Ibn 'AshurTaha · 20:128–134

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Taha 20:128–134

20:128Page 321

أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨

Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.

صفحة ٣٣٤

﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمَ اهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾

تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ [طه: ١٢٧] . جَعَلَ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ التَّعْجِيبِيَّ مُفَرَّعًا عَلى الإخْبارِ بِالجَزاءِ بِالمَعِيشَةِ الضَّنْكِ لِمَن أعْرَضَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، تَعْجِيبًا مَن حالِ غَفْلَةِ المُخاطَبِينَ المُشْرِكِينَ عَمّا حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ لَهم في الإشْراكِ والإعْراضِ عَنْ كُتُبِ اللَّهِ وآياتِ الرُّسُلِ. فَضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ عائِدَةٌ إلى مَعْرُوفٍ مِن مَقامِ التَّعْرِيضِ بِالتَّحْذِيرِ والإنْذارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾، فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ حالًا لِقَوْمٍ أحْياءٍ يَوْمَئِذٍ.

والهِدايَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الأُمُورِ العَقْلِيَّةِ بِتَنْزِيلِ العَقْلِيِّ مَنزِلَةَ الحِسِّيِّ، فَيَئُولُ مَعْناها إلى مَعْنى التَّبْيِينِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ فِعْلُها بِاللّامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ [الأعراف: ١٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ. وجُمْلَةُ ﴿كَمَ اهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ مُعَلِّقَةُ فِعْلِ ”يَهْدِ“ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ؛ لِوُجُودِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها، أيْ ألَمْ يُرْشِدْهم إلى جَوابٍ ﴿كَمَ اهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾، أيْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا القُرُونَ. وفاعِلُ ”يَهْدِ“ ضَمِيرٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ وهو ضَمِيرُ الجَلالَةِ. والمَعْنى: أفَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ لَهم جَوابَ ”كَمْ أهْلَكْنا“ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ”كَمْ أهْلَكْنا“ . والمَعْنى: أفَلَمْ يُبَيِّنْ لَهم هَذا السُّؤالَ، عَلى أنَّ مَفْعُولَ ”يَهْدِ“ مَحْذُوفٌ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ يَحْصُلُ لَهُمُ التَّبْيِينُ. وجُمْلَةُ ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِاللّامِ؛ لِأنَّ عَدَمَ التَّبْيِينِ في تِلْكَ الحالَةِ أشَدُّ غَرابَةً وأحْرى بِالتَّعْجِيبِ.

صفحة ٣٣٥

والمُرادُ بِالقُرُونِ: عادٌ وثَمُودُ. فَقَدْ كانَ العَرَبُ يَمُرُّونَ بِمَساكِنِ عادٍ في رَحَلاتِهِمْ إلى اليَمَنِ ونَجْرانَ وما جاوَرَها، وبِمَساكِنِ ثَمُودَ في رَحَلاتِهِمْ إلى الشّامِ. وقَدْ مَرَّ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ بِدِيارِ ثَمُودَ في مَسِيرِهِمْ إلى تَبُوكَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ هَلاكِ تِلْكَ القُرُونِ. فَحَرْفُ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِلْإيذانِ بِالتَّعْلِيلِ. و”النُّهى“ - بِضَمِّ النُّونِ والقَصْرِ - جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ -: اسْمُ العَقْلِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ النُّهى مُفْرَدًا بِمَعْنى العَقْلِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الآياتِ بِأنَّهم عَدِيمُو العُقُولِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .

20:129–130Page 321

وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩

And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠

So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.

﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾

جُمْلَةُ ”﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨]“ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِنَ التَّحْذِيرِ والتَّهْدِيدِ والعِبْرَةِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ، بِأنَّهم جَدِيرُونَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ. فَلَمّا كانُوا قَدْ غَرَّتْهم أنْفُسُهم بِتَكْذِيبِ الوَعِيدِ لِما رَأوْا مِن تَأخُّرِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ فَكانُوا يَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] عَقَّبَ وعِيدَهم بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما يُزِيلُ غُرُورَهم بِأنَّ سَبَبَ التَّأْخِيرِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ:

صفحة ٣٣٦

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] . والكَلِمَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ هُنا فِيما شَأْنُهُ أنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الكَلِماتُ اللَّفْظِيَّةُ مِنَ المَعانِي، وهو المُسَمّى عِنْدَ الأشاعِرَةِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ الرّاجِعِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيُبْرِزُهُ لِلنّاسِ مِن أمْرِ التَّكْوِينِ أوْ أمْرِ التَّشْرِيعِ، أوِ الوَعْظِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا﴾ في سُورَةِ هُودٍ. فالكَلِمَةُ هَنا مُرادٌ بِها: ما عَلِمَهُ اللَّهُ مِن تَأْجِيلِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ أنْظَرَ قُرَيْشًا فَلَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُنْشَرَ الإسْلامَ بِمَن يُؤْمِنُ مِنهم وبِذُرِّيّاتِهِمْ. وفي ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِتَيْسِيرِ أسْبابِ بَقاءِ شَرْعِهِ وانْتِشارِهِ؛ لِأنَّهُ الشَّرِيعَةُ الخاتِمَةُ. وخَصَّ اللَّهُ مِنهم بِعَذابِ السَّيْفِ والأسَرِ مَن كانُوا أشِدّاءَ في التَّكْذِيبِ والإعْراضِ؛ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى، كَما قالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] . و”اللِّزامُ“ بِكَسْرِ اللّامِ مَصْدَرُ لازَمَ، كالخِصامِ، اسْتُعْمِلَ مَصْدَرا لِفِعْلِ لَزِمَ الثّانِي؛ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في قُوَّةِ المَعْنى، كَأنَّهُ حاصِلٌ مِن عِدَّةِ ناسٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وزْنُ فِعالٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِثْلَ لِزازٍ في قَوْلِ لَبِيدٍ:

مِنّا لِزازٌ كَرِيهَةٌ جُذّامُها

وسِدادٍ في قَوْلِ العَرَجِيِّ:

أضاعُونِي وأيُّ فَتًى أضاعُوا ∗∗∗ لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وسِدادِ ثَغْرِ

أيْ لَكانَ الإهْلاكُ الشَّدِيدُ لازِمًا لَهم.

صفحة ٣٣٧

فانْتَصَبَ ”لِزامًا“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَ“، واسْمُها ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الإهْلاكِ المُسْتَفادِ مِن ”كَمْ أهْلَكْنا“، أيْ لَكانَ الإهْلاكُ الَّذِي أُهْلِكَ مِثْلُهُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ - وهو الِاسْتِئْصالُ - لازِمًا لَهم.

”وأجَلٌ مُسَمًّى“ عَطْفٌ عَلى ”كَلِمَةٌ“ . والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ وأجَلٌ مُسَمًّى يَقَعُ عِنْدَهُ الهَلاكُ لَكانَ إهْلاكُهم لِزامًا. والمُرادُ بِالأجَلِ: ما سَيُكْشَفُ لَهم مِن حُلُولِ العَذابِ؛ إمّا في الدُّنْيا بِأنْ حَلَّ بِرِجالٍ مِنهم وهَذا عَذابُ البَطْشَةِ الكُبْرى يَوْمَ بَدْرٍ، وإمّا في الآخِرَةِ وهو ما سَيَحِلُّ بِمَن ماتُوا كُفّارًا مِنهم. وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] . ويَظْهَرُ أنَّهُ شاعَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ تَأْوِيلُ اسْمِ اللِّزامِ أنَّهُ عَذابٌ تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وقِيلَ: هو عَذابُ يَوْمَ بَدْرٍ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، والقَمَرُ، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] . يُرِيدُ بِذَلِكَ إبْطالَ أنْ يَكُونَ اللِّزامُ مُتَرَقَّبًا في آخِرِ الدُّنْيا. ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يُحْوِجُ إلى تَأْوِيلِ اللِّزامِ بِهَذا كَما عَلِمْتَ.

وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ وبِالوَعِيدِ لِتَأْخِيرِ نُزُولِهِ بِهِمْ. والمَعْنى: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ العَذابَ واصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، ونَحْوُهُ، الشّامِلُ لَهُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ”﴿ما يَقُولُونَ﴾“ . وأمَرَهُ بِأنْ يُقْبِلَ عَلى مُزاوَلَةِ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَةِ أهْلِهِ بِالصَّلاةِ، والإعْراضِ عَمّا مَنَعَ اللَّهُ الكُفّارَ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ، ووَعَدَهُ بِأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

فالتَّسْبِيحُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الصَّلاةِ لِاشْتِمالِها عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ: بِحَمْدِ رَبِّكَ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الفاعِلِ لِفِعْلِهِ، أيْ سَبِّحْ حامِدًا رَبَّكَ، فَمَوْقِعُ المَجْرُورِ مَوْقِعُ الحالِ.

صفحة ٣٣٨

والأوْقاتُ المَذْكُورَةُ هي أوْقاتُ الصَّلاةِ، وهي وقْتُ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. ووَقْتانِ قَبْلَ غُرُوبِها وهُما الظُّهْرُ والعَصْرُ، وقِيلَ المُرادُ صَلاةُ العَصْرِ. وأمّا الظُّهْرُ فَهي قَوْلُهُ: ”وأطْرافَ النَّهارِ“ كَما سَيَأْتِي.

و”مِن“ في قَوْلِهِ: ”مِن آناءِ اللَّيْلِ“ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ ”فَسَبِّحْ“، وذَلِكَ وقْتا المَغْرِبِ والعَشاءِ. وهَذا كُلُّهُ مِنَ المُجْمَلِ الَّذِي بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ. وأُدْخِلَتِ الفاءُ عَلى ”فَسَبِّحْ“؛ لِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ شابَهَ تَقْدِيمَ أسْماءِ الشَّرْطِ المُفِيدَةِ مَعْنى الزَّمانِ. فَعُومِلَ الفِعْلُ مُعامَلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: ﷺ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ»، أيِ الأبَوَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ بِآناءِ اللَّيْلِ أنَّ اللَّيْلَ وقْتٌ تَمِيلُ فِيهِ النُّفُوسُ إلى الدَّعَةِ فَيُخْشى أنْ تَتَساهَلَ في أداءِ الصَّلاةِ فِيهِ.

وآناءِ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ، وهو جَمْعُ إنْيٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ وياءٍ في آخِرِهِ - . ويُقالُ: إنْوٌ، بِواوٍ في آخِرِهِ، ويُقالُ: إنًى، بِألْفٍ في آخِرِهِ، مَقْصُورًا. ويُقالُ: أناءٌ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في أوَّلِهِ وبِمَدٍّ في آخِرِهِ، . وجَمْعُ ذَلِكَ عَلى آناءٍ بِوَزْنِ أفْعالٍ.

وقَوْلُهُ: ”﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾“ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾“، وطَرَفُ الشَّيْءِ مُنْتَهاهُ. قِيلَ: المُرادُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ، وهُما وقْتا الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالبَعْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وقِيلَ: المُرادُ طَرَفُ سَيْرِ الشَّمْسِ في قَوْسِ الأُفُقِ، وهو بُلُوغُ سَيْرِها وسَطَ الأُفُقِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالزَّوالِ، وهُما طَرَفانِ: طَرَفُ النِّهايَةِ وطَرَفُ الزَّوالِ، وهو

صفحة ٣٣٩

انْتِهاءُ النِّصْفِ الأوَّلِ وابْتِداءُ النِّصْفِ الثّانِي مِنَ القَوْسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] . وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ مَعًا لِوَقْتِ صَلاةٍ واحِدَةٍ أنَّ وقْتَها ما بَيْنَ الخُرُوجِ مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ والدُّخُولِ في الطَّرَفِ الآخَرِ، وتِلْكَ حِصَّةٌ دَقِيقَةٌ.

وعَلى التَّفْسِيرَيْنِ فَلِلنَّهارِ طَرَفانِ لا أطْرافٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] . فالجَمْعُ في قَوْلِهِ: ”﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾“ مِن إطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ عَلى المُثَنّى، وهو مُتَّسَعٌ فِيهِ في العَرَبِيَّةِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، والَّذِي حَسَّنَهُ هُنا مُشاكَلَةُ الجَمْعِ لِلْجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾“ بِفَتْحِ التّاءِ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ رَجاءً لَكَ أنْ تَنالَ مِنَ الثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلَّ في ذَلِكَ المِقْدارِ الواجِبِ مِنَ الصَّلَواتِ ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ دُونَ زِيادَةٍ في الواجِبِ رِفْقًا بِكَ وبِأُمَّتِكَ. ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ﷺ: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”تُرْضى“ بِضَمِّ التّاءِ أيْ يُرْضِيكَ رَبُّكَ، وهو مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.

20:131Page 321

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١

And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.

﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾

أُعْقِبَ أمْرُهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَهُ بِنَهْيِهِ عَنِ الإعْجابِ بِما يَنْعَمُ بِهِ مِن تَنَعَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِأمْوالٍ وبَنِينَ في حِينِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ بِأنَّ

صفحة ٣٤٠

ذَلِكَ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى، مِنها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] .

وذِكْرُ الأزْواجُ هُنا لِدَلالَتِهِ عَلى العائِلاتِ والبُيُوتِ، أيْ إلى ما مَتَّعْناهم وأزْواجَهم بِهِ مِنَ المُتَعِ؛ فَكُلُّ زَوْجٍ مُمَتَّعٌ بِمُتْعَةٍ في زَوْجِهِ مِمّا يَحْسُنُ في نَظَرِ كُلٍّ مِن مَحاسِنِ قَرِينِهِ وما يُقارِنُ ذَلِكَ مِن مَحاسِنَ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كالبَنِينَ، والرِّياشِ، والمَنازِلِ، والخَدَمِ. ومَدُّ العَيْنَيْنِ: مُسْتَعْمَلٌ في إطالَةِ النَّظَرِ لِلتَّعْجِيبِ لا لِلْإعْجابِ؛ شُبِّهَ ذَلِكَ بِمَدِّ اليَدِ لِتَناوُلِ شَيْءٍ مُشْتَهًى. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ. والزَّهْرَةُ بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ الهاءِ: واحِدَةُ الزَّهْرِ، وهو نَوْرُ الشَّجَرِ والنَّباتِ، وتُسْتَعارُ لِلزِّينَةِ المُعْجِبَةِ المُبْهِتَةِ، لِأنَّ مَنظَرَ الزَّهْرَةِ يُزَيِّنُ النَّباتَ ويُعْجِبُ النّاظِرَ، فَزَهْرَةُ الحَياةِ: زِينَةُ الحَياةِ، أيْ زِينَةُ أُمُورِ الحَياةِ مِنَ اللِّباسِ والأنْعامِ والجَنانِ والنِّساءِ والبَنِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] . وانْتُصِبَ ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى الحالِ مِنَ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”زَهْرَةَ“ بِسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَةٌ.

”لِنَفْتِنَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَتَّعْنا“ . و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ لِيَحْصُلَ فِتْنَتُهم في خِلالِهِ، فَفي كُلِّ صِنْفٍ مِن ذَلِكَ المَتاعِ فِتْنَةٌ مُناسِبَةٌ لَهُ. واللّامُ لِلْعِلَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي عاقِبَةُ الشَّيْءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .

صفحة ٣٤١

وإنَّما مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِزَهْرَةِ الدُّنْيا لِأسْبابٍ كَثِيرَةٍ مُتَسَلْسِلَةٍ عَنْ نُظُمِ الِاجْتِماعِ، فَكانَتْ لَهم فِتْنَةً في دِينِهِمْ، فَجُعِلَ الحاصِلُ بِمَنزِلَةِ الباعِثِ. والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ النَّفْسِ وتَبَلْبُلِ البالِ مِن خَوْفٍ أوْ تَوَقُّعٍ أوِ التِواءِ الأُمُورِ، وكانُوا لا يَخْلُونَ مِن ذَلِكَ، فَلِشِرْكِهِمْ يَقْذِفُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الغَمَّ والتَّوَقُّعَ، وفِتْنَتُهم في الآخِرَةِ ظاهِرَةٌ. فالظَّرْفِيَّةُ هُنا كالَّتِي في قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:

نُحابِي بِها أكْفاءَنا وُنُهِينُها ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ. وجُمْلَةُ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ تَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى﴾“ آخِرِهِ يُفِيدُ أنَّ ما يَبْدُو لِلنّاظِرِ مِن حُسْنِ شارَتِهِمْ مَشُوبٌ ومُبَطَّنٌ بِفِتْنَةٍ في النَّفْسِ وشَقاءٍ في العَيْشِ وعِقابٍ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَذُيِّلَ بِأنَّ الرِّزْقَ المُيَسَّرَ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ وأبْقى في الدُّنْيا ومَنفَعَتُهُ باقِيَةٌ في الآخِرَةِ لِما يُقارِنُهُ في الدُّنْيا مِنَ الشُّكْرِ. فَإضافَةُ ”رِزْقُ رَبِّكَ“ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، وإلّا فَإنَّ الرِّزْقَ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ، ولَكِنَّ رِزْقَ الكافِرِينَ لَمّا خالَطَهُ وحَفَّ بِهِ حالُ أصْحابِهِ مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ولِما فِيهِ مِنَ التَّبِعَةِ عَلى أصْحابِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ جُعِلَ كالمَنكُورِ انْتِسابُهُ إلى اللَّهِ، وجُعِلَ رِزْقُ اللَّهِ هو السّالِمُ مِن مُلابَسَةِ الكُفْرانِ ومِن تَبِعاتِ ذَلِكَ.

و”خَيْرٌ“ تَفْضِيلٌ، والخَيْرِيَّةٌ حَقِيقَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ نَواحِيها. فَمِنها: خَيْرٌ لِصاحِبِهِ في العاجِلِ شَرٌّ عَلَيْهِ في الآجِلِ، ومِنها خَيْرٌ مَشُوبٌ بِشُرُورٍ وفِتَنٍ، وخَيْرٌ صافٍ مِن ذَلِكَ، ومِنها مُلائِمٌ مُلاءَمَةً قَوِيَّةً، وخَيْرٌ مُلائِمٌ مُلاءَمَةً ضَعِيفَةً، فالتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ تُوَفُّرِ السَّلامَةِ مِنَ العَواقِبِ

صفحة ٣٤٢

السَّيِّئَةِ والفِتَنِ كالمَقْرُونِ بِالقَناعَةِ، فَتَفْضِيلُ الخَيْرِيَّةِ جاءَ مُجْمَلًا يَظْهَرُ بِالتَّدَبُّرِ.

”وأبْقى“ تَفْضِيلٌ عَلى ما مُتِّعَ بِهِ الكافِرُونَ؛ لِأنَّ في رِزْقِ الكافِرِينَ بَقاءً، وهو أيْضًا يَظْهَرُ بَقاؤُهُ بِالتَّدَبُّرِ فِيما يَحِفُّ بِهِ وعَواقِبِهُ.

20:132Page 321

وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢

And enjoin prayer upon your family [and people] and be steadfast therein. We ask you not for provision; We provide for you, and the [best] outcome is for [those of] righteousness.

﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ ذِكْرُ الأهْلِ هُنا مُقابِلٌ لِذِكْرِ الأزْواجِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ [طه: ١٣١] فَإنَّ مِن أهْلِ الرَّجُلِ أزْواجَهُ، أيْ مِتْعَتُكَ ومِتْعَةُ أهْلِكَ الصَّلاةُ، فَلا تُلَفَّتُوا إلى زَخارِفِ الدُّنْيا. وأهْلُ الرَّجُلِ يَكُونُونَ أمْثَلَ مَن يَنْتَمُونَ إلَيْهِ.

ومِن آثارِ العَمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ في السُّنَّةِ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ فاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بَلَغَها أنَّ سَبْيًا جِيءَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأتَتْ تَشْتَكِي إلَيْهِ ما تَلْقى مِنَ الرَّحى تَسْألُهُ خادِمًا مِنَ السَّبْيِ فَلَمْ تَجِدْهُ. فَأخْبَرَتْ عائِشَةُ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجاءَها النَّبِيءُ ﷺ وقَدْ أخَذَتْ وعَلِيٌّ مُضَّجَعَهُما، فَجَلَسَ في جانِبِ الفِراشِ وقالَ لَها ولِعَلِيٍّ: ألا أُخْبِرُكُما بِخَيْرٍ لَكُما مِمّا سَألْتُما: تُسَبِّحانِ وتَحْمَدانِ وتُكَبِّرانِ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَكُما مِن خادِمٍ» . وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِما هو أعْظَمُ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ أهْلَهُ وهو أنْ يَصْطَبِرَ عَلى الصَّلاةِ. والِاصْطِبارُ: الِانْحِباسُ، مُطاوِعٌ صَبْرَهُ: إذا حَبَسَهُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في إكْثارِهِ مِنَ الصَّلاةِ في النَّوافِلِ. قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها

صفحة ٣٤٣

المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١] الآياتُ، وقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] . وجُمْلَةُ ”﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾“ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الَّتِي قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ”﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾“ جُعِلَتْ تَمْهِيدًا لِهاتِهِ الأخِيرَةِ.

والسُّؤالُ: الطَّلَبُ التَّكْلِيفِيُّ، أيْ ما كَلَّفْناكَ إلّا بِالعِبادَةِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ شُكْرُ اللَّهِ عَلى ما تَفَضَّلَ بِهِ عَلى الخَلْقِ، ولا يَطْلُبُ اللَّهُ مِنهم جَزاءً آخَرَ. وهَذا إبْطالٌ لِما تَعَوَّدَهُ النّاسُ مِن دَفْعِ الجِباياتِ والخَراجِ لِلْمُلُوكِ وقادَةِ القَبائِلِ والجُيُوشِ. وفي هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فَجُمْلَةُ ”﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾“ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ١٣١] . والمَعْنى: أنَّ رِزْقَ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو مَسُوقٌ إلَيْكَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الخِطابِ ابْتِداءً هو النَّبِيءُ ﷺ ويَشْمَلُ أهْلَهُ والمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُعَلَّلَ بِهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَرِكٌ في حُكْمِهِ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ. وجُمْلَةُ ”﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾“ المُعَلَّلُ بِها أمْرُهُ بِالِاصْطِبارِ لِلصَّلاةِ، أيْ إنّا سَألْناكَ التَّقْوى والعاقِبَةَ. وحَقِيقَةُ العاقِبَةِ: أنَّها كُلُّ ما يَعْقُبُ أمْرًا ويَقَعُ في آخِرِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إلّا أنَّها غَلَبَ اسْتِعْمالُها في أُمُورِ الخَيْرِ. فالمَعْنى: أنَّ التَّقْوى تَجِيءُ في نِهايَتِها عَواقِبُ خَيْرٍ. واللّامُ لِلْمِلْكِ تَحْقِيقًا لِإرادَةِ الخَيْرِ مِنَ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ شَأْنَ لامِ المِلْكِ أنْ تَدُلَّ عَلى نَوالِ الأمْرِ المَرْغُوبِ، وإنَّما يَطَّرِدُ ذَلِكَ في عاقِبَةِ خَيْرِ الآخِرَةِ. وقَدْ تَكُونُ العاقِبَةُ في خَيْرِ الدُّنْيا أيْضًا لِلتَّقْوى.

صفحة ٣٤٤

وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما فِيها مِن مَعْنى العُمُومِ. أيْ لا تَكُونُ العاقِبَةُ إلّا لِلتَّقْوى. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ أُرْسِلَتْ مَجْرى المَثَلِ.

20:133Page 321

وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٣٣

And they say, "Why does he not bring us a sign from his Lord?" Has there not come to them evidence of what was in the former scriptures?1

﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾

رُجُوعٌ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ، وبِأنَّهُ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ. وهو الغَرَضُ الَّذِي انْتُقِلَ مِنهُ إلى أغْراضٍ مُناسِبَةٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] . والمُناسَبَةُ في الِانْتِقالِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] فَجِيءَ هُنا بِشِنَعٍ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَصْبِرَ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] . فَمِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يَقْصِدُونَ مِنها التَّعَنُّتَ والمُكابَرَةَ أنْ قالُوا: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ رَبِّهِ فَنُؤْمِنُ بِرِسالَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] .

ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ لِلْحالِ، أيْ قالُوا ذَلِكَ في حالِ أنَّهم أتَتْهم بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى. فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ أُنْكِرَ بِهِ نَفْيُ إتْيانِ آيَةٍ لَهُمُ الَّذِي اقْتَضاهُ تَحْضِيضُهم عَلى الإتْيانِ بِآيَةٍ.

والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ.

والصُّحُفُ الأُولى: كُتُبُ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] .

صفحة ٣٤٥

والصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ. وهي قِطْعَةٌ مِن ورَقٍ أوْ كاغَدٍ أوْ خِرْقَةٍ يُكْتَبُ فِيها. ولَمّا كانَ الكِتابُ مَجْمُوعَ صُحُفٍ أُطْلِقَ الصُّحُفُ عَلى الكُتُبِ.

ووَجْهُ اخْتِيارِ الصُّحُفِ هُنا عَلى الكُتُبِ أنَّ في كُلِّ صَحِيفَةٍ مِنَ الكُتُبِ عِلْمًا، وأنَّ جَمِيعَهُ حَواهُ القُرْآنُ، فَكانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ القُرْآنِ آيَةً ودَلِيلًا. وهَذِهِ البَيِّنَةُ هي مُحَمَّدٌ ﷺ وكِتابُهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ مَوْعُودٌ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ ولِأنَّ في القُرْآنِ تَصْدِيقًا لِما في تِلْكَ الكُتُبِ مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ ومِنَ المَواعِظِ وأُصُولِ التَّشْرِيعِ. وقَدْ جاءَ بِهِ رَسُولٌ أُمِّيٌّ لَيْسَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولا نَشَأْ في قَوْمٍ أهْلِ عِلْمٍ ومُزاوَلَةٍ لِلتّارِيخِ مَعَ مَجِيئِهِ بِما هو أوْضَحُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ مِن أخْبارِهِمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَطِعْ أهْلُ الكِتابِ إنْكارَها، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وكانُوا لا يُحَقِّقُونَ كَثِيرًا مِنها بِما طَرَأ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّفَرُّقِ وتَلاشِي أُصُولِ كُتُبِهِمْ وإعادَةِ كِتابَةِ كَثِيرٍ مِنها بِالمَعْنى عَلى حَسَبِ تَأْوِيلاتٍ سَقِيمَةٍ.

وأمّا القُرْآنُ فَما حَواهُ مِن دَلائِلِ الصِّدْقِ والرَّشادِ، وما امْتازَ بِهِ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ البالِغَتَيْنِ حَدَّ الإعْجازِ، وهو ما قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى العَرَبِ مُباشَرَةً وعَلى غَيْرِهِمُ اسْتِدْلالًا. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى:﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] .

وقَرَأ نافِعٌ، وحَفَصٌ، وابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ ”تَأْتِهِمْ“ بِتاءِ المُضارِعِ لِلْمُؤَنَّثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَحْتِيَّةِ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ ”بَيِّنَةُ“ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وأصْلُ الإسْنادِ التَّذْكِيرُ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ لَيْسَ عَلامَةً، ولَكِنَّهُ الأصْلُ في الكَلامِ.

20:134Page 321

وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ١٣٤

And if We had destroyed them with a punishment before him,1 they would have said, "Our Lord, why did You not send to us a messenger so we could have followed Your verses [i.e., teachings] before we were humiliated and disgraced?"

صفحة ٣٤٦

﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾

الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣]، وأنَّ المَعْنى عَلى الِارْتِقاءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ضالُّونَ حِينَ أخَّرُوا الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وجَعَلُوهُ مُتَوَقِّفًا عَلى أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ؛ لِأنَّ ما هم مُتَلَبِّسُونَ بِهِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ ضَلالٌ بَيِّنٌ، قَدْ حَجَبَتْ عَنْ إدْراكِ فَسادِهُ العاداتُ واشْتِغالُ البالِ بِشُئُونِ دِينِ الشِّرْكِ، فالإشْراكُ وحْدُهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَحِمَهم فَلَمْ يُؤاخِذْهم بِهِ إلّا بَعْدَ أنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا يُوقِظُ عُقُولَهم. فَمَجِيءُ الرَّسُولِ بِذَلِكَ كافٍ في اسْتِدْلالِ العُقُولِ عَلى فَسادِ ما هم فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْألُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إتْيانَ الرَّسُولِ لَهم بِآيَةٍ عَلى صِدْقِهِ فِيما دَعاهم إلَيْهِ مَن نَبْذِ الشِّرْكِ لَوْ سَلَّمَ لَهم جَدَلًا أنَّ ما جاءَهم مِنَ البَيِّنَةِ لَيْسَ هو بِآيَةٍ، فَقَدْ بَطَلَ عُذْرُهم مِن أصْلِهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ . وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”مِن قَبْلِهِ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي الكَلامُ عَلَيْهِ أوْ عَلى الرَّسُولِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِ بِأنَّهُ بَيِّنَةٌ، أوْ عَلى إتْيانِ البَيِّنَةِ المَأْخُوذِ مِن ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِوَحْدانِيَّةِ خالِقِ الخَلْقِ يَقْتَضِيهِ العَقْلُ لَوْلا حَجْبُ الضَّلالاتِ والهَوى، وأنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ لِإيقاظِ

صفحة ٣٤٧

العُقُولِ والفِطَرِ، وأنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ أهْلَ الفَتْرَةِ عَلى الإشْراكِ حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وأنَّ قُرَيْشًا كانُوا أهْلَ فَتْرَةٍ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ومَعْنى ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾: أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الحِسابِ بَعْدَ أنْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ الإهْلاكَ المَفْرُوضَ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ بِعَذابِ الدُّنْيا يَقْتَضِي أنَّهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ.

و”لَوْلا“ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ أوِ الِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فاتَ وقْتُ الإرْسالِ، فالتَّقْدِيرُ: هَلّا كُنْتَ أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا. وانْتَصَبَ ”فَنَتَّبِعَ“ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِ حُصُولِهِ فِيما مَضى.

والذُّلُّ: الهَوانُ. والخِزْيُ: الِافْتِضاحُ، أيِ الذُّلُّ بِالعَذابِ.

والخِزْيُ في حَشْرِهِمْ مَعَ الجُناةِ كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском