Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:9–10
2:9Page 3
يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩
They [think to] deceive Allāh and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.
﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةُ يُخادِعُونَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَقُولُ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وما مَعَها لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى المُخادَعَةِ. والخِداعُ مَصْدَرُ خادَعَ الدّالُّ عَلى مَعْنى مُفاعَلَةِ الخَدْعِ، والخَدْعُ هو فِعْلٌ أوْ قَوْلٌ مَعَهُ ما يُوهِمُ أنَّ فاعِلَهُ يُرِيدُ بِمَدْلُولِهِ نَفْعَ غَيْرِهِ وهو إنَّما يُرِيدُ خِلافَ ذَلِكَ ويَتَكَلَّفُ تَرْوِيجَهُ عَلى غَيْرِهِ لِيُغَيِّرَهُ عَنْ حالَةٍ هو فِيها أوْ يَصْرِفَهُ عَنْ أمْرٍ يُوشِكُ أنْ يَفْعَلَهُ، تَقُولُ العَرَبُ: خَدَعَ الضَّبُّ، إذا أوْهَمَ حارِشَهُ أنَّهُ يُحاوِلُ الخُرُوجَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أدْخَلَ فِيها الحارِشُ يَدَهُ حَتّى لا يَرْقُبَهُ الحارِشُ لِعِلْمِهِ أنَّهُ آخِذُهُ لا مَحالَةَ ثُمَّ يَخْرُجُ الضَّبُّ مِنَ النّافِقاءِ.
والخِداعُ فِعْلٌ مَذْمُومٌ إلّا في الحَرْبِ والِانْخِداعُ تَمْشِي حِيلَةُ المُخادِعِ عَلى المَخْدُوعِ وهو مَذْمُومٌ أيْضًا لِأنَّهُ مِنَ البَلَهِ وأمّا إظْهارُ الِانْخِداعِ مَعَ التَّفَطُّنِ لِلْحِيلَةِ إذا كانَتْ غَيْرَ مُضِرَّةٍ
صفحة ٢٧٥
فَذَلِكَ مِنَ الكَرَمِ والحِلْمِ قالَ الفَرَزْدَقُ: اسْتَمْطَرُوا مِن قُرَيْشٍ كُلَّ مُنْخَدِعٍ إنَّ الكَرِيمَ إذا خادَعْتَهُ انْخَدَعا وفي الحَدِيثِ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» أيْ مِن صِفاتِهِ الصَّفْحُ والتَّغاضِي حَتّى يُظَنَّ أنَّهُ غِرٌّ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِكَرِيمٍ لِدَفْعِ الغَرِيَّةِ المُؤْذِنَةِ بِالبَلَهِ فَإنَّ الإيمانَ يَزِيدُ الفِطْنَةَ لِأنَّ أُصُولَ اعْتِقادِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلى نَبْذِ كُلِّ ما مِن شَأْنِهِ تَضْلِيلُ الرَّأْيِ وطَمْسُ البَصِيرَةِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: «والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ» مَعَ قَوْلِهِ: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» وكُلُّها تُنادِي عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يَلِيقُ بِهِ البَلَهُ وأمّا مَعْنى «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» فَهو أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا زَكَتْ نَفْسُهُ عَنْ ضَمائِرِ الشَّرِّ وخُطُورِها بِبالِهِ وحَمْلِ أحْوالِ النّاسِ عَلى مِثْلِ حالِهِ فَعَرَضَتْ لَهُ حالَةُ اسْتِئْمانٍ تُشْبِهُ الغِرِّيَّةَ قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
تِلْكَ الفَتاةُ الَّتِي عَلِقْتُها عَرْضًاإنَّ الحَلِيمَ وذا الإسْلامِ يَخْتَلِبُ فاعْتَذَرَ عَنْ سُرْعَةِ تَعَلُّقِهِ بِها واخْتِلابِها عَقْلِهِ بِكَرَمِ عَقْلِهِ وصِحَّةِ إسْلامِهِ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن أسْبابِ جَوْدَةِ الرَّأْيِ ورِقَّةِ القَلْبِ فَلا عَجَبَ أنْ يَكُونَ سَرِيعَ التَّأثُّرِ مِنها.
ومَعْنى صُدُورِ الخِداعِ مِن جانِبِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهِرٌ، وأمّا مُخادَعَتُهُمُ اللَّهَ تَعالى المُقْتَضِيَةُ أنَّ المُنافِقِينَ قَصَدُوا التَّمْوِيهَ عَلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى الضَّمائِرِ والمُقْتَضِيَةُ أنَّ اللَّهَ يُعامِلُهم بِخِداعٍ، وكَذَلِكَ صُدُورُ الخِداعِ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ لِلْمُنافِقِينَ كَما هو مُقْتَضى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِن مَذْمُومِ الفِعْلِ لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ فِعْلُهُ فَلا يَسْتَقِيمُ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ ولا قَصْدُ المُنافِقِينَ تَعَلُّقِهِ بِمُعامَلَتِهِمْ لِلَّهِ كُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَأْوِيلًا في مَعْنى المُفاعَلَةِ الدّالُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ يُخادِعُونَ أوْ في فاعِلِهِ المُقَدَّرِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ وهو المَفْعُولُ المُصَرَّحُ بِهِ.
فَأمّا التَّأْوِيلُ في يُخادِعُونَ فَعَلى وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّ مَفْعُولَ خادَعَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْمُخادِعِ بِالكَسْرِ إذْ قَدْ يَقْصِدُ خِداعَ أحَدٍ فَيُصادِفُ غَيْرَهُ كَما يُخادِعُ أحَدٌ وكِيلَ أحَدٍ في مالٍ فَيُقالُ لَهُ أنْتَ تُخادِعُ فُلانًا وفُلانًا تَعْنِي الوَكِيلَ ومُوَكِّلَهُ، فَهم قَصَدُوا خِداعَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم يُكَذِّبُونَ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَمّا كانَتْ مُخادَعَتُهُمُ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ الدِّينِ كانَ خِداعُهم راجِعًا لِشارِعِ ذَلِكَ الدِّينِ، وأمّا تَأْوِيلُ مَعْنى خِداعِ اللَّهِ تَعالى والمُؤْمِنِينَ إيّاهم فَهو إغْضاءُ المُؤْمِنِينَ عَنْ بِوادِرِهِمْ وفَلَتاتِ ألْسُنِهِمْ وكَبَواتِ أفْعالِهِمْ وهَفَواتِهِمُ الدّالُّ جَمِيعُها عَلى نِفاقِهِمْ حَتّى لَمْ يَزالُوا يُعامِلُونَهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِإذْنِ الرَّسُولِ ﷺ حَتّى لَقَدْ نَهى
صفحة ٢٧٦
مَنِ اسْتَأْذَنَهُ في أنْ يَقْتُلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، كانَ ذَلِكَ الصَّنِيعُ بِإذْنِ اللَّهِ فَكانَ مَرْجِعُهُ إلى اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] في سُورَةِ النِّساءِ، كَما رَجَعَ إلَيْهِ خِداعُهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا تَأْوِيلٌ في المُخادَعَةِ مِن جانِبَيْها، كُلٌّ بِما يُلائِمُهُ.
الثّانِي ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ ”يُخادِعُونَ“ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَشْبِيهًا لِلْهَيْئَةِ الحاصِلَةِ مِن مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِدِينِ اللَّهِ، ومِن مُعامَلَةِ اللَّهِ إيّاهم في الإمْلاءِ لَهم والإبْقاءِ عَلَيْهِمْ، ومُعامَلَةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهم في إجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، بِهَيْئَةِ فِعْلِ المُتَخادِعِينَ.
الثّالِثُ أنْ يَكُونَ خادَعَ بِمَعْنى خَدَعَ أيْ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ بَلْ قَصْدُ المُبالَغَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الخَلِيلِ: يُقالُ خادَعَ مِن واحِدٍ لِأنَّ في المُخادَعَةِ مُهْلَةً كَما يُقالُ عالَجْتُ المَرِيضَ لِمَكانِ المُهْلَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَأنَّهُ يَرُدُّ فاعَلَ إلى اثْنَيْنِ ولا بُدَّ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ مُهْلَةً ومُدافَعَةً ومُماطَلَةً فَكَأنَّهُ يُقاوِمُ في المَعْنى الَّذِي يَجِيءُ فِيهِ فاعَلَ اهـ.
وهَذا يَرْجِعُ إلى جَعْلِ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ مُسْتَعارَةً لِمَعْنى المُبالَغَةِ بِتَشْبِيهِ الفِعْلِ القَوِيِّ بِالفِعْلِ الحاصِلِ مِن فاعِلَيْنِ عَلى وجْهِ التَّبَعِيَّةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ومَن مَعَهُ: يَخْدَعُونَ اللَّهَ. وهَذا إنَّما يَدْفَعُ الإشْكالَ عَنْ إسْنادِ صُدُورِ الخِداعِ مِنَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ عَنْهُ، ولا يَدْفَعُ إشْكالَ صُدُورِ الخِداعِ مِنَ المُنافِقِينَ لِلَّهِ. وأمّا التَّأْوِيلُ في فاعِلِ يُخادِعُونَ المُقَدَّرِ وهو المَفْعُولُ أيْضًا فَبِأنْ يُجْعَلَ المُرادُ أنَّهم يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ فالإسْنادُ إلى اللَّهِ تَعالى إمّا عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأجْلِ المُلابَسَةِ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُرْسِلِهِ وإمّا مَجازٌ بِالحَذْفِ لِلْمُضافِ، فَلا يَكُونُ مُرادُهم خِداعَ اللَّهِ حَقِيقَةً، ويَبْقى أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ مَخْدُوعًا مِنهم ومُخادِعًا لَهم، وأمّا تَجْوِيزُ مُخادَعَةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِلْمُنافِقِينَ لِأنَّها جَزاءٌ لَهم عَلى خِداعِهِمْ فَذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وما يُخادِعُونَ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وخَلَفٌ يُخادِعُونَ بِألِفٍ بَعْدَ الخاءِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (يَخْدَعُونَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الخاءِ. وجُمْلَةُ وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يُخادِعُونَ الأوَّلَ أيْ يُخادِعُونَ في حالِ كَوْنِهِمْ لا يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم أيْ خِداعُهم مَقْصُورٌ عَنْ ذَواتِهِمْ لا يَرْجِعُ شَيْءٌ مِنهُ إلى
صفحة ٢٧٧
اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا. فَيَتَعَيَّنُ أنَّ الخِداعَ في قَوْلِهِ (وما يُخادِعُونَ) عَيْنُ الخِداعِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ فَيَرِدُ إشْكالُ صِحَّةِ قَصْرِ الخِداعِ عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ إثْباتِ مُخادَعَتِهِمُ اللَّهَ تَعالى والمُؤْمِنِينَ. وقَدْ أجابَ صاحِبُ الكَشّافِ بِما حاصِلُهُ أنَّ المُخادَعَةَ الثّانِيَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ مَعْنى المُخادَعَةِ الأُولى وهو الضُّرُّ فَإنَّها قَدِ اسْتُعْمِلَتْ أوَّلًا في مُطْلَقِ المُعامَلَةِ الشَّبِيهَةِ بِالخِداعِ وهي مُعامَلَةُ الماكِرِ المُسْتَخِفِّ فَأُطْلِقَ عَلَيْها لَفْظُ المُخادَعَةِ اسْتِعارَةً ثُمَّ أُطْلِقَتْ ثانِيًا وأُرِيدَ مِنها لازِمُ مَعْنى الِاسْتِعارَةِ وهو الضُّرُّ لِأنَّ الَّذِي يُعامَلُ بِالمَكْرِ والِاسْتِخْفافِ يَتَصَدّى لِلِانْتِقامِ مِن مُعامِلِهِ فَقَدْ يَجِدُ قُدْرَةً مِن نَفْسِهِ أوْ غِرَّةً مِن صاحِبِهِ فَيَضُرُّهُ ضُرًّا فَصارَ حُصُولُ الضُّرِّ لِلْمُعامَلِ أمْرًا عُرْفِيًّا لازِمًا لِمُعامِلِهِ، وبِذَلِكَ صَحَّ اسْتِعْمالُ يُخادِعُ في هَذا المَعْنى مَجازًا أوْ كِنايَةً وهو مِن بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ لِأنَّ المُخادَعَةَ أُطْلِقَتْ أوَّلًا اسْتِعارَةً ثُمَّ نُزِّلَتْ مَنزِلَةَ الحَقِيقَةِ فاسْتُعْمِلَتْ مَجازًا في لازِمِ المَعْنى المُسْتَعارِ لَهُ، فالمَعْنى وما يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهم فَيَجْرِي فِيهِ الوُجُوهُ المُتَعَلِّقَةُ بِإطْلاقِ مادَّةِ الخِداعِ عَلى فِعْلِهِمْ، ويَجِيءُ تَأْوِيلُ مَعْنى جَعْلِ أنْفُسِهِمْ شِقًّا ثانِيًا لِلْمُخادَعَةِ مَعَ أنَّ الأنْفُسَ هي عَيْنُهم فَيَكُونُ الخِداعُ اسْتِعارَةً لِلْمُعامَلَةِ الشَّبِيهَةِ بِفِعْلِ الجانِبَيْنِ المُتَخادِعَيْنِ بِناءً عَلى ما شاعَ في وِجْدانِ النّاسِ مِنَ الإحْساسِ بِأنَّ الخَواطِرَ الَّتِي تَدْعُو إلى ارْتِكابِ ما تَسُوءُ عَواقِبُهُ أنَّها فِعْلُ نَفْسٍ هي مُغايِرَةٌ لِلْعَقْلِ وهي الَّتِي تُسَوِّلُ لِلْإنْسانِ الخَيْرَ مَرَّةً والشَّرَّ أُخْرى وهو تَخَيُّلٌ بُنِيَ عَلى خَطابَةٍ أخْلاقِيَّةٍ لِإحْداثِ العَداوَةِ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ خَواطِرِهِ الشِّرِّيرَةِ بِجَعْلِها وارِدَةً عَلَيْهِ مِن جِهَةٍ غَيْرِ ذاتِهِ بَلْ مِنَ النَّفْسِ حَتّى يَتَأهَّبَ لِمُقارَعَتِها وعِصْيانِ أمْرِها ولَوِ انْتَسَبَتْ إلَيْهِ لَما رَأى مِن سَبِيلٍ إلى مُدافَعَتِها، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ:
فَجاشَتْ عَلَيَّ النَّفْسُ أوَّلَ مَرَّةٍفَرُدَّتْ عَلى مَكْرُوهِها فاسْتَقَرَّتِ وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ أنْشَدَ لِبَعْضِ الأعْرابِ: ∗∗∗ لَمْ تَدْرِ ما (لا) ولَسْتَ قائِلَهاعُمْرَكَ ما عِشْتَ آخِرَ الأبَدِ ∗∗∗ ولَمْ تُؤامِرْ نَفْسَيْكَ مُمْتَرِيًافِيها وفي أُخْتِها ولَمْ تَكَدِ يُرِيدُ بِأُخْتِها كَلِمَةَ (نَعَمْ) وهي أُخْتُ لا والمُرادُ أنَّها أُخْتٌ في اللِّسانِ. وقُلْتُ ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ:
وإذا وجَدْتُ لَها وساوِسَ سَلْوَةًشَفَعَ الفُؤادُ إلى الضَّمِيرِ فَسَلَّها فَكَأنَّهم لَمّا عَصَوْا نُفُوسَهُمُ الَّتِي تَدْعُوهم لِلْإيمانِ عِنْدَ سَماعِ الآياتِ والنُّذُرِ إذْ لا تَخْلُو
صفحة ٢٧٨
النَّفْسُ مِن أوْبَةٍ إلى الحَقِّ جَعَلَ مُعامَلَتَهم لَها في الإعْراضِ عَنْ نُصْحِها وإعْراضِها عَنْهم في قِلَّةِ تَجْدِيدِ النُّصْحِ لَهم وتَرْكِهِمْ في غَيِّهِمْ كالمُخادَعَةِ مِن هَذَيْنِ الجانِبَيْنِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ (﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ﴾) أجْمَعَتِ القِراءاتُ العَشْرُ عَلى قِراءَتِهِ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الخاءِ بَعْدَها ألِفٌ، والنَّفْسُ في لِسانِ العَرَبِ الذّاتُ والقُوَّةُ الباطِنِيَّةُ المُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّوحِ وخاطِرِ العَقْلِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وما يُخادِعُونَ﴾) والشُّعُورُ يُطْلَقُ عَلى العِلْمِ بِالأشْياءِ الخَفِيَّةِ، ومِنهُ سُمِّيَ الشّاعِرُ شاعِرًا لِعِلْمِهِ بِالمَعانِي الَّتِي لا يَهْتَدِي إلَيْها كُلُّ أحَدٍ وقُدْرَتِهِ عَلى الوَزْنِ والتَّقْفِيَةِ بِسُهُولَةٍ، ولا يُحْسِنُ لِذَلِكَ كُلُّ أحَدٍ، وقَوْلُهم لَيْتَ شِعْرِي في التَّحَيُّرِ في عِلْمِ أمْرٍ خَفِيٍّ، ولَوْلا الخَفاءُ لَما تَمَنّى عِلْمَهُ بَلْ لَعَلِمَهُ بِلا تَمَنٍّ، فَقَوْلُهم هو لا يُشْعِرُ وصْفٌ بِعَدَمِ الفِطْنَةِ لا بِعَدَمِ الإحْساسِ وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ لِأنَّ الذَّمَّ بِالوَصْفِ المُمْكِنِ الحُصُولِ أنْكى مِنَ الذَّمِّ بِما يَتَحَقَّقُ عَدَمُهُ فَإنَّ أجْسامَهم أمْرٌ مَعْلُومٌ لَهم ولِلنّاسِ فَلا يَغِيضُهم أنْ يُوصَفُوا بِعَدَمِهِ وإنَّما يَغِيضُهم أنْ يُوصَفُوا بِالبَلادَةِ.
عَلى أنَّ خَفاءَ مُخادَعَتِهِمْ أنْفُسَهم مِمّا لا يُمْتَرى فِيهِ. واخْتِيرَ مِثْلُهُ في نَظِيرِهِ في الخَفاءِ وهو ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] لِأنَّ كِلَيْهِما أُثْبِتَ فِيهِ ما هو المَآلُ والغايَةُ وهي مِمّا يَخْفى واخْتِيرَ في قَوْلِهِ ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] نَفْيُ العِلْمِ دُونَ نَفْيِ الشُّعُورِ لِأنَّ السَّفَهَ قَدْ يَبْدُو لِصاحِبِهِ بِأقَلِّ التِفاتَةٍ إلى أحْوالِهِ وتَصَرُّفاتِهِ لِأنَّ السَّفَهَ أقْرَبُ لِادِّعاءِ الظُّهُورِ مِن مُخادَعَةِ النَّفْسِ عِنْدَ إرادَةِ مُخادَعَةِ الغَيْرِ ومِن حُصُولِ الإفْسادِ عِنْدَ إرادَةِ الإصْلاحِ وعَلى الإطْلاقِ الثّانِي دَرَجَ صاحِبُ الكَشّافِ قالَ: فَهم لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ كالَّذِي لا حِسَّ لَهُ.
2:10Page 3
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠
In their hearts is disease, so Allāh has increased their disease;1 and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.
﴿في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ مَحْضٌ لِعَدِّ مَساوِيهِمْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ مُتَعَجِّبٍ ناشِئٍ عَنْ سَماعِ الأحْوالِ الَّتِي وُصِفُوا بِها قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] فَإنَّ مَن يَسْمَعُ أنَّ طائِفَةً تُخادِعُ اللَّهَ تَعالى وتُخادِعُ قَوْمًا عَدِيدِينَ وتَطْمَعُ أنَّ خِداعَها يَتَمَشّى عَلَيْهِمْ ثُمَّ لا تَشْعُرُ بِأنَّ ضَرَرَ الخِداعِ لاحِقٌ بِها لَطائِفَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ يَتَعَجَّبَ مِن أمْرِها المُتَعَجِّبُ ويَتَساءَلَ كَيْفَ خَطَرَ هَذا بِخَواطِرِها فَكانَ قَوْلُهُ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ بَيانًا وهو أنَّ في قُلُوبِهِمْ خَلَلًا تَزايَدَ إلى أنْ بَلَغَ حَدَّ الأفَنِ.
صفحة ٢٧٩
ولِهَذا قَدَّمَ الظَّرْفَ وهو في قُلُوبِهِمْ لِلِاهْتِمامِ لِأنَّ القُلُوبَ هي مَحَلُّ الفِكْرَةِ في الخِداعِ فَلَمّا كانَ المَسْئُولُ عَنْهُ هو مُتَعَلِّقُها وأثَرُها كانَ هو المُهْتَمَّ بِهِ في الجَوابِ. وتَنْوِينُ مَرَضٍ لِلتَّعْظِيمِ. وأطْلَقَ القُلُوبَ هُنا عَلى مَحَلِّ التَّفْكِيرِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] والمَرَضُ حَقِيقَةٌ في عارِضٍ لِلْمَزاجِ يُخْرِجُهُ عَنِ الِاعْتِدالِ الخاصِّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الجِسْمِ خُرُوجًا غَيْرَ تامٍّ وبِمِقْدارِ الخُرُوجِ يَشْتَدُّ الألَمُ فَإنْ تَمَّ الخُرُوجُ فَهو المَوْتُ. وهو مَجازٌ في الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ العارِضَةِ لِلْأخْلاقِ البَشَرِيَّةِ عُرُوضًا يُخْرِجُها عَنْ كَمالِها، وإطْلاقُ المَرَضِ عَلى هَذا شائِعٌ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَدْبِيرُ المِزاجِ لِإزالَةِ هَذا العارِضِ والرُّجُوعِ بِهِ إلى اعْتِدالِهِ هو الطِّبُّ الحَقِيقِيُّ ومَجازِيٌّ كَذَلِكَ قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ المُلَقَّبُ بِالفَحْلِ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
فَذَكَرَ الأدْواءَ والطِّبَّ لِفَسادِ الأخْلاقِ وإصْلاحِها.
والمُرادُ بِالمَرَضِ في هاتِهِ الآيَةِ هو مَعْناهُ المَجازِيُّ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ هو الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ المُنافِقُونَ وهو المَقْصُودُ مِن مَذَمَّتِهِمْ وبَيانِ مَنشَأِ مُساوِي أعْمالِهِمْ.
ومَعْنى ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أنَّ تِلْكَ الأخْلاقَ الذَّمِيمِيَّةَ النّاشِئَةَ عَنِ النِّفاقِ والمُلازَمَةِ لَهُ كانَتْ تَتَزايَدُ فِيهِمْ بِتَزايُدِ الأيّامِ لِأنَّ مِن شَأْنِ الأخْلاقِ إذا تَمَكَّنَتْ أنْ تَتَزايَدَ بِتَزايُدِ الأيّامِ حَتّى تَصِيرَ مَلِكاتٍ كَما قالَ المَعْلُوطُ القُرَيْعِيُّ:
ورَجِّ الفَتى لِلْخَيْرِ ما إنْ رَأيْتَهُ ∗∗∗ عَلى السِّنِّ خَيْرًا لا يَزالُ يَزِيدُ
وكَذَلِكَ القَوْلُ في الشَّرِّ ولِذَلِكَ قِيلَ: مَن لَمْ يَتَحَلَّمْ في الصِّغَرِ لا يَتَحَلَّمْ في الكِبَرِ وقالَ النّابِغَةُ يَهْجُو عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ:
فَإنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهى ∗∗∗ إذا ما شِبْتَ أوْ شابَ الغُرابُ
وإنَّما كانَ النِّفاقُ مُوجِبًا لِازْدِيادِ ما يُقارِنُهُ مِن سَيِّءِ الأخْلاقِ لِأنَّ النِّفاقَ يَسْتُرُ الأخْلاقَ الذَّمِيمَةَ فَتَكُونُ مَحْجُوبَةً عَنِ النّاصِحِينَ والمُرَبِّينَ والمُرْشِدِينَ وبِذَلِكَ تَتَأصَّلُ وتَتَوالَدُ إلى غَيْرِ حَدٍّ فالنِّفاقُ في كَتْمِهِ مَساوِئَ الأخْلاقِ بِمَنزِلَةِ كَتْمِ المَرِيضِ داءَهُ عَنِ الطَّبِيبِ، وإلَيْكَ بَيانُ ما يَنْشَأُ عَنِ النِّفاقِ مِنَ الأمْراضِ الأخْلاقِيَّةِ في الجَدْوَلِ المَذْكُورِ هُنا وأشَرْنا إلى ما يُشِيرُ إلى كُلِّ خُلُقٍ مِنها في الآياتِ الوارِدَةِ هُنا أوْ في آياتٍ أُخْرى في هَذا الجَدْوَلِ.
صفحة ٢٨٠
صفحة ٢٨١
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ طِباعٌ تَنْشَأُ عَنِ النِّفاقِ أوْ تُقارِنُهُ مِن حَيْثُ هو ولا سِيَّما النِّفاقُ في الدِّينِ فَقَدْ نَبَّهَنا اللَّهُ تَعالى لِمَذامِّ ذَلِكَ تَعْلِيمًا وتَرْبِيَةً فَإنَّ النِّفاقَ يَعْتَمِدُ عَلى ثَلاثِ خِصالٍ وهي: الكَذِبُ القَوْلِيُّ، والكَذِبُ الفِعْلِيُّ وهو الخِداعُ، ويُقارِنُ ذَلِكَ الخَوْفَ لِأنَّ الكَذِبَ والخِداعَ إنَّما يَصْدُرانِ مِمَّنْ يَتَوَقّى إظْهارَ حَقِيقَةِ أمْرِهِ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِخَوْفٍ ضُرٍّ أوْ لِخَوْفِ إخْفاقِ سَعْيٍ وكِلاهُما مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ الشَّجاعَةِ والثَّباتِ والثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وبِحُسْنِ السُّلُوكِ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِن هاتِهِ الخِصالِ الثَّلاثِ الذَّمِيمَةِ تُوَكِّدُ هَنَواتٍ أُخْرى، فالكَذِبُ يَنْشَأُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ البَلَهِ لِأنَّ الكاذِبَ يَعْتَقِدُ أنَّ كَذِبَهُ يَتَمَشّى عِنْدَ النّاسِ وهَذا مِن قِلَّةِ الذَّكاءِ لِأنَّ النَّبِيهَ يَعْلَمُ أنَّ في النّاسِ مِثْلَهُ وخَيْرًا مِنهُ، ثُمَّ البَلَهُ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِالحَقائِقِ وبِمَراتِبِ العُقُولِ، ولِأنَّ الكَذِبَ يُعَوِّدُ فِكْرَ صاحِبِهِ بِالحَقائِقِ المُحَرَّفَةِ وتَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مَعَ طُولِ الِاسْتِرْسالِ في ذَلِكَ حَتّى إنَّهُ رُبَّما اعْتَقَدَ ما اخْتَلَقَهُ واقِعًا، ويَنْشَأُ عَنِ الأمْرَيْنِ السَّفَهُ وهو خَلَلٌ في الرَّأْيِ وأفَنٌ في العَقْلِ، وقَدْ أصْبَحَ عُلَماءُ الأخْلاقِ والطِّبِّ يَعُدُّونَ الكَذِبَ مِن أمْراضِ الدِّماغِ.
وأمّا نَشْأةُ العُجْبِ والغُرُورِ والكُفْرِ وفَسادِ الرَّأْيِ عَنِ الغَباوَةِ والجَهْلِ والسَّفَهِ فَظاهِرَةٌ، وكَذَلِكَ نَشْأةُ العُزْلَةِ والجُبْنِ والتَّسَتُّرِ عَنِ الخَوْفِ، وأمّا نَشْأةُ عَداوَةِ النّاسِ عَنِ الخِداعِ فَلِأنَّ عَداوَةَ الأضْدادِ تَبْدَأُ مِن شُعُورِهِمْ بِخِداعِهِ، وتَعْقُبُها عَداوَةُ الأصْحابِ لِأنَّهم إذا رَأوْا تَفَنُّنَ ذَلِكَ الصّاحِبِ في النِّفاقِ والخِداعِ داخَلَهُمُ الشَّكُّ أنْ يَكُونَ إخْلاصُهُ الَّذِي يُظْهِرُهُ لَهم هو مِنَ المُخادَعَةِ فَإذا حَصَلَتْ عَداوَةُ الفَرِيقَيْنِ تَصَدّى النّاسُ كُلُّهم لِلتَّوَقِّي مِنهُ والنِّكايَةِ بِهِ، وتَصَدّى هو لِلْمَكْرِ بِهِمْ والفَسادِ لِيَصِلَ إلى مَرامِهِ، فَرَمَتْهُ النّاسُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ واجْتَنى مِن ذَلِكَ أنْ يَصِيرَ هُزْأةً لِلنّاسِ أجْمَعِينَ.
وقَدْ رَأيْتُمْ أنَّ النّاشِئَ عَنْ مَرَضِ النِّفاقِ والزّائِدَ فِيهِ هو زِيادَةُ ذَلِكَ النّاشِئِ أيْ تَأصُّلُهُ وتَمَكُّنُهُ وتَوَلُّدُ مَذَمّاتٍ أُخْرى عَنْهُ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ مَرَضٍ في المَوْضِعَيْنِ أشْعَرَ بِهَذا فَإنَّ تَنْكِيرَ الأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى تَنْوِيعٍ أوْ تَكْثِيرٍ، وتَنْكِيرَ الثّانِي لِيُشِيرَ إلى أنَّ المَزِيدَ مَرَضٌ آخَرُ عَلى قاعِدَةِ إعادَةِ النَّكِرَةِ نَكِرَةً.
وإنَّما أُسْنِدَتْ زِيادَةُ مَرَضِ قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ زِيادَةَ هاتِهِ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ مِن ذاتِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ هَذا التَّوَلُّدَ وأسْبابَهُ وكانَ أمْرًا خَفِيًّا نَبَّهَ النّاسَ عَلى خَطَرِ الِاسْتِرْسالِ في النَّوايا الخَبِيثَةِ والأعْمالِ المُنْكَرَةِ، وأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَزِيدَ تِلْكَ النَّوايا تَمَكُّنًا
صفحة ٢٨٢
مِنَ القَلْبِ فَيَعْسُرُ أوْ يَتَعَذَّرُ الإقْلاعُ عَنْها بَعْدَ تَمَكُّنِها، وأُسْنِدَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ إلى اسْمِهِ تَعالى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأهْمَلَهم وشَأْنَهم ولَمْ يَتَدارَكْهم بِلُطْفِهِ الَّذِي يُوقِظُهم مِن غَفَلاتِهِمْ لِيُنَبِّهَ المُسْلِمِينَ إلى خَطَرِ أمْرِها وأنَّها مِمّا يَعْسُرُ إقْلاعُ أصْحابِها عَنْها لِيَكُونَ حَذَرُهم مِن مُعامَلَتِهِمْ أشَدَّ ما يُمْكِنُ.
فَجُمْلَةُ ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ خَبَرِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ لِلْبَيانِ، داخِلَةٌ في دَفْعِ التَّعَجُّبِ، أيْ أنَّ سَبَبَ تَوَغُّلِهِمْ في الفَسادِ ومُحاوَلَتِهِمْ ما لا يُنالُ لِأنَّ في قُلُوبِهِمْ مَرَضًا ولِأنَّهُ مَرَضٌ يَتَزايَدُ مَعَ الأيّامِ تَزايُدًا مَجْعُولًا مِنَ اللَّهِ فَلا طَمَعَ في زَوالِهِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي دُعاءٌ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِ جُبَيْرِ بْنِ الأضْبَطِ:
تَباعَدَ عَنِّي فَطْحَلٌ إذْ دَعَوْتُهُ ∗∗∗ أمِينَ فَزادَ اللَّهُ ما بَيْنَنا بُعْدا
وهُوَ تَفْسِيرٌ غَيْرُ حَسَنٍ لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ في العَطْفِ بِالفاءِ ولِأنَّ تَصَدِّيَ القُرْآنِ لِشَتْمِهِمْ بِذَلِكَ لَيْسَ مِن دَأْبِهِ، ولِأنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ بِالزِّيادَةِ تُنافِي ما عَهِدَ مِنَ الدُّعاءِ لِلضّالِّينَ بِالهِدايَةِ في نَحْوِ «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» .
وقَوْلُهُ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يُكَذِّبُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ إكْمالًا لِلْفائِدَةِ فَكَمُلَ بِهَذا العَطْفِ بَيانُ ما جَرَّهُ النِّفاقُ إلَيْهِمْ مِن فَسادِ الحالِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ وهو لَهم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لا نَعْتٌ حَتّى يَسْتَقِرَّ بِمُجَرَّدِ سَماعِ المُبْتَدَأِ العِلْمُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِمْ فَلا تَلْهُو النَّفْسُ عَنْ تَلَقِّيهِ.
والألِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ لِأنَّ الأكْثَرَ في هَذِهِ الصِّيغَةِ أنَّ الرُّباعِيَّ بِمَعْنى مُفْعَلٍ وأصْلُهُ عَذابٌ مُؤْلَمٌ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ أيْ مُؤْلَمٌ مَن يُعَذَّبُ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ المُؤْلَمَ هو المُعَذَّبُ دُونَ العَذابِ كَما قالُوا جَدَّ جَدُّهُ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن ألِمٍ بِمَعْنى صارَ ذا ألَمٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ أيْ مُؤْلِمٍ بِكَسْرِ اللّامِ، فَقِيلَ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ العَرَبِ في هَذِهِ المادَّةِ وثَبَتَ في نَظِيرِها نَحْوُ الحَكِيمِ والسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ:
وخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
أيْ مُوجِعٌ، واخْتُلِفَ في جَوازِ القِياسِ عَلَيْهِ والحَقُّ أنَّهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ البَلِيغِ وأنَّ مَنعَ القِياسِ عَلَيْهِ لِلْمُوَلِّدِينَ قُصِدَ مِنهُ التَّباعُدُ عَنْ مُخالَفَةِ القِياسِ بِدُونِ داعٍ لِئَلّا يَلْتَبِسَ حالُ الجاهِلِ بِحالِ البَلِيغِ فَلا مانِعَ مِن تَخْرِيجِ الكَلامِ الفَصِيحِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢٨٣
وقَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يُكَذِّبُونَ﴾ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُكَذِّبُونَ) بِضَمِّ أوَّلِهِ وتَشْدِيدِ الذّالِ.
وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِفَتْحِ أوَّلِهِ وتَخْفِيفِ الذّالِ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وإخْبارِهِ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّ القُرْآنَ وحْيُ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ، فَمادَّةُ التَّفْعِيلِ لِلنِّسْبَةِ إلى الكَذِبِ مِثْلَ التَّعْدِيلِ والتَّجْرِيحِ، وأمّا قِراءَةُ التَّخْفِيفِ فَعَلى كَذِبِهِمُ الخاصِّ في قَوْلِهِمْ آمَنّا بِاللَّهِ، وعَلى كَذِبِهِمُ العامِّ في قَوْلِهِمْ إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ فالمَقْصُودُ كَذِبُهم في إظْهارِ الإيمانِ وفي جَعْلِ أنْفُسِهِمُ المُصْلِحِينَ دُونَ المُؤْمِنِينَ.
والكَذِبُ ضِدُّ الصِّدْقِ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. و(ما) المَجْرُورَةُ بِالباءِ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ هو المُنْسَبِكُ مِن كانَ أيِ الكَوْنُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences