Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:68–70

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:68–70

2:68Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ ٦٨

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allāh] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾

جِيءَ في مُراجَعَتِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ بِالطَّرِيقَةِ المَأْلُوفَةِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ وهي طَرِيقَةُ حَذْفِ العاطِفِ بَيْنَ أفْعالِ القَوْلِ وقَدْ بَيَّنّاها لَكم في قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ.

ومَعْنى ”ادْعُ لَنا“ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنهُ الدُّعاءُ الَّذِي هو طَلَبٌ بِخُضُوعٍ وحِرْصٍ عَلى إجابَةِ المَطْلُوبِ فَيَكُونُ في الكَلامِ رَغْبَتُهم في حُصُولِ البَيانِ لِتَحْصِيلِ المَنفَعَةِ المَرْجُوَّةِ مِن ذَبْحِ بَقَرَةٍ مُسْتَوْفِيَةٍ لِلصِّفاتِ المَطْلُوبَةِ في القَرابِينِ المُخْتَلِفَةِ المَقاصِدِ، بَنَوْهُ عَلى ما ألْفَوْهُ مِنَ الأُمَمِ عَبَدَةِ الأوْثانِ مِنَ اشْتِراطِ صِفاتٍ وشُرُوطٍ في القَرابِينِ المُقَرِّبَةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَقْصُودِ مِنَ الذَّبِيحَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا مُطْلَقَ السُّؤالِ فَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ طَلَبٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى.

ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا مِنَ الدُّعاءِ النِّداءَ الجَهِيرَ بِناءً عَلى وهْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ بِعِيدُ المَكانِ، فَسائِلُهُ يَجْهَرُ بِصَوْتِهِ. وقَدْ نُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنِ الجَهْرِ بِالدُّعاءِ في صَدْرِ الإسْلامِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ”لَنا“ لامُ الأجَلِ أيِ ادْعُ

صفحة ٥٤٩

عَنّا، وجَزْمُ (يُبَيِّنْ) في جَوابِ ادْعُ لِتَنْزِيلِ المُسَبَّبِ مَنزِلَةَ السَّبَبِ أيْ إنْ تَدْعُهُ يَسْمَعْ فَيُبَيِّنُ وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ (ما هي) حَكى سُؤالَهم بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالسُّؤالِ بِما في كَلامِ العَرَبِ وهو السُّؤالُ عَنِ الصِّفَةِ لِأنَّ ما يُسْألُ بِها عَنِ الصِّفَةِ كَما يَقُولُ مَن يَسْمَعُ النّاسَ يَذْكُرُونَ حاتِمًا أوِ الأحْنَفَ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُما رَجُلانِ ولَمْ يَعْلَمْ صِفَتَيْهِما ما حاتِمٌ ؟ أوْ ما الأحْنَفُ ؟ فَيُقالُ كَرِيمٌ أوْ حَلِيمٌ ولَيْسَ (ما) مَوْضُوعَةً لِلسُّؤالِ عَنِ الجِنْسِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الواقِفِينَ عَلى كَلامِ الكَشّافِ فَتَكَلَّفُوا لِتَوْجِيهِهِ حَيْثُ إنَّ جِنْسَ البَقَرَةِ مَعْلُومٌ بِأنَّهم نَزَّلُوا هاتِهِ البَقَرَةَ المَأْمُورَ بِذَبْحِها مَنزِلَةَ فَرْدٍ مِن جِنْسٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ لِغَرابَةِ حِكْمَةِ الأمْرِ بِذَبْحِها وظَنُّوا أنَّ المَوْقِعَ هُنا لِلسُّؤالِ بِأيْ أوْ كَيْفَ وهو وهْمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ واعْتَضَدَ لَهُ بِكَلامِ المِفْتاحِ إذْ جَعَلَ الجِنْسَ والصِّفَةَ قِسْمَيْنِ لِلسُّؤالِ بِما.

والحَقُّ أنَّ المَقامَ هُنا لِلسُّؤالِ بِما لِأنَّ أيًّا إنَّما يُسْألُ بِها عَنْ مُمَيِّزِ الشَّيْءِ عَنْ أفْرادٍ مِن نَوْعِهِ التَبَسَتْ بِهِ وعَلامَةُ ذَلِكَ ذِكْرُ المُضافِ إلَيْهِ مَعَ أيِّ نَحْوَ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ وأيُّ البَقَرَتَيْنِ أعْجَبَتْكَ ولَيْسَ لَنا هُنا بَقَراتٌ مُعَيَّناتٌ يُرادُ تَمْيِيزُ إحْداها.

وقَوْلُهُ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ أكَّدَ مَقُولَ مُوسى ومَقُولَ اللَّهِ تَعالى بِإنَّ لِمُحاكاةِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ مُوسى مِنَ الِاهْتِمامِ بِحِكايَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى فَأكَّدَهُ بِإنَّ، وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَدْلُولُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى مِن تَحْقِيقِ إرادَتِهِ ذَلِكَ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِما بَدا مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَنَصُّلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّأْكِيدُ الَّذِي في كَلامِ مُوسى لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قالَ لِمُوسى ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اتِّهامِهِمُ السّابِقِ في قَوْلِهِمْ (﴿أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٦٧]) جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] ووَقَعَ قَوْلُهُ ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ مَوْقِعَ الصِّفَةِ لِبَقَرَةٍ وأُقْحِمَ فِيهِ حَرْفُ (لا) لِكَوْنِ الصِّفَةِ بِنَفْيِ وصْفٍ ثُمَّ بِنَفْيِ آخَرَ عَلى مَعْنى إثْباتِ وصْفٍ واسِطَةً بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَنفِيَّيْنِ فَلَمّا جِيءَ بِحَرْفِ (لا) أُجْرِيَ الإعْرابُ عَلى ما بَعْدَهُ لِأنَّ (لا) غَيْرُ عامِلَةٍ شَيْئًا فَيُعْتَبَرُ ما قَبْلَ لا عَلى عَمَلِهِ فِيما بَعْدَها سَواءٌ كانَ وصْفًا كَما هُنا وقَوْلُهُ تَعالى زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ وقَوْلُ جُوَيْرِيَةَ أوْ حُوَيْرِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الرّامِي:

وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ

صفحة ٥٥٠

أوْ حالًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ وهو مِن شَواهِدِ النَّحْوِ: ∗∗∗ قَهَرْتَ العِدا لا مُسْتَعِينًا بِعُصْبَةٍوَلَكِنْ بِأنْواعِ الخَدائِعِ والمَكْرِ أوْ مُضافًا كَقَوْلِ النّابِغَةِ: ∗∗∗ وشِيمَةُ لا وانٍ ولا واهِنِ القُوىوَجَدٍّ إذا خابَ المُفِيدُونَ صاعِدِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ كَما وقَعَ في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ قَوْلُ الأُولى لا سَهْلٌ فَيُرْتَقى، ولا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلُ عَلى رِوايَةِ الرَّفْعِ أيْ هو أيِ الزَّوْجُ لا سَهْلٌ ولا سَمِينٌ.

وجُمْهُورُ النُّحاةِ أنَّ (لا) هَذِهِ يَجِبُ تَكْرِيرُها في الخَبَرِ والنَّعْتِ والحالِ أيْ بِأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ونَحْوُهُ شَيْئَيْنِ فَأكْثَرَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إدْخالُ (لا) في الخَبَرِ ونَحْوِهِ وجَعَلُوا بَيْتَ جُوَيْرِيَةَ أوْ حُوَيْرِثَةَ ضَرُورَةً وخالَفَ فِيهِ المُبَرِّدُ. ولَيْسَتْ لا في مِثْلِ هَذا بِعامِلَةٍ عَمَلَ لَيْسَ ولا عَمَلَ إنَّ، وذِكْرُ النُّحاةِ لِهَذا الِاسْتِعْمالِ في أحَدِ هَذَيْنِ البابَيْنِ لِمُجَرَّدِ المُناسَبَةِ. واعْلَمْ أنَّ نَفْيَ وصْفَيْنِ بِحَرْفِ (لا) قَدْ يُسْتَعْمَلُ في إفادَةِ إثْباتِ وصْفٍ ثالِثٍ هو وسَطٌ بَيْنِ حالَيْ ذَيْنَكَ الوَصْفَيْنِ مِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ومِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في إرادَةِ مُجَرَّدِ نَفْيِ ذَيْنَكَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما مِمّا يُطْلَبُ في الغَرَضِ الوارِدَيْنِ فِيهِ ولا يُقْصَدُ إثْباتُ وصْفٍ آخَرَ وسَطٍ بَيْنَهُما وهو الغالِبُ كَقَوْلِهِ تَعالى في سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ والفارِضُ المُسِنَّةُ لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها أيْ قَطَعَتْها. والفَرْضُ القَطْعُ ويُقالُ لِلْقَدِيمِ فارِضٌ. والبِكْرُ الفَتِيَّةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ البُكْرَةِ بِالضَّمِّ وهي أوَّلُ النَّهارِ لِأنَّ البِكْرَ في أوَّلِ السَّنَواتِ عُمُرِها والعَوانَ هي المُتَوَسِّطَةُ السِّنِّ.

وإنَّما اخْتِيرَتْ لَهُمُ العَوانُ لِأنَّها أنْفَسُ وأقْوى ولِذَلِكَ جُعِلَتِ العَوانُ مَثَلًا لِلشِّدَّةِ في قَوْلِ النّابِغَةِ:

ومَن يَتَرَبَّصِ الحَدَثانِ تَنْزِلِبِمَوْلاهُ عَوانٌ غَيْرُ بِكْرِ أيْ مُصِيبَةٌ عَوانٌ أيْ عَظِيمَةٌ. ووَصَفُوا الحَرْبَ الشَّدِيدَةَ فَقالُوا حَرْبٌ عَوانٌ. وقَوْلُهُ بَيْنَ ذَلِكَ أيْ هَذَيْنِ السِّنَّيْنِ، فالإشارَةُ لِلْمَذْكُورِ المُتَعَدِّدِ.

صفحة ٥٥١

ولِهَذا صَحَّتْ إضافَةُ بَيْنَ لِاسْمِ الإشارَةِ كَما تُضافُ لِلضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى مُتَعَدِّدٍ وإنْ كانَ كَلِمَةً واحِدَةً في نَحْوِ بَيْنِها. وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى التَّأْوِيلِ بِالمَذْكُورِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وجاءَ في جَوابِهِمْ بِهَذا الإطْنابِ دُونَ أنْ يَقُولَ مِن أوَّلِ الجَوابِ إنَّها عَوانٌ تَعْرِيضًا بِغَباوَتِهِمْ واحْتِياجِهِمْ إلى تَكْثِيرِ التَّوْصِيفِ حَتّى لا يَتْرُكَ لَهم مَجالًا لِإعادَةِ السُّؤالِ.

فَإنْ قُلْتَ: هم سَألُوا عَنْ صِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَمِن أيْنَ عَلِمَ مُوسى أنَّهم سَألُوا عَنِ السِّنِّ ومِن أيْنَ عَلِمَ مِن سُؤالِهِمُ الآتِي بِما هي أيْضًا أنَّهم سَألُوا عَنْ تَدَرُّبِها عَلى الخِدْمَةِ.

قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما هي اخْتِصارًا لِسُؤالِهِمُ المُشْتَمِلِ عَلى البَيانِ وهَذا الِاخْتِصارُ مِن إبْداعِ القُرْآنِ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الجَوابُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما حُكِيَ في القُرْآنِ مُرادِفَ سُؤالِهِمْ فَيَكُونُ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ أوَّلَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ أغْراضُ النّاسِ في مَعْرِفَةِ أحْوالِ الدَّوابِّ هو السِّنُّ فَهو أهَمُّ صِفاتِ الدّابَّةِ ولَمّا سَألُوهُ عَنِ اللَّوْنِ ثُمَّ سَألُوا السُّؤالَ الثّانِيَ المُبْهَمَ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها مَقاصِدُ النّاسِ مِنَ الدَّوابِّ غَيْرُ حالَةِ الكَرامَةِ أيْ عَدَمِ الخِدْمَةِ لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ ضَعِيفٌ إذْ قَدْ تَخْدِمُ الدّابَّةُ النَّفِيسَةُ ثُمَّ يُكْرِمُها مَن يَكْتَسِبُها بَعْدَ ذَلِكَ فَتَزُولُ آثارُ الخِدْمَةِ وشَعَثُها.

وقَوْلُهُ ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ الفاءُ لِلْفَصِيحَةِ ومَوْقِعُها هُنا مَوْقِعُ قِطْعِ العُذْرِ مَعَ الحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ كَما هي في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ: ∗∗∗ قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِناثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا أيْ فَقَدْ حَصَلَ ما تَعَلَّلْتُمْ بِهِ مِن طُولِ السَّفَرِ. والمَعْنى فَبادِرُوا إلى ما أُمِرْتُمْ بِهِ وهو ذَبْحُ البَقَرَةِ. وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ بَعْدَ حَذْفِ جارِّهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّوَسُّعِ لِأنَّهم يَقُولُونَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ، فَتَوَسَّلُوا بِحَذْفِ الجارِّ إلى حَذْفِ الضَّمِيرِ.

وفِي حَثِّ مُوسى إيّاهم عَلى المُبادَرَةِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ بَعْدَ ما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ اخْتِيارِها عَوانًا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم مَأْمُورُونَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ ما غَيْرِ مُرادٍ مِنها صِفَةٌ مُقَيَّدَةٌ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالمُبادَرَةِ بِالذَّبْحِ حِينَئِذٍ عَلِمْنا وعَلِمُوا أنَّ ما كُلِّفُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن طَلَبِ أنْ تَكُونَ صَفْراءَ فاقِعَةً وأنْ تَكُونَ

صفحة ٥٥٢

سالِمَةً مِن آثارِ الخِدْمَةِ لَيْسَ مِمّا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ تَكْلِيفِهِمْ أوَّلَ الأمْرِ وهو الحَقُّ إذْ كَيْفَ تَكُونُ تِلْكَ الأوْصافُ مُزادَةً مَعَ أنَّها أوْصافٌ طَرْدِيَّةٌ لا أثَرَ لَها في حِكْمَةِ الأمْرِ بِالذَّبْحِ لِأنَّهُ سَواءٌ كانَ أمْرًا بِذَبْحِها لِلصَّدَقَةِ أوْ لِلْقُرْبانِ أوْ لِلرَّشِّ عَلى النَّجَسِ أوْ لِلْقَسامَةِ فَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِن هاتِهِ الصِّفاتِ مُناسِبَةٌ لِلْحُكْمِ وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ أمْرَهم بِهاتِهِ الصِّفاتِ كُلِّها هو تَشْرِيعٌ طارِئٌ قُصِدَ مِنهُ تَأْدِيبُهم عَلى سُؤالِهِمْ فَإنْ كانَ سُؤالُهم لِلْمَطْلِ والتَّنَصُّلِ فَطَلَبُ تِلْكَ الصِّفاتِ المُشِقَّةِ عَلَيْهِمْ تَأْدِيبٌ عَلى سُوءِ الخُلُقِ والتَّذَرُّعِ لِلْعِصْيانِ، وإنْ كانَ سُؤالًا ناشِئًا عَنْ ظَنِّهِمْ أنَّ الِاهْتِمامَ بِهاتِهِ البَقَرَةِ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ مِنها صِفاتٌ نادِرَةٌ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِمْ بَعْدُ وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ فَتَكْلِيفُهم بِهاتِهِ الصِّفاتِ العَسِيرِ وجُودُها مُجْتَمِعَةً تَأْدِيبٌ عِلْمِيٌّ عَلى سُوءِ فَهْمِهِمْ في التَّشْرِيعِ كَما يُؤَدَّبُ طالِبُ العِلْمِ إذا سَألَ سُؤالًا لا يَلِيقُ بِرُتْبَتِهِ في العِلْمِ.

وقَدْ قالَ عُمَرُ لِأبِي عُبَيْدَةَ في واقِعَةِ الفِرارِ مِنَ الطّاعُونِ لَوْ غَيْرُكَ قالَها يا أبا عُبَيْدَةَ. ومِن ضُرُوبِ التَّأْدِيبِ الحَمْلُ عَلى عَمَلٍ شاقٍّ، «وقَدْ أدَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ عَبّاسًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى الخَرْصِ حِينَ حَمَلَ مِن خُمْسِ مالِ المَغْنَمِ أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُقِلَّهُ فَقالَ لَهُ مُرْ أحَدًا يَرْفَعْهُ لِي فَقالَ لا آمُرُ أحَدًا فَقالَ لَهُ ارْفَعْهُ أنْتَ لِي فَقالَ لا»، حَتّى جَعَلَ العَبّاسُ يَحْثُو مِنَ المالِ ويُرْجِعُهُ لِصُبْرَتِهِ إلى أنِ اسْتَطاعَ أنْ يَحْمِلَ ما بَقِيَ فَذَهَبَ والنَّبِيءُ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ تَعَجُّبًا مِن حِرْصِهِ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَكْلِيفٌ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ أنَّ الآيَةَ سِيقَتْ مَساقَ الذَّمِّ لَهم وعُدَّتِ القِصَّةُ في عِدادِ قَصَصِ مَساوِيهِمْ وسُوءِ تَلَقِّيهِمْ لِلشَّرِيعَةِ بِأصْنافٍ مِنَ التَّقْصِيرِ عَمَلًا وشُكْرًا وفَهْمًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى آخِرَ الآياتِ وما كادُوا يَفْعَلُونَ مَعَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ أجْزَأتْهم ولَكِنْ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

وبِهَذا تَعْلَمُونَ أنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ ولا عَلى وُقُوعِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ لِأنَّ ما طَرَأ تَكْلِيفٌ خاصٌّ لِلْإعْناتِ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وتَسْمِيَتُها بِالنَّسْخِ اصْطِلاحُ القُدَماءِ.

2:69Page 10

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ٦٩

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.'"

صفحة ٥٥٣

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنَها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾

سَألُوا بِما عَنْ ماهِيَّةِ اللَّوْنِ وجِنْسِهِ لِأنَّهُ ثانِي شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ أغْراضُ الرّاغِبِينَ في الحَيَوانِ. والقَوْلُ في جَزْمِ يُبَيِّنُ وفي تَأْكِيدِ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ كالقَوْلِ في الَّذِي تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها احْتِيجَ إلى تَأْكِيدِ الصُّفْرَةِ بِالفُقُوعِ وهو شِدَّةُ الصُّفْرَةِ لِأنَّ صُفْرَةَ البَقَرِ تُقَرِّبُ مِنَ الحُمْرَةِ غالِبًا فَأكَّدَهُ بِفاقِعٍ والفُقُوعُ خاصٌّ بِالصُّفْرَةِ، كَما اخْتَصَّ الأحْمَرُ بِقانٍ والأسْوَدُ بِحالِكٍ، والأبْيَضُ بَيْقَقٌ، والأخْضَرُ بِمُدْهامٍّ، والأوْرَقُ بِخُطْبانِيٍّ نِسْبَةً إلى الخُطْبانِ بِضَمِّ الخاءِ وهو نَبْتٌ كالهِلْيُونِ، والأُرْمَكُ وهو الَّذِي لَوْنُهُ لَوْنُ الرَّمادِ بِرَدّانِيٍّ بَراءٍ في أوَّلِهِ، والرَّدّانُ الزَّعْفَرانُ كَذا في الطِّيبِيِّ ووَقَعَ في الكَشّافِ والطِّيبِيِّ بِألِفٍ بَعْدَ الدّالِ ووَقَعَ في القامُوسِ أنَّهُ بِوَزْنِ صاحِبٍ وضَبْطِ الرّاءِ في نُسْخَةٍ مِنَ الكَشّافِ ونُسْخَةٍ مِن حاشِيَةِ القُطْبِ عَلَيْهِ ونُسْخَةٍ مِن حاشِيَةِ الهَمْدانِيِّ عَلَيْهِ بِشَكْلِ ضَمَّةٍ عَلى الرّاءِ وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ.

والنُّصُوعُ يَعُمُّ جَمِيعَ الألْوانِ وهو خُلُوصُ اللَّوْنِ مِن أنْ يُخالِطَهُ لَوْنٌ آخَرُ.

ولَوْنُها إمّا فاعِلٌ بِ (فاقِعٌ) أوْ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وإضافَتُهُ لِضَمِيرِ البَقَرَةِ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ اللَّوْنُ الأصْفَرُ فَكانَ وصْفُهُ بِفاقِعٍ وصْفًا حَقِيقِيًّا ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ صَفْراءُ فاقِعَةٌ إلى صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها لِيَحْصُلَ وصْفُها بِالفُقُوعِ مَرَّتَيْنِ إذْ وصَفَ اللَّوْنَ بِالفُقُوعِ، ثُمَّ لَمّا كانَ اللَّوْنُ مُضافًا لِضَمِيرِ الصَّفْراءِ كانَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ جارِيًا عَلى سَبَبَيْهِ عَلى نَحْوِ ما قالَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في كَوْنِ المُسْنَدِ فِعْلًا مِن أنَّ الفِعْلَ يَسْتَنِدُ إلى الضَّمِيرِ ابْتِداءً ثُمَّ بِواسِطَةِ عَوْدِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى المُبْتَدَأِ يَسْتَنِدُ إلى المُبْتَدَأِ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ.

وقَدْ ظَنَّ الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ أنَّ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ مُشِيرٌ إلى أنَّ إسْنادَ فاقِعٍ لِلَوْنِها مَجازٌ عَقْلِيٌّ وهو وهْمٌ إذْ لَيْسَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ في شَيْءٍ. وأمّا تَمْثِيلُ صاحِبِ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ جَدُّ جَدِّهِ فَهو تَنْظِيرٌ في مُجَرَّدِ إفادَةِ التَّأْكِيدِ.

وقَوْلُهُ تَسُرُّ النّاظِرِينَ أيْ تُدْخِلُ رُؤْيَتُها عَلَيْهِمْ مَسَرَّةً في نُفُوسِهِمْ. والمَسَرَّةُ لَذَّةٌ نَفْسِيَّةٌ تَنْشَأُ عَنِ الإحْساسِ بِالمُلائِمِ أوْ عَنِ اعْتِقادِ حُصُولِهِ ومِمّا يُوجِبُها التَّعَجُّبُ مِنَ الشَّيْءِ والإعْجابُ بِهِ. وهَذا اللَّوْنُ مِن أحْسَنِ ألْوانِ البَقَرِ فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ فِعْلُ تَسُرُّ إلى ضَمِيرِ البَقَرَةِ لا إلى ضَمِيرِ اللَّوْنِ فَلا يَقْتَضِي أنَّ لَوْنَ الأصْفَرِ مِمّا يَسُرُّ النّاظِرِينَ مُطْلَقًا. والتَّعْبِيرُ بِالنّاظِرِينَ دُونَ النّاسِ ونَحْوِهِ

صفحة ٥٥٤

لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَسَرَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها مِن بابِ اسْتِفادَةِ التَّعْلِيلِ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ.

2:70Page 11

قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ ٧٠

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allāh wills, will be guided."

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]

القَوْلُ في ما هي كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى حَكى مُرادِفَ كَلامِهِمْ بِلُغَةِ العَرَبِ فالجَوابُ لَهم بِأنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ لِما عُلِمَ مِن أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الأغْراضُ بِها إلّا الكَرامَةُ والنَّفاسَةُ، وإنْ كانَ المَحْكِيُّ في القُرْآنِ اخْتِصارًا لِكَلامِهِمْ فالأمْرُ ظاهِرٌ.

عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ مُرادَهم فَأنْبَأهم بِهِ.

وجُمْلَةُ إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ إعادَتَهُمُ السُّؤالَ تُوقِعُ في نَفْسِ مُوسى تَساؤُلًا عَنْ سَبَبِ هَذا التَّكْرِيرِ في السُّؤالِ. وقَوْلُهم إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا اعْتِذارٌ عَنْ إعادَةِ السُّؤالِ، وإنَّما لَمْ يَعْتَذِرُوا في المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ واعْتَذَرُوا الآنَ لِأنَّ لِلثّالِثَةِ في التَّكْرِيرِ وقْعًا مِنَ النَّفْسِ في التَّأْكِيدِ والسَّآمَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولِذَلِكَ كَثُرَ في أحْوالِ البَشَرِ وشَرائِعِهِمُ التَّوْقِيتُ بِالثَّلاثَةِ. وقَدْ جِيءَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ في خَبَرٍ لا يَشُكُّ مُوسى في صِدْقِهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ ثُمَّ يُتَوَسَّلُ بِالِاهْتِمامِ إلى إفادَةِ مَعْنى التَّفْرِيعِ والتَّعْلِيلِ فَتُفِيدُ إنَّ مَفادَ فاءِ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ وهو ما اعْتَنى الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ في دَلائِلِ الإعْجازِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِ بِشارٍ: بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في هَذِهِ السُّورَةِ وذَكَرَ فِيهِ قِصَّةً.

وقَوْلُهم ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ تَنْشِيطٌ لِمُوسى ووَعْدٌ لَهُ بِالِامْتِثالِ لِيَنْشَطَ إلى دُعاءِ رَبِّهِ بِالبَيانِ ولِتَنْدَفِعَ عَنْهُ سَآمَةُ مُراجَعَتِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ بَوارِقِها في قَوْلِهِ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ولِإظْهارِ حُسْنِ المَقْصِدِ مِن كَثْرَةِ السُّؤالِ وأنْ لَيْسَ قَصْدُهُمُ الإعْناتَ. تَفادِيًا مِن غَضَبِ مُوسى عَلَيْهِمْ. والتَّعْلِيقُ بِإنْ شاءَ اللَّهُ لِلتَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ في رَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ في طَلَبِ حُصُولِ الخَيْرِ. والقَوْلُ في وجْهِ التَّأْكِيدِ في أنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ الأوَّلِ.

صفحة ٥٥٥

والذَّلُولُ بِفَتْحِ الذّالِ فَعُولٌ مِن ذَلَّ ذِلًّا بِكَسْرِ الذّالِ في المَصْدَرِ بِمَعْنى لانَ وسَهُلَ. وأمّا الذُّلُّ بِضَمِّ الذّالِ فَهو ضِدُّ العِزِّ وهُما مَصْدَرانِ لِفِعْلٍ واحِدٍ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ أحَدَ المَصْدَرَيْنِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ. والمَعْنى أنَّها لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ أنْ يُحْرَثَ عَلَيْها وأنْ يُسْقى بِجَرِّها أيْ هي عِجْلَةٌ قارَبَتْ هَذا السِّنَّ وهو المُوافِقُ لِما حُدِّدَ بِهِ سِنُّها في التَّوْراةِ.

ولا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ. وجُمْلَةُ تُثِيرُ الأرْضَ حالٌ مِن ذَلُولٍ.

وإثارَةُ الأرْضِ حَرْثُها وقَلْبُ داخِلِ تُرابِها ظاهِرًا وظاهِرِهِ باطِنًا. أُطْلِقَ عَلى الحَرْثِ فِعْلُ الإثارَةِ تَشْبِيهًا لِانْقِلابِ أجْزاءِ الأرْضِ بِثَوْرَةِ الشَّيْءِ مِن مَكانِهِ إلى مَكانٍ آخَرَ كَما قالَ تَعالى فَتُثِيرُ سَحابًا أيْ تَبْعَثُهُ وتَنْقُلُهُ ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الرُّومِ وأثارُوا الأرْضَ. ولا تَسْقِي الحَرْثَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وإقْحامُ (لا) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مَعَ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ عَلى المَنفِيِّ بِها يُغْنِي عَنْ إعادَتِها إنَّما هو لِمُراعاةِ الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ في كُلِّ وصْفٍ أوْ ما في مَعْناهُ أُدْخِلَ فِيهِ حَرْفُ لا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ فَإنَّهُ لَمّا قُيِّدَتْ صِفَةُ ذَلُولٍ بِجُمْلَةِ تَسْقِي الحَرْثَ صارَ تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّها بَقَرَةٌ لا تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ فَجَرَتِ الآيَةُ عَلى الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ مِن إعادَةِ (لا) وبِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِلْمُبَرِّدِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.

واخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في تُثِيرُ وتَسْقِي لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِذَلُولٍ إذِ الوَصْفُ شَبِيهٌ بِالمُضارِعِ ولِأنَّ المُضارِعَ دالٌّ عَلى الحالِ. ومُسَلَّمَةٌ أيْ سَلِيمَةٌ مِن عُيُوبِ نَوْعِها فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (سُلِّمَتِ) المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وكَثِيرًا ما تُذْكَرُ الصِّفاتُ الَّتِي تُعْرَضُ في أصْلِ الخِلْقَةِ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ في الفِعْلِ والوَصْفِ إذْ لا يَخْطُرُ عَلى بالِ المُتَكَلِّمِ تَعْيِينُ فاعِلِ ذَلِكَ ومِن هَذا مُعْظَمُ الأفْعالِ الَّتِي التُزِمَ فِيها البِناءُ لِلْمَجْهُولِ.

وقَوْلُهُ لا شِيَةَ فِيها صِفَةٌ أُخْرى تُمَيِّزُ هَذِهِ البَقَرَةَ عَنْ غَيْرِها. والشِّيَةُ العَلامَةُ وهي بِزِنَةِ فِعْلَةٍ مِن وشى الثَّوْبَ إذا نَسَجَهُ ألْوانًا وأصْلُ شِيَةٍ وشْيَةٌ ويَقُولُ العَرَبُ ثَوْبٌ مُوَشًّى وثَوْبٌ وشِيٌّ، ويَقُولُونَ ثَوْرٌ مُوَشّى الأكارِعِ لِأنَّ في أكارِعِ ثَوْرِ الوَحْشِ سَوادٌ يُخالِطُ صُفْرَتَهُ فَهو ثَوْرٌ أشْيَهٌ ونَظائِرُهُ قَوْلُهم فَرَسٌ أبْلَقُ. وكَبْشٌ أدْرَعُ. وتَيْسٌ أزْرَقُ وغُرابٌ أبْقَعُ. بِمَعْنى مُخْتَلِطٍ لَوْنَيْنِ.

وقَوْلُهُ قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ أرادُوا بِالحَقِّ الأمْرَ الثّابِتَ الَّذِي لا احْتِمالَ فِيهِ كَما تَقُولُ جاءَ بِالأمْرِ عَلى وجْهِهِ، ولَمْ يُرِيدُوا مِنَ الحَقِّ ضِدَّ الباطِلِ لِأنَّهم ما كانُوا يُكَذِّبُونَ نَبِيَّهم فَإنْ

صفحة ٥٥٦

قُلْتَ: لِماذا ذُكِرَ هُنا بِلَفْظِ الحَقِّ وهَلّا قِيلَ قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالبَيانِ أوْ بِالثَّبْتِ.

قُلْتُ: لَعَلَّ الآيَةَ حَكَتْ مَعْنى ما عَبَّرَ عَنْهُ اليَهُودُ لِمُوسى بِلَفْظٍ هو في لُغَتِهِمْ مُحْتَمِلٌ لِلْوَجْهَيْنِ فَحَكى بِما يُرادِفُهُ مِنَ العَرَبِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلى قِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِانْتِقاءِ الألْفاظِ النَّزِيهَةِ في مُخاطَبَةِ أنْبِيائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ كَما كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ راعِنا، فَنُهِينا نَحْنُ عَنْ أنْ نَقُولَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وهم لِقِلَّةِ جَدارَتِهِمْ بِفَهْمِ الشَّرائِعِ قَدْ تَوَهَّمُوا أنَّ في الأمْرِ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ دُونَ بَيانِ صِفاتِها تَقْصِيرًا كَأنَّهم ظَنُّوا الأمْرَ بِالذَّبْحِ كالأمْرِ بِالشِّراءِ فَجَعَلُوا يَسْتَوْصِفُونَها بِجَمِيعِ الصِّفاتِ واسْتَكْمَلُوا مُوسى لَمّا بَيَّنَ لَهُمُ الصِّفاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِها أغْراضُ النّاسِ في الكَسْبِ لِلْبَقَرِ ظَنًّا مِنهم أنَّ في عِلْمِ النَّبِيءِ بِهَذِهِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَمالًا فِيهِ، فَلِذا مَدَحُوهُ بَعْدَ البَيانِ بِقَوْلِهِمُ الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ كَما يَقُولُ المُمْتَحِنُ لِلتِّلْمِيذِ بَعْدَ جَمْعِ صُوَرِ السُّؤالِ الآنَ أصَبْتَ الجَوابَ. ولَعَلَّهم كانُوا لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الوَصْفِ الطَّرْدِيِّ وغَيْرِهِ في التَّشْرِيعِ. فَلْيَحْذَرِ المُسْلِمُونَ أنْ يَقَعُوا في فَهْمِ الدِّينِ عَلى شَيْءٍ مِمّا وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ وذُمُّوا لِأجْلِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском