Ibn 'AshurTaha · 20:80–87

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Taha 20:80–87

20:80–82Page 317

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠

O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,

كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١

[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."

وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢

But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطَّوْرِ الأيْمَنِ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .

هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ القِصَّةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]) الآيَةَ. وهَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعَمٍ أُخْرى. وقُدِّمَتْ عَلَيْها النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وهي خَلاصُهم مِنِ اسْتِعْبادِ الكَفَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (قَدْ أنْجَيْناكم وواعَدْناكم) بِنُونِ العَظَمَةِ.

وقَرَأهُما حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (قَدْ أنْجَيْتُكم) (ووَعَدْتُكم) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.

وذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ نُزُولِ الشَّرِيعَةِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾) . والمُواعَدَةُ: اتِّعادٌ مِن جانِبَيْنِ، أيْ أمَرْنا مُوسى

صفحة ٢٧٤

بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِالمُناجاةِ، وامْتِثالُ مُوسى لِذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِهِ، فَتَمَّ مَعْنى المُواعَدَةِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]) .

ويَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ ١٩ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: في الشَّهْرِ الثّالِثِ بَعْدَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضِ مِصْرَ جاءُوا إلى بَرِّيَّةِ سَيْناءَ هُنالِكَ نَزَلَ إسْرائِيلُ مُقابِلَ الجَبَلِ. وأمّا مُوسى فَصَعِدَ إلى اللَّهِ فَناداهُ الرَّبُّ مِنَ الجَبَلِ قائِلًا: هَكَذا نَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ أنْتُمْ رَأيْتُمْ ما صَنَعْتُ بِالمِصْرِيِّينَ وأنا حَمَلْتُكم عَلى أجْنِحَةِ النُّسُورِ، أنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خاصَّةً. . .: إلَخْ.

وذِكْرُ الطُّورِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجانِبُ الطَّوْرِ: سَفْحُهُ. ووَصَفُهُ بِالأيْمَنِ بِاعْتِبارِ جِهَةِ الشَّخْصِ المُسْتَقْبِلِ مَشْرِقَ الشَّمْسِ، وإلّا فَلَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وشِمالٌ مُعَيَّنانِ، وإنَّما تُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ أصْلِ الجِهاتِ وهو مَطْلَعُ الشَّمْسِ، فَهو الجانِبُ القِبْلِيُّ بِاصْطِلاحِنا. وجُعِلَ مَحَلُّ المُواعَدَةِ الجانِبَ القِبْلِيَّ ولَيْسَ هو مِنَ الجانِبِ الغَرْبِيِّ الَّذِي في سُورَةِ القَصَصِ (﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠])، وقالَ فِيها (﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]) فَهو جانِبٌ غَرْبِيٌّ، أيْ مِن جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الجَبَلِ، وهو الَّذِي آنَسَ مُوسى مِنهُ نارًا.

وانْتَصَبَ (جانِبُ الطَّوْرِ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ لِأنَّهُ لِاتِّساعِهِ بِمَنزِلَةِ المَكانِ المُبْهَمِ.

ومَفْعُولُ المُواعَدَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: المُناجاةُ.

وتَعْدِيَةُ (واعَدْناكم) إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَتْ مُواعَدَةً لِمُوسى ومَن مَعَهُ الَّذِينَ اخْتارَهم مِن قَومِهِ بِاعْتِبارِ

صفحة ٢٧٥

أنَّ المَقْصِدَ مِنَ المُواعَدَةِ وحْيُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَصِيرُ صَلاحًا لِلْأُمَّةِ فَكانَتِ المُواعَدَةُ مَعَ أُولَئِكَ كالمَوْاعَدَةِ مَعَ جَمِيعِ الأُمَّةِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ (ونَزَّلَنا عَلَيْكُمُ) إلَخْ؛ فَبِاعْتِبارِ قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ (قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ تَكُونُ قِراءَةُ (ونَزَّلْنا) بِنُونِ العَظَمَةِ قَرِيبًا مِنَ الِالتِفاتِ ولَيْسَ عَيْنُهُ، لِأنَّ نُونَ العَظَمَةِ تُساوِي تاءَ المُتَكَلِّمِ.

والسَّلْوى: تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ ذَلِكَ في نِصْفِ الشَّهْرِ الثّانِي مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.

وجُمْلَةُ كُلُوا مَقُولٌ مَحْذُوفٌ. تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا أوْ قائِلِينَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ما رَزَقْناكم بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفُ (ما رَزَقَتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ.

والطُّغْيانُ: أشَدُّ الكِبْرِ. ومَعْنى النَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ في الرِّزْقِ: النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِعِبادَةِ المُنْعِمِ.

وحَرْفُ (في) الظَّرْفِيَّةُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ؛ شَبَّهَ مُلابَسَةَ الطُّغْيانِ لِلنِّعْمَةِ بِحُلُولِ الطُّغْيانِ فِيها تَشْبِيهًا لِلنِّعْمَةِ الكَثِيرَةِ بِالوِعاءِ المُحِيطِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ قَرِينَتُها.

والحُلُولُ: النُّزُولُ والإقامَةُ بِالمَكانِ؛ شُبِّهَتْ إصابَةُ آثارِ الغَضَبِ إيّاهم بِحُلُولِ الجَيْشِ ونَحْوِهِ بِدِيارِ قَوْمٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾) بِكَسْرِ الحاءِ وقَرَأُوا (﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾) بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى عَلى أنَّهُما فِعْلا - حَلَّ

صفحة ٢٧٦

الدَّيْنُ يُقالُ: حَلَّ الدَّيْنُ إذا آنَ أجَلُ أدائِهِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُ مِن حَلَّ بِالمَكانِ يَحُلُّ إذا نَزَلَ بِهِ. كَذا في الكَشّافِ ولَمْ يَتَعَقَّبُوهُ.

وهَذا مِمّا أهْمَلَهُ ابْنُ مالِكٍ في لامِيَّةِ الأفْعالِ. ولَمْ يَسْتَدْرِكْهُ شارِحُها بَحْرَقٌ اليَمَنِيُّ في الشَّرْحِ الكَبِيرِ. ووَقَعَ في المِصْباحِ ما يُخالِفُهُ ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وظاهِرُ القامُوسِ أنَّ حَلَّ بِمَعْنى نَزَلَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، ولَمْ أقِفْ لَهم عَلى شاهِدٍ في ذَلِكَ.

وهَوى: سَقَطَ مِن عُلْوٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَ هُنا لِلْهَلاكِ الَّذِي لا نُهُوضَ بَعْدَهُ، كَما قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، دُعاءً عَلَيْهِ، وكَما يُقالُ: ويْلَ أُمِّهِ، ومِنهُ: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، فَأُرِيدَ هُوِيٌّ مَخْصُوصٌ، وهو الهُوِيُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَطْحٍ بِقَرِينَةِ التَّهْدِيدِ. وجُمْلَةُ (وإنِّي لِغَفّارٌ) إلى آخِرِها اسْتِطْرادٌ بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِنَ الطُّغْيانِ في النِّعْمَةِ بِالإرْشادِ إلى ما يُتَدارَكُ بِهِ الطُّغْيانُ إنْ وقَعَ بِالتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ومَعْنى (تابَ): نَدِمَ عَلى كُفْرِهِ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.

وقَوْلُهُ (ثُمَّ اهْتَدى) (ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ اسْتُعِيرَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّبايُنِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في المَنزِلَةِ كَما كانَتْ لِلتَّبايُنِ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ في الحُدُوثِ. ومَعْنى اهْتَدى: اسْتَمَرَّ عَلى الهُدى وثَبَتَ عَلَيْهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]) .

والآياتُ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”الرَّبُّ إلَهٌ رَحِيمٌ ورَؤُوفٌ بَطِيءُ الغَضَبِ وكَثِيرُ الإحْسانِ غافِرُ الإثْمِ والخَطِيئَةِ ولَكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إبْراءً“ .

20:83–85Page 317

۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣

[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"

قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤

He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."

قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥

[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."

صفحة ٢٧٧

﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أسْرِ بِعِبادِي﴾ [طه: ٧٧]) الواقِعَةِ تَفْسِيرًا لِفِعْلِ (﴿أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [طه: ٧٧])، فَقَوْلُهُ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾) هو مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى مُوسى. والتَّقْدِيرُ: وأنْ: ما أعْجَلَكَ إلَخْ. وهو إشارَةٌ إلى ما وقَعَ لَهم أيّامَ مُناجاةِ مُوسى في الطَّوْرِ في الشَّهْرِ الثّالِثِ لِخُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. وهَذا الجُزْءُ مِنَ القِصَّةِ لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإعْجالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عاجِلًا.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ. والَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ وتُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ: أنَّ مُوسى تَعَجَّلَ مُفارَقَةَ قَوْمِهِ لِيَحْضُرَ إلى المُناجاةِ قَبْلَ الإبّانِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ، اجْتِهادًا مِنهُ ورَغْبَةً في تَلَقِّي الشَّرِيعَةِ حَسْبَما وعَدَهُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بَنُو إسْرائِيلَ بِجَبَلِ الطُّورِ، ولَمْ يُراعِ في ذَلِكَ إلّا السَّبْقَ إلى ما فِيهِ خَيْرٌ لِنَفْسِهِ ولِقَوْمِهِ، فَلامَهُ اللَّهُ عَلى أنْ غَفَلَ عَنْ مُراعاةِ ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنِ ابْتِعادِهِ عَنْ قَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يُوصِيَهُمُ اللَّهُ بِالمُحافَظَةِ عَلى العَهْدِ ويُحَذِّرَهم مَكْرَ مَن يَتَوَسَّمُ فِيهِ مَكَرًا، فَكانَ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ أبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ ﷺ راكِعًا فَرَكَعَ ودَبَّ إلى الصَّفِّ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» .

وقَرِيبٌ مِن تَصَرُّفِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْذُ المُجْتَهِدِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَهُ مَعارِضٌ دُونَ عِلْمٍ بِمُعارَضَةٍ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ افْتِتانِ قَوْمِهِ بِصُنْعِ صَنَمٍ يَعْبُدُونَهُ.

صفحة ٢٧٨

ولَيْسَ في كِتابِ التَّوْراةِ ما يُشِيرُ إلى أكْثَرَ مِن صُنْعِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ مِن ذَهَبٍ اتَّخَذُوهُ إلَهًا في مُدَّةِ مَغِيبِ مُوسى، وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ اسْتِبْطاؤُهم رُجُوعَ مُوسى (﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١]) .

وقَوْلُهُ هُنا (﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا سائِرِينَ خَلْفَهُ وأنَّهُ سَبَقَهم إلى المُناجاةِ. واعْتَذَرَ عَنْ تَعَجُّلِهِ بِأنَّهُ عَجِلَ إلى اسْتِجابَةِ أمْرِ اللَّهِ مُبالَغَةً في إرْضائِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى (﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾) فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المَلامِ عَلى التَّعَجُّلِ بِأنَّهُ تَسَبَّبَ عَلَيْهِ حُدُوثُ فِتْنَةٍ في قَوْمِهِ؛ لِيُعْلِمَهُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ما وُقِّتَ لَهُ ولَوْ كانَ لِرَغْبَةٍ في ازْدِيادٍ مِنَ الخَيْرِ.

والأثَرُ - بِفُتْحَتَيْنِ -: ما يَتْرُكْهُ الماشِي عَلى الأرْضِ مِن عَلاماتِ قَدَمٍ أوْ حافِرٍ أوْ خُفٍّ. ويُقالُ: إثْرٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ - وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ كَما ذَكَرَ ثَعْلَبُ. فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: جاءَ عَلى إثْرِهِ، جاءَ مُوالِيًا لَهُ بِقُرْبِ مَجِيئِهِ، شَبَّهَ الجائِيَ المُوالِيَ بِالَّذِي يَمْشِي عَلى عَلاماتِ أقْدامِ مَن مَشى قَبْلَ أنْ يَتَغَيَّرَ ذَلِكَ الأثَرُ بِأقْدامٍ أُخْرى، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو مُوالاتُهُ وأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ.

والمَعْنى: هم أُولاءِ سائِرُونَ عَلى مَواقِعِ أقْدامِي، أيْ مُوالُونَ لِي في الوُصُولِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: («وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي» )، تَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ سائِرِينَ عَلى آثارِ قَدَمِي.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى أثَرَيْ) بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.

واسْتُعْمِلَ تَرْكِيبُ (همْ أُولاءِ) مُجَرَّدًا عَنْ حَرْفِ التَّنْبِيهِ في أوَّلِ اسْمِ الإشارَةِ خِلافًا لِقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ (﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩]) .

صفحة ٢٧٩

وتَجْرِيدُ اسْمِ الإشارَةِ مِن هاءِ التَّنْبِيهِ اسْتِعْمالٌ جائِزٌ وأقَلُّ مِنهُ اسْتِعْمالُهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَعَ الضَّمِيرِ دُونَ اسْمِ الإشارَةِ، نَحْوَ قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ:

ها أنا دُونَ الحَبِيبِ يا وجَعُ

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وإسْنادُ الفِتَنِ إلى اللَّهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُقَدِّرُهُ وخالِقُ أسْبابِهِ البَعِيدَةِ. وأمّا إسْنادُهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾) لِأنَّهُ السَّبَبُ المُباشِرُ لِضَلالِهِمُ المُسَبِّبِ لِفِتْنَتِهِمْ.

والسّامِرِيُّ يَظْهَرُ أنَّ ياءَهُ ياءُ نِسْبَةٍ، وأنَّ تَعْرِيفَهُ بِاللّامِ لِلْعَهْدِ. فَأمّا النِّسْبَةُ فَأصْلُها في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ تَكُونَ إلى القَبائِلِ والعَشائِرِ؛ فالسّامِرِيُّ نُسِبَ إلى اسْمِ أبِي قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ غَيْرِهِمْ يُقارِبُ اسْمُهُ لَفْظَ سامِرَ، وقَدْ كانَ مِنَ الأسْماءِ القَدِيمَةِ (شُومَرَ) و(شامِرَ) وهُما يُقارِبانِ اسْمَ سامِرَ لا سِيَّما مَعَ التَّعْرِيبِ.

وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ: السّامِرِيُّ نِسْبَةٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَها: (السّامِرَةُ) اهـ.

أخَذْنا مِن كَلامِ البَيْضاوِيِّ أنَّ السّامِرِيَّ مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ وأمّا قَوْلُهُ (مِن بَنِي إسْرائِيلَ) فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. لِأنَّ السّامِرَةَ أُمَّةٌ مِن سُكّانِ فِلَسْطِينَ في جِهَةِ نابُلُسَ في عَهْدِ الدَّوْلَةِ الرُّومِيَّةِ (البِيزَنْطِيَّةِ) وكانُوا في فِلَسْطِينَ قَبْلَ مَصِيرِ فِلَسْطِينَ بِيَدِ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ امْتَزَجُوا بِالإسْرائِيلِيِّينَ واتَّبَعُوا شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَخالُفٍ في طَرِيقَتِهِمْ عَنْ طَرِيقَةِ اليَهُودِ. فَلَيْسَ هو مَنسُوبًا إلى مَدِينَةِ السّامِرَةِ القَرِيبَةِ مِن نابُلُسَ لِأنَّ مَدِينَةَ السّامِرَةِ بَناها المَلِكُ عَمْرِي مَلِكُ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ سَنَةَ ٩٢٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وجَعَلَها قَصَبَةَ مَمْلَكَتِهِ، وسَمّاها (شُومِيرُونَ) لِأنَّهُ بَناها عَلى جَبَلٍ اشْتَراهُ مِن رَجُلٍ اسْمُهُ (شامِرَ) بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الفِضَّةِ، فَعُرِّبَتْ

صفحة ٢٨٠

فِي العَرَبِيَّةِ إلى سامِرَةَ، وكانَ اليَهُودُ يَعُدُّونَها مَدِينَةَ كُفْرٍ وجَوْرٍ، لِأنَّ عَمْرِي بانِيها وابْنَهُ (آخابَ) قَدْ أفْسَدُوا دِيانَةَ التَّوْراةِ وعَبَدا الأصْنامَ الكَنْعانِيَّةَ. وأمَرَ اللَّهُ النَّبِيءَ إلْياسَ بِتَوْبِيخِهِما والتَّثْوِيرِ عَلَيْهِما، فَلا جَرَمَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً زَمَنَ مُوسى ولا كانَتْ ناحِيَتُها مِن أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ زَمَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ نَسَبًا إلى قَرْيَةٍ اسْمُها السّامِرَةُ مِن قُرى مِصْرَ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَيَكُونُ فَتًى قِبْطِيًّا انْدَسَّ في بَنِي إسْرائِيلَ لِتَعَلُّقِهِ بِهِمْ في مِصْرَ أوْ لِصِناعَةٍ يَصْنَعُها لَهم. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ مِن أهْلِ (كِرْمانَ)، وهَذا يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ تَعْرِيبَ كِرْمانِيٍّ بِتَبْدِيلِ بَعْضِ الحُرُوفِ وذَلِكَ كَثِيرٌ في التَّعْرِيبِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الياءُ مِنَ السّامِرِيِّ غَيْرَ ياءِ نَسَبٍ، بَلْ حَرْفًا مِنِ اسْمٍ مِثْلَ: ياءُ عَلِيٍّ وكُرْسِيٍّ، فَيَكُونُ اسْمًا أصْلِيًّا أوْ مَنقُولًا في العَبْرانِيَّةِ، وتَكُونُ اللّامُ في أوَّلِهِ زائِدَةً.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والقُرْطُبِيُّ خَلِيطًا مِنَ القِصَّةِ: أنَّ السّامِرِيَّ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ - بِفَتْحِ الظّاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الفاءِ - وأنَّهُ ابْنُ خالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ ابْنُ خالِهِ، وأنَّهُ كَفَرَ بِدِينِ مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وزادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ تَفاصِيلًا تَشْمَئِزُّ النَّفْسُ مِنها.

واعْلَمْ أنَّ السّامِرِيِّينَ لَقَبٌ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهم أيْضًا السّامِرَةُ، لَهم مَذْهَبٌ خاصٌّ مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ جَماعَةِ اليَهُودِيَّةِ في أُصُولِ الدِّينِ، فَهم لا يُعَظِّمُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ ويُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَدا مُوسى وهارُونَ ويُوشَعَ، وما كانَتْ هَذِهِ الشُّذُوذاتِ فِيهِمْ إلّا مِن بَقايا تَعالِيمِ الإلْحادِ الَّتِي كانُوا يَتَلَقَّوْنَها في مَدِينَةِ السّامِرَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّساهُلِ والِاسْتِخْفافِ بِأُصُولِ الدِّينِ والتَّرَخُّصِ في تَعْظِيمِ آلِهَةِ

صفحة ٢٨١

جِيرَتِهِمُ الكَنْعانِيِّينَ أصْهارَ مُلُوكِهِمْ، ودامَ ذَلِكَ الشُّذُوذُ فِيهِمْ إلى زَمَنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَفي إنْجِيلِ مَتّى إصْحاحٌ ١٠ وفي إنْجِيلِ لُوقا إصْحاحٌ ٩ ما يَقْتَضِي أنَّ بَلْدَةَ السّامِرِيِّينَ كانَتْ مُنْحَرِفَةً عَلى أتْباعِ المَسِيحِ، وأنَّهُ نَهى الحَوارِيِّينَ عَنِ الدُّخُولِ إلى مَدِينَتِهِمْ.

ووَقَعَتْ في كِتابِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ زَلَّةٌ كُبْرى، إذْ زَعَمُوا أنَّ هارُونَ صَنَعَ العِجْلَ لَهم لَمّا قالُوا لَهُ: اصْنَعْ لَنا آلِهَةً تَسِيرُ أمامَنا لِأنّا لا نَعْلَمُ ماذا أصابَ مُوسى في الجَبَلِ فَصَنَعَ لَهم عِجْلًا مِن ذَهَبٍ. وأحْسَبُ أنَّ هَذا مِن آثارِ تَلاشِي التَّوْراةِ الأصْلِيَّةِ بَعْدَ الأسْرِ البابِلِيِّ، وأنَّ الَّذِي أعادَ كَتْبُها لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَ هَذِهِ القِصَّةِ. ومِمّا نَقْطَعُ بِهِ أنَّ هارُونَ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ رَسُولٌ.

20:86–87Page 317

فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦

So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"

قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧

They said, "We did not break our promise to you by our will, but we were made to carry burdens from the ornaments of the people [of Pharaoh], so we threw them [into the fire], and thus did the Sāmirī throw."

﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمَ ارَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكَمْ فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ .

الغَضَبُ: انْفِعالٌ لِلنَّفْسِ وهَيَجانٌ يَنْشَأُ عَنْ إدْراكِ ما يَسُوءُها ويُسْخِطُها دُونَ خَوْفٍ، والوَصْفُ مِنهُ غَضْبانٌ.

والأسَفُ: انْفِعالٌ لِلنَّفْسِ يَنْشَأُ مِن إدْراكِ ما يُحْزِنُها وما تَكْرَهُهُ مَعَ انْكِسارِ الخاطِرِ. والوَصْفُ مِنهُ أسِفَ. وقَدِ اجْتَمَعَ الِانْفِعالانِ في نَفْسِ مُوسى لِأنَّهُ يَسُوءُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ في أُمَّتِهِ وهو لا يَخافُهم، فانْفِعالُهُ المُتَعَلِّقُ بِحالِهِمْ غَضَبٌ، وهو أيْضًا يَحْزُنُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ وهو في مُناجاةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي كانَ

صفحة ٢٨٢

يَأْمُلُ أنْ تَكُونَ سَبَبَ رِضى اللَّهِ عَنْ قَوْمِهِ فَإذا بِهِمْ أتَوْا بِما لا يُرْضِي اللَّهَ فَقَدِ انْكَسَرَ خاطِرُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ.

وهَذا ابْتِداءُ وصْفِ قِيامِ مُوسى في جَماعَةِ قَوْمِهِ وفِيهِمْ هارُونَ وفِيهِمُ السّامِرِيُّ، وهو يَقْرَعُ أسْماعَهم بِزَواجِرِ وعْظِهِ، فابْتَدَأ بِخِطابِ قَوْمِهِ كُلِّهِمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ لا يَكُونُ مُشايِعًا لَهم، فَلِذَلِكَ ابْتَدَأ بِخِطابِ قَوْمِهِ ثُمَّ وجَّهَ الخِطابَ إلى هارُونَ بِقَوْلِهِ، قالَ (﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ﴾ [طه: ٩٢]) .

وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ.

وافْتِتاحُ الخِطابِ بِ (يا قَوْمِ) تَمْهِيدٌ لِلَّوْمِ لِأنَّ انْجِرارَ الأذى لِلرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ أحَقُّ في تَوْجِيهِ المَلامِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾) .

والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾) إنْكارِيُّ؛ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَعِدْهم وعْدًا حَسَنًا لِأنَّهم أجْرُوا أعْمالَهم عَلى حالِ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ زَعْمَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا، وشَأْنُهُ أنْ يَكُونَ عَلى فَرْضِ النَّفْيِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

والوَعْدُ الحَسَنُ هو: وعْدُهُ مُوسى بِإنْزالِ التَّوْراةِ، ومُواعَدَتُهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً لِلْمُناجاةِ، وقَدْ أعْلَمَهم بِذَلِكَ، فَهو وعْدٌ لِقَوْمِهِ لِأنَّ ذَلِكَ لِصَلاحِهِمْ، ولِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِأنْ يَكُونَ ناصِرًا لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ وهادِيًا لَهم في طَرِيقِهِمْ، وهو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ (﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠]) .

والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾) مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾)، وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ لَيْسَ العَهْدُ بِوَعْدِ اللَّهِ إيّاكم بَعِيدًا. والمُرادُ بِطُولِ العَهْدِ طُولُ المُدَّةِ، أيْ بُعْدُها، أيْ لَمْ يَبْعُدْ زَمَنُ وعْدِ رَبِّكَمْ إيّاكم حَتّى يَكُونَ لَكم يَأْسٌ مِنَ الوَفاءِ فَتَكْفُرُوا وتُكَذِّبُوا مَن بَلَّغَكُمُ الوَعْدَ وتَعْبُدُوا رَبًّا غَيْرَ الَّذِي دَعاكم إلَيْهِ مَن بَلَّغَكُمُ الوَعْدَ فَتَكُونُ لَكم شُبْهَةُ عُذْرٍ في الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ونِسْيانِ عَهْدِهِ.

صفحة ٢٨٣

والعَهْدُ: مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ وتَذَكُّرُهُ، وهو مَصْدَرٌ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ كَإطْلاقِ الخَلْقِ عَلى المَخْلُوقِ، أيْ طالَ المَعْهُودُ لَكم وبَعُدَ زَمَنُهُ حَتّى نَسِيتُمُوهُ وعَمِلْتُمْ بِخِلافِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ المَصْدَرِ وهو عَهْدُهُمُ اللَّهَ عَلى الِامْتِثالِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]) وقَوْلُهُ (﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(أمْ) إضْرابٌ إبْطالِيٌّ. والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) في قَوْلِهِ (﴿أمَ ارَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾) إنْكارِيٌّ أيْضًا، إذِ التَّقْدِيرُ: بَلْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ، فَلا يَكُونُ كُفْرُكم إذَنْ إلّا إلْقاءً بِأنْفُسِكم في غَضَبِ اللَّهِ كَحالِ مَن يُحِبُّ أنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.

فَفِي قَوْلِهِ (﴿أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾) اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، إذْ شَبَّهَ حالَهم في ارْتِكابِهِمْ أسْبابَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُونِ داعٍ إلى ذَلِكَ بِحالِ مَن يُحِبُّ حُلُولَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ إذِ الحُبُّ لا سَبَبَ لَهُ.

وقَوْلُهُ (﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾) تَفْرِيعٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الثّانِي. ومَعْنى مَوْعِدِي هو وعْدُ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ، فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ لِأنَّهُ الواسِطَةُ فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском