Ibn 'AshurTaha · 20:57–61

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Taha 20:57–61

20:57–59Page 315

قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧

He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?

فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨

Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1

قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩

[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1

﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سِوًى﴾ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١]) وجَوابُ مُوسى عَنْها. وافْتِتاحُها بِفِعْلِ (قالَ) وعَدَمُ عَطْفِهِ لا يَتْرُكُ شَكًّا في أنَّ هَذا مِن تَمامِ المُحاوَرَةِ.

وقَوْلُهُ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾) يَقْتَضِي أنَّهُ أراهُ آيَةَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وانْقِلابِ يَدِهِ بَيْضاءَ. وذَلِكَ ما سَمّاهُ فِرْعَوْنُ سِحْرًا. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المُقْتَضى في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُما (﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥])

صفحة ٢٤٤

الآيَةَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنا بِما في جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦]) مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِآيَةِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً.

وإضافَتُهُ السِّحْرَ إلى ضَمِيرِ مُوسى قُصِدَ مِنها تَحْقِيرُ شَأْنِ هَذا الَّذِي سَمّاهُ سِحْرًا. وأسْنَدَ الإتْيانَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. ومَعْنى إتْيانِهِ بِالسِّحْرِ: إحْضارُ السَّحَرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِمَّنْ شَأْنُهم أنْ يَأْتُوا بِالسِّحْرِ، إذِ السِّحْرُ لا بُدَّ لَهُ مِن ساحِرٍ.

والمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ (مِثْلِهِ) مُماثَلَةٌ في جِنْسِ السِّحْرِ لا في قُوَّتِهِ.

وإنَّما جَعَلَ فِرْعَوْنُ العِلَّةَ في مَجِيءِ مُوسى إلَيْهِ: أنَّها قَصْدُهُ أنْ يُخْرِجَهم مِن أرْضِهِمْ قِياسًا مِنهُ عَلى الَّذِينَ يَقُومُونَ بِدَعْوَةٍ ضِدَّ المُلُوكِ أنَّهم إنَّما يَبْغُونَ بِذَلِكَ إزالَتَهم عَنِ المُلْكِ وحُلُولَهم مَحَلَّهم، يَعْنِي أنَّ مُوسى غَرَّتْهُ نَفْسُهُ فَحَسِبَ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ اقْتِلاعَ فِرْعَوْنَ مِن مُلْكِهِ، أيْ حَسِبْتَ أنَّ إظْهارَ الخَوارِقِ يُطَوِّعُ لَكَ الأُمَّةَ فَيَجْعَلُونَكَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ وتُخْرِجَنِي مِن أرْضِي. فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْظِيمِ لا في المُشارَكَةِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُشَمُّ مِنهُ إخْراجُهم مِن أرْضِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلًا في الجَماعَةِ تَغْلِيبًا، ونَزَّلَ فِرْعَوْنُ نَفْسَهُ واحِدًا مِنها. وأرادَ بِالجَماعَةِ جَماعَةَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالَ لَهُ مُوسى (﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [طه: ٤٧])، أيْ جِئْتَ لِتُخْرِجَ بَعْضَ الأُمَّةِ مِن أرْضِنا وتَطْمَعُ أنْ يَتَّبِعَكَ جَمِيعُ الأُمَّةِ بِما تُظْهِرُ لَهم مِن سَحْرِكَ.

صفحة ٢٤٥

والِاسْتِفْهامُ في أجِئْتِنا إنْكارِيٌّ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ القَسَمَ عَلى أنْ يَأْتِيَهُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ. والقَسَمُ مِن أسالِيبِ إظْهارِ الغَضَبِ.

واللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ لِتَوْكِيدِهِ. وقَصَدَ فِرْعَوْنُ مِن مُقابَلَةِ عَمَلِ مُوسى بِمِثْلِهِ أنْ يُزِيلَ ما يُخالِجُ نُفُوسَ النّاسِ مِن تَصْدِيقِ مُوسى وكَوْنِهِ عَلى الحَقِّ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إلى الثَّوْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ وإزالَتِهِ مِن مُلْكِ مِصْرَ.

وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ طَلَبَ تَعْيِينِ مَوْعِدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى لِيُحْضِرَ لَهُ فِيهِ القائِمِينَ بِسِحْرٍ مِثْلِ سِحْرِهِ. والمَوْعِدُ هُنا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ المِيمِيِّ، أيِ الوَعْدُ وأنْ يُرادَ بِهِ مَكانُ الوَعْدِ، وهَذا إيجازٌ في الكَلامِ.

وقَوْلُهُ (مَكانًا) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (مَوْعِدًا) بِأحَدِ مَعْنَيَيْهِ، لِأنَّ الفِعْلَ يَقْتَضِي مَكانًا وزَمانًا فَأُبْدِلَ مِنهُ مَكانَهُ.

وقَوْلُهُ (﴿لا نُخْلِفُهُ﴾) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الفِعْلِ صِفَةً لِ (مَوْعِدًا) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِجَزْمِ الفاءِ مِن (نَخْلِفْهُ) عَلى أنَّ لا ناهِيَةً. والنَّهْيُ تَحْذِيرٌ مِن إخْلافِهِ.

و(سِوًى) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيِّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ السِّينِ وهُما لُغَتانِ. فالكَسْرُ بِوَزْنِ فِعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وزْنُ ”فِعَلْ“ يَقِلُّ في الصِّفاتِ، نَحْوَ: قَوْمٌ عِدًى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو حاتِمٍ، والنَّحّاسُ: كَسْرُ السِّينِ هو اللُّغَةُ العالِيَةُ الفَصِيحَةُ، وهو اسْمُ وصْفٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِواءِ: فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ اسْتِواءَ التَّوَسُّطِ بَيْنَ جِهَتَيْنِ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِمُوسى بْنِ جابِرٍ الحَنَفِيِّ:

وإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ

صفحة ٢٤٦

الفَزْرُ: لَقَبٌ لِسَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ بْنِ تَمِيمٍ هو بِكَسْرِ الفاءِ. والمَعْنى: قالَ مُجاهِدُ: إنَّهُ مَكانٌ نَصِفٌ، وكانَ المُرادُ أنَّهُ نِصْفٌ مِنَ المَدِينَةِ لِئَلّا يَشُقَّ الحُضُورُ فِيهِ عَلى أهْلِ أطْرافِ المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: المَعْنى مَكانًا مُسْتَوِيًا، أيْ لَيْسَ فِيهِ مُرْتَفَعاتٌ تَحْجُبُ العَيْنَ، أرادَ مَكانًا مُنْكَشِفًا لِلنّاظِرِينَ لِيَشْهَدُوا أعْمالَ مُوسى وأعْمالَ السَّحَرَةِ.

ثُمَّ تَعْيِينُ المَوْعِدِ غَيْرُ المُخْلَفِ يَقْتَضِي زَمانَهُ لا مَحالَةَ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ الإخْلافُ إلّا إذا كانَ لِلْوَعْدِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ ومَكانٌ مُعَيَّنٌ، فَمِن ثَمَّ طابَقَهُ جَوابُ مُوسى بِقَوْلِهِ (﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾) . فَيَقْتَضِي أنَّ مَحْشَرَ النّاسِ في يَوْمِ الزِّينَةِ كانَ مَكانًا مَعْرُوفًا. ولَعَلَّهُ كانَ بِساحَةِ قَصْرِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ بِزِينَتِهِمْ ولَهْوِهِمْ بِمَرْأًى مِنهُ ومِن أهْلِهِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ في المَواسِمِ.

فَقَوْلُهُ (﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾) تَعْيِينٌ لِلْوَقْتِ، وقَوْلُهُ (﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾) تَعْيِينٌ لِلْمَكانِ، وقَوْلُهُ (ضَحًى) تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ الوَقْتِ.

والضُّحى: وقْتُ ابْتِداءِ حَرارَةِ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها.

ويَوْمُ الزِّينَةِ كانَ يَوْمُ عِيدٍ عَظِيمٍ عِنْدَ القِبْطِ، وهو يَوْمُ كَسْرِ الخَلِيجِ أوِ الخُلْجانِ، وهي المَنافِذُ والتُّرَعُ المَجْعُولَةُ عَلى النَّيْلِ لِإرْسالِ الزّائِدِ مِن مِياهِهِ إلى الأرَضِينَ البَعِيدَةِ عَنْ مَجْراهُ لِلسَّقْيِ، فَتَنْطَلِقُ المِياهُ في جَمِيعِ النَّواحِي الَّتِي يُمْكِنُ وُصُولُها إلَيْها ويَزْرَعُونَ عَلَيْها.

وزِيادَةُ المِياهِ في النِّيلِ هو تَوْقِيتُ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ، وذَلِكَ هو أوَّلُ يَوْمٍ مِن شَهْرِ ”تُوتَ“ القِبْطِيِّ. وهو ”أيْلُولُ“ بِحَسْبِ التّارِيخِ الِإسْكَنْدَرِيِّ، وذَلِكَ قَبْلَ

صفحة ٢٤٧

حُلُولِ الشَّمْسِ في بُرْجِ المِيزانِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أيْ قَبْلَ فَصْلِ الخَرِيفِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهو يُوافِقُ اليَوْمَ الخامِسَ عَشَرَ مِن شَهْرِ تِشْرِينَ ”سِبْتَمْبِرَ“ . وأوَّلَ أيّامِ شَهْرِ ”تُوتَ“ هو يَوْمُ النَّيْرُوزِ عِنْدَ الفُرْسِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى حِسابِ انْتِهاءِ زِيادَةِ النِّيلِ لا عَلى حِسابِ بُرُوجِ الشَّمْسِ.

واخْتارَ مُوسى هَذا الوَقْتَ وهَذا المَكانَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنْ سَيَكُونُ الفَلَجُ لَهُ، فَأحَبَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وقْتٍ أكْثَرَ مُشاهِدًا وأوْضَحَ رُؤْيَةً.

20:60–61Page 315

فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠

So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١

Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾

) تَفْرِيعُ التَّوَلِّي وجَمْعُ الكَيْدِ عَلى تَعْيِينِ مُوسى لِلْمَوْعِدِ إشارَةً إلى أنَّ فِرْعَوْنَ بادَرَ بِالِاسْتِعْدادِ لِهَذا المَوْعِدِ ولَمْ يُضِعِ الوَقْتَ لِلتَّهْيِئَةِ لَهُ.

والتَّوَلِّي: الِانْصِرافُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةٍ، أيِ انْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى حَيْثُ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إلى المَدائِنِ لِجَمْعِ مَن عُرِفُوا بِعِلْمِ السِّحْرِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢]) .

ومَعْنى جَمْعُ الكَيْدِ: تَدْبِيرُ أُسْلُوبِ مُناظَرَةِ مُوسى، وإعْدادُ الحِيَلِ لِإظْهارِ غَلَبَةِ السَّحَرَةِ عَلَيْهِ، وإقْناعِ الحاضِرِينَ بِأنَّ مُوسى لَيْسَ عَلى شَيْءٍ.

وهَذا أُسْلُوبٌ قَدِيمٌ في المُناظَراتِ: أنْ يَسْعى المُناظِرُ جُهْدَهُ لِلتَّشْهِيرِ بِبُطْلانِ حُجَّةِ خَصْمِهِ بِكُلِّ وسائِلِ التَّلْبِيسِ والتَّشْنِيعِ والتَّشْهِيرِ، ومُبادَأتِهِ بِما يَفُتُّ في عَضُدِهِ ويُشَوِّشُ رَأْيَهُ حَتّى يَذْهَبَ مِنهُ تَدْبِيرُهُ.

صفحة ٢٤٨

فالجَمْعُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إعْدادِ الرَّأْيِ، واسْتِقْصاءِ تَرْتِيبِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١])، أيْ جَمَعَ رَأْيَهُ وتَدْبِيرَهُ الَّذِي يَكِيدُ بِهِ مُوسى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَجَمَعَ أهْلَ كَيْدِهِ، أيْ جَمَعَ السَّحَرَةَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨]) .

والكَيْدُ: إخْفاءُ ما بِهِ الضُّرُّ إلى وقْتِ فِعْلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]) في سُورَةِ الأعْرافِ.

ومَعْنى (﴿ثُمَّ أتى﴾) ثُمَّ حَضَرَ المَوْعِدَ، و(ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الحَقِيقِيَّةِ والرُتْبِيَّةِ مَعًا، لِأنَّ حُضُورَهُ لِلْمَوْعِدِ كانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُهْلَةِ الِاسْتِعْدادِ، ولِأنَّ ذَلِكَ الحُضُورَ بَعْدَ جَمْعِ كَيْدِهِ أهَمُّ مِن جَمْعِ الكَيْدِ، لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ أثَرِ ما أعَدَّهُ.

وجُمْلَةُ (﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ [الشعراء: ٤٣]) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿ثُمَّ أتى﴾) يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ أتى فِرْعَوْنُ مِيقاتَ المَوْعِدِ. وأرادَ مُوسى مُفاتَحَةَ السَّحَرَةِ بِالمَوْعِظَةِ.

وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن قَوْلِهِ (﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه: ٥٨]) أيْ بِأهْلِ سِحْرٍ، أوْ يَكُونُ الخِطابُ لِلْجَمِيعِ، لِأنَّ ذَلِكَ المَحْضَرَ كانَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِن فِرْعَوْنَ وحاشِيَتِهِ، فَيَكُونُ مَعادُ الضَّمِيرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾)، أيْ جَمَعَ رِجالَ كَيْدِهِ.

والخِطابُ بِقَوْلِهِ (ويْلَكم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ حَقِيقَةَ الدُّعاءِ، فَيَكُونُ غَيْرَ جارٍ عَلى ما أُمِرَ بِهِ مِن إلانَةِ القَوْلِ لِفِرْعَوْنَ: إمّا لِأنَّ الخِطابَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُواجِهًا بِهِ فِرْعَوْنَ بَلْ واجَهَ بِهِ السَّحَرَةَ خاصَّةً الَّذِينَ اقْتَضاهم قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾)، أيْ قالَ مُوسى لِأهْلِ كَيْدِ فِرْعَوْنَ؛ وإمّا لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّ إلانَةَ القَوْلِ لَهُ غَيْرُ نافِعَةٍ، إذْ لَمْ يَزَلْ عَلى تَصْمِيمِهِ عَلى الكُفْرِ، أغْلَظَ القَوْلَ زَجْرًا لَهُ بِأمْرٍ خاصٍّ مِنَ اللَّهِ في تِلْكَ

صفحة ٢٤٩

السّاعَةِ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقِ الأمْرِ بِإلانَةِ القَوْلِ، كَما أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ (﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]) الآياتِ في سُورَةِ الحَجِّ؛ وإمّا لِأنَّهُ لَمّا رَأى تَمْوِيهِهِمْ عَلى الحاضِرِينَ أنَّ سِحْرَهم مُعْجِزَةٌ لَهم مِن آلِهَتِهِمْ ومِن فِرْعَوْنَ رَبِّهِمُ الأعْلى وقالُوا: (﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]) رَأى واجِبًا عَلَيْهِ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ بِلِسانِهِ بِأقْصى ما يَسْتَطِيعُ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ هو المُناسِبُ لِمَقامِ الرِّسالَةِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ويْلَكُمُ مُسْتَعْمَلَةً في التَّعَجُّبِ مِن حالٍ غَرِيبَةٍ، أيْ أعْجَبُ مِنكم وأُحَذِّرُكم، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَصِيرٍ: «ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ» فَحُكِيَ تَعَجُّبُ مُوسى بِاللَّفْظِ العَرَبِيِّ الدّالِّ عَلى العَجَبِ الشَّدِيدِ.

والوَيْلُ: اسْمٌ لِلْعَذابِ والشَّرِّ، ولَيْسَ لَهُ فِعْلٌ.

وانْتَصَبَ (ويْلَكم) إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ عَلى التَّحْذِيرِ أوِ الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا ويْلَكم، أوِ احْذَرُوا ويْلَكم؛ وإمّا عَلى إضْمارِ حَرْفِ النِّداءِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: يا ويْلَنا، ويا ويَلَتَنا، وتَقَدَّمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِافْتِراءُ: اخْتِلاقُ الكَذِبِ. والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَذِبًا لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]) في سُورَةِ العُقُودِ.

والِافْتِراءُ الَّذِي عَناهُ مُوسى هو ما يُخَيِّلُونَهُ لِلنّاسِ مِنَ الشَّعْوَذَةِ، ويَقُولُونَ لَهم: انْظُرُوا كَيْفَ تَحَرَّكَ الحَبْلُ فَصارَ ثُعْبانًا، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَوْجِيهِ التَّخَيُّلاتِ بِتَمْوِيهِ أنَّها حَقائِقُ، أوْ قَوْلُهم: ما نَفْعَلُهُ تَأْيِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَنا، أوْ قَوْلُهم: أنَّ مُوسى كاذِبٌ وساحِرٌ، أوْ قَوْلُهم: إنَّ فِرْعَوْنَ إلَهَهم، أوْ آلِهَةُ فِرْعَوْنَ آلِهَةٌ. وقَدْ كانَتْ مَقالاتُ كُفْرِهِمْ أشْتاتًا.

صفحة ٢٥٠

قَرَأ الجُمْهُورُ (فَيَسْحَتَكم) - بِفَتْحِ الياءِ - مُضارِعُ سَحَتَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ - بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ - مِن أسْحَتَهُ، وهي لُغَةُ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، وكِلْتا اللُّغَتَيْنِ فُصْحى.

وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿لا تَفْتَرُوا﴾) وهي مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، أيِ اجْتَنِبُوا الكَذِبَ عَلى اللَّهِ فَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ مِن قَبْلُ. بَعْدَ أنْ وعَظَهم فَنَهاهم عَنِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وأنْذَرَهم عَذابَهُ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِالأُمَمِ البائِدَةِ الَّذِينَ افْتَرَوُا الكَذِبَ عَلى اللَّهِ فَلَمْ يَنْجَحُوا فِيما افْتَرَوْا لِأجْلِهِ.

و(مَنِ) المَوْصُولَةُ لِلْعُمُومِ.

ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها كَمَوْقِعِ القَضِيَّةِ الكُبْرى مِنَ القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ.

وفِي كَلامِ مُوسى إعْلانٌ بِأنَّهُ لا يَتَقَوَّلُ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يَسْتَأْصِلُهُ بِعَذابٍ ويَعْلَمُ خَيْبَةَ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، ومَن كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском