Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
طه
Taha
Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs
﴿طه﴾ هَذانِ الحَرْفانِ مِن حُرُوفِ فَواتِحِ بَعْضِ السُّوَرِ مِثْلُ (الم)، و(يس) . ورُسِما في خَطِّ المُصْحَفِ بِصُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي الَّتِي هي مُسَمّى (طا) و(ها) كَما رُسِمَ جَمِيعُ الفَواتِحِ الَّتِي بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقُرِئا لِجَمِيعِ القُرّاءِ كَما قُرِأتْ بَقِيَّةُ فَواتِحِ السُّوَرِ. فالقَوْلُ فِيهِما كالقَوْلِ المُخْتارِ في فَواتِحِ تِلْكَ السُّوَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ.
وقِيلَ هُما حَرْفانِ مُقْتَضَبانِ مِن كَلِمَتَيْ ”طاهِرٍ“ و”هادٍ“ وأنَّهُما عَلى مَعْنى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ.
صفحة ١٨٣
وتَقَدَّمَ وجْهُ المَدِّ في (طا) (ها) في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
وقِيلَ مُقْتَضَبانِ مِن فِعْلِ ”طَأْ“ أمْرًا مِنَ الوَطْءِ. ومِن ”ها“ ضَمِيرِ المُؤَنَّثَةِ الغائِبَةِ عائِدٌ إلى الأرْضِ؛ وفُسِّرَ بِأنَّ النَّبِيءِ _ ﷺ _ كانَ في أوَّلِ أمْرِهِ إذا قامَ في صَلاةِ اللَّيْلِ قامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَطَأ الأرْضَ بِرِجْلِهِ الأُخْرى. ولَمْ يَصِحَّ.
وقِيلَ (طاها) كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وأنَّ أصْلَها مِنَ الحَبَشِيَّةِ. ومَعْناها إنْسانٌ، وتَكَلَّمَتْ بِها قَبِيلَةُ عَكَّ أوْ عُكْلٍ وأنْشَدُوا لِيَزِيدَ بْنِ مُهَلْهَلٍ:
إنَّ السَّفاهَةَ طاها مِن شَمائِلِكم لا بارَكَ اللَّهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى اعْتِبارِهِما كَلِمَةً لُغَةَ (عَكَّ) أوْ (عُكْلٍ) أوْ كَلِمَةً مِنَ الحَبَشِيَّةِ أوِ النَّبَطِيَّةِ وأنَّ مَعْناها في لُغَةِ: عَكَّ يا إنْسانُ، أوْ يا رَجُلُ. وفي ما عَداها: يا حَبِيبِي. وقِيلَ: هي اسْمٌ سَمّى اللَّهُ بِهِ نَبِيئَهُ ﷺ وأنَّهُ عَلى مَعْنى النِّداءِ. أوْ هو قَسَمٌ بِهِ. وقِيلَ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى القَسَمِ، ورُوِيَتْ في ذَلِكَ آثارٌ وأخْبارٌ ذَكَرَ بَعْضَها عِياضٌ في الشِّفاءِ. ويَجْرِي فِيها قَوْلُ مَن جَعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الحُرُوفِ مُتَّحِدَةً في المَقْصُودِ مِنها. كَقَوْلِ مَن قالَ: هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ فِيها. ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما غَرَّهم بِذَلِكَ تَشابُهٌ في النُّطْقِ فَلا نُطِيلُ بِرَدِّها. وكَذَلِكَ لا التِفاتَ إلى قَوْلِ مَن زَعَمُوا أنَّهُ مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ .
20:2–6Page 312
مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢
We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed
إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ ٣
But only as a reminder for those who fear [Allāh] -
تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤
A revelation from He who created the earth and highest heavens,
ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥
The Most Merciful [who is] above the Throne established.1
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.
صفحة ١٨٤
﴿ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْءانَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ .
افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِمُلاطَفَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ أنْ يَشْقى بِذَلِكَ. أيْ تُصِيبَهُ المَشَقَّةُ ويَشُدُّهُ التَّعَبُ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدَهُ. وفي هَذا تَنْوِيهٌ أيْضًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الَخَشْيَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ادَّكَرُوا بِالقُرْآنِ.
وفِي هَذِهِ الفاتِحَةِ تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاضْطِلاعِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ. وبِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ لا يَكُونَ مُفَرِّطًا في العَزْمِ كَما كانَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ لِأنَّ في ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَن أُنْزَلَ عَلَيْهِ وجاءَ بِهِ. والشَّقاءُ: فَرْطُ التَّعَبِ بِعَمَلٍ أوْ غَمٍّ في النَّفْسِ، قالَ النّابِغَةُ:
إلّا مَقالَةَ أقْوامٍ شَقِيتُ بِهِمْ كانَتْ مَقالَتُهم قَرْعًا عَلى كَبِدِي
وهَمْزَةُ الشَّقاءِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. يُقالُ: شَقاءٌ وشَقاوَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وشِقْوَةٌ بِكَسْرِها.
ووُقُوعُ فِعْلِ أنْزَلْنا في سِياقِ النَّفْي يَقْتَضِي عُمُومَ مَدْلُولِهِ. لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِهِ. وعُمُومُ الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ مُتَعَلَّقاتِهِ مِن مَفْعُولٍ ومَجْرُورٍ، فَيَعُمَّ نَفْيَ جَمِيعِ كُلِّ
صفحة ١٨٥
إنْزالٍ لِلْقُرْآنِ فِيهِ شَقاءٌ لَهُ، ونَفْيُ كُلِّ شَقاءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الإنْزالِ، أيْ جَمِيعِ أنْواعِ الشَّقاءِ فَلا يَكُونُ إنْزالُ القُرْآنِ سَبَبًا في شَيْءٍ مِنَ الشَّقاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ .
وأوَّلُ ما يُرادُ مِنهُ هُنا أسَفُ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ. قالَ تَعالى (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمُ إنْ لَمْ يُومِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]) .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما أرْسَلْناكَ لِتَخِيبَ بَلْ لِنُؤَيِّدَكَ وتَكُونَ لَكَ العاقِبَةُ.
وقَوْلُهُ إلّا تَذْكِرَةً اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ لِلْقُرْآنِ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ في حالٍ مِن أحْوالٍ إلّا حالَ تَذْكِرَةٍ فَصارَ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى وما أنْزَلْناهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا تَذْكِرَةً. ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ (﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾) الَّذِي هو حالٌ مِنَ القُرْآنِ لا مَحالَةَ، فَفِعْلُ أنْزَلْنا عامِلٌ في لِتَشْقى بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعامِلٌ في تَذْكِرَةٍ بِواسِطَةِ صاحِبِ الحالِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العِلَّةِ المَنفِيَّةِ بِقَوْلِهِ لِتَشْقى حَتّى تَتَحَيَّرَ في تَقْوِيمِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَتَفْزَعَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا وتَقَعَ في كَلَفٍ لِتَصْحِيحِ النَّظْمِ.
وقالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ مُقاتِلٌ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وزادَ غَيْرُ الواحِدِيِّ: الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ، والمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّكَ لِتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، لَمّا رَأوْا مِن طُولِ عِبادَتِهِ واجْتِهادِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿طه ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ١]) الآيَةَ، ولَيْسَ فِيهِ سَنَدٌ.
والتَّذْكِرَةُ: خُطُورُ المَنسِيِّ بِالذِّهْنِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ مُسْتَقِرُّ في الفِطْرَةِ والإشْراكُ مُنافٍ لَها، فالدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ تَذْكِيرٌ لِما في الفِطْرَةِ أوْ تَذْكِيرٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
صفحة ١٨٦
و(﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) هو المُسْتَعِدُّ لِلتَّأمُّلِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ الدِّينِ، وهو كُلُّ مَن يُفَكِّرُ لِلنَّجاةِ في العاقِبَةِ، فالَخَشْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَعْنى العَرَبِيِّ الأصْلِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الإسْلامِيُّ، وهو خَوْفُ اللَّهِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِعْلِ المَآلُ، أيْ مَن يَئُولُ أمْرُهُ إلى الَخَشْيَةِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى.
وتَنْزِيلًا حالٌ مِنَ القُرْآنِ ثانِيَةٌ.
والمَقْصُودُ مِنها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والعِنايَةُ بِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ بِأنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَتْرُكُ نَصْرَكَ وتَأْيِيدَكَ.
والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوْ عَنْ ضَمِيرِهِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَحَتُّمِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّهُ خالِقُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِمْ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهم خَلْقًا. ولِذَلِكَ وصَفَ السَّماواتِ بِالعُلى صِفَةً كاشِفَةً زِيادَةً في تَقْرِيرِ مَعْنى عَظَمَةِ خالِقِها. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ شَأْنَ مُنَزِّلِ القُرْآنِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شَيْئًا عَظِيمًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
والرَّحْمَنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. واخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا تَسْمِيَتَهُ تَعالى الرَّحْمَنَ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . وفي ذِكْرِهِ هُنا وكَثْرَةِ التَّذْكِيرِ بِهِ في القُرْآنِ بَعْثٌ عَلى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ شُكْرًا عَلى إحْسانِهِ بِالرَّحْمَةِ البالِغَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) حالٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ.
صفحة ١٨٧
والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ. قالَ تَعالى (﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]) الآيَةَ. وقالَ (﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]) .
والعَرْشُ: عالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ العَوالِمِ العُلْيا، فَقِيلَ هو أعْلى سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ وأعْظَمُها. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ويُسَمّى: الكُرْسِيُّ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ.
وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الِاسْتِواءِ عَلَيْهِ زِيادَةٌ في تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾) .
وأمّا ذِكْرُ الِاسْتِواءِ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَظَمَةِ أعْظَمِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلى العُرُوشِ وقَدْ عَرَفَ العَرَبُ مِن أُولَئِكَ مُلُوكَ الفُرْسِ ومُلُوكَ الرُّومِ وكانَ هَؤُلاءِ مَضْرِبَ الأمْثالِ عِنْدَهم في العَظَمَةِ.
وحَسَّنَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِواءِ مُقارَنَتُهُ بِالعَرْشِ الَّذِي هو مِمّا يُسْتَوى عَلَيْهِ في المُتَعارَفِ. فَكانَ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ كالتَّرْشِيحِ لِإطْلاقِ العَرْشِ عَلى السَّماءِ العُظْمى، فالآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ البَيِّنِ تَأْوِيلُهُ بِاسْتِعْمالِ العَرَبِ وبِما تَقَرَّرَ في العَقِيدَةِ: أنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وقِيلَ: الِاسْتِواءُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الأخْطَلِ:
قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ بِغَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ
وهُوَ مُوَلَّدٌ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ كالآيَةِ. ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وإنَّما أعَدْنا بَعْضَهُ هُنا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةِ هي المُشْتَهِرَةُ بَيْنَ أصْحابِنا الأشْعَرِيَّةِ.
صفحة ١٨٨
وفِي تَقْيِيدِ الأبِّيِّ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ:
واخْتارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَدَمَ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالجِهَةِ. قِيلَ لِابْنِ عَرَفَةَ: عادَتُكَ تَقُولُ في الألْفاظِ المُوهِمَةِ الوارِدَةِ في الحَدِيثِ كَما في حَدِيثِ السَّوْداءِ وغَيْرِها، فَذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ، فَقالَ: هَذا صَعْبٌ ولَكِنْ تَجاسَرْتُ عَلى قَوْلِهِ اقْتِداءً بِالشَّيْخِعِزِّ الدِّينِ لِأنَّهُ سَبَقَنِي لِذَلِكَ.
وأتْبَعَ ما دَلَّ عَلى عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى بِما يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا وهو جُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) إلَخْ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) .
والجُمْلَتانِ تَدُلّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن سَعَةِ السُّلْطانِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) لِلْقَصْرِ، رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ لِآلِهَتِهِمْ تَصَرُّفاتٌ في الأرْضِ، وأنَّ لِلْجِنِّ اطِّلاعًا عَلى الغَيْبِ، ولِتَقْرِيرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنْحاءُ الكائِناتِ، وهي السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى.
والثَّرى: التُّرابُ. وما تَحْتَهُ: هو باطِنُ الأرْضِ كُلُّهُ.
وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) .
20:7Page 312
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧
And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.
﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [طه: ٦]) لِدَلالَةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ تَعالى كَما دَلَّتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها عَلى عَظِيمِ سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ.
وأصْلُ النَّظْمِ: ويَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى إنْ تَجْهَرْ
صفحة ١٨٩
بِالقَوْلِ؛ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ (﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾) مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾) وجُمْلَةُ (﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [طه: ٨]) . فَصِيغَ النَّظْمُ في قالَبِ الشَّرْطِ والجَزاءِ زِيادَةً في تَحْقِيقِ حُصُولِهِ عَلى طَرِيقَةِ ما يُسَمّى بِالمَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وهو سَوْقُ الخَبَرِ في صِيغَةِ الدَّلِيلِ عَلى وُقُوعِهِ تَحْقِيقًا لَهُ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى مِنَ السِّرِّ في الأحْوالِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيها القائِلُ بِالقَوْلِ لِإسْماعِ مُخاطِبَهُ، أيْ فَهو لا يَحْتاجُ إلى الجَهْرِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.
وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ عِنْدَ البُلَغاءِ شائِعٌ في كَلامِهِمْ بِأسالِيبَ كَثِيرَةٍ. وذَلِكَ في كُلِّ شَرْطٍ لا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْلِيقُ بَلْ يُقْصَدُ التَّحْقِيقُ كَقَوْلِ أبِي كَبِيرٍ الهُذَيْلِيِّ:
فَأتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّنًا سُهُدًا إذا ما نامَ لَيْلُ الهَوْجَلِ
أيْ سُهُدًا في كُلِّ وقْتٍ حِينَ يَنامُ غَيْرُهُ مِمَّنْ هو هَوْجَلُ. وقَوْلِ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلَيُّ:
إذا الكُماةُ تَنَحَّوْا أنْ يُصِيبَهُمُ ∗∗∗ حَدُّ الظُّباتِ وصَلْناها بِأيْدِينا
وقَوْلِ إبْراهِيمَ بْنِ كُنَيْفٍ النَّبْهانِيِّ:
فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ جالَتْ صُرُوفُها ∗∗∗ بِبُؤْسى ونُعْمى والحَوادِثُ تَفْعَلُ
فَما لَيَّنَتْ مِنّا قَناةً صَلِيبَةً ∗∗∗ وما ذَلَّلَتْنا لِلَّتِي لَيْسَ تَجْمُلُ
وقَوْلِ القَطامِيِّ:
فَمَن تَكُنِ الحَضارَةُ أعْجَبَتْهُ ∗∗∗ فَأيَّ رِجالِ بادِيَةٍ تَرانا
فالخِطابُ في قَوْلِهِ (وإنْ تَجْهَرْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو يَعُمُّ غَيْرَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ.
صفحة ١٩٠
واخْتِيرَ في إثْباتِ سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى خُصُوصُ عِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ السِّرَّ أخْفى الأشْياءِ عَنْ عِلْمِ النّاسِ في العادَةِ.
ولَمّا جاءَ القُرْآنُ مُذَكِّرًا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى تَوَجَّهَتْ أنْظارُ المُشْرِكِينَ إلى مَعْرِفَةِ مَدى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وتَجادَلُوا في ذَلِكَ في مَجامِعِهِمْ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ أوْ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ؛ كَثِيرَةٌ شَحْمِ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ؛ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ”أيْ وهو بَعِيدٌ عَنّا“ فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا قُلُوبُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت»: ٢٢]) .
وقَدْ كَثُرَ في القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّ النّاسُ وما يُعْلِنُونَ ولا أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ إلّا ناظِرَةً إلى مِثْلِ ما نَظَرَتِ الآيَةُ الآنِفَةُ الذِّكْرِ،
وقالَ تَعالى (﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]) .
يَبْقى النَّظَرُ في تَوْجِيهِ الإتْيانِ بِهَذا الشَّرْطِ بِطَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ، وتَوْجِيهِ اخْتِيارِ فَرْضِ الشَّرْطِ بِحالَةِ الجَهْرِ دُونَ حالَةِ السِّرِّ مَعَ أنَّ الَّذِي يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ حالَةَ السِّرِّ أجْدَرُ بِالذِّكْرِ في مَقامِ الإعْلامِ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ النّاسِ، كَما ذُكِرَ في الخَبَرِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ الآنِفَةِ الذِّكْرِ.
وأحْسَبُ لِفَرْضِ الشَّرْطِ بِحالَةِ الجَهْرِ بِالقَوْلِ خُصُوصِيَّةً بِهَذا السِّياقِ اقْتَضاها اجْتِهادُ النَّبِيءِ ﷺ في الجَهْرِ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، فَيَكُونُ مَوْرِدُ هَذِهِ الآيَةِ كَمَوْرِدِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥])
صفحة ١٩١
فَيَكُونُ هَذا مِمّا نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤])، وتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِاسْتِواءِ الجَهْرِ والسِّرِّ في الدُّعاءِ، وإبْطالٌ لِتَوَهُّمِ المُشْرِكِينَ أنَّ الجَهْرَ أقْرَبُ إلى عِلْمِ اللَّهِ مِنَ السِّرِّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الخَبَرُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ المَذْكُورِ آنِفًا.
والقَوْلُ: مَصْدَرٌ، وهو تَلَفُّظُ الإنْسانِ بِالكَلامِ، فَيَشْمَلُ القِراءَةَ والدُّعاءَ والمُحاوَرَةَ، والمَقْصُودُ هُنا ما لَهُ مَزِيدُ مُناسِبَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]) الآياتِ.
وجَوابُ شَرْطِ (﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾) . والتَّقْدِيرُ: فَلا تَشُقَّ عَلى نَفْسِكَ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى. أيْ فَلا مَزِيَّةَ لِلْجَهْرِ بِهِ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ مَساقُ الآيَةِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ، فَقَدْ ثَبَتَ في السُّنَةِ الجَهْرُ بِالدُّعاءِ والذِّكْرِ، فَلَيْسَ مِنَ الصَّوابِ فَرْضُ تِلْكَ المَسْألَةِ هُنا إلّا عَلى مَعْنى الإشارَةِ.
وأخْفى: اسْمُ تَفْضِيلٍ، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ وأخْفى مِنَ السِّرِّ. والمُرادُ بِأخْفى مِنهُ: ما يَتَكَلَّمُ اللِّسانُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ونَحْوِهِ مِنَ الأصْواتِ الَّتِي هي أخْفى مِن كَلامِ السِّرِّ.
20:8Page 312
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨
Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ ما قَبْلَهُ تَضَّمَنَ صِفاتٍ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى ومِن خَلْقِهِ ومِن عَظَمَتِهِ فَجاءَ هَذا التَّذْيِيلُ بِما يَجْمَعُ صِفاتِهِ.
واسْمُ الجَلالَةِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: هو اللَّهُ، جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]) .
صفحة ١٩٢
وجُمْلَةُ (﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ (﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾) .
والأسْماءُ: الكَلِماتُ الدّالَةُ عَلى الِاتِّصافِ بِحَقائِقَ. وهي بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ: إمّا عَلَمٌ وهو اسْمُ الجَلالَةِ خاصَّةً. وإمّا وصَفٌ مِثْلُ الرَّحْمَنِ والجَبّارِ وبَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾) لِلِاخْتِصاصِ. أيْ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّ غَيْرَهُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمُهُ مُجَرَّدًا مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ لِلْأسْماءِ مِثْلَ الأصْنامِ، وإمّا أنْ تَكُونَ حَقائِقُها فِيهِ غَيْرُ بالِغَةٍ مُنْتَهى كَمالِ حَقِيقَتِها كاتِّصافِ البَشَرِ بِالرَّحْمَةِ والمُلْكِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الِاتِّصافُ بِها كَذِبًا لا حَقِيقَةً، كاتِّصافِ البَشَرِ بِالكِبْرِ، إذْ لَيْسَ أهْلًا لِلْكِبْرِ والجَبَرُوتِ والعِزَّةِ.
ووَصْفُ الأسْماءِ بِ الحُسْنى؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى حَقائِقَ كامِلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسَمّى بِها تَعالى وتَقَدَّسَ. وذَلِكَ ظاهِرٌ في غَيْرِ اسْمِ الجَلالَةِ، وأمّا في اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي هو الِاسْمُ العَلَمُ فَلِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْأعْلامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الأصْلِ وصْفٌ دالٌّ عَلى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى الإلَهِ، وعُرِّفَ بِاللّامِ الدّالَةِ عَلى انْحِصارِ الحَقِيقَةِ عِنْدَهُ. فَكانَ جامِعًا لِمَعْنى وُجُوبِ الوُجُودِ، واسْتَحَقَّ العِبادَةَ لِوُجُودِ أسْبابِ اسْتِحْقاقِها عِنْدَهُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]) في سُورَةِ الأعْرافِ.
20:9–10Page 312
وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩
And has the story of Moses reached you? -
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
صفحة ١٩٣
﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّيَ آنَسْتُ نارًا لَعَلِّيَ آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ .
أعْقَبَ تَثْبِيتَ الرَّسُولِ عَلى التَّبْلِيغِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أنْزَلَهُ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَتَأسّى بِهِ في الصَّبْرِ عَلى تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ ومُقاساةِ المَصاعِبِ. وتَسْلِيَةً لَهُ بِأنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ سَيَكُونُ جَزاؤُهم جَزاءَ مَن سَلَفَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ، ولِذَلِكَ جاءَ في عَقِبِ قِصَّةِ مُوسى قَوْلُهُ تَعالى (﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ٩٩]) . وجاءَ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ آدَمَ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ (﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠]) الآياتِ.
فَجُمْلَةُ (﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]) . الغَرَضُ هو مُناسِبَةُ العَطْفِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا وهَذِهِ القِصَّةُ تَقَدَّمَ بَعْضُها في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ يُونُسَ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ مَجازًا ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ سَواءٌ كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ قُصَّتْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن قَبْلُ أمْ كانَ هَذا أوَّلَ قَصَصِها عَلَيْهِ. وُفي قَوْلِهِ (﴿إذْ رَأى نارًا﴾) زِيادَةٌ في التَّشْوِيقِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا.
وأُوثِرَ حَرْفُ (هَلْ) في هَذا المَقامِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ لِأنَّ (هَلْ) في الِاسْتِفْهامِ مِثْلُ (قَدْ) في الإخْبارِ.
والحَدِيثُ: الخَبَرُ. وهو اسْمٌ لِلْكَلامِ الَّذِي يُحْكى بِهِ أمْرٌ حَدَثَ في الخارِجِ، ويُجْمَعُ عَلى أحادِيثَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الفَرّاءُ: ”واحِدُ
صفحة ١٩٤
الأحادِيثِ أُحْدُوثَةٌ ثُمَّ جَعَلُوهُ جَمْعًا لِلْحَدِيثِ“ اهـ. يَعْنِي اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ صِيغَةِ فَعْلاءَ.
و(إذْ) ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُهُ. وخُصَّ هَذا الظَّرْف بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ يَزِيدُ تَشْوِيقًا إلى اسْتِعْلامِ كُنْهِ الخَبَرِ، لِأنَّ رُؤْيَةَ النّارِ تَحْتَمِلُ أحْوالًا كَثِيرَةً. ورُؤْيَةُ النّارِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِلَيْلٍ، وأنَّهُ كانَ بِحاجَةٍ إلى النّارِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ: (﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾) إلَخْ.
والأهْلُ: الزَّوْجُ والأوْلادُ. وكانُوا مَعَهُ بِقَرِينَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ امْكُثُوا. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ فَأخَذَ مُوسى امْرَأتَهُ وبَنِيهِ وأرْكَبَهم عَلى الحَمِيرِ ورَجَعَ إلى أرْضِ مِصْرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هاءِ ضَمِيرِ أهْلِهِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ الهاءِ تَبَعًا لِضَمَّةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ في (امْكُثُوا) .
والإيناسُ: الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ إنَّ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِشارَةً لِأهْلِهِ إذْ كانُوا في الظُّلْمَةِ.
والقَبَسُ: ما يُؤْخَذُ اشْتِعالُهُ مِنِ اشْتِعالِ شَيْءٍ ويُقْبَسُ، كالجَمْرَةِ مِن مَجْمُوعِ الجَمْرِ والفَتِيلَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في ظُلْمَةٍ ولَمْ يَجِدْ ما يَقْتَدِحُ بِهِ. وقِيلَ: اقْتَدَحَ زَنْدَهُ فَصَلُدَ، أيْ لَمْ يَقْدَحْ.
ومَعْنى (﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾): أوْ ألْقى عارِفًا بِالطَّرِيقِ قاصِدًا السَّيْرَ فِيما أسِيرُ فِيهِ فَيَهْدِينِي إلى السَّبِيلِ. قِيلَ: كانَ مُوسى قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ مِن شِدَّةِ الظُّلْمَةِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يَسِيرَ لَيْلًا.
صفحة ١٩٥
و(أوْ) هُنا لِلتَّخْيِيرِ، لِأنَّ إتْيانَهُ بِقَبَسٍ أمْرٌ مُحَقَّقٌ، فَهو إمّا أنْ يَأْخُذَ القَبَسَ لا غَيْرَ. وإمّا أنْ يَزِيدَ فَيَجِدَ صاحِبَ النّارِ قاصِدًا الطَّرِيقَ مِثْلَهُ فَيَصْحَبَهُ.
وحَرْفُ (عَلى) في قَوْلِهِ (﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾) مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ شِدَّةُ القُرْبِ مِنَ النّارِ قُرْبًا أشْبَهَ الِاسْتِعْلاءَ، وذَلِكَ أنَّ مُشْعِلَ النّارِ يَسْتَدْنِي مِنها لِلِاسْتِنارَةِ بِضَوْئِها أوْ لِلِاصْطِلاءِ بِها. قالَ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ
وأرادَ بِالهُدى صاحِبَ الهُدى.
وقَدْ أجْرى اللَّهُ عَلى لِسانِ مُوسى مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ إلْهامًا إيّاهُ أنَّهُ سَيَجِدُ عِنْدَ تِلْكَ النّارِ هُدًى عَظِيمًا، ويُبَلِّغُ قَوْمَهُ مِنهُ ما فِيهِ نَفْعُهم.
وإظْهارُ النّارِ لِمُوسى رَمْزٌ رَبّانِيٌّ لَطِيفٌ؛ إذْ جَعَلَ اجْتِلابَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ بِاسْتِدْعاءٍ بِنُورٍ في ظُلْمَةٍ رَمْزًا عَلى أنَّهُ سَيَتَلَقّى ما بِهِ إنارَةُ ناسٍ بِدِينٍ صَحِيحٍ بَعْدَ ظُلْمَةِ الضَّلالِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences