْبِيرُ في نَفْيِ الخَوْفِ بِالخَبَرِ الِاسْمِيِّ وهو ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ٦٢] لِإفادَةِ نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ نَفْيًا قارًّا، لِدِلالَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، والتَّعْبِيرِ في نَفْيِ خَوْفٍ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ وهو
صفحة ٥٤١
يَحْزَنُونَ لِإفادَةِ تَخْصِيصِهِمْ بِنَفْيِ الحُزْنِ في الآخِرَةِ أيْ بِخِلافِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.
ولَمّا كانَ الخَوْفُ والحُزْنُ مُتَلازِمَيْنِ كانَتْ خُصُوصِيَّةُ كُلٍّ مِنهُما سارِيَةً في الآخَرِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] ولِذَلِكَ قُرِنَ بِعِنْدَ الدّالَّةِ عَلى العِنايَةِ والرِّضى. وقَوْلُهُ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مُقابِلَ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] لِأنَّ الذِّلَّةَ ضِدُّ العِزَّةِ فالذَّلِيلُ خائِفٌ لِأنَّهُ يَخْشى العُدْوانَ والقَتْلَ والغَزْوَ، وأمّا العَزِيزُ فَهو شُجاعٌ لِأنَّهُ لا يَخْشى ضُرًّا ويَعْلَمُ أنَّ ما قَدَّرَهُ لَهُ فَهو كائِنٌ قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وقَوْلُهُ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] لِأنَّ المَسْكَنَةَ تَقْضِي عَلى صاحِبِها بِالحُزْنِ وتَمَنِّي حُسْنِ العَيْشِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] فالخَوْفُ المَنفِيُّ هو الخَوْفُ النّاشِئُ عَنِ الذِّلَّةِ، والحُزْنُ المَنفِيُّ هو النّاشِئُ عَنِ المَسْكَنَةِ.
2:63–64Page 10
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣
And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."
ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤
Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
تَذْكِيرٌ بِقِصَّةٍ أُخْرى أرى اللَّهَ تَعالى أسْلافَهم فِيها بَطْشَهُ ورَحْمَتَهُ فَلَمْ يَرْتَدِعُوا ولَمْ يَشْكُرُوا وهي أنَّ أخْذَ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَعْمَلُوا بِالشَّرِيعَةِ وذَلِكَ حِينَما تَجَلّى اللَّهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الطُّورِ تَجَلِّيًا خاصًّا لِلْجَبَلِ فَتَزَعْزَعَ الجَبَلُ وتَزَلْزَلَ وارْتَجَفَ وأحاطَ بِهِ دُخّانٌ وضَبابٌ ورُعُودٌ وبَرْقٌ كَما ورَدَ في صِفَةِ ذَلِكَ في الفَصْلِ التّاسِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ وفي الفَصْلِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ فَلَعَلَّ الجَبَلَ مِن شِدَّةِ الزَّلازِلِ مِمّا ظَهَرَ حَوْلَهُ مِنَ الأسْحِبَةِ والدُّخانِ والرُّعُودِ صارَ يَلُوحُ كَأنَّهُ سَحابَةٌ، ولِذَلِكَ وُصِفَ في آيَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ ”﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]“ نَتَقَهُ زَعْزَعَهُ ونَقَضَهُ حَتّى يُخَيَّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ يَهْتَزُّ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمُ اسْتَطارَهُ إذا أزْعَجَهُ فاضْطَرَبَ فَأعْطَوُا العَهْدَ وامْتَثَلُوا لِجَمِيعِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقالُوا كُلُّ ما تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ نَفْعَلُهُ فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى فَلْيُؤْمِنُوا بِكَ إلى الأبَدِ ولَيْسَ في كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ ولا في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قَلَعَ الطُّورَ مِن مَوْضِعِهِ ورَفَعَهُ فَوْقَهم وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ في أخْبارٍ ضِعافٍ فَلِذَلِكَ لَمْ نَعْتَمِدْهُ في التَّفْسِيرِ.
وضَمائِرُ الخِطابِ لِتَحْمِيلِ الخَلَفِ تَبِعاتِ السَّلَفِ
صفحة ٥٤٢
كَيْلا يَقَعُوا في مِثْلِها ولِيَسْتَغْفِرُوا لِأسْلافِهِمْ عَنْها. والمِيثاقُ في هاتِهِ الآيَةِ كالعَهْدِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مُرادٌ بِهِ الشَّرِيعَةُ ووَعَدَهم بِالعَمَلِ بِها وقَدْ سَمَّتْهُ كُتُبُهم عَهْدًا كَما قَدَّمْنا وهو إلى الآنِ كَذَلِكَ في كُتُبِهِمْ. وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرَسُولِنا ﷺ .
والطُّورُ عَلَمٌ عَلى جَبَلٍ بِبَرِّيَّةِ سِينا، ويُقالُ إنَّ الطُّورَ اسْمُ جِنْسٍ لِلْجِبالِ في لُغَةِ الكَنْعانِيِّينَ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ وأنْشَدُوا قَوْلَ العَجّاجِ:
دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرْ تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَرْ
فَإذا صَحَّ ذَلِكَ فَإطْلاقُهُ عَلى هَذا الجَبَلِ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في العِبْرِيَّةِ لِأنَّهم وجَدُوا الكَنْعانِيِّينَ يَذْكُرُونَهُ فَيَقُولُونَ الطُّورَ يَعْنُونَ الجَبَلَ كَلِمَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهم أنْ عَرَفُوها فَحَسِبُوها عَلَمًا لَهُ فَسَمَّوْهُ الطُّورَ. وقَوْلُهُ ”﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾“ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قائِلِينَ لَهم خُذُوا، وذَلِكَ هو الَّذِي أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِ. والأخْذُ مَجازٌ عَنِ التَّلَقِّي والتَّفَهُّمِ. والقُوَّةُ مَجازٌ في الإيعاءِ وإتْقانِ التَّلَقِّي والعَزِيمَةِ عَلى العَمَلِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ مَجازًا عَنِ الِامْتِثالِ أيِ اذْكُرُوهُ عِنْدَ عَزْمِكم عَلى الأعْمالِ حَتّى تَكُونَ أعْمالُكم جارِيَةً عَلى وفْقِ ما فِيهِ، أوِ المُرادُ بِالذِّكْرِ التَّفَهُّمُ بِدَلِيلِ حَرْفِ في المُؤْذِنِ بِالظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ أيِ اسْتِنْباطِ الفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ. والمُرادُ بِما آتاهم ما أوْحاهُ إلى مُوسى وهو الكَلِماتُ العَشْرُ الَّتِي هي قَواعِدُ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِقَوْلِهِ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ واذْكُرُوا ما فِيهِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ بِدُونِ عَطْفٍ.
والرَّجاءُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَرْفُ (لَعَلَّ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى تَقْرِيبِ سَبَبِ التَّقْوى بِحَضِّهِمْ عَلى الأخْذِ بِقُوَّةٍ، وتَعَهُّدِ التَّذَكُّرِ لِما فِيهِ، فَذَلِكَ التَّقْرِيبُ والتَّبْيِينُ شَبِيهٌ بِرَجاءِ الرّاجِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَعَلَّ قَرِينَةَ اسْتِعارَةِ تَمْثِيلِ شَأْنِ اللَّهِ حِينَ هَيَّأ لَهم أسْبابَ الهِدايَةِ بِحالِ الرّاجِي تَقْواهم وعَلى هَذا مَحْمَلُ مَوارِدِ كَلِمَةِ (لَعَلَّ) في الكَلامِ المُسْنَدِ إلى اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]“ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ في مُدَّةِ مُناجاةِ مُوسى وأنَّ اللَّهَ تابَ عَلَيْهِمْ بِفَضْلِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَكانُوا مِنَ الخاسِرِينَ الهالِكِينَ في الدُّنْيا أوْ فِيها وفي الآخِرَةِ. ولا حاجَةَ بِنا إلى الخَوْضِ في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ الإلْجائِيِّ ومُنافاةِ الإلْجاءِ لِلتَّكْلِيفِ
صفحة ٥٤٣
وهِيَ مَسْألَةُ تَكْلِيفِ المَلْجَأِ المَذْكُورَةِ في الأُصُولِ لِأنَّها بُنِيَتْ هُنا عَلى أطْلالِ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ في قَلْعِ الطُّورِ ورَفْعِهِ فَوْقَهم وقَوْلِ مُوسى لَهم: إمّا أنْ تُؤْمِنُوا أوْ يَقَعَ عَلَيْكُمُ الطُّورُ، عَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّتْ تِلْكَ الأخْبارُ لَما كانَ مِنَ الإلْجاءِ في شَيْءٍ إذْ لَيْسَ نَصْبُ الآياتِ والمُعْجِزاتِ والتَّخْوِيفِ مِنَ الإلْجاءِ وإنَّما هو دِلالَةٌ وبُرْهانٌ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ والمُمْتَنِعُ في التَّكْلِيفِ هو التَّكْلِيفُ في حالَةِ الإلْجاءِ لا التَّخْوِيفُ لِإتْمامِ التَّكْلِيفِ فَلا تَغْفُلُوا.
2:65–66Page 10
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥
And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."
فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦
And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.
﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ هَذِهِ مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى تَذْكِيرًا لِلْيَهُودِ بِما أتاهُ سَلَفُهم مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى وبِما عُرِضَ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ الزَّواجِرِ والرَّحْمَةِ والتَّوْبَةِ وإنَّما خالَفَ في حِكايَةِ هاتِهِ القِصَّةِ أُسْلُوبَ حِكايَةِ ما تَقَدَّمَها وما تَلاها مِن ذِكْرِ (إذِ) المُؤْذِنَةِ بِزَمَنِ القِصَّةِ والمُشْعِرَةِ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِها إلى قَوْلِهِ هُنا ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ لِمَعْنًى بَدِيعٍ هو مِن وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ المُشارَ إلَيْها بِهَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ مِنَ القَصَصِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها كُتُبُ التَّوْراةِ مِثْلَ القَصَصِ الأُخْرى المَأْتِيِّ في حِكايَتِها بِكَلِمَةِ إذْ لِأنَّها مُتَواتِرَةٌ عِنْدَهم بَلْ هَذِهِ القِصَّةُ وقَعَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ غَيْرَ مَسْطُورَةٍ في الأسْفارِ القَدِيمَةِ وكانَتْ مَعْرُوفَةً لِعُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَيْها وتِلْكَ مُعْجِزَةٌ غَيْبِيَّةٌ وأوْحى إلَيْهِ في لَفْظِها ما يُؤْذِنُ بِأنَّ العِلْمَ بِها أخْفى مِنَ العِلْمِ بِالقَصَصِ الأُخْرى فَأسْنَدَ الأمْرَ فِيها لِعِلْمِهِمْ إذْ قالَ ”﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾“ والِاعْتِداءُ وزْنُهُ افْتِعالٌ مِنَ العَدُوِّ وهو تَجاوُزُ حَدِّ السَّيْرِ والحَدِّ والغايَةِ. وغَلَبَ إطْلاقُ الِاعْتِداءِ عَلى مُخالَفَةِ الحَقِّ وظُلْمِ النّاسِ والمُرادُ هُنا اعْتِداءُ الأمْرِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الأمْرَ الشَّرْعِيَّ يُشَبَّهُ بِالحَدِّ في أنَّهُ يُؤْخَذُ بِما شَمِلَهُ ولا يُؤْخَذُ بِما وراءَهُ. والِاعْتِداءُ الواقِعُ مِنهم هو اعْتِداءُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم مِن عَهْدِ مُوسى بِأنْ يُحافِظُوا عَلى حُكْمِ السَّبْتِ وعَدَمِ الِاكْتِسابِ فِيهِ لِيَتَفَرَّغُوا فِيهِ لِلْعِبادَةِ بِقَلْبٍ خالِصٍ مِنَ الشُّغْلِ بِالدُّنْيا، فَكانَتْ طائِفَةٌ مِن سُكّانِ أيْلَةَ عَلى البَحْرِ رَأوْا
صفحة ٥٤٤
تَكاثُرَ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ بِالشّاطِئِ لِأنَّها إذا لَمْ تَرَ سُفُنَ الصَّيّادِينَ وشِباكَهم أمِنَتْ فَتَقَدَّمَتْ إلى الشّاطِئِ تَفْتَحُ أفْواهَها في الماءِ لِابْتِلاعِ ما يَكُونُ عَلى الشَّواطِئِ مِن آثارِ الطَّعامِ ومِن صَغِيرِ الحِيتانِ وغَيْرِها. فَقالُوا لَوْ حَفَرْنا لَها حِياضًا وشَرَعْنا إلَيْها جَداوِلَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَتُمْسِكُ الحِياضُ الحُوتَ إلى يَوْمِ الأحَدِ فَنَصْطادُها وفَعَلُوا ذَلِكَ فَغَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ لِهَذا الحِرْصِ عَلى الرِّزْقِ أوْ لِأنَّهم يَشْغَلُونَ بِالَهم يَوْمَ السَّبْتَ بِالفِكْرِ فِيما تَحَصَّلَ لَهم أوْ لِأنَّهم تَحَيَّلُوا عَلى اعْتِياضِ العَمَلِ في السَّبْتِ، وهَذا الَّذِي أحْسَبُهُ لِما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الِاسْتِخْفافِ واعْتِقادِهِمْ أنَّهم عَلِمُوا ما لَمْ تَهْتَدِ إلَيْهِ شَرِيعَتُهم فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذَكَرَهُ هُنا.
فَقَوْلُهُ في السَّبْتِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ. والسَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَ اليَهُودِيُّ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ بِمَعْنى احْتَرَمَ السَّبْتَ وعَظَّمَهُ. والمَعْنى اعْتَدَوْا في حالِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ أوْ في زَمَنِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلْعِلَّةِ أيِ اعْتَدَوُا اعْتِداءً لِأجْلِ ما أوْجَبَهُ احْتِرامُ السَّبْتِ مِن قَطْعِ العَمَلِ. ولَعَلَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ فِيهِ لِيَكُونَ أمْنًا لِلدَّوابِّ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في ظَرْفِيَّةً والسَّبْتُ بِمَعْنى اليَوْمِ وإنَّما جُعِلَ الِاعْتِداءُ فِيهِ مَعَ أنَّ الحَفْرَ في يَوْمِ الجُمْعَةَ لِأنَّ أثَرَهُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ العِصْيانُ وهو دُخُولُ الحِيتانِ لِلْحِياضِ يَقَعُ في يَوْمِ السَّبْتِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ كُونُوا أمْرُ تَكْوِينٍ والقِرَدَةُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الرّاءِ جَمْعُ قِرْدٍ وتَكْوِينُهم قِرَدَةً يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِتَصْيِيرِ أجْسامِهِمْ أجْسامَ قِرَدَةٍ مَعَ بَقاءِ الإدْراكِ الإنْسانِيِّ وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ والمُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِتَصْيِيرِ عُقُولِهِمْ كَعُقُولِ القِرَدَةِ مَعَ بَقاءِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والعِبْرَةُ حاصِلَةٌ عَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ. والأوَّلُ أظْهَرُ في العِبْرَةِ لِأنَّ فِيهِ اعْتِبارَهم بِأنْفُسِهِمْ واعْتِبارَ النّاسِ بِهِمْ بِخِلافِ الثّانِي والثّانِي أقْرَبُ لِلتّارِيخِ؛ إذْ لَمْ يُنْقَلْ مَسْخٌ في كُتُبِ تارِيخِ العِبْرانِيِّينَ. والقُدْرَةُ صالِحَةٌ لِلْأمْرَيْنِ والكُلُّ مُعْجِزَةٌ لِلشَّرِيعَةِ أوْ لِداوُدَ ولِذَلِكَ قالَ الفَخْرُ لَيْسَ قَوْلُ مُجاهِدٍ بِبَعِيدٍ جِدًّا لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، ولَيْسَ الآيَةُ صَرِيحَةً في المَسْخِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ قِرَدَةً أنَّهم لَمّا لَمْ يَتَلَقَّوُا الشَّرِيعَةَ بِفَهْمِ مَقاصِدِها ومَعانِيها وأخَذُوا بِصُورَةِ الألْفاظِ فَقَدْ أشْبَهُوا العَجْماواتِ في وُقُوفِها عِنْدَ المَحْسُوساتِ فَلَمْ يَتَمَيَّزُوا عَنِ العَجْماواتِ إلّا بِالشَّكْلِ الإنْسانِيِّ وهَذِهِ القِرَدَةُ تُشارِكُهم في هَذا الشَّبَهِ وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ هو مَسْخُ قُلُوبٍ لا مَسْخُ ذَواتٍ.
صفحة ٥٤٥
ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِوُقُوعِ المَسْخِ في الأجْسامِ اتَّفَقُوا - أوْ كادُوا - عَلى أنَّ المَمْسُوخَ لا يَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ وأنَّهُ لا يَتَناسَلُ ورَوى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ «لَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ قَوْمًا أوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا» وهو صَرِيحٌ في البابِ ومِنَ العُلَماءِ مِن جَوَّزَ تَناسُلَ المَمْسُوخِ وزَعَمُوا أنَّ الفِيلَ والقِرْدَ والضَّبَّ والخِنْزِيرَ مِنَ الأُمَمِ المَمْسُوخَةِ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ في الضَّبِّ قالَ أحَدُ بَنِي سُلَيْمٍ وقَدْ جاءَ لِزَوْجِهِ بِضَبٍّ فَأبَتْ أنْ تَأْكُلَهُ:
قالَتْ وكُنْتَ رَجُلًا فَطِينًا هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ إسْرائِينا
حَتّى قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ بِحُرْمَةِ أكْلِ الفِيلِ ونَحْوِهِ بِناءً عَلى احْتِمالِ أنَّ أصْلَهُ نَسْلٌ آدَمِيٌّ قالَ ابْنُ الحاجِبِ وأمّا ما يُذْكَرُ أنَّهُ مَمْسُوخٌ كالفِيلِ والقِرْدِ والضَّبِّ فَفي المَذْهَبِ الجَوازُ لِعُمُومِ الآيَةِ والتَّحْرِيمِ لِما يُذْكَرُ أيْ لِعُمُومِ آيَةِ المَأْكُولاتِ، وصَحَّحَ صاحِبُ التَّوْضِيحِ عَنْ مالِكٍ الجَوازَ وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في أحادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ مِن آخِرِ صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا يُدْرى ما فَعَلَتْ ولا أُراها إلّا الفَأْرَ، ألا تَرَوْنَها إذا وُضِعَ لَها ألْبانُ الإبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ وإذا وُضِعَ لَها ألْبانُ الشّاءِ شَرِبَتْهُ» اهـ.
وقَدْ تَأوَّلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ بِأنَّ هَذا قالَهُ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ اجْتِهادٍ قَبْلَ أنْ يُوَقِّفَهُ اللَّهُ عَلى أنَّ المَمْسُوخَ لا يَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ ولا يَتَناسَلُ كَما هو صَرِيحُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَهُ عَنِ اجْتِهادِ قَوْلِهِ ولا أُراها. ولا شَكَّ أنْ هاتِهِ الأنْواعَ مِنَ الحَيَوانِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ المَسْخِ وأنَّ المَسْخَ إلَيْها دَلِيلٌ عَلى وُجُودِها ومَعْرِفَةِ النّاسِ بِها.
وهَذا الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ كانَ لِأجْلِ العُقُوبَةِ عَلى ما اجْتَرَءُوا مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِالأمْرِ الإلَهِيِّ حَتّى تَحَيَّلُوا عَلَيْهِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى بِالحِيَلِ عَلى تَجاوُزِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ فَإنَّ شَرائِعَ اللَّهِ تَعالى مَشْرُوعَةٌ لِمَصالِحٍ وحِكَمٍ فالتَّحَيُّلُ عَلى خَرْقِ تِلْكَ الحِكَمِ بِإجْراءِ الأفْعالِ عَلى صُوَرٍ مَشْرُوعَةٍ مَعَ تَحَقُّقِ تَعْطِيلِ الحِكْمَةِ مِنها جَراءَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، ولا حُجَّةَ لِمَن يَنْتَحِلُ جَوازَ الحِيَلِ بِقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ لِأنَّ تِلْكَ فَتْوى مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيءٍ لِتَجَنُّبِ الحِنْثِ الَّذِي قَدْ يُتَفادى عَنْهُ بِالكَفّارَةِ ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ أصْلَ الحِنْثِ لِنَبِيِّهِ لِأنَّهُ خِلافُ الأوْلى فَأفْتاهُ بِما قالَهُ، وذَلِكَ مِمّا يُعِينُ عَلى حِكْمَةِ اجْتِنابِ الحِنْثِ لِأنَّ فِيهِ
صفحة ٥٤٦
مُحافَظَةً عَلى تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى فَلا فَواتَ لِلْحِكْمَةِ في ذَلِكَ، ومَسْألَةُ الحِيَلِ الشَّرْعِيَّةِ لَعَلَّنا نَتَعَرَّضُ لَها في سُورَةِ ص وفِيها تَمْحِيصٌ.
وقَوْلُهُ فَجَعَلْناها نَكالًا عادَ فِيهِ الضَّمِيرُ عَلى العُقُوبَةِ المُسْتَفادَةِ مِن قَوْلِهِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً. والنَّكالُ بِفَتْحِ النُّونِ العِقابُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَرْدَعُ المُعاقَبَ عَنِ العَوْدِ لِلْجِنايَةِ، ويَرْدَعُ غَيْرَهُ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِها، وهو مُشْتَقٌّ مِن نَكَلَ إذا امْتَنَعَ. ويُقالُ نَكَّلَ بِهِ تَنْكِيلًا ونَكالًا بِمَعْنى عاقَبَهُ بِما يَمْنَعُهُ مِنَ العَوْدِ.
والمُرادُ بِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ما قارَنَها مِن مَعاصِيهِمْ وما سَبَقَ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الفِعْلَةَ كانَتْ آخِرَ ما فَعَلُوهُ فَنَزَلَتِ العُقُوبَةُ عِنْدَها ولِما بَيْنَ يَدَيْها مِنَ الأُمَمِ القَرِيبَةِ مِنها ولِما خَلْفَها مِنَ الأُمَمِ البَعِيدَةِ. والمَوْعِظَةُ ما بِهِ الوَعْظُ وهو التَّرْهِيبُ مِنَ الشَّرِّ.
2:67Page 10
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧
And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allāh commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allāh from being among the ignorant."
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
تَعَرَّضَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقِصَّةٍ مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ ظَهَرَ فِيها مِن قِلَّةِ التَّوْقِيرِ لِنَبِيِّهِمْ ومِنَ الإعْناتِ في المَسْألَةِ والإلْحاحِ فِيها إمّا لِلتَّفَصِّي مِنَ الِامْتِثالِ وإمّا لِبُعْدِ أفْهامِهِمْ عَنْ مَقْصِدِ الشّارِعِ ورَوْمِهِمُ التَّوْقِيفَ عَلى ما لا قَصْدَ إلَيْهِ.
قِيلَ إنَّ أوَّلَ هَذِهِ القِصَّةِ هو المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ [البقرة: ٧٢] الآياتِ وإنَّ قَوْلَ مُوسى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ناشِيءٌ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ المَذْكُورَةِ، وإنَّ قَوْلَ مُوسى قُدِّمَ هُنا لِأنَّ خِطابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم قَدْ نَشَأ عَنْهُ ضَرْبٌ مِن مَذامِّهِمْ في تَلَقِّي التَّشْرِيعِ وهو الِاسْتِخْفافُ بِالأمْرِ - حِينَ ظَنُّوهُ هُزُؤًا - والإعْناتُ في المَسْألَةِ فَأُرِيدَ مِن تَقْدِيمِ جُزْءِ القِصَّةِ تَعَدُّدُ تَقْرِيعِهِمْ هَكَذا ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ والمُوَجِّهُونَ لِكَلامِهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما وجَّهُوا بِهِ تَقْدِيمَ جُزْءِ القِصَّةِ لا يَقْتَضِي إلّا تَفْكِيكَ القِصَّةِ إلى قِصَّتَيْنِ تُعَنْوَنُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِقَوْلِهِ وإذْ مَعَ بَقاءِ التَّرْتِيبِ، عَلى أنِ المَذامَّ قَدْ تُعْرَفُ بِحِكايَتِها والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِنَحْوِ قَوْلِهِ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ وقَوْلِهِ وما كادُوا يَفْعَلُونَ فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُما قِصَّتانِ أشارَتِ الأُولى وهي المَحْكِيَّةُ هُنا إلى أمْرِ مُوسى إيّاهم بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وهَذِهِ هي القِصَّةُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها التَّوْراةُ في السِّفْرِ الرّابِعِ وهو سِفْرُ التَّشْرِيعِ الثّانِي (تَثْنِيَةٌ) في الإصْحاحِ ٢١ أنَّهُ إذا وُجِدَ قَتِيلٌ لا يُعْلَمُ قاتِلُهُ فَإنَّ أقْرَبَ القُرى إلى مَوْقِعِ القَتِيلِ
صفحة ٥٤٧
يَخْرُجُ شُيُوخُها ويُخْرِجُونَ عِجْلَةً مِنَ البَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْها ولَمْ تَنْجُرْ بِالنِّيرِ فَيَأْتُونَ بِها إلى وادٍ دائِمٍ السَّيَلانِ لَمْ يُحْرَثْ ولَمْ يُزْرَعْ ويَقْطَعُونَ عُنُقَها هُنالِكَ ويَتَقَدَّمُ الكَهَنَةُ مَن بَنِي لاوِي فَيَغْسِلُ شُيُوخُ تِلْكَ القَرْيَةِ أيْدِيَهم عَلى العِجْلَةِ في الوادِي ويَقُولُونَ لِمَ تَسْفِكْ أيْدِينا هَذا الدَّمَ ولَمْ تُبْصِرْ أعْيُنُنا سافِكَهُ فَيَغْفِرُ لَهُمُ الدَّمُ اهـ. هَكَذا ذُكِرَتِ القِصَّةُ بِإجْمالٍ أضاعَ المَقْصُودَ وأبْهَمَ الغَرَضَ مِن هَذا الذَّبْحِ أهْوَ إضاعَةُ ذَلِكَ الدَّمِ باطِلًا أمْ هو عِنْدَ تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ المُتَّهَمِ بِالقَتْلِ وكَيْفَما كانَ فَهَذِهِ بَقَرَةٌ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ كُلِّ قَتْلِ نَفْسٍ جُهِلَ قاتِلُها وهي المُشارُ إلَيْها هُنا، ثُمَّ كانَ ما حَدَثَ مِن قَتْلِ القَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ أبْناءُ عَمِّهِ وجاءُوا مُظْهِرِينَ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ وكانَتْ تِلْكَ النّازِلَةُ نَزَلَتْ في يَوْمِ ذَبْحِ البَقَرَةِ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِأنْ يَضْرِبُوا القَتِيلَ بِبَعْضِ تِلْكَ البَقَرَةِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُذْبَحَ عِنْدَ جَهْلِ قاتِلِ نَفْسٍ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ ذَكَرِهِما قِصَّتَيْنِ وقَدْ أجْمَلَ القُرْآنُ ذِكْرَ القِصَّتَيْنِ لِأنَّ مَوْضِعَ التَّذْكِيرِ والعِبْرَةِ مِنهُما هو ما حَدَثَ في خِلالِهِما لا تَفْصِيلُ الوَقائِعِ فَكانَتِ القِصَّةُ الأوْلى تَشْرِيعًا سَبَقَ ذِكْرُهُ لِما قارَنَهُ مِن تَلَقِّيهِمُ الأمْرَ بِكَثْرَةِ السُّؤالِ الدّالِّ عَلى ضَعْفِ الفَهْمِ لِلشَّرِيعَةِ وعَلى تَطَلُّبِ أشْياءَ لا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ اهْتِمامُ التَّشْرِيعِ بِها، وكانَتِ القِصَّةُ الثّانِيَةُ مِنَّةً عَلَيْهِمْ بِآيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ ومُعْجِزَةً مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِهِمْ بَيَّنَها اللَّهُ لَهم لِيَزْدادُوا إيمانًا ولِذَلِكَ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ ﴿ويُرِيكُمُ آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] وأُتْبِعَتْ بِقَوْلِهِ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم حِكايَةٌ لِما عَبَّرَ بِهِ مُوسى مِنَ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ الَّذِي لَوْ وقَعَ في العَرَبِيَّةِ لَوَقَعَ مُؤَكَّدًا بِإنَّ.
وقَوْلُهم أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ لِظَنِّهِمْ أنَّ الأمْرَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ لِلِاسْتِبْراءِ مِن دَمِ قَتِيلٍ كاللَّعِبِ وتَتَّخِذُنا بِمَعْنى تَجْعَلُنا وسَيَأْتِي بَيانُ أصْلِ فِعْلِ اتَّخَذَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً في سُورَةِ الأنْعامِ والهُزُؤُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والزّايِ وبِسُكُونِ الزّايِ مَصْدَرُ اهْزَأْ بِهِ هَزْءًا وهو هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالصَّيْدِ والخَلْقِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (هُزُؤًا) بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزٍ بَعْدَ الزّايِ وصْلًا ووَقْفًا وقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الزّايِ وبِالهَمْزِ وصْلًا، ووَقَفَ عَلَيْهِ بِتَخْفِيفِ الهَمْزِ واوًا وقَدْ رُسِمَتْ في المُصْحَفِ واوًا، وقَرَأ حَفْصٌ بِضَمِّ الزّايِ وتَخْفِيفِ الهَمْزِ واوًا في الوَصْلِ والوَقْفِ.
صفحة ٥٤٨
وقَوْلُ مُوسى أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ تَبَرُّؤٌ وتَنَزُّهٌ عَنِ الهُزْءِ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ الأفاضِلِ فَإنَّهُ أخَصُّ مِنَ المَزْحِ لِأنَّ في الهُزْءِ مَزْحًا مَعَ اسْتِخْفافٍ واحْتِقارٍ لِلْمَمْزُوحِ مَعَهُ عَلى أنَّ المَزْحَ لا يَلِيقُ في المَجامِعِ العامَّةِ والخَطابَةِ، عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ بِمَقامِ الرَّسُولِ ولِذا تَبَرَّأ مِنهُ مُوسى بِأنْ نَفى أنْ يَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المَزْحِ بِنَفْيِ مَلْزُومِهِ، وبالَغَ في التَّنَزُّهِ بِقَوْلِهِ أعُوذُ بِاللَّهِ أيْ مِنهُ لِأنَّ العِياذَ بِاللَّهِ أبْلَغُ كَلِماتِ النَّفْيِ فَإنَّ المَرْءَ لا يَعُوذُ بِاللَّهِ إلّا إذا أرادَ التَّغَلُّبَ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ لا يَغْلِبُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وصِيغَةُ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ أبْلَغُ في انْتِفاءِ الجَهالَةِ مِن أنْ لَوْ قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أجْهَلَ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ والجَهْلُ ضِدُّ العِلْمِ وضِدُّ الحِلْمِ وقَدْ ورَدَ لَهُما في كَلامِ العَرَبِ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
ومِنَ الثّانِي قَوْلُ الحَماسِيِّ فَلَيْسَ سَواءٌ عالِمٌ وجَهُولُ وقَوْلُ النّابِغَةِ:
ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences