Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Taha 20:24–39
20:24–36Page 313
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦
And ease for me my task
وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧
And untie the knot from my tongue
يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨
That they may understand my speech.
وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩
And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -
هَٰرُونَ أَخِي ٣٠
Aaron, my brother.
ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١
Increase through him my strength
وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢
And let him share my task
كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣
That we may exalt You much
وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤
And remember You much.
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥
Indeed, You are of us ever Seeing."
قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦
[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.
﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ .
لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ
صفحة ٢١٠
(﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) .
والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ.
فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ.
وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.
ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ.
فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ.
والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ.
صفحة ٢١١
والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ.
والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.
وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ.
صفحة ٢١٢
ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً.
ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ.
وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ.
والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي.
وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ.
وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ
صفحة ٢١٣
أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) .
وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ.
والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ.
والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ.
وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ.
وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا
صفحة ٢١٤
اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ.
والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ.
وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ.
والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.
20:37–38Page 313
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧
And We had already conferred favor upon you another time,
إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨
When We inspired to your mother what We inspired,
صفحة ٢١٥
﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] .
جُمْلَةُ (﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) لِأنَّ جُمْلَةَ (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) تَتَضَمَّنُ مِنَّةً عَلَيْهِ، فَعُطِفَ عَلَيْها تَذْكِيرٌ بِمِنَّةٍ عَلَيْهِ أُخْرى في وقْتِ ازْدِيادِهِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَمّا كانَ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ مِن أوَّلِ أوْقاتِ وُجُودِهِ فابْتَدَأهُ بِعِنايَتِهِ قَبْلَ سُؤالِهِ فَعِنايَتُهُ بِهِ بَعْدَ سُؤالِهِ أحْرى، ولِأنَّ تِلْكَ العِنايَةَ الأُولى تَمْهِيدٌ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاصْطِفاءِ والرِّسالَةِ، فالكَرَمُ يَقْتَضِي أنَّ الِابْتِداءَ بِالإحْسانِ يَسْتَدْعِي الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ. فَهَذا طَمْأنَةٌ لِفُؤادِهِ وشَرْحٌ لِصَدْرِهِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ سَيَكُونُ مُؤَيَّدًا في سائِرِ أحْوالِهِ المُسْتَقْبَلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) .
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ، لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَتَحْقِيقُ الخَبَرِ لَهُ تَحْقِيقٌ لَلازِمِهِ المُرادِ مِنهُ، وهو أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِهِ دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَنْهُ زِيادَةٌ في تَطْمِينِ خاطِرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) .
والمَرَّةُ: فَعْلَةٌ مِنَ المُرُورِ، غَلَبَتْ عَلى مَعْنى الفِعْلَةِ الواحِدَةِ مِن عَمَلٍ مُعَيَّنٍ يُعْرَفُ بِإضافَةٍ أوْ بِدَلالَةِ المَقامِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣]) في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وانْتِصابُ ”مَرَّةً“ هُنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِفِعْلِ (مَنَنّا)، أيْ مَرَّةً مِنَ المَنِّ. ووَصْفُها بِ ”أُخْرى“ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّها غَيْرُ هَذِهِ المِنَّةِ.
صفحة ٢١٦
و(إذْ) ظَرْفٌ لِلْمِنَّةِ.
والوَحْيُ، هُنا: وحْيُ الإلْهامِ الصّادِقِ. وهو إيقاعُ مَعْنًى في النَّفْسِ يَنْثَلِجُ لَهُ نَفْسُ المُلْقى إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجْزِمُ بِنَجاحِهِ فِيهِ وذَلِكَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ الَّتِي يُقْذَفُ في نَفْسِ الرّائِي أنَّها صِدْقٌ.
و”ما يُوحى“ مَوْصُولٌ مُفِيدٌ أهَمِّيَّةَ ما أُوحِيَ إلَيْها. ومُفِيدٌ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ إلْهامًا مِن قِبَلِ الحَقِّ.
و(أنْ) تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ أوْحَيْنا لِأنَّهُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ أوْ تَفْسِيرٌ لِ ”يُوحى“ .
والقَذْفُ: أصْلُهُ الرَّمْيِ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى الوَضْعِ في التّابُوتِ. تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُخْفِي عَمَلَهُ. فَهو يُسْرِعُ وضْعَهُ مِن يَدِهِ كَهَيْئَةِ مَن يَقْذِفُ حَجَرًا ونَحْوَهُ.
والتّابُوتُ: الصُّنْدُوقُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .
واليَمُّ: البَحْرُ، والمُرادُ بِهِ نَهْرُ النِّيلِ.
والسّاحِلُ: الشّاطِئُ، ولامُ الأمْرِ في قَوْلِهِ فَلْيُلْقِهِ دالَّةٌ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ سَخَّرْنا اليَمَّ لِأنْ يُلْقِيَهُ بِالسّاحِلِ، ولا يَبْتَعِدَ بِهِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والمُرادُ ساحِلٌ مَعْهُودٌ، وهو الَّذِي يَقْصُدُهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِلسِّباحَةِ.
والضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَنصُوبَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى مُوسى لِأنَّهُ المَقْصُودُ وهو حاضِرٌ في ذِهْنِ أُمِّهِ المُوحى إلَيْها، وقَذْفُهُ في التّابُوتِ وفي اليَمِّ وإلْقاؤُهُ في السّاحِلِ كُلُّها أفْعالٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِضَمِيرِهِ،
صفحة ٢١٧
إذْ لا فَرْقَ في فِعْلِ الإلْقاءِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُباشِرًا أوْ في ضِمْنِ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ. ويَجُوزُ جَعْلَ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ عائِدَيْنِ إلى التّابُوتِ ولا لَبْسَ في ذَلِكَ.
وجَزْمُ (يَأْخُذْهُ) في جَوابِ الأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ جَزْمِ قَوْلِهِ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨]) المُتَقَدَّمِ آنِفًا.
والعَدُوُّ: فِرْعَوْنُ، فَهو عَدُوُّ اللَّهِ لِأنَّهُ انْتَحَلَ لِنَفْسِهِ الإلَهِيَّةِ، وعَدُوُ مُوسى تَقْدِيرًا في المُسْتَقْبَلِ، وهو عَدْوُهُ لَوْ عَلِمَ أنَّهُ مِن غِلْمانِ إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ اعْتَزَمَ عَلى قَتْلِ أبْنائِهِمْ.
20:39Page 314
أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩
[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].
﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أوْحَيْنا أيْ حِينَ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما كانَ بِهِ سَلامَتُكَ مِنَ المَوْتِ، وحِينَ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً لِتَحْصُلَ السَّرِقَةُ لِواجِدِهِ في اليَمِّ، فَيَحْرِصُ عَلى حَياتِهِ ونَمائِهِ ويَتَّخِذُهُ ولَدًا كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩])؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ مِن غِلْمانِ إسْرائِيلَ ولَيْسَ مِن أبْناءِ القِبْطِ، أوْ لِأنَّهُ يَخْطُرُ بِبالِهِ الأخْذُ بِالِاحْتِياطِ.
وإلْقاءُ المَحَبَّةِ مَجازٌ في تَعَلُّقِ المُحِبَّةِ بِهِ، أيْ خَلْقُ المَحَبَّةِ في قَلْبِ المُحِبِّ بِدُونِ سَبَبٍ عادِيٍّ حَتّى كَأنَّهُ وُضِعَ بِاليَدِ لا مُقْتَضًى لَهُ في العادَةِ.
ووَصْفُ المَحَبَّةِ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مَحَبَّةٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ لِعَدَمِ ابْتِداءِ أسْبابِ المَحَبَّةِ العُرْفِيَّةِ مِنَ الإلْفِ والِانْتِفاعِ، ألا تَرى قَوْلَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ (﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]) مَعَ قَوْلِها (﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩]) . فَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَها قَبْلَ أنْ يَنْفَعَها وقَبْلَ اتِّخاذِهِ ولَدًا.
* * *
صفحة ٢١٨
﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِيَ﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠] .
جُمْلَةُ (﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٣٨]) إلَخْ.
جُعِلَ الأمْرانِ إتْمامًا لِمِنَّةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ إنْجاءَهُ مِنَ القَتْلِ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ إلّا إذا أنْجاهُ مِنَ المَوْتِ بِالذُّبُولِ لِتَرْكِ الرَّضاعَةِ، ومِنَ الإهْمالِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ أوِ الوَهْنِ إذا ولِيَ تَرْبِيَتَهُ مَن لا يُشْفِقُ عَلَيْهِ الشَّفَقَةَ الجَبِلِّيَّةَ. والتَّقْدِيرُ: وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لِأجْلِ أنْ تُصْنَعَ عَلى عَيْنِي.
والصُّنْعُ: مُسْتَعارٌ لِلتَّرْبِيَةِ والتَّنْمِيَةِ، تَشْبِيهًا لِذَلِكَ بِصُنْعِ شَيْءٍ مَصْنُوعٍ، ومِنهُ يُقالُ لِمَن أنْعَمَ عَلَيْهِ أحَدٌ نِعْمَةً عَظِيمَةً: هو صَنِيعَةُ فُلانٍ.
وأُخْتُ مُوسى: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ. وفي التَّوْراةِ: أنَّها كانَتْ نَبِيئَةً كَما في الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. وتُوُفِّيَتْ مَرْيَمُ سَنَةَ ثَلاثٍ مِن خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في بَرِّيَّةِ صِينَ كَما في الإصْحاحِ التّاسِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ. وذَلِكَ سَنَةَ ١٤١٧ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ كَيْ، وبِنَصْبِ فِعْلِ (تُصْنَعَ)، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ الأمْرِ وبِجَزْمِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ تَكْوِينِيٌّ، أيْ وقُلْنا: لِتُصْنَعَ.
وقَوْلُهُ (﴿عَلى عَيْنِي﴾) (عَلى) مِنهُ لِلِاسْتِلاءِ المَجازِيِّ، أيِ المُصاحَبَةِ المُتَمَكِّنَةِ، فَ (عَلى) هُنا بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ قالَ تَعالى (﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]) .
صفحة ٢١٩
والعَيْنُ: مَجازٌ في المُراعاةِ والمُراقَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧])، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
عَهِدْتُكَ تَرْعانِيَ بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ وتَبْعَثُ حُرّاسًا عَلَيَّ وناظِرًا
ووَقَعَ اخْتِصارٌ في حِكايَةِ قِصَّةِ مَشْيِ أُخْتِهِ، وفُصِّلَتْ في سُورَةِ القَصَصِ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ [القصص: ١٢]) لِلْعَرْضِ. وأرادَتْ بِ (﴿مَن يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠]) أُمَّهُ. فَلِذَلِكَ قالَ (﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠]) .
وهَذِهِ مِنَّةٌ عَلَيْهِ لِإكْمالِ نَمائِهِ، وعَلى أُمِّهِ بِنَجاتِهِ فَلَمْ تُفارِقِ ابْنَها إلّا ساعاتٍ قَلائِلَ، أكْرَمَها اللَّهُ بِسَبَبِ ابْنِها.
وعَطْفُ نَفْيِ الحُزْنِ عَلى قُرَّةِ العَيْنِ لِتَوْزِيعِ المِنَّةِ، لِأنَّ قُرَّةَ عَيْنِها بِرُجُوعِهِ إلَيْها، وانْتِفاءُ حُزْنِها بِتَحْقِيقِ سَلامَتِهِ مِنَ الهَلاكِ ومِنَ الغَرَقِ وبِوُصُولِهِ إلى أحْسَنِ مَأْوًى. وتَقْدِيمُ قُرَّةِ العَيْنِ عَلى انْتِفاءِ الحُزْنِ مَعَ أنَّها أخَصُّ فَيُغْنِي ذِكْرُها عَنْ ذِكْرِ انْتِفاءِ الحُزْنِ؛ رُوعِيَ فِيهِ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِ (﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠]) بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ، ثُمَّ أُكْمِلَ بِذِكْرِ الحِكْمَةِ في مَشْيِ أُخْتِهِ فَتَقُولُ (﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠]) في بَيْتِها، وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المَراضِعِ ذَواتِ الأزْواجِ كَما جاءَ في حَدِيثِ حَلِيمَةَ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في التَّوْراةِ في سِفْرِ الخُرُوجِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences