Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Taha 20:97–107
20:97Page 318
قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧
[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.
﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾
لَمْ يَزِدْ مُوسى في عِقابِ السّامِرِيِّ عَلى أنْ خَلَعَهُ مِنَ الأُمَّةِ، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ بِالَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الشَّرِيعَةِ، وإمّا لِأنَّ مُوسى أعْلَمُ بِأنَّ السّامِرِيَّ لا يُرْجى صَلاحُهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ مِثْلَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ [يونس: ٩٧] الألِيمَ، ويَكُونُ قَدْ أطْلَعَ اللَّهُ مُوسى عَلى ذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ إلْهامٍ، مِثْلَ الَّذِي قاتَلَ قِتالًا شَدِيدًا مَعَ المُسْلِمِينَ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «أما إنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ»، ومِثْلَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أعْلَمَ اللَّهُ بِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وكانَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْلَمَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ بِبَعْضِهِمْ. فَقَوْلُهُ: ”فاذْهَبْ“ الأظْهَرُ أنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِالِانْصِرافِ والخُرُوجِ مِن وسَطِ الأُمَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةَ زَجْرٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ
صفحة ٢٩٨
مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ [الإسراء: ٦٣]، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ مِمّا أنْشَدَهَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ ولَمْ يَعْزُهُ:
فاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتِمُنا فاذْهَبْ فَما وبِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ عَدَمُ الِاكْتِراثِ بِحالِهِ، كَقَوْلِ النَّبْهانِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنا ∗∗∗ وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فَهو إخْبارٌ بِما عاقَبَهُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَجَعَلَ حَظَّهُ في حَياتِهِ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ، أيْ سَلَبَهُ اللَّهُ الأُنْسَ الَّذِي في طَبْعِ الإنْسانِ فَعَوَّضَهُ بِهِ هَوَسًا ووِسْواسًا وتَوَحُّشًا، فَأصْبَحَ مُتَباعِدًا عَنْ مُخالَطَةِ النّاسِ، عائِشًا وحْدَهُ، لا يَتْرُكُ أحَدًا يَقْتَرِبُ مِنهُ، فَإذا لَقِيَهُ إنْسانٌ قالَ لَهُ: لا مِساسَ، يَخْشى أنْ يَمَسَّهُ، أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ، أوْ أرادَ لا اقْتِرابَ مِنِّي، فَإنَّ المَسَّ يُطْلَقُ عَلى الِاقْتِرابِ، كَقَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، وهَذا أنْسَبُ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، أيْ: مُقارَبَةٌ بَيْنِنا، فَكانَ يَقُولُ ذَلِكَ، وهَذِهِ حالَةٌ فَظِيعَةٌ أصْبَحَ بِها سُخْرِيَةً.
”ومِساسَ“ بِكَسْرِ المِيمِ في قِراءَةِ جَمِيعِ القُرّاءِ، وهو مَصْدَرُ ماسَّهُ بِمَعْنى مَسَّهُ، و”لا“ نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، و”مِساسَ“ اسْمُها مَبْنَيٌّ عَلى الفَتْحِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ اللّامُ في ”لَكَ“ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] أيْ فَعَلَيْها. وتَوَعَّدَهُ بِعَذابِ الآخِرَةِ فَجَعَلَهُ مَوْعِدًا لَهُ، أيْ مَوْعِدَ الحَشْرِ والعَذابِ، فالمَوْعِدُ مَصْدَرٌ، أيْ وعْدٌ لا يُخْلَفُ ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] . وهُنا تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لَنْ تُخْلَفَهُ“ بِفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ؛ لِلْعِلْمِ بِفاعِلِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ لا يُؤَخِّرُهُ اللَّهُ عَنْكَ، فاسْتُعِيرَ الإخْلافُ لِلتَّأْخِيرِ لِمُناسَبَةِ المَوْعِدِ.
صفحة ٢٩٩
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ، مُضارِعُ أخْلَفَ، وهَمْزَتُهُ لِلْوِجْدانِ. يُقالُ: أخْلَفَ الوَعْدَ، إذا وجَدَهُ مُخْلَفًا، وإمّا عَلى جَعْلِ السّامِرِيِّ هو الَّذِي بِيَدِهِ إخْلافُ الوَعْدِ وأنَّهُ لا يُخْلِفُهُ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ تَبَعًا لِلتَّهَكُّمِ الَّذِي أفادَهُ لامُ المِلْكِ.
وبَعْدَ أنْ أوْعَدَ مُوسى السّامِرِيَّ بَيَّنَ لَهُ ولِلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ضَلالَهم بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ؛ لِأنَّهُ لِلِامْتِهانِ والعَجْزِ، فَقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ . فَجُعِلَ الِاسْتِدْلالُ بِالنَّظَرِ إشارَةً إلى أنَّهُ دَلِيلٌ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَدِلُّ بِهِ إلى أكْثَرَ مِنَ المُشاهَدَةِ؛ فَإنَّ دَلالَةَ المَحْسُوساتِ أوْضَحُ مِن دَلالَةِ المَعْقُولاتِ. وأضافَ الإلَهَ إلى ضَمِيرِ السّامِرِيِّ تَهَكُّمًا بِالسّامِرِيِّ وتَحْقِيرًا لَهُ، ووَصَفَ ذَلِكَ الإلَهَ المَزْعُومَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى الضَّلالِ والخَطَأِ، أيِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْكَفَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ”ظَلْتَ“ بِفَتْحِ الظّاءِ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وأصْلُهُ: ظَلَلْتَ، حُذِفَتْ مِنهُ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا مِن تَوالِي اللّامَيْنِ، وهو حَذْفٌ نادِرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعِنْدَ غَيْرِهِ هو قِياسٌ. وفِعْلُ ”ظَلَّ“ مِن أخَواتِ ”كانَ“، وأصْلُهُ الدَّلالَةُ عَلى اتِّصافِ اسْمِهِ بِخَبَرِهِ في وقْتِ النَّهارِ، وهو هُنا مَجازٌ في مَعْنى دامَ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ بِناءً عَلى أنَّ غالِبَ الأعْمالِ يَكُونُ في النَّهارِ.
والعُكُوفُ: مُلازَمَةُ العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ لِلتَّخْصِيصِ، أيِ الَّذِي اخْتَرْتَهُ لِلْعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، أيْ دُونَ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ٣٠٠
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لِنُحَرِّقَنَّهُ“ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً. والتَّحْرِيقُ: الإحْراقُ الشَّدِيدُ، أيْ لَنُحَرِّقَنَّهُ إحْراقًا لا يَدَعُ لَهُ شَكْلًا. وأرادَ بِهِ أنْ يُذِيبَهُ بِالنّارِ حَتّى يَفْسُدَ شَكْلُهُ ويَصِيرَ قِطَعًا.
وقَرَأ ابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ ”لَنُحْرِقَنَّهُ“ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وبِإسْكانِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ ورْدانَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وإسْكانِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أحْرَقَهُ وحَرَّقَهُ.
والنَّسْفُ: تَفْرِيقٌ وإذْراءٌ لِأجْزاءِ شَيْءٍ صَلْبٍ كالبِناءِ والتُّرابِ. وأرادَ بِاليَمِّ البَحْرَ الأحْمَرَ المُسَمّى بَحْرَ القُلْزُمِ، والمُسَمّى في التَّوْراةِ: بَحْرَ سُوفٍ، وكانُوا نازِلِينَ حِينَئِذٍ عَلى ساحِلِهِ في سَفْحِ الطُّورِ.
و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ نَسْفَ العِجْلِ أشَدُّ في إعْدامِهِ مِن تَحْرِيقِهِ وأذَلُّ لَهُ. وأكَّدَ ”نَنْسِفَنَّهُ“ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ، ولا يَخْشى غَضَبَهُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهُ إلَهٌ.
20:98Page 318
إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨
Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."
﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِوَعْظِهِ. وقَدِ التَفَتَ مِن خِطابِ السّامِرِيِّ إلى خِطابِ الأُمَّةِ إعْراضًا عَنْ خِطابِهِ تَحْقِيرًا لَهُ، وقَصْدًا لِتَنْبِيهِهِمْ عَلى خَطَئِهِمْ، وتَعْلِيمِهِمْ صِفاتَ الإلَهِ الحَقِّ، واقْتَصَرَ مِنها عَلى الوَحْدانِيَّةِ وعُمُومِ العِلْمِ؛ لِأنَّ الوَحْدانِيَّةَ تَجْمَعُ جَمِيعَ الصِّفاتِ، كَما قُرِّرَ في دَلالَةِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ عَلَيْها في كُتُبِ عِلْمِ الكَلامِ.
صفحة ٣٠١
وأمّا عُمُومُ العِلْمِ فَهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ الكائِناتِ الشّامِلَةِ لِأعْمالِهِمْ لِيَرْقُبُوهُ في خاصَّتِهِمْ.
واسْتُعِيرَ فِعْلُ ”وسِعَ“ لِمَعْنى الإحاطَةِ التّامَّةِ؛ لِأنَّ الإناءَ الواسِعَ يُحِيطُ بِأكْثَرِ أشْياءَ مِمّا هو دُونَهُ. وانْتَصَبَ ”عِلْمًا“ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ السَّعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَيُئَوَّلُ المَعْنى: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ لا يَقْتَصِرُ عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى أخْفى الأشْياءِ، كَما أفادَ لَفْظُ ”كُلِّ“ المُفِيدُ لِلْعُمُومِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
20:99–101Page 319
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩
Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].
مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠
Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],
خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١
[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ أفادَتِ التَّنْوِيهَ بِقِصَّةِ رِسالَةِ مُوسى وما عَقَّبَها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ [طه: ١٠]، أيْ مِثْلُ هَذا القِصَصِ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ القُرُونِ الماضِيَةِ. والإشارَةُ راجِعَةٌ إلى القِصَّةِ المَذْكُورَةِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ”نَقُصُّ“ قَصَصَنا، وإنَّما صِيغَ المُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الحَسَنَةِ في ذَلِكَ القَصَصِ.
صفحة ٣٠٢
والتَّشْبِيهُ راجِعٌ إلى تَشْبِيهِها بِنَفْسِها، كِنايَةً عَنْ كَوْنِها إذا أُرِيدَ تَشْبِيهُها وتَقْرِيبُها بِما هو أعْرَفُ مِنها في بابِها لَمْ يَجِدْ مُرِيدُ ذَلِكَ طَرِيقًا لِنَفْسِهِ في التَّشْبِيهِ إلّا أنْ يُشَبِّهَها بِنَفْسِها، لِأنَّها لا يَفُوقُها غَيْرُها في بابِها حَتّى تُقَرَّبَ بِهِ، عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَصَصًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، فَتَكُونُ مَفْعُولَ ”نَقُصُّ“ .
والأنْباءُ: الأخْبارُ. و”ما“ المَوْصُولَةُ ماصَدَقُها الأزْمانُ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تُضافُ إلى أزْمانِها، كَقَوْلِهِمْ: أخْبارُ أيّامِ العَرَبِ، والقُرُونِ الوُسْطى. وهي كُلُّها مِن حَقِّها في المَوْصُولِيَّةِ أنْ تُعَرَّفَ بِـ ”ما“ الغالِبَةِ في غَيْرِ العاقِلِ. ومَعْلُومٌ أنَّ المَقْصُودَ ما فِيها مِن أحْوالِ الأُمَمِ، فَلَوْ عُرِّفَتْ بِـ ”مَن“ الغالِبَةِ في العُقَلاءِ لَصَحَّ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ واسِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ إيماءً إلى أنَّ ما يُقَصُّ مِن أخْبارِ الأُمَمِ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ قَطْعُ حِصَّةِ الزَّمانِ ولا إيناسُ السّامِعِينَ بِالحَدِيثِ؛ إنَّما المَقْصُودُ مِنهُ العِبْرَةُ والتَّذْكِرَةُ وإيقاظٌ لِبَصائِرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ إلى مَوْضِعِ الِاعْتِبارِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ، وهو إعْراضُ الأُمَّةِ عَنْ هَدْيِ رَسُولِها وانْصِياعِها إلى تَضْلِيلِ المُضَلِّلِينَ مِن بَيْنِها. فَلِلْإيماءِ إلى هَذا قالَ تَعالى ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ .
وتَنْكِيرُ ذِكْرًا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ آتَيْناكَ كِتابًا عَظِيمًا. وقَوْلُهُ: مِن لَدُنّا تَوْكِيدٌ لِمَعْنى آتَيْناكَ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ عَطِيَّةٌ كانَتْ مَخْزُونَةً عِنْدَ اللَّهِ فَخَصَّ بِها خَيْرَ عِبادِهِ.
صفحة ٣٠٣
والوِزْرُ: الإثْمُ. وجُعِلَ مَحْمُولًا تَمْثِيلًا لِمُلاقاةِ المَشَقَّةِ مِن جَرّاءِ الإثْمِ، أيْ مِنَ العِقابِ عَنْهُ، فَهُنا مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقَرِينَتُهُ الحالُ في قَوْلِهِ: خالِدِينَ فِيهِ، وهو حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ أوِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وماصَدَقُها مُتَّحِدٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ بِالإفْرادِ والجَمْعِ رَعْيًا لِلَفْظِ ”مِن“ مَرَّةً، ولِمَدْلُولِها مَرَّةً، وهو الجَمْعُ المُعْرِضُونَ، فَقالَ: ”مَن أعْرَضَ“ ثُمَّ قالَ: ”خالِدِينَ“ . وجُمْلَةُ ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ: ومَسُوئِينَ بِهِ. و”ساءَ“ هُنا هو أحَدُ أفْعالِ الذَّمِّ مِثْلَ ”بِئْسَ“، وفاعِلُ ”ساءَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ التَّمْيِيزُ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ”حِمْلًا“ .
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - اسْمٌ بِمَعْنى المَحْمُولِ، كالذِّبْحِ بِمَعْنى المَذْبُوحِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ لَفْظِ ”وِزْرًا“ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وساءَ لَهم حِمْلًا وِزْرُهم، وحَذْفُ المَخْصُوصِ في أفْعالِ المَدْحِ والذَّمِّ شائِعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] أيْ سُلَيْمانُ هو الأوّابُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ”وساءَ لَهم“ لامُ التَّبْيِينِ، وهي مُبَيِّنَةٌ لِلْمَفْعُولِ في المَعْنى؛ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ: ساءَهُمُ الحِمْلُ، فَجِيءَ بِاللّامِ لِزِيادَةِ تَبْيِينِ تَعَلُّقِ الذَّمِّ بِحِمْلِهِ. فاللّامُ لِبَيانِ الَّذِينَ تَعَلَّقَ بِهِمْ سُوءُ الحِمْلِ.
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - المَحْمُولُ، مِثْلُ الذِّبْحِ.
20:102–104Page 319
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢
The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1
يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣
They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤
We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١]، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن
صفحة ٣٠٤
لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] وما تَبِعَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] . تَخَلُّصٌ لِذِكْرِ البَعْثِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والنِّذارَةِ بِما يَحْصُلُ لِلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والصُّورُ: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُجْعَلُ في داخِلِهِ سِدادٌ لِبَعْضِ فَضائِهِ، فَإذا نَفَخَ فِيهِ النّافِخُ بِقُوَّةٍ خَرَجَ مِنهُ صَوْتٌ قَوِيٌّ، وقَدِ اتُّخِذَ لِلْإعْلامِ بِالِاجْتِماعِ لِلْحَرْبِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُنْفَخُ“ بِياءِ الغِيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ بِنَفْخِ نافِخٍ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِذَلِكَ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”نَنْفُخُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الفاءِ. وإسْنادُ النَّفْخِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ الآمِرُ بِهِ، مِثْلَ: بَنى الأمِيرُ القَلْعَةَ.
والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ والكَفَرَةُ.
والزُّرْقُ: جَمْعُ أزْرَقٍ، وهو الَّذِي لَوْنُهُ الزُّرْقَةُ. والزُّرْقَةُ: لَوْنٌ كَلَوْنِ السَّماءِ إثْرَ الغُرُوبِ، وهو في جَلْدِ الإنْسانِ قَبِيحُ المَنظَرِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ لَوْنَ ما أصابَهُ حَرْقُ نارٍ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الزُّرْقَةَ لَوْنُ أجْسادِهِمْ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقِيلَ: المُرادُ لَوْنُ عُيُونِهِمْ، فَقِيلَ: لِأنَّ زُرْقَةَ العَيْنِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ العَرَبِ. والأظْهَرُ عَلى هَذا المَعْنى أنْ يُرادَ شِدَّةُ زُرْقَةِ العَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْنٌ غَيْرُ مُعْتادٍ،، فَيَكُونُ كَقَوْلِ بِشارٍ:
ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ
وقِيلَ: المُرادُ بِالزُّرْقِ العُمْيُ؛ لِأنَّ العَمى يُلَوِّنُ العَيْنَ بِزُرْقَةٍ. وهو مُحْتَمَلٌ في بَيْتِ بِشارٍ أيْضًا.
والتَّخافُتُ: الكَلامُ الخَفِيُّ مِن خَوْفٍ ونَحْوِهُ. وتَخافُتُهم لِأجْلِ ما يَمْلَأُ صُدُورَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] .
صفحة ٣٠٥
وجُمْلَةُ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ مُبِينَةٌ لِجُمْلَةِ يَتَخافَتُونَ، وهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا ورُفاتًا فَأحْياهُمُ اللَّهُ، فاسْتَيْقَنُوا ضَلالَهم؛ إذْ كانُوا يُنْكِرُونَ الحَشْرَ. ولَعَلَّهم أرادُوا الِاعْتِذارَ لِخَطَئِهِمْ في إنْكارِ الإحْياءِ بَعْدَ انْقِراضِ أجْزاءِ البَدَنِ مُبالَغَةً في المُكابَرَةِ، فَزَعَمُوا أنَّهم ما لَبِثُوا في القُبُورِ إلّا عَشْرَ لَيالٍ، فَلَمْ يَصِيرُوا رُفاتًا، وذَلِكَ لِما بَقِيَ في نُفُوسِهِمْ مِنِ اسْتِحالَةِ الإحْياءِ بَعْدَ تَفَرُّقِ الأوْصالِ، فَزَعَمُوا أنَّ إحْياءَهم ما كانَ إلّا بِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ، فالمُرادُ بِاللَّبْثِ: المُكْثُ في القُبُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى قالَ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥] ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
و”إذا“ ظَرْفٌ، أيْ يَتَخافَتُونَ في وقْتٍ يَقُولُ فِيهِ أمْثَلُهم طَرِيقَةً. والأمْثَلُ: الأرْجَحُ الأفْضَلُ. والمَثالَةُ: الفَضْلُ، أيْ صاحِبُ الطَّرِيقَةِ المُثْلى؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ في الحَقِيقَةِ لِلتَّمْيِيزِ.
والطَّرِيقَةُ: الحالَةُ والسُّنَّةُ والرَّأْيُ. والمُرادُ هُنا الرَّأْيُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، ولَمْ يَأْتِ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وصْفِ القائِلِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ بِأنَّهُ أمْثَلُ طَرِيقَةٍ بِوَجْهٍ تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ؛ والَّذِي أراهُ: أنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ والمَجازَ؛ فَإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ كانَ المَعْنى أنَّهُ أقْرَبُهم إلى اخْتِلاقِ الِاعْتِذارِ عَنْ خَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقِعًا بَعْدَ طُولِ المُكْثِ في الأرْضِ طُولًا تَتَلاشى فِيهِ أجْزاءُ الأجْسامِ، فَلَمّا وجَدُوا أجْسادَهم كامِلَةً مِثْلَ ما كانُوا في الدُّنْيا قالَ بَعْضُهم: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ . فَكانَ ذَلِكَ القَوْلُ عُذْرًا؛ لِأنَّ عَشْرَ اللَّيالِيَ تَتَغَيَّرُ في مِثْلِها الأجْسامُ. فَكانَ الَّذِي قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا
صفحة ٣٠٦
يَوْمًا﴾ أقْرَبَ إلى رَواجِ الِاعْتِذارِ. فالمُرادُ: أنَّهُ الأمْثَلُ مِن بَيْنِهِمْ في المَعاذِيرِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مُصِيبٌ. وإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ المَجازِ فَهو تَهَكُّمٌ بِالقائِلِ في سُوءِ تَقْدِيرِهِ مِن لَبْثِهِمْ في القُبُورِ، فَلَمّا كانَ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَغِّلًا في الغَلَطِ، مُؤْذِنًا بِجَهْلِ المُقَدِّرِينَ واسْتِبْهامُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، دالًّا عَلى الجَهْلِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي قَضّى الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ والأُمَمَ العَظِيمَةَ وأعادَهم بَعْدَ القُرُونِ الغابِرَةِ - فَكانَ الَّذِي قُدَّرَ زَمَنَ المُكْثِ في القُبُورِ بِأقَلِّ قَدْرٍ أوْغَلَ في الغَلَطِ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِـ ”أمْثَلُهم طَرِيقَةً“ تَهَكُّمًا بِهِ وبِهِمْ مَعًا، إذِ اسْتَوى الجَمِيعُ في الخَطَأِ.
وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ ”يَتَخافَتُونَ“ وظَرْفِيَّةِ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُمْ﴾، أيْ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ سِرًّا ونَحْنُ أعْلَمُ بِهِ، وإنَّنا نُخْبِرُ عَنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبَرَ العَلِيمِ الصّادِقِ.
20:105–107Page 319
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥
And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1
فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا ١٠٦
And He will leave it [i.e., the earth] a level plain;
لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧
You will not see therein a depression or an elevation."
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾
لَمّا جَرى ذِكْرُ البَعْثِ ووُصِفَ ما سَيَنْكَشِفُ لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ مِن خَطَئِهِمْ في شُبْهَتِهِمْ بِتَعَذُّرِ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها ذُكِرَتْ أيْضًا شُبْهَةٌ مِن شُبُهاتِهِمْ كانُوا يَسْألُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ سُؤالَ تَعَنُّتٍ لا سُؤالَ اسْتِهْداءٍ، فَكانُوا يُحِيلُونَ انْقِضاءَ هَذا العالَمِ ويَقُولُونَ: فَأيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الجِبالُ الَّتِي نَراها. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وهم أهْلُ جِبالٍ لِأنَّ مَوْطِنَهُمُ الطّائِفُ وفِيهِ جَبَلُ كَرى. وسَواءٌ كانَ سُؤالُهُمُ اسْتِهْزاءً أمِ اسْتِرْشادًا. فَقَدْ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِمَصِيرِ
صفحة ٣٠٧
الجِبالِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمْ وتَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: جاءَ هُنا - أيْ قَوْلُهُ: ”﴿فَقُلْ يَنْسِفُها﴾“ بِفاءٍ وكُلُّ سُؤالٍ في القُرْآنِ ”قُلْ“ - أيْ كُلُّ جَوابٍ في لَفْظٍ مِنهُ مادَّةُ سُؤالٍ - بِغَيْرِ فاءٍ إلّا هَذا؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، فَتَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنْها فَأجابَهم قَبْلَ السُّؤالِ. وتِلْكَ أسْئِلَةٌ تَقَدَّمَتْ سَألُوا عَنْها النَّبِيءَ ﷺ فَجاءَ الجَوابُ عَقِبَ السُّؤالِ.
وأكَّدَ ”يَنْسِفُها نَسْفًا“ لِإثْباتِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ لا اسْتِعارَةٌ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا. . . إلى آخِرِهِ، ونَنْسِفُ الجِبالَ نَسْفًا، فَقُلْ ذَلِكَ لِلَّذِينَ يَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ.
والنَّسْفُ: تَفْرِيقٌ وإذْراءٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا.
والقاعُ: الأرْضُ السَّهْلَةُ.
والصَّفْصَفُ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا نُتُوءَ فِيها.
ومَعْنى يَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا أنَّها تَنْدَكُّ في مَواضِعِها وتُسَوّى مَعَ الأرْضِ حَتّى تَصِيرَ في مُسْتَوى أرْضِها، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِزِلْزالٍ أوْ نَحْوِهُ، قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤] . وجُمْلَةُ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ”قاعًا صَفْصَفًا“ لِزِيادَةِ تَصْوِيرِ حالَةٍ فَيَزِيدُ تَهْوِيلُها، والخِطابُ في ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، يُخاطِبُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ سائِلِيهِ.
والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ -: ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، ويُقالُ بِفَتْحِ العَيْنِ والواوِ كَذَلِكَ، فَهُما مُتَرادِفانِ عَلى الصَّحِيحِ مِن أقْوالِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. وهو ما جَزَمَ بِهِ عَمْرٌو واخْتارَهُ المَرْزُوقِيُّ في ”شَرْحِ الفَصِيحِ“ . وقالَ جَماعَةٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ يَجْرِي عَلى الأجْسامِ غَيْرِ المُنْتَصِبَةِ كالأرْضِ
صفحة ٣٠٨
وعَلى الأشْياءِ المَعْنَوِيَّةِ كالدِّينِ. ومَفْتُوحُ العَيْنِ يُوصَفُ بِهِ الأشْياءُ المُنْتَصِبَةُ كالحائِطِ والعَصا، وهو ظاهِرُ ما في ”لِسانِ العَرَبِ“ عَنِ الأزْهَرِيِّ، وقالَ فَرِيقٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ المَعانِي، ومَفْتُوحُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ الأعْيانُ. وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ هُنا، وكَأنَّهُ مالَ إلى ما فِيهِ مِنَ التَّفْرِقَةِ في الِاسْتِعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها المُحَقِّقُونَ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ ”القامُوسِ“، وتَعَسَّفَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلى اعْتِبارِهِ خِلافًا لِظاهِرِها. وهو يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ إطْلاقِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ. وتَقَدَّمَ هَذا اللَّفْظُ في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ فانْظُرْهُ.
والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ، أيْ لا تَرى فِيها وهْدَةً ولا نُتُوءًا ما.
والمَعْنى: لا تَرى في مَكانِ نَسْفِها عِوَجًا ولا أمْتًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences