Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:74–75
2:74Page 11
ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤
Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهْيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
ثُمَّ هُنا لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ الَّذِي تَتَهَيَّأُ لَهُ إذا عَطَفْتَ الجُمَلَ أيْ ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ تَلِنْ قُلُوبُكم ولَمْ تَنْفَعْكُمُ الآياتُ فَقَسَتْ قُلُوبُكم وكانَ مِنَ البَعِيدِ قَسْوَتُها. وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] زِيادَةُ تَعْجِيبٍ مِن طُرُقِ القَساوَةِ لِلْقَلْبِ بَعْدَ تَكَرُّرِ جَمِيعِ الآياتِ السّابِقَةِ المُشارِ إلى مَجْمُوعِها بِذَلِكَ عَلى حَدِّ قَوْلِ القَطامِيِّ:
أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا
أيْ كَيْفَ أكْفُرُ نِعْمَتَكَ أيْ لا أكْفُرُها مَعَ إنْجائِكَ لِي مِنَ المَوْتِ إلَخْ. ووَجْهُ اسْتِعْمالِ (بَعْدَ) في هَذا المَعْنى أنَّها مَجازٌ في مَعْنى (مَعَ) لِأنَّ شَأْنَ المُسَبَّبِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ السَّبَبِ ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَقْصِدُ التَّنْبِيهَ عَلى تَأخُّرِهِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ وأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَعَهُ إثْباتًا أوْ نَفْيًا عَبَّرَ بِ (بَعْدَ) عَنْ مَعْنى (مَعَ) مَعَ الإشارَةِ إلى التَّأخُّرِ الرُّتْبِيِّ.
والقَسْوَةُ والقَساوَةُ تُوصَفُ بِها الأجْسامُ وتُوصَفُ بِها النُّفُوسُ المُعَبَّرُ عَنْها بِالقُلُوبِ فالمَعْنى الجامِعُ لِلْوَصْفَيْنِ هو عَدَمُ قَبُولِ التَّحَوُّلِ عَنِ الحالَةِ المَوْجُودَةِ إلى حالَةٍ تُخالِفُها.
وسَواءٌ كانَتِ القَساوَةُ مَوْضُوعَةً لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ الحِسِّيِّ والقَلْبِيِّ وهو احْتِمالٌ ضَعِيفٌ، أمْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لِلْأجْسامِ حَقِيقَةً واسْتُعْمِلَتْ في القُلُوبِ مَجازًا وهو الصَّحِيحُ، فَقَدْ شاعَ هَذا
صفحة ٥٦٣
المَجازُ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ وصارَ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى القَرِينَةِ فَآلَ اللَّفْظُ إلى الدَّلالَةِ عَلى القَدْرِ المُشْتَرِكِ بِالِاسْتِعْمالِ لا بِأصْلِ الوَضْعِ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ العَطْفُ في قَوْلِهِ ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ كَما سَيَأْتِي. وقَوْلُهُ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ تَشْبِيهُ فَرْعٍ بِالفاءِ لِإرادَةِ ظُهُورِ التَّشْبِيهِ بَعْدَ حِكايَةِ الحالَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَسَتْ لِأنَّ القَسْوَةَ هي وجْهُ الشَّبَهِ ولِأنَّ أشْهَرَ الأشْياءِ في هَذا الوَصْفِ هو الحَجْزُ فَإذا ذُكِرَتِ القَسْوَةُ فَقَدْ تَهَيَّأ التَّشْبِيهُ بِالحَجَرِ ولِذا عَطَفَ بِالفاءِ؛ أيْ إذا عَلِمْتَ أنَّها قاسِيَةٌ فَشَبَّهَها بِالحِجارَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ يَصِفُ الحَجِيجَ:
عَلَيْهِنَّ شَعَثٌ عامِدُونَ لِرَبِّهِمْ ∗∗∗ فَهُنَّ كَأطْرافِ الحَنِيِّ خَواشِعُ
وقَدْ كانَتْ صَلابَةُ الحَجَرِ أعْرَفَ لِلنّاسِ وأشْهَرَ لِأنَّها مَحْسُوسَةٌ فَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِها. وهَذا الأُسْلُوبُ يُسَمّى عِنْدِي تَهْيِئَةَ التَّشْبِيهِ وهو مِن مَحاسِنِهِ، وإذا تَتَبَّعْتَ أسالِيبَ التَّشْبِيهِ في كَلامِهِمْ تَجِدُها عَلى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لا يُهَيَّأُ فِيهِ التَّشْبِيهُ وهو الغالِبُ وضَرْبٌ يُهَيَّأُ فِيهِ كَما هُنا والعَطْفُ بِالفاءِ في مِثْلِهِ حَسَنٌ جِدًّا وأمّا أنْ يَأْتِيَ المُتَكَلِّمُ بِما لا يُناسِبُ التَّشْبِيهَ فَذَلِكَ عِنْدِي يُعَدُّ مَذْمُومًا وقَدْ رَأيْتُ بَيْتًا جَمَعَ تَهْيِئَةَ التَّشْبِيهِ والبُعْدَ عَنْهُ وهو قَوْلُ ابْنِ نَباتَةَ:
فِي الرِّيقِ سُكْرٌ وفي الأصْداغِ تَجْعِيدُ ∗∗∗ هَذا المُدامُ وهاتِيكَ العَناقِيدُ
فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ السُّكْرَ تَهَيَّأ التَّشْبِيهُ بِالخَمْرِ ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَجْعِيدٌ لا يُناسِبُ العَناقِيدَ فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَدَدْتَهُ مَذْمُومًا وما هو إلّا كَتَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ.
قُلْتُ لا لِأنَّ التَّجْرِيدَ يَجِيءُ بَعْدَ تَكَرُّرِ الِاسْتِعارَةِ وعِلْمٍ بِها فَيَكُونُ تَفَنُّنًا لَطِيفًا بِخِلافِ ما يَجِيءُ قَبْلَ العِلْمِ بِالتَّشْبِيهِ.
وقَوْلُهُ ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ و(أوْ) بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ لِتَوَفُّرِ شَرْطِها وهو كَوْنُ مَعْطُوفِها جُمْلَةً.
وهَذا المَعْنى مُتَوَلِّدٌ مِن مَعْنى التَّخْيِيرِ المَوْضُوعَةِ لَهُ أوْ لِأنَّ الِانْتِقالَ يَنْشَأُ عَنِ التَّخْيِيرِ فَإنَّ القُلُوبَ بَعْدَ أنْ شُبِّهَتْ بِالحِجارَةِ وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ أضْعَفَ في الوَصْفِ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ يُبْنى عَلى ذَلِكَ ابْتِداءُ التَّشْبِيهِ بِما هو أشْهَرُ ثُمَّ عَقَّبَ التَّشْبِيهَ بِالتَّرَقِّي إلى التَّفْضِيلِ في وجْهِ الشَّبَهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
صفحة ٥٦٤
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى ∗∗∗ وصُورَتِها أوْ أنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ
فَلَيْسَتْ أوْ لِلتَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ أيْ لَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى قَوْلِهِ الحِجارَةِ المَجْرُورَةِ بِالكافِ لِأنَّ تِلْكَ لَها مَوْقِعٌ ما إذا كُرِّرَ المُشَبَّهُ بِهِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ في الأخْبارِ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي هو كالحِجارَةِ أيْ فَهي مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ هي أقْوى مِنَ الحِجارَةِ والمَقْصُودُ مِنَ التَّخْيِيرِ أنَّ المُتَكَلِّمَ يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يَرْمِي بِكَلامِهِ جُزافًا ولا يَذُمُّهم تَحامُلًا بَلْ هو مُتَثَبِّتٌ مُتَحَرٍّ في شَأْنِهِمْ فَلا يُثْبِتُ لَهم إلّا ما تَبَيَّنَ لَهُ بِالِاسْتِقْراءِ والتَّقَصِّي فَإنَّهُ ساواهم بِالحِجارَةِ في وصْفٍ ثُمَّ تَقَصّى فَرَأى أنَّهم فِيهِ أقْوى فَكَأنَّهُ يَقُولُ لِلْمُخاطَبِ إنْ شِئْتَ فَسَوِّهِمْ بِالحِجارَةِ في القَسْوَةِ ولَكَ أنْ تَقُولَ هم أشَدُّ مِنها وذَلِكَ يُفِيدُ مَفادَ الِانْتِقالِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ وهو إنَّما يَحْسُنُ في مَقامِ الذَّمِّ لِأنَّ فِيهِ تَلَطُّفًا وأمّا في مَقامِ المَدْحِ فالأحْسَنُ هو التَّعْبِيرُ بِبَلْ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
فَقالَتْ لَنا أهْلا وسَهْلًا وزَوَّدَتْ ∗∗∗ جَنى النَّحْلِ بَلْ ما زَوَّدَتْ مِنهُ أطْيَبُ
ووَجْهُ تَفْضِيلِ تِلْكَ القُلُوبِ عَلى الحِجارَةِ في القَساوَةِ أنَّ القَساوَةَ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِها القُلُوبُ مَعَ كَوْنِها نَوْعًا مُغايِرًا لِنَوْعِ قَساوَةِ الحِجارَةِ قَدِ اشْتَرَكا في جِنْسِ القَساوَةِ الرّاجِعَةِ إلى مَعْنى عَدَمِ قَبُولِ التَّحَوُّلِ كَما تَقَدَّمَ فَهَذِهِ القُلُوبُ قَساوَتُها عِنْدَ التَّمْحِيصِ أشَدُّ مِن قَساوَةِ الحِجارَةِ لِأنَّ الحِجارَةَ قَدْ يَعْتَرِيها التَّحَوُّلُ عَنْ صَلابَتِها وشِدَّتِها بِالتَّفَرُّقِ والتَّشَقُّقِ وهَذِهِ القُلُوبُ لَمْ تُجْدِ فِيها مُحاوَلَةٌ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِوَجْهِ التَّفْضِيلِ إذْ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَغْرَبَ، ومَوْقِعُ هَذِهِ الواوِ الأُولى في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ عَسِيرٌ فَقِيلَ هي لِلْحالِ مِنَ الحِجارَةِ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ (أشَدُّ) أيْ أشَدُّ مِنَ الحِجارَةِ قَسْوَةً، أيْ تَفْضِيلُ القُلُوبِ عَلى الحِجارَةِ في القَسْوَةِ يَظْهَرُ في هَذِهِ الأحْوالِ الَّتِي وُصِفَتْ بِها الحِجارَةُ ومَعْنى التَّقْيِيدِ أنَّ التَّفْضِيلَ أظْهَرُ في هَذِهِ الأحْوالِ، وقِيلَ هي الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ قالَهُ التَّفْتَزانِيُّ، وكَأنَّهُ يَجْعَلُ مَضْمُونَ هَذِهِ المَعْطُوفاتِ غَيْرَ راجِعٍ إلى مَعْنى تَشْبِيهِ القُلُوبِ بِالحِجارَةِ في القَساوَةِ بَلْ يَجْعَلُها إخْبارًا عَنْ مَزايا فُضِّلَتْ بِها الحِجارَةُ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ بِما يَحْصُلُ عَنْ هَذِهِ الحِجارَةِ مِن مَنافِعَ في حِينِ تُعَطَّلُ قُلُوبُ هَؤُلاءِ مِن صُدُورِ النَّفْعِ بِها، وقِيلَ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ وهو تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ وفِيهِ بُعْدٌ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ، والظّاهِرُ أنَّها الواوُ
صفحة ٥٦٥
الِاعْتِراضِيَّةُ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ الحالِ مِنها وهي قَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والتَّوْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهَذا الِاهْتِمامُ يُؤْذِنُ بِالتَّعْلِيلِ ووُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ قَبْلَها لا يُناكِدُ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] ومِن بَدِيعِ التَّخَلُّصِ تَأخُّرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّسَخُّرِ لِأمْرِ التَّكْوِينِ بِالخَشْيَةِ لِيَتِمَّ ظُهُورُ تَفْضِيلِ الحِجارَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ في أحْوالِها الَّتِي نِهايَتُها الِامْتِثالُ لِلْأمْرِ التَّكْوِينِيِّ مَعَ تَعاصِي قُلُوبِهِمْ عَنِ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ التَّكْلِيفِيِّ لِيَتَأتّى الِانْتِقالُ إلى قَوْلِهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . وقَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ انْفِجارَ الماءِ مِنَ الأرْضِ مِنَ الصُّخُورِ مُنْحَصِرٌ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ وذَلِكَ هو ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الجُغْرافِيا الطَّبِيعِيَّةِ أنَّ الماءَ النّازِلَ عَلى الأرْضِ يَخْرِقُ الأرْضَ بِالتَّدْرِيجِ لِأنَّ طَبْعَ الماءِ النُّزُولُ إلى الأسْفَلِ جَرْيًا عَلى قاعِدَةِ الجاذِبِيَّةِ فَإذا اضُّغِطَ عَلَيْهِ بِثِقَلِ نَفْسِهِ مِن تَكاثُرِهِ أوْ بِضاغِطٍ آخَرَ مِن أهْوِيَةِ الأرْضِ تَطَلَّبَ الخُرُوجَ حَتّى إذا بَلَغَ طَبَقَةً صَخْرِيَّةً أوْ صَلْصالِيَّةً طَفا هُناكَ فالحَجَرُ الرَّمْلِيُّ يَشْرَبُ الماءَ، والصُّخُورُ والصَّلْصالُ لا يَخْرِقُها الماءُ إلّا إذا كانَتِ الصُّخُورُ مُرَكَّبَةً مِن مَوادَّ كِلْسِيَّةٍ وكانَ الماءُ قَدْ حَمَلَ في جَرْيَتِهِ أجْزاءً مِن مَعْدِنِ الحامِضِ الفَحْمِيِّ فَإنَّ لَهُ قُوَّةً عَلى تَحْلِيلِ الكِلْسِ. فَيُحْدِثُ ثُقْبًا في الصُّخُورِ الكِلْسِيَّةِ حَتّى يَخْرِقَها فَيَخْرُجَ مِنها نابِعًا كالعُيُونِ. وإذا اجْتَمَعَتِ العُيُونُ في مَوْضِعٍ نَشَأتْ عَنْها الأنْهارُ كالنِّيلِ النّابِعِ مِن جِبالِ القَمَرِ، وأمّا الصُّخُورُ غَيْرُ الكِلْسِيَّةِ فَلا يُفَتِّتُها الماءُ ولَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ لَها انْشِقاقٌ بِالزَّلازِلِ أوْ بِفَلْقِ الآلاتِ فَيَخْرُجُ مِنها الماءُ إمّا إلى ظاهِرِ الأرْضِ كَما نَرى في الآبارِ وقَدْ يَخْرُجُ مِنها الماءُ إلى طَبَقَةٍ تَحْتَها فَيَخْتَزِنُ تَحْتَها حَتّى يَخْرُجَ بِحالَةٍ مِنَ الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَدْ يَجِدُ الماءُ في سَيْرِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ تَحْتَ الصَّخْرِ أوْ بَعْدَهُ مَنفَذًا إلى أرْضٍ تُرابِيَّةٍ فَيَخْرُجُ طافِيًا مِن سَطْحِ الصُّخُورِ الَّتِي جَرى فَوْقَها. وقَدْ يَجِدُ الماءُ في سَيْرِهِ مُنْخَفَضاتٍ في داخِلِ الأرْضِ فَيَسْتَقِرُّ فِيها ثُمَّ إذا انْضَمَّتْ إلَيْهِ كَمِّيّاتٌ أُخْرى تَطَلَّبَ الخُرُوجَ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المُتَقَدِّمَةِ ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ تَنْفَجِرَ الأنْهارُ عَقِبَ الزَّلازِلِ.
والخَشْيَةُ في الحَقِيقَةِ الخَوْفُ الباعِثُ عَلى تَقْوى الخائِفِ غَيْرَهُ. وهي حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ في امْتِثالِ الأمْرِ التَّكْلِيفِيِّ لِأنَّها الباعِثُ عَلى الِامْتِثالِ. وجُعِلَتْ هُنا مَجازًا عَنْ قَبُولِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ
صفحة ٥٦٦
إمّا مُرْسَلًا بِالإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، وإمّا تَمْثِيلًا لِلْهَيْئَةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ بِهَيْئَةِ المُكَلَّفِ إذْ لَيْسَتْ لِلْحِجارَةِ خَشْيَةٌ إذْ لا عَقْلَ لَها. وقَدْ قِيلَ إنَّ إسْنادَ يَهْبِطُ لِلْحَجَرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ والمُرادُ هُبُوطُ القُلُوبِ أيْ قُلُوبِ النّاظِرِينَ إلى الصُّخُورِ والجِبالِ أيْ خُضُوعُها فَأُسْنِدَ الهُبُوطُ إلَيْها لِأنَّها سَبَبُهُ كَما قالُوا ناقَةٌ تاجِرَةٌ أيْ تَبْعَثُ مَن يَراها عَلى المُساوَمَةِ فِيها.
وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ في مَحَلِّ الحالِ أيْ فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَنْ كُلِّ صُنْعِكم وقَدْ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ تَكْمِلَةَ خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ يَعْمَلُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وهو انْتِقالٌ مِن خِطابِهِمْ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ فَلِذَلِكَ غَيَّرَ أُسْلُوبَهُ إلى الغَيْبَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ لِاخْتِلافِ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ لِأنَّ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] عَلَيْهِ دَلَّ عَلى أنَّ الكَلامَ نُقِلَ مِن خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ. وهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ لَهم مُباشَرَةً أوْ تَعْرِيضًا.
2:75Page 11
۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?
﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾
هَذا اعْتِراضٌ اسْتِطْرادِيٌّ بَيْنَ القِصَّةِ الماضِيَةِ والقِصَّةِ الَّتِي أوَّلُها ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] فَجَمِيعُ الجُمَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ [البقرة: ٨٣] داخِلَةٌ في هَذا الِاسْتِطْرادِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أوِ التَّعْجِيبِيِّ عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ [البقرة: ٧٤] أوْ عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ السّابِقَةِ لِأنَّ جَمِيعَها مِمّا يَقْتَضِي اليَأْسَ مِن إيمانِهِمْ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَلا تَطْمَعُوا أنْ يُؤْمِنُوا لَكم أوْ فاعْجَبُوا مِن طَمَعِكم وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ مَوْقِعِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ في مِثْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] والطَّمَعُ تَرَقُّبُ حُصُولِ شَيْءٍ مَحْبُوبٍ وهو يُرادِفُ الرَّجاءَ وهو ضِدُّ اليَأْسِ، والطَّمَعُ يَتَعَدّى بِفي حُذِفَتْ هُنا قَبْلَ أنْ
صفحة ٥٦٧
فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ يُنْهى عَنِ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ أوْ يُعْجَبَ بِهِ والنَّبِيءُ والمُسْلِمُونَ مَأْمُورُونَ بِدَعْوَةِ أُولَئِكَ إلى الإيمانِ دائِمًا وهَلْ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ارْتِباطٌ بِمَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ الَّذِي اسْتَحالَتْهُ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ.
قُلْتُ: إنَّما نُهِينا عَنِ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ لا عَنْ دُعائِهِمْ لِلْإيمانِ لِأنَّنا نَدْعُوهم لِلْإيمانِ وإنْ كُنّا آيِسِينَ مِنهُ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا عِنْدَ إجْراءِ أحْكامِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ وفي الآخِرَةِ أيْضًا ولِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى الحَقِّ قَدْ تُصادِفُ نَفْسًا نَيِّرَةً فَتَنْفَعُها فَإنَّ اسْتِبْعادَ إيمانِهِمْ حُكْمٌ عَلى غالِبِهِمْ وجَمْهَرَتِهِمْ أمّا الدَّعْوَةُ فَإنَّها تَقَعُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنهم والمَسْألَةُ أخَصُّ مِن تِلْكَ المَسْألَةِ لِأنَّ مَسْألَةَ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ مَفْرُوضَةٌ فِيما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ وُقُوعِهِ وتِلْكَ قَدْ كُنّا أجَبْنا لَكم فِيها جَوابًا واضِحًا وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى وإنْ عَلِمَ عَدَمِ إيمانِ مِثْلِ أبِي جَهْلٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُطْلِعْنا عَلى ما عَلِمَهُ فِيهِ. والأوامِرُ الشَّرْعِيَّةُ لَمْ تَجِئْ بِتَخْصِيصِ أحَدٍ بِدَعْوَةٍ حَتّى يُقالَ كَيْفَ أُمِرَ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ أظْهَرَتْ نَفْيَ الطَّماعِيَةِ في إيمانِ مَن كانَ دَأْبُهم هَذِهِ الأحْوالَ فالجَوابُ عَنْها يَرْجِعُ إلى الجَوابِ الأعَمِّ وهو أنَّ الدُّعاءَ لِأجْلِ إقامَةِ الحُجَّةِ وهو الجَوابُ الأعَمُّ لِأصْحابِنا في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ وُقُوعِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ أحْوالِهِمْ قَدْ تَتَغَيَّرُ فَيَكُونُ لِلطَّماعِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ حَظٌّ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَكم لِتَضْمِينِ يُؤْمِنُوا مَعْنى يُقِرُّوا وكَأنَّ فِيهِ تَلْمِيحًا إلى أنَّ إيمانَهم بِصِدْقِ الرَّسُولِ حاصِلٌ ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ ويَجْحَدُونَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] الآيَةَ فَما أبْدَعَ نَسْجَ القُرْآنِ. ويَجُوزُ حَمْلُ اللّامِ عَلى التَّعْلِيلِ وجَعْلُ يُؤْمِنُوا مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهم عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ وهم أخَصُّ النّاسِ بِهِمْ أفَتَطْمَعُونَ أنْ يَعْتَرِفُوا بِهِ لِأجْلِكم.
وقَوْلُهُ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ هي قَيْدُ إنْكارِ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ فَيَكُونُ قَدْ عَلَّلَ هَذا الإنْكارَ بِعِلَّتَيْنِ إحْداهُما بِالتَّفْرِيعِ عَلى ما عَلِمْناهُ، والثّانِيَةُ بِالتَّقْيِيدِ بِما عَلِمْناهُ. وقَوْلُهُ فَرِيقٌ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِن قَوْمِهِمُ الأقْدَمِينَ أوْ مِنَ الحاضِرِينَ في زَمَنِ
صفحة ٥٦٨
نُزُولِ الآيَةِ. وسَماعُهم كَلامَ اللَّهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو سَماعُ الوَحْيِ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ إنْ كانَ الفَرِيقُ مِنَ الَّذِينَ كانُوا زَمَنَ مُوسى أوْ بِواسِطَةِ النَّقْلِ إنْ كانَ مِنَ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِ. أمّا سَماعُ كَلامِ اللَّهِ مُباشَرَةً فَلَمْ يَقَعْ إلّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ بِهَذا الفَرِيقِ جَمْعٌ مِن عُلَمائِهِمْ دُونَ عامَّتِهِمْ. والتَّحْرِيفُ أصْلُهُ مَصْدَرُ حَرَّفَ الشَّيْءَ إذا مالَ بِهِ إلى الحَرْفِ وهو يَقْتَضِي الخُرُوجَ عَنْ جادَّةِ الطَّرِيقِ.
ولَمّا شاعَ تَشْبِيهُ الحَقِّ والصَّوابِ والرُّشْدِ والمَكارِمِ بِالجادَّةِ وبِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ شاعَ في عَكْسِهِ تَشْبِيهُ ما خالَفَ ذَلِكَ بِالِانْحِرافِ وبِبِنْياتِ الطَّرِيقِ. قالَ الأشْتَرُ:
بَقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهٍ عَبُوسِ
ومِن فُرُوعِ هَذا التَّشْبِيهِ قَوْلُهم: زاغَ، وحادَ، ومَرَقَ، وألْحَدَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] فالمُرادُ بِالتَّحْرِيفِ إخْراجُ الوَحْيِ والشَّرِيعَةِ عَمّا جاءَتْ بِهِ إمّا بِتَبْدِيلٍ وهو قَلِيلٌ وإمّا بِكِتْمانِ بَعْضٍ وتَناسِيهِ وإمّا بِالتَّأْوِيلِ البَعِيدِ وهو أكْثَرُ أنْواعِ التَّحْرِيفِ.
وقَوْلُهُ وهم يَعْلَمُونَ حالٌ مِن فَرِيقٌ وهو قَيْدٌ في القَيْدِ يَعْنِي يَسْمَعُونَهُ ثُمَّ يَعْقِلُونَهُ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يُحَرِّفُونَ، وأنَّ قَوْمًا تَوارَثُوا هَذِهِ الصِّفَةَ لا يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ لِأنَّ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذا إمّا أنْ يَكُونُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ بَنِي عَمِّهِمْ فالغالِبُ أنْ يَكُونَ خُلُقُهم واحِدًا وطِباعُهم مُتَقارِبَةً كَما قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] ولِلْعَرَبِ والحُكَماءِ في هَذا المَعْنى أقْوالٌ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى أنَّ الطِّباعَ تُورَثُ، ولِذَلِكَ كانُوا يَصِفُونَ القَبِيلَةَ بِصِفاتِ جُمْهُورِها أوْ أرادَ بِالفَرِيقِ عُلَماءَهم وأحْبارَهم، فالمُرادُ لا طَمَعَ لَكم في إيمانِ قَوْمٍ هَذِهِ صِفاتُ خاصَّتِهِمْ وعُلَمائِهِمْ فَكَيْفَ ظَنُّكم بِصِفاتِ دَهْمائِهِمْ لِأنَّ الخاصَّةَ في كُلِّ أُمَّةٍ هم مَظْهَرُ مَحامِدِها وكَمالاتِها فَإذا بَلَغَتِ الخاصَّةُ في الِانْحِطاطِ مَبْلَغًا شَنِيعًا فاعْلَمْ أنَّ العامَّةَ أفْظَعُ وأشْنَعُ وأرادَ بِالعامَّةِ المَوْجُودِينَ مِنهم زَمَنَ القُرْآنِ لِأنَّهم وإنْ كانَ فِيهِمْ عُلَماءُ إلّا أنَّهم كالعامَّةِ في سُوءِ النَّظَرِ ووَهَنِ الوازِعِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences