Ibn 'AshurTaha · 20:40–48

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Taha 20:40–48

20:40–41Page 314

إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠

[And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,1 but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.

وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١

And I produced you for Myself.1

﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ .

فَجُمْلَةُ وقَتَلَتَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧]) لِأنَّ المَذْكُورَ في جُمْلَةِ (﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾) مِنَّةٌ أُخْرى ثالِثَةٌ.

صفحة ٢٢٠

وقُدِمَ ذِكْرُ قَتلِهِ النَّفْسَ عَلى ذِكْرِ الإنْجاءِ مِنَ الغَمِّ لِتَعْظِيمِ المِنَّةِ، حَيْثُ افْتُتِحَتِ القِصَّةُ بِذِكْرِ جِنايَةٍ عَظِيمَةِ التَّبِعَةِ، وهي قَتْلُ النَّفْسِ لِيَكُونَ لِقَوْلِهِ فَنَجَّيْناكَ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ مِنَ المِنَّةِ، إذْ أنْجاهُ مِن عُقُوبَةٍ لا يَنْجُو مِن مِثْلِها مِثْلُهُ. وهَذِهِ النَّفْسُ هي نَفْسُ القِبْطِيِّ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اخْتَصَمَ مَعَ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في المَدِينَةِ فاسْتَغاثَ الإسْرائِيلِيُّ بِمُوسى لِيَنْصُرَهُ فَوَكَزَ مُوسى القِبْطِيَّ فَقَضى عَلَيْهِ كَما قُصَّ ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ.

والغَمُّ: الحُزْنُ. والمَعْنِيُّ بِهِ ما خامَرَ مُوسى مِن خَوْفِ الِاقْتِصاصِ مِنهُ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا بَلَغَهُ الخَبَرُ أضْمَرَ الِاقْتِصاصَ مِن مُوسى لِلْقِبْطِيِّ إذْ كانَ القِبْطُ سادَةَ الإسْرائِيلِيِّينَ، فَلَيْسَ اعْتِداءُ إسْرائِيلِيٍّ عَلى قِبْطِيٍّ بِهَيِّنٍ بَيْنَهم. ويَظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَبَنّى مُوسى كانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ.

والفُتُونُ: مَصْدَرُ فَتَنَ، كالخُرُوجِ، والثُّبُورِ، والشُّكُورِ، وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَأْكِيدِ عامَلِهِ وهو فَتَنّاكَ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ فُتُونًا قَوِيًّا عَظِيمًا.

والفُتُونُ كالفِتْنَةِ: هو اضْطِرابُ حالِ المَرْءِ في مُدَّةٍ مِن حَياتِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]) في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .

ويَظْهَرُ أنَّ الفُتُونَ أصْلُ مَصْدَرِ فَتَنَ بِمَعْنى اخْتَبَرَ، فَيَكُونُ في الشَّرِّ وفي الخَيْرِ. وأمّا الفِتْنَةُ فَلَعَلَّها خاصَّةٌ بِاخْتِبارِ المُضِرِّ. ويَظْهَرُ أنَّ التَّنْوِينَ في فُتُونًا لِلتَّقْلِيلِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾) كالِاسْتِدْراكِ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾)، أيْ نَجَّيْناكَ وحَصَلَ لَكَ خَوْفٌ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]) فَذَلِكَ الفُتُونُ.

والمُرادُ بِهَذا الفُتُونِ خَوْفُ مُوسى مِن عِقابِ فِرْعَوْنَ وخُرُوجُهُ مِنَ البَلَدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨])

صفحة ٢٢١

إلى قَوْلِهِ ( ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] .

وذِكْرُ الفُتُونِ بَيْنَ تِعْدادِ المِنَنِ إدْماجٌ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْمِلْ دَمَ القِبْطِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ مُوسى، فَإنَّهُ نَفْسٌ مَعْصُومَةُ الدَّمِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ لِأنَّهم لَمْ تَرِدْ إلَيْهِمْ دَعْوَةٌ إلَهِيَّةٌ حِينَئِذٍ، فَحِينَ أنْجى اللَّهُ مُوسى مِنَ المُؤاخَذَةِ بِدَمِهِ في شَرْعِ فِرْعَوْنَ ابْتَلى مُوسى بِـ الَخَوْفِ والغُرْبَةِ عِتابًا لَهُ عَلى إقْدامِهِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦]) .

وعِبادُ اللَّهِ الَّذِينَ أرادَ بِهِمْ خَيْرًا ورَعاهم بِعِنايَتِهِ يَجْعَلُ لَهم مِن كُلِّ حالَةٍ كَمالًا يَكْسِبُونَهُ، ويُسَمّى مِثْلُ ذَلِكَ بِالِابْتِلاءِ، فَكانَ مِن فُتُونِ مُوسى بِقَضِيَّةِ القِبْطِيِّ أنْ قَدَّرَ لَهُ الخُرُوجَ إلى أرْضِ مَدْيَنَ لِيَكْتَسِبَ رِياضَةَ نَفْسٍ وتَهْيِئَةَ ضَمِيرٍ لِتَحَمُّلِ المَصاعِبَ، ويَتَلَقّى التَّهْذِيبَ مِن صِهْرِهِ الرَّسُولِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولِهَذا المَعْنى عَقَّبَ ذِكْرَ الفُتُونِ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ (﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾)، فَبَيَّنَ لَهُ كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ الفُتُونِ. أوْ يَكُونُ الفُتُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَحْمُودِ العاقِبَةِ وضِدِّهِ مِثْلَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ (﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨])، أيْ واخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا. والِاخْتِبارُ: تَمْثِيلٌ لِحالِ تَكْلِيفِهِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ بِحالِ مَن يُخْتَبَرُ، ولِهَذا اخْتِيرَ هُنا دُونَ الفِتْنَةِ.

وأهْلُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، ومَدِينُ: اسْمُ أحَدِ أبْناءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَكَنَتْ ذُرِّيَّتُهُ في مَوْطِنٍ يُسَمّى الأيْكَةَ عَلى شاطِئِ البَحْرِ الأحْمَرِ جَنُوبَ عَقَبَةِ أيْلَةَ، وغَلَبَ اسْمُ القَبِيلَةِ عَلى الأرْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْمَكانِ فَمِن ثَمَّ أُضِيفَ إلَيْهِ أهْلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ .

صفحة ٢٢٢

ومَعْنى (جِئْتَ) حَضَرْتَ لَدَيْنا. وهو حُضُورُهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ لِتَلَقِّي الوَحْيِ. و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ؛ جَعَلَ مَجِيئَهُ في الوَقْتِ الصّالِحِ لِلْخَيْرِ بِمَنزِلَةِ المُسْتَعْلِي عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ المُتَمَكِّنِ مِنهُ.

والقَدَرُ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مُناسِبٍ لِما يُرِيدُ المُقَدِّرُ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ المُصادَفَةِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مُلائِمٍ أوْ في مُلاءَمَتِهِ خَلَلٌ، قالَ النّابِغَةُ:

فَرِيعَ قَلْبِي وكانَتْ نَظْرَةً عَرَضَتْ يَوْمًا وتَوْفِيقَ أقْدارٍ لِأقْدارِ

أيْ مُوافِقَةً ما كُنْتُ أرْغَبُهُ.

فَقَوْلُهُ (﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾) يُفِيدُ أنَّ ما حَصَلَ لِمُوسى مِنَ الأحْوالِ كانَ مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرًا مُناسِبًا مُتَدَرِّجًا، بِحَيْثُ تَكُونُ أعْمالُهُ وأحْوالُهُ قَدْ قَدَّرَها اللَّهُ وحَدَّدَها تَحْدِيدًا مُنَظَّمًا لِأجْلِ اصْطِفائِهِ وما أرادَ اللَّهُ مِن إرْسالِهِ، فالقَدَرُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ بِتَدْبِيرِ إجْراءِ أحْوالِهِ عَلى ما يُسْفِرُ عَنْ عاقِبَةِ الخَيْرِ.

فَهَذا تَقْدِيرٌ خاصٌّ، وهو العِنايَةُ بِتَدَرُّجِ أحْوالِهِ إلى أنْ بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهُ. ولَيْسَ المُرادُ القَدَرُ العامُّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِتَكْوِينِ جَمِيعِ الكائِناتِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُشْعِرُ بِمَزِيَّةٍ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وقَدِ انْتَبَهَ إلى هَذا المَعْنى جَرِيرٌ بِذَوْقِهِ السَّلِيمِ فَقالَ في مَدْحِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ:

أتى الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ

ومِن هُنا خَتْمَ الِامْتِنانَ بِما هو الفَذْلَكَةُ، وذَلِكَ جُمْلَةُ (﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾) الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ عَلى قَوْلِهِ

صفحة ٢٢٣

(﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِيَ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [طه: ٣٩]) الآيَةَ، وهو تَخَلُّصٌ بَدِيعٌ إلى الغَرَضِ المَقْصُودِ وهو الخِطابُ بِأعْمالِ الرِّسالَةِ المُبْتَدَأِ مِن قَوْلِهِ (﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣]) ومِن قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]) .

والِاصْطِناعُ: صُنْعُ الشَّيْءِ بِاعْتِناءٍ: واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ لِأجْلِ نَفْسِي. والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ الِاصْطِفاءِ لِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ بِهَيْئَةِ مَن يَصْطَنِعُ شَيْئًا لِفائِدَةِ نَفْسِهِ فَيَصْرِفُ فِيهِ غايَةَ إتْقانِ صُنْعِهِ.

20:42Page 314

ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢

Go, you and your brother, with My signs and do not slacken in My remembrance.

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذَكْرِي﴾ .

رُجُوعٌ إلى المَقْصِدِ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، فالجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤])، أوْ هي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]) يُؤْذِنُ بِأنَّهُ اخْتارَهُ وأعَدَّهُ لِأمْرٍ عَظِيمٍ، لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَتَّخِذُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ إلّا مُرِيدًا جَعْلَهُ مُظْهِرًا لِحِكْمَتِهِ، فَيَتَرَقَّبُ المُخاطَبُ تَعْيِينَها، وقَدْ أمَرَهُ هُنا بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وأنْ يَذْهَبَ أخُوهُ مَعَهُ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يُبَلِّغُ أخاهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِمُرافَقَتِهِ، لِأنَّ هارُونَ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا حِينَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ. ولِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الوَقْتُ وقْتَ الشُّرُوعِ في الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ، فَتَعِيَّنَ أنَّ الأمْرَ لِطَلَبِ حُصُولِ الذَّهابِ المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ الوُصُولِ إلى مِصْرَ بَلَدِ فِرْعَوْنَ وعِنْدَ لِقائِهِ أخاهُ هارُونَ وإبْلاغِهِ أمْرَ اللَّهِ إيّاهُ، فَقَرِينَةُ عَدَمِ إرادَةِ الفَوْرِ هُنا قائِمَةٌ.

والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ لِقَصْدِ تَطْمِينِ مُوسى بِأنَّهُ سَيَكُونُ مُصاحِبًا لِآياتِ اللَّهِ، أيِ الدَّلائِلِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صَدَقِهِ لَدى فِرْعَوْنَ.

ومَعْنى (لا تَنِيا) لا تَضْعُفا. يُقالُ: ونى يَنِي ونًى، أيْ ضَعُفَ في العَمَلِ أيْ لا تَنِ أنْتَ وأبْلِغْ هارُونَ أنْ لا يَنِيَ، فَصِيغَةُ النَّهْيِ مُسْتَعْمَلَةٌ في حَقِيقَتِها ومَجازِها.

20:43–44Page 314

ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣

Go, both of you, to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.

فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤

And speak to him with gentle speech that perhaps he may be reminded or fear [Allāh]."

صفحة ٢٢٤

﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِقالٌ إلى خِطابِ مُوسى وهارُونَ. فَيَقْتَضِي أنَّ هارُونَ كانَ حاضِرًا لِهَذا الخِطابِ. وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) .

وكانَ حُضُورُ هارُونَ عِنْدَ مُوسى بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أوْحاهُ إلى هارُونَ في أرْضِ (جاسانَ) حَيْثُ مَنازِلِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضٍ قُرْبَ طِيبَةَ.

قالَ في التَّوْراةِ وفي الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ وقالَ أيِ اللَّهُ هاهُوَ هارُونُ خارِجًا لِاسْتِقْبالِكَ فَتُكَلِّمُهُ أيْضًا. وفِيهِ أيْضًا: وقالَ الرَّبُّ لِهارُونَ اذْهَبْ إلى البَرِّيَّةِ لِاسْتِقْبالِ مُوسى فَذَهَبَ والتَقَيا في جَبَلِ اللَّهِ أيْ جَبَلِ حُورِيبَ، فَيَكُونُ قَدْ طُوِيَ ما حَدَثَ بَيْنَ تَكْلِيمِ اللَّهِ تَعالى مُوسى في الوادِي عِنْدَ النّارِ وما بَيْنَ وُصُولِ مُوسى مَعَ أهْلِهِ إلى جَبَلِ حُورِيبَ في طَرِيقِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ، جَوابًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُما (﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾) إلَخْ. ويَكُونُ فَصْلُ جُمْلَةِ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ. . لِوُقُوعِها في أُسْلُوبِ المُحاوَرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾) بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ [طه: ٤٢])، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (اذْهَبا) أمَرًا لِمُوسى بِأنْ يَذْهَبَ وأنْ يَأْمُرَ أخاهُ بِالذَّهابِ مَعَهُ وهارُونُ غائِبٌ. وهَذا أنْسَبُ لِسِياقِ الجُمَلِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وقَدْ طُوِيَ ما بَيْنَ خِطابِ اللَّهِ مُوسى وما بَيْنَ حِكايَةِ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ مُوسى ولَقِيَ أخاهُ هارُونَ، وأبْلَغَهُ أمْرَ اللَّهِ لَهُ بِما أمَرَهُ، فَقالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ إلَخْ. .

وجُمْلَةُ إنَّهُ طَغى تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأنْ يَذْهَبا إلَيْهِ. فَعُلِمَ أنَّهُ لِقَصْدِ كفِّهِ عَنْ طُغْيانِهِ.

صفحة ٢٢٥

وفِعْلُ طَغى رُسِمَ في المُصْحَفِ آخِرُهُ ألِفًا مُمالَةً، أيْ بِصُورَةِ الياءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن طَغِيَ مِثْلَ رَضِيَ. ويَجُوزُ فِيهِ الواوُ فَيُقالُ: يَطْغُو مِثْلَ يَدْعُو.

والقَوْلُ اللَّيِّنُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى مَعانِي التَّرْغِيبِ والعَرْضِ واسْتِدْعاءِ الِامْتِثالِ، بِأنْ يُظْهِرَ المُتَكَلِّمُ لِلْمُخاطَبِ أنَّ لَهُ مِن سَدادِ الرَّأْيِ ما يَتَقَبَّلُ بِهِ الحَقَّ ويُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ تَجَنُّبِ أنْ يَشْتَمِلَ الكَلامُ عَلى تَسْفِيهِ رَأْيِ المُخاطَبِ أوْ تَجْهِيلِهِ.

فَشَبَّهَ الكَلامَ المُشْتَمِلَ عَلى المَعانِي الحَسَنَةِ بِالشَّيْءِ اللَّيِنِ.

واللِّينُ، حَقِيقَةٌ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، وهو: رُطُوبَةُ مَلْمَسِ الجِسْمِ وسُهُولَةُ لَيِّهِ، وضِدُّ اللِّينِ الخُشُونَةُ. ويُسْتَعارُ اللِّينُ لِسُهُولَةِ المُعامَلَةِ والصَّفْحِ. وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

فَإنَّ قَناتَنا يا عَمْرُو أعْيَتْ عَلى الأعْداءِ قَبْلَكَ أنْ تَلِينا

واللِّينُ مِن شِعارِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى (﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]) وقالَ (﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) . ومِنَ اللِّينِ في دَعْوَةِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٩]) وقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧])، إذِ المَقْصُودُ مِن دَعْوَةِ الرُّسُلِ حُصُولُ الِاهْتِداءِ لا إظْهارُ العَظَمَةِ وغِلْظَةَ القَوْلِ بِدُونِ جَدْوًى. فَإذا لَمْ يَنْفَعِ اللِّينُ مَعَ المَدْعُوِّ وأعْرَضَ واسْتَكْبَرَ جازَ في مَوْعِظَتِهِ الإغْلاظُ مَعَهُ، قالَ تَعالى (﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦])، وقالَ تَعالى عَنْ مُوسى (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨]) .

والتَّرَجِّي المُسْتَفادُ مِن لَعَلَّ؛ إمّا تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ اللَّهِ في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ بِشَأْنِ الرّاجِي، وإمّا أنْ يَكُونَ إعْلامًا لِمُوسى وفِرْعَوْنَ بِأنْ يَرْجُوَ ذَلِكَ،

صفحة ٢٢٦

فَكانَ النُّطْقُ بِحَرْفِ التَّرَجِّي عَلى لِسانِهِما، كَما تَقُولُ لِلشَّخْصِ إذا أشَرْتَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ: فَلَعَلَّهُ يُصادِفُكَ تَيْسِيرٌ، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنَّكَ تَرْجُو ذَلِكَ ولَكِنْ بِطَلَبِ رَجاءٍ مِنَ المُخاطَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ في القُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

والتَّذَكُّرُ: مِنَ الذُّكْرِ - بِضَمِّ الذّالِ - أيِ النَّظَرِ، أيْ لَعَلَّهُ يَنْظُرُ نَظَرَ المُتَبَصِّرِ فَيَعْرِفُ الحَقَّ أوْ يَخْشى حُلُولَ العِقابِ بِهِ فَيُطِيعُ عَنْ خَشْيَةٍ. لا عَنْ تَبَصُّرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ مِن أهْلِ الطُّغْيانِ واعْتِقادِ أنَّهُ عَلى الحَقِّ. فالتَّذْكِيرُ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ عَلى الباطِلِ، والخَشْيَةُ: أنْ يَتَرَدَّدَ في ذَلِكَ فَيَخْشى أنْ يَكُونَ عَلى الباطِلِ فَيَحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِالأخْذِ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مُوسى.

وهُنا انْتَهى تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

20:45–48Page 314

قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥

They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."

قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦

[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.

فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧

So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.

إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨

Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"

﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ .

فُصِلْتِ الجُمْلَتانِ لِوُقُوعِهِما مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ بَيْنَ مُوسى مَعَ أخِيهِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما آنِفًا، أيْ جَمَعا أمَرَهُما وعَزَمَ مُوسى وهارُونُ عَلى الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَناجِيا رَبَّهُما

صفحة ٢٢٧

(﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾)، لِأنَّ غالِبَ التَّفْكِيرِ في العَواقِبِ والمَوانِعِ يَكُونُ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الفِعْلِ والأخْذِ في التَّهَيُّؤِ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى (فَأْتِياهُ) .

ويَفْرُطُ مَعْناهُ يُعَجِّلُ ويَسْبِقُ، ويُقالُ: فَرَطَ يَفْرُطُ مِن بابِ نَصَرَ. والفارِطُ: الَّذِي يَسْبِقُ الوُرّادَ إلى الحَوْضِ لِلشُّرْبِ. والمَعْنى: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ بِعِقابِنا بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ العُقُوباتِ قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ ونُحِجَّهُ.

والطُّغْيانُ: التَّظاهُرُ بِالتَّكَبُّرِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤])، أيْ نَخافُ أنْ يُخامِرَهُ كِبْرُهُ فَيَعُدَّ ذِكْرَنا إلَهًا دُونَهُ تَنْقِيصًا لَهُ وطَعْنًا في دَعْواهُ الإلَهِيَّةِ فَيَطْغى، أيْ يَصْدُرَ مِنهُ ما هو أثَرُ الكِبَرِ مِنَ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ. فَذَكَرَ الطُّغْيانَ بَعْدَ الفَرْطِ إشارَةً إلى أنَّهُما لا يُطِيقانِ ذَلِكَ، فَهو انْتِقالٌ مِنَ الأشَدِّ إلى الأضْعَفِ لِأنَّ (نَخافُ) يُئَوَّلُ إلى مَعْنى النَّفِيِ. وفي النَّفْي يُذْكَرُ الأضْعَفُ بَعْدَ الأقْوى بِعَكْسِ الإثْباتِ ما لَمْ يُوجَدْ ما يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَطْغَي) فَيُحْتَمَلُ أنَّ حَذْفَهُ لِدَلالَةِ نَظِيرِهِ عَلَيْهِ، وأُوثِرَ بِالحَذْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْنا. ويُحْتَمَلُ أنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَيْسَ نَظِيرُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ آخَرُ لِكَوْنِ التَّقْسِيمِ التَّقْدِيرِيِّ دَلِيلًا عَلَيْهِ لِأنَّهُما لَمّا ذَكَرَ مُتَعَلِّقُ (﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾) وكانَ الفَرْطُ شامِلًا لِأنْواعِ العُقُوباتِ حَتّى الإهانَةَ بِالشَّتْمِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ بِ (أوْ) مَنظُورًا فِيهِ إلى حالَةٍ أُخْرى وهي طُغْيانُهُ عَلى مَن لا يَنالُهُ عِقابُهُ، أيْ أنْ يَطْغى عَلى اللَّهِ بِالتَّنْقِيصِ كَقَوْلِهِ، (﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]) وقَوْلِهِ (﴿لَعَلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨])، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَطْغى حِينَئِذٍ لِتَنْزِيهِهِ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في هَذا المَقامِ، والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْكَ فَيَتَصَلَّبَ في كُفْرِهِ ويَعْسُرُ صَرْفُهُ

صفحة ٢٢٨

عَنْهُ. وفي التَّحَرُّزِ مِن ذَلِكَ غَيْرَةٌ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أيْضًا تَحَرُّزٌ مِن رُسُوخِ عَقِيدَةِ الكُفْرِ في نَفْسِ الطّاغِي فَيَصِيرُ الرَّجاءُ في إيمانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أضْعَفَ مِنهُ فِيما قَبْلُ، وتِلْكَ مَفْسَدَةٌ في نَظَرِ الدِّينِ. وحَصَلَتْ مَعَ ذَلِكَ رِعايَةُ الفاصِلَةِ.

قالَ اللَّهُ (﴿لا تَخافا﴾)، أيْ لا تَخافا حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. وهو نَهْيٌ مُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

وجُمْلَةُ (﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفِي، والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ حِفْظٍ.

و(﴿أسْمَعُ وأرى﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أنا حافِظُكُما مِن كُلِّ ما تَخافانِهِ، وأنا أعْلَمُ الأقْوالَ والأعْمالَ فَلا أدَعُ عَمَلًا أوْ قَوْلًا تَخافانِهِ.

ونُزِّلَ فِعْلا (﴿أسْمَعُ وأرى﴾) مَنزِلَةَ اللّازِمَيْنِ إذْ لا غَرَضَ لِبَيانِ مَفْعُولِهِما بَلِ المَقْصُودُ: أنِّي لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ إعادَةُ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ.

والإتْيانُ: الوُصُولُ والحُلُولُ، أيْ فَحُلّا عِنْدَهُ، لِأنَّ الإتْيانَ أثَرُ الذَّهابِ المَأْمُورِ بِهِ في الخِطابِ السّابِقِ، وكانا قَدِ اقْتَرَبا مِن مَكانِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُما في مَدِينَتِهِ، فَلِذا أُمِرا بِإتْيانِهِ ودَعْوَتِهِ. وجاءَتْ تَثْنِيَةُ رَسُولٍ عَلى الأصْلِ في مُطابَقَةِ الوَصْفِ الَّذِي يُجْرى عَلَيْهِ في الإفْرادِ وغَيْرِهِ.

وفَعُولٌ الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ تَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ، كَقَوْلِهِمْ ناقَةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، وعَدَمُ المُطابَقَةِ كَقَوْلِهِمْ: وحْشِيَّةٌ خَلُوجٌ، أيِ اخْتُلِجَ ولَدُها. وجاءَ الوَجْهانِ في نَحْوِ (رَسُولُ) وهُما وجْهانِ مُسْتَوِيانِ.

صفحة ٢٢٩

ومِن مَجِيئِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وأدْخَلَ فاءَ التَّفْرِيعِ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهُ جَعَلَ طَلَبَ إطْلاقِهِمْ كالمُسْتَقَرِّ المَعْلُومِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، إمّا لِأنَّهُ سَبَقَتْ إشاعَةُ عَزْمِهِما عَلى الحُضُورِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ المَطْلَبِ، وإمّا لِأنَّهُ جَعَلَهُ لِأهَمِّيَّتِهِ كالمُقَرَّرِ. وتَفْرِيعُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ ظاهِرًا، لِأنَّ المُرْسَلَ مِنَ اللَّهِ تَجِبُ طاعَتُهُ.

وخَصّا الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ فِرْعَوْنَ قَصْدًا لِأقْصى الدَّعْوَةِ، لِأنَّ كَوْنَ اللَّهِ رَبَّهُما مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِما (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) وكَوْنَهُ رَبَّ النّاسِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى لِأنَّ فِرْعَوْنَ عَلَّمَهم أنَّهُ هو الرَّبُّ.

والتَّعْذِيبُ الَّذِي سَألاهُ الكَفَّ عَنْهُ هو ما كانَ فِرْعَوْنُ يُسَخِّرُ لَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الخِدْمَةِ، لِأنَّهُ كانَ يَعُدُّ بَنِي إسْرائِيلَ كالعَبِيدِ والخَوَلِ جَزاءَ إحْلالِهِمْ بِأرْضِهِ.

وجُمْلَةُ (﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾) فِيها بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) فَكانَتِ الأُولى إجْمالًا والثّانِيَةُ بَيانًا. وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لِتَحْقِيقِ كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلى يَدِ أحَدِهِما مِن دَلائِلَ الصِّدْقِ. وكِلا الغَرَضَيْنِ يُوجِبُ فَصْلَ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.

واقْتَصَرَ عَلى أنَّهُما مُصاحِبانِ لِآيَةٍ إظْهارًا لِكَوْنِهِما مُسْتَعِدَّيْنِ لِإظْهارِ الآيَةِ إذا أرادَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ، فَأمّا إنْ آمَنَ بِدُونِ احْتِياجٍ إلى إظْهارِ الآيَةِ يَكُنْ إيمانُهُ أكْمَلَ، ولِذَلِكَ حُكِي في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ فِرْعَوْنَ (﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]) وهَذِهِ الآيَةُ هي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وقَدْ تَبِعَها آياتٌ أُخْرى.

صفحة ٢٣٠

والِاقْتِصارُ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى أُرْسِلَ لِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكْوِينِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، بِأنْ يَبُثَّ فِيهِمُ الشَّرِيعَةَ المُصْلِحَةَ لَهم والمُقِيمَةَ لِاسْتِقْلالِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَمْ يُرْسَلْ لِخِطابِ القِبْطِ بِالشَّرِيعَةِ ومَعَ ذَلِكَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ الَّذِي هو بَيْنَ ظَهْرانِيهِ. وأيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ طَلَبَ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ. وهَذا يُؤْخَذُ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ وما في آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ وما في آيَةِ سُورَةِ النّازِعاتِ والآياتِ الأُخْرى.

والسَّلامُ: السَّلامَةُ والإكْرامُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ هُنا التَّحِيَّةُ، إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُعَيَّنٌ يُقْصَدُ بِالتَّحِيَّةَ. ولا يُرادُ تَحِيَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ في ابْتِداءِ المُواجَهَةِ لا في أثْناءِ الكَلامِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في كِتابِهِ إلى هِرَقْلَ وغَيْرِهِ: «أسْلِمْ تَسْلَمْ» .

و(عَلى) لِلتَّمَكُّنِ، أيْ سَلامَةُ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ثابِتَةٌ لَهم دُونَ رَيْبٍ. وهَذا احْتِراسٌ ومُقَدِّمَةٌ لِلْإنْذارِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾)، فَقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾) تَعْرِيضٌ بِأنْ يَطْلُبَ فِرْعَوْنُ الهُدى الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وقَوْلُهُ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾) تَعْرِيضٌ لِإنْذارِهِ عَلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ حُصُولِهِ مِنهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قَبْلَ ظُهُورِ رَأْيِ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ حَتّى لا يُجابِهَهُ بَعْدَ ظُهُورِ رَأْيِهِ بِتَصْرِيحِ تَوْجِيهِ الإنْذارِ إلَيْهِ، وهَذا أُسْلُوبُ القَوْلِ اللَّيِّنِ الَّذِي أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ.

وتَعْرِيفُ العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فالمُعَرَّفُ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَذابًا عَلى مَن كَذَّبَ.

صفحة ٢٣١

وإطْلاقُ السَّلامِ والعَذابِ دُونَ تَقَيُّدٍ بِالدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ تَعْمِيمٌ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]) .

وهَذا كُلُّهُ كَلامُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهُما بِتَبْلِيغِهِ إلى فِرْعَوْنَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]) عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وما ذُكِرَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ إلى هُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ في السُّوَرِ الماضِيَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском