Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:24–32
21:24Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بِرِهانَكم هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي وذِكْرُ مِن قَبْلِي بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]، أُكِّدَ ذَلِكَ الإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ بِمِثْلِهِ اسْتِعْظامًا
صفحة ٤٧
لِفَظاعَتِهِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ اسْتِدْلالٌ آخَرُ كَما بُنِيَ عَلى نَظِيرِهِ السّابِقِ؛ فَإنَّ الأوَّلَ بُنِيَ عَلَيْهِ دَلِيلُ اسْتِحالَةٍ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، وهَذا بُنِيَ عَلَيْهِ دَلِيلُ بُطْلانٍ بِشَهادَةِ الشَّرائِعِ سابِقِها ولاحِقِها، فَلَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: هاتُوا بُرْهانَكم أيْ، هاتُوا دَلِيلًا عَلى أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ مِن شَواهِدِ الشَّرائِعِ والرُّسُلِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] في سُورَةِ النِّساءِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي﴾ إلى مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، والمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ تَمْيِيزُهُ وإعْلانُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ المُخاطَبُ المُغالَطَةَ فِيهِ ولا في مَضْمُونِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] في سُورَةِ ”لُقْمانَ“، أيْ أنَّ كُتُبَ الذِّكْرِ - أيِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ - في مُتَناوَلِ النّاسِ، فانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ في أحَدٍ مِنها أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ، وأنَّ اللَّهَ أذِنَ بِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً. وإضافَةُ ”ذِكْرُ“ إلى ”مَن مَعِيَ“ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وهُمُ المُذَكَّرُونَ، بِفَتْحِ الكافِ.
والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿مَن مَعِي﴾“ مَعِيَّةُ المُتابَعَةِ، أيْ مَن مَعِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَماصَدَقُ ”مَن“ المَوْصُولَةِ الأُمَمُ، أيْ هَذا ذِكْرُ الأُمَّةِ الَّتِي هي مَعِي، أيِ الذِّكْرُ المُنَزَّلُ لِأجْلِكم. فالإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] . والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي﴾ القُرْآنُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فَمَعْناهُ ذِكْرُ الأُمَمِ الَّذِينَ هم قَبْلِيَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الكُتُبِ السّالِفَةِ المَعْرُوفَةِ: التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ وكِتابُ لُقْمانَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٤٨
وأُضْرِبَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ مُضَيَّعٌ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ لا تَرْجُ مِنهُمُ اعْتِرافًا بِبُطْلانِ شِرْكِهِمْ مِن دَلِيلِ العَقْلِ المُتَقَدِّمِ ولا مِن دَلِيلِ شَهادَةِ الشَّرائِعِ المَذْكُورِ ثانِيًا، فَإنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ولا يَكْتَسِبُونَ عِلْمَهُ.
والمُرادُ بِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ أنَّهم لا يَتَطَلَّبُونَ عِلْمَهُ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم مُعْرِضُونَ﴾ ”، أيْ مُعْرِضُونَ عَنِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ الَّتِي تَدْعُوهم أنْتَ إلى مَعْرِفَتِها والنَّظَرِ فِيها.
وإنَّما أُسْنِدَ هَذا الحُكْمُ إلى أكْثَرِهِمْ لا لِجَمِيعِهِمْ؛ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ قَلِيلًا مِنهم يَعْلَمُونَ الحَقَّ ويَجْحَدُونَهُ، أوْ إيماءً إلى أنَّ قَلِيلًا مِنهم تَهَيَّأتْ نُفُوسُهم لِقَبُولِ الحَقِّ. وتِلْكَ هي الحالَةُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ هُبُوبِ نَسَماتِ التَّوْفِيقِ عَلَيْها مِثْلَ ما عَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ وجَدَ اللَّوْحَ عِنْدَ أُخْتِهِ مَكْتُوبًا فِيهِ سُورَةُ“ طه " فَأقْبَلَ عَلى قِراءاتِهِ بِشَراشِرِهِ، فَما أتَمَّهُما حَتّى عَزَمَ عَلى الإسْلامِ.
21:25Page 324
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥
And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾
لَمّا أظْهَرَ لِرَسُولِهِ أنَّ المُعانِدِينَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ لِإعْراضِهِمْ عَنْ تَلَقِّيهِ أقْبَلَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ بِتَأْيِيدِ مَقالِهِ الَّذِي لَقَّنَهُ أنْ يُجِيبَهم بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]، فَأفادَ تَعْمِيمَهُ في شَرائِعِ سائِرِ الرُّسُلِ سَواءٌ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ ومَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتابٌ، وسَواءٌ مَن كانَ كِتابُهُ باقِيًا مِثْلَ مُوسى وعِيسى وداوُدَ ومَن لَمْ يَبْقَ كِتابُهُ مِثْلَ إبْراهِيمَ.
صفحة ٤٩
ولَيْسَ ذِكْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن آيِ التَّوْحِيدِ وإنْ أفادَتِ التَّقْرِيرَ تَبَعًا لِفائِدَتِها المَقْصُودَةِ. وفِيها إظْهارٌ لِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِإزالَةِ الشِّرْكِ مِن نُفُوسِ البَشَرِ، وقَطْعِ دابِرِهِ إصْلاحًا لِعُقُولِهِمْ بِأنْ يُزالَ مِنها أفْظَعُ خَطَلٍ وأسْخَفُ رَأْيٍ، ولَمْ تَقْطَعْ دابِرَ الشِّرْكِ شَرِيعَةٌ كَما قَطَعَهُ الإسْلامُ بِحَيْثُ لَمْ يَحْدُثِ الإشْراكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ.
وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿مِن رَسُولٍ﴾“ مَزِيدٌ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ.
وفَرَّعَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِمْ أمْرَهُ إيّاهم بِعِبادَتِهِ عَلى الإعْلانِ بِأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَكانَ اسْتِحْقاقُ العِبادَةِ خاصًّا بِهِ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ إلّا يُوحى إلَيْهِ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ، وقَرَأهُ حَفْصُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّعُ في مَوْضِعِ الحالِ.
21:26–29Page 324
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦
And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.
لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧
They cannot precede Him in word, and they act by His command.
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨
He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.
۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مَن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ عَلى قِصَّةٍ أُخْرى. فَلَمّا فُرِغَ مِن بَيانِ باطِلِهِمْ فِيما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً انْتَقَلَ إلى بَيانِ باطِلٍ آخَرَ وهو
صفحة ٥٠
اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا، وقَدْ كانَتْ خُزاعَةُ مِن سُكّانِ ضَواحِي مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ وشارَكَهم في هَذا الزَّعْمِ بَعْضٌ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والوَلَدُ اسْمُ جَمْعٍ مُفْرَدُهُ مِثْلُهُ، أيِ اتَّخَذَ أوْلادًا، والوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، والَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أرادُوا أنَّهُ اتَّخَذَ بَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]، ولَمّا كانَ اتِّخاذُ الوَلَدِ نَقْصًا في جانِبٍ واجِبِ الوُجُودِ أعْقَبَ مَقالَتَهم بِكَلِمَةِ ”سُبْحانَهُ“ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَنْشَأُ عَنِ الِافْتِقارِ إلى إكْمالِ النَّقْصِ العارِضِ بِفَقْدِ الوَلَدِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]، ولَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] أنَّهم زَعَمُوا المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ تَعالى - أُعْقِبَ حَرْفُ الإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهم عِبادٌ دُونَ ذِكْرِ المُبْتَدَأِ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: بَلِ المَلائِكَةُ عِبادٌ مُكَرَمُونَ، أيْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِرِضاهُ عَنْهم وجَعَلَهم مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ، وفَضَّلَهم عَلى كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ الصّالِحِينَ.
والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: التَّقَدُّمُ في السَّيْرِ عَلى سائِرٍ آخَرَ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ مَجازًا عَلى التَّقَدُّمِ في كُلِّ عَمَلٍ. ومِنهُ السَّبْقُ في القَوْلِ، أيِ التَّكَلُّمُ قَبْلَ الغَيْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. ونَفْيُهُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُساواةِ، أيْ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ التَّقَدُّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَإنَّ التَّقَدُّمَ في مَعْنى السَّبْقِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُرُ مِنهم قَوْلٌ قَبْلَ قَوْلِهِ، أيْ لا يَقُولُونَ إلّا ما أُذِنَ لَهم إلّا أنْ يَقُولُوهُ. وهَذا عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ
صفحة ٥١
الرَّدُّ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ إذا أرادَ اللَّهُ عِقابَهم عَلى أعْمالِهِمْ، ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ كَما سَيُصَرِّحُ بِنَفْيِهِ. وتَقْدِيمُ ”بِأمْرِهِ“ عَلى ”يَعْمَلُونَ“ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّهم لا يَقُولُونَ قَوْلًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، كَذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ لِبَعْضِ ما شَمِلَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا كَفَرُوا بِسَبَبِهِ إذْ جَعَلُوا الآلِهَةَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ارْتَضى“؛ لِأنَّهُ عائِدُ صِلَةٍ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: لِمَنِ ارْتَضاهُ، أيِ ارْتَضى الشَّفاعَةَ لَهُ بِأنْ يَأْذَنَ المَلائِكَةَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ أوِ اسْتِجابَةً لِاسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] في سُورَةِ الشُّورى. وذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ مِن جُمْلَةِ ما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، فَلَيْسَ هو مِنَ التَّقَدُّمِ بِالقَوْلِ.
ثُمَّ زادَ تَعْظِيمَهم رَبُّهم تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، أيْ هم يُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمَ مَن يَخافُ بِطَشْتَهُ ويَحْذَرُ مُخالَفَةَ أمْرِهِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن خَشْيَتِهِ“ لِلتَّعْلِيلِ، والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، وهو حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ. و”مُشْفِقُونَ“ خَبَرٌ، أيْ وهم لِأجْلِ خَشْيَتِهِ، أيْ خَشْيَتِهِمْ إيّاهُ.
صفحة ٥٢
والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ والحَذِرُ مِنهُ.
والشَّرْطُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ إلَخْ شَرْطٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ قالَهُ واحِدٌ مِنهم مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم لا يَقُولُونَهُ لِأجْلِ ما تَقَرَّرَ مِن شِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا الشَّرْطِ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ ادَّعَوْ لَهُمُ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهم ما لا يَرْضَوْنَهُ ولا يَقُولُونَهُ، وأنَّهُمُ ادَّعَوْ ما يُوجِبُ لِقائِلِهِ نارَ جَهَنَّمَ عَلى حَدِّ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وعُدِلَ عَنْ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ إلى ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ مَعَ الإيجازِ. وأُدْخِلَ اسْمُ الإشارَةِ في جَوابِ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيقِ بِنِسْبَتِهِ الشَّرْطَ لِأداتِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ مَضْمُونِ الجَزاءِ بِمَن ثَبُتَ لَهُ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وفي هَذا إبْطالٌ لِدَعْوى عامَّةِ النَّصارى إلَهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهم يَقُولُونَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ التَّعْرِيضُ فَقالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو جَهَنَّمُ يَجْزِي المُثْبِتِينَ لِلَّهِ شَرِيكًا. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ.
21:30Page 324
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠
Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?
﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ ”أوَلَمْ“ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي واوُ العَطْفِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الخَلْقِ الثّانِي بِالخَلْقِ الأوَّلِ وما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”ألَمْ يَرَ“ بِدُونِ واوِ عَطْفٍ. قالَ أبُو شامَةَ: ولَمْ تَثْبُتِ الواوُ في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ. قُلْتُ: مَعْناهُ أنَّها لَمْ تَثْبُتْ في المُصْحَفِ الَّذِي أرْسَلَ بِهِ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ فالتَزَمَ قُرّاءُ مَكَّةَ رِوايَةَ عَدَمِ الواوِ إلى أنْ قَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ، وأُهْمِلَتْ غَيْرُ قِراءَتِهِ.
صفحة ٥٣
والِاسْتِفْهامُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ إنْكارِيٌّ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلى إهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ. والرُّؤْيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. والِاسْتِفْهامُ صالِحٌ لِأنْ يَتَوَجَّهُ إلى كِلْتَيْهِما؛ لِأنَّ إهْمالَ النَّظَرِ في المُشاهَداتِ الدّالَّةِ عَلى عِلْمِ ما يُنْقِذُ عِلْمُهُ مِنَ التَّوَرُّطِ في العَقائِدِ الضّالَّةِ حَقِيقٌ بِالإنْكارِ، وإنْكارُ إعْمالِ الفِكْرِ في دَلالَةِ الأشْياءِ عَلى لَوازِمِها حَتّى لا يَقَعَ أحَدٌ في الضَّلالِ جَدِيرٌ أيْضًا بِالإنْكارِ أوْ بِالتَّقْرِيرِ المَشُوبِ بِإنْكارٍ كَما سَنُفَصِّلُهُ.
والرَّتْقُ: الِاتِّصالُ والتَّلاصُقُ بَيْنَ أجْزاءِ الشَّيْءِ.
والفَتْقُ: ضِدُّهُ وهو الِانْفِصالُ والتَّباعُدُ بَيْنَ الأجْزاءِ.
والإخْبارُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأنَّهُما رَتْقٌ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الصِّفَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ”كانَتا“ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونا مَعًا رَتْقًا واحِدًا بِأنْ تَكُونَ السَّماواتُ والأرْضُ جِسْمًا مُلْتَئِمًا مُتَّصِلًا، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ كُلُّ سَماءٍ رَتْقًا عَلى حِدَتِها، والأرْضُ رَتْقًا عَلى حِدَتِها، وكَذَلِكَ الِاحْتِمالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”فَفَتَقْناهُما“ .
وإنَّما لَمْ يَقُلْ نَحْوَ: فَصارَتا فَتْقًا؛ لِأنَّ الرَّتْقَ مُتَمَكِّنٌ مِنهُما أشَدَّ تَمَكُّنٍ كَما قُلْنا؛ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ في فَتْقِهِما، ولِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى حَدَثانِ الفَتْقِ إيماءً إلى حُدُوثِ المَوْجُوداتِ كُلِّها وأنْ لَيْسَ مِنها أزَلِيٌّ.
والرَّتْقُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَعانٍ تَنْشَأُ عَلى مُحْتَمَلاتِها مَعانٍ في الفَتْقِ، فَإنِ اعْتَبَرْنا الرُّؤْيَةَ بَصْرِيَّةً فالرَّتْقُ المُشاهَدُ هو ما يُشاهِدُهُ الرّائِي مِن عَدَمِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ بَيْنَ أجْزاءِ السَّماواتِ وبَيْنَ أجْزاءِ الأرْضِ،
صفحة ٥٤
والفَتْقُ هو ما يُشاهِدُهُ الرّائِي مِن ضِدِّ ذَلِكَ حِينَ يَرى المَطَرَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ، ويَرى البَرِيقَ يَلِجُ مِنها، والصَّواعِقَ تَسْقُطُ مِنها، فَذَلِكَ فَتْقُها، وحِينَ يَرى انْشِقاقَ الأرْضِ بِماءِ المَطَرِ وانْبِثاقَ النَّباتِ والشَّجَرِ مِنها بَعْدَ جَفافِها، وكُلُّ ذَلِكَ مُشاهَدٌ مَرْئِيٌّ دالٌّ عَلى تَصَرُّفِ الخالِقِ، وفي هَذا المَعْنى جُمِعَ بَيْنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ هو عِبْرَةُ دَلالَةٍ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وتَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ إحْياءِ المَوْتى كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [فاطر: ٩] في سُورَةِ فاطِرٍ.
وإنِ اعْتَبَرْنا الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةً احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ مِثْلَ ما أُرِيدَ بِهِ عَلى اعْتِبارِ كَوْنِ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً، وكانَ الِاسْتِفْهامُ أيْضًا إنْكارِيًّا مُتَوَجِّهًا إلى إهْمالِهِمُ التَّدَبُّرَ في المُشاهَداتِ. واحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ مَعانٍ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ ولَكِنَّها مِمّا يَنْبَغِي طَلَبُ العِلْمِ بِهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وعَلى الوَحْدانِيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ حَقِيقَتاهُما، أيِ الِاتِّصالُ والِانْفِصالُ. ثُمَّ هَذا الِاحْتِمالُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ، أيْ كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ رَتْقًا واحِدًا، أيْ كانَتا كُتْلَةً واحِدَةً ثُمَّ انْفَصَلَتِ السَّماواتُ عَنِ الأرْضِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هود: ٧] في سُورَةِ ”هُودٍ“ .
ويَجُوزُ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الرَّتْقُ والفَتْقُ عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ كانَتِ السَّماواتُ رَتْقًا في حَدِّ ذاتِها وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا في حَدِّ ذاتِها ثُمَّ فَتَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وفَتَقَ الأرْضَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزِيَّنا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
صفحة ٥٥
وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ الآياتِ الَّتِي وصَفَتْ بَدْءَ الخَلْقِ ومَشُوبًا بِالإنْكارِ عَلى ذَلِكَ.
وعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ فالمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أيْضًا الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْشَأهُما بَعْدَ العَدَمِ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بَعْدَ انْعِدامِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩] .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ العَدَمُ وبِالفَتْقِ الإيجادُ. وإطْلاقُ الرُّؤْيَةِ عَلى العِلْمِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الرَّتْقَ بِهَذا المَعْنى مُحَقَّقٌ أمْرُهُما عِنْدَهم، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ الظُّلْمَةُ وبِالفَتْقِ النُّورُ، فالمَوْجُوداتُ وُجِدَتْ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْها النُّورَ بِأنْ أوْجَدَ في بَعْضِ الأجْسامِ نُورًا أضاءَ المَوْجُوداتِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ اتِّحادُ المَوْجُوداتِ حِينَ كانَتْ مادَّةً واحِدَةً أوْ كانَتْ أثِيرًا أوْ عَماءَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”كانَ في عَماءَ“، فَكانَتْ جِنْسًا عالِيًا مُتَّحِدًا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَخْلُوقٍ، وهو حِينَئِذٍ كُلِّيٌّ انْحَصَرَ في فَرْدٍ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ أبْعاضًا وجَعَلَ لِكُلِّ بَعْضٍ مُمَيِّزاتٍ ذاتِيَّةً، فَصَيَّرَ كُلَّ مُتَمَيِّزٍ بِحَقِيقَةٍ جِنْسًا، فَصارَتْ أجْناسًا. ثُمَّ خَلَقَ في الأجْناسِ مُمَيِّزاتٍ بِالعَوارِضِ لِحَقائِقِها، فَصارَتْ أنْواعًا. وهَذا الِاحْتِمالُ أسْعَدُ بِطَرِيقَةِ الحُكَماءِ، وقَدِ اصْطَلَحُوا عَلى تَسْمِيَةِ هَذا التَّمْيِيزِ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ، وبَعْضٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وهو صاحِبُ ”مِرْآةِ العارِفِينَ“ جَعَلَ الرَّتْقَ عَلَمًا عَلى العُنْصُرِ الأعْظَمِ يَعْنِي الجِسْمَ الكُلَّ، والجِسْمُ الكُلُّ هو الفَلَكُ الأعْظَمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعَرْشِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الحَكِيمُ الصُّوفِيُّ لُطْفُ اللَّهِ الأرْضَرُومِيُّ صاحِبُ ”مَعارِجِ النُّورِ في أسْماءِ اللَّهِ
صفحة ٥٦
الحُسْنى“ المُتَوَفّى في أواخِرِ القَرْنِ الثّانِي عَشَرَ الَّذِي دَخَلَ تُونُسَ عامَ ١١٨٥ هـ في مُقَدِّماتِ كِتابِهِ ”مَعارِجِ النُّورِ“ وفي رِسالَةٍ لَهُ سَمّاها ”رِسالَةَ الفَتْقِ والرَّتْقِ“ .
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ جَمِيعَ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعانِي الرَّتْقِ والفَتْقِ؛ إذْ لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ مَعْنًى عامٍّ يَجْمَعُها جَمِيعًا، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى عِبْرَةٍ تَعُمُّ كُلَّ النّاسِ وعَلى عِبْرَةٍ خاصَّةٍ بِأهْلِ النَّظَرِ والعِلْمِ، فَتَكُونُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها في مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
* * *
﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾
زِيادَةُ اسْتِدْلالٍ بِما هو أظْهَرُ لِرُؤْيَةِ الأبْصارِ وفِيهِ عِبْرَةٌ لِلنّاسِ في أكْثَرِ أحْوالِهِ، وهو عِبْرَةٌ لِلْمُتَأمِّلِينَ في دَقائِقِهِ في تَكْوِينِ الحَيَوانِ مِنَ الرُّطُوباتِ، وهي تَكْوِينُ التَّناسُلِ وتَكْوِينُ جَمِيعِ الحَيَوانِ، فَإنَّهُ لا يَتَكَوَّنُ إلّا مِنَ الرُّطُوبَةِ ولا يَعِيشُ إلّا مُلابِسًا لَها، فَإذا انْعَدَمَتْ مِنهُ الرُّطُوبَةُ فَقَدَ الحَياةَ، ولِذَلِكَ كانَ اسْتِمْرارُ الحُمّى مُفْضِيًا إلى الهُزالِ ثُمَّ إلى المَوْتِ، و”جَعَلَ“ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُرادٍ مِنها التَّحَوُّلُ مِن حالٍ إلى حالٍ.
و”مِنَ الماءِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”جَعَلْنا“، و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”أفَلا يُؤْمِنُونَ“ إنْكارًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ إيمانِهِمُ الإيمانَ الَّذِي دَعاهم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو الإيمانُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ.
21:31Page 324
وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١
And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.
صفحة ٥٧
﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلَنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
هَذا مِن آثارِ فَتْقِ الأرْضِ في حَدِّ ذاتِها، إذْ أخْرَجَ اللَّهُ مِنها الجِبالَ وذَلِكَ فَتْقُ تَكْوِينٍ، وجَعَلَ فِيها الطُّرُقَ أيِ الأرَضِينَ السَّهْلَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ المَشْيِ فِيها عَكْسَ الجِبالِ.
والرَّواسِي: الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ في الأرْضِ، أيْ رَسَخَتْ فِيها. والمَيْدُ: الِاضْطِرابُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ.
وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مَعْنى ”أنْ تَمِيدَ“ أنْ لا تَمِيدَ، أوْ لِكَراهَةِ أنْ تَمِيدَ. والمَعْنى: وجَعَلْنا في الأرْضِ فِجاجًا. ولَمّا كانَ ”فِجاجًا“ مَعْناهُ واسِعَةٌ كانَ في المَعْنى وصْفًا لِلسَّبِيلِ، فَلَمّا قُدِّمَ عَلى مَوْصُوفِهِ انْتُصِبَ عَلى الحالِ. والمَقْصُودُ إتْمامُ المِنَّةِ بِتَسْخِيرِ سَطْحِ الأرْضِ لِيَسْلُكُوا مِنها طُرُقًا واسِعَةً، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ مَسالِكَ ضَيِّقَةٍ بَيْنَ الجِبالِ كَأنَّها الأدْوِيَةُ.
والفِجاجُ: جَمْعُ فَجٍّ، والفَجُّ: الطَّرِيقُ الواسِعُ.
والسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ، وهو الطَّرِيقُ مُطْلَقًا.
وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ إنْشاءً رَجاءَ اهْتِداءِ المُشْرِكِينَ إلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، فَإنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ مُشاهَدَةٌ لَهم واضِحَةُ الدَّلالَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالِاهْتِداءِ في السَّيْرِ، أيْ جَعْلِنا سُبُلًا واضِحَةً غَيْرَ مَحْجُوبَةٍ بِالضِّيقِ إرادَةَ اهْتِدائِهِمْ في سَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ هَذِهِ مِنَّةٌ أُخْرى وهو تَدْبِيرُ اللَّهِ الأشْياءَ عَلى نَحْوٍ ما يُلائِمُ الإنْسانَ ويُصْلِحُ أحْوالَهُ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ”لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ“ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ.
21:32Page 324
وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢
And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.
صفحة ٥٨
﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾
لَمّا ذُكِرَ الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ الأرْضِ وما فِيها ناسَبَ بِحُكْمِ الطِّباقِ ذِكْرَ خَلْقِ السَّماءِ عَقِبَهُ، إلّا أنَّ حالَةَ خَلْقِ الأرْضِ فِيها مَنافِعٌ لِلنّاسِ. فَعَقَّبَ ذِكْرَها بِالِامْتِنانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] . وأمّا حالُ خَلْقِ السَّماءِ فَلا تَظْهَرُ فِيهِ مَنفَعَةٌ، فَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ امْتِنانٌ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ إعْراضَهم عَنِ التَّدَبُّرِ في آياتِ خَلْقِ السَّماءِ الدّالَّةِ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ فَعَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾؛ فَأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَّةٌ وهي حِفْظُ السَّماءِ مِن أنْ تَقَعَ بَعْضُ الأجْرامِ الكائِنَةِ فِيها أوْ بَعْضُ أجْزائِها عَلى الأرْضِ فَتُهْلِكَ النّاسَ أوْ تُفْسِدَ الأرْضَ فَتُعَطِّلَ مَنافِعَها، فَذَلِكَ إدْماجٌ لِلْمِنَّةِ في خِلالِ الغَرَضِ المَقْصُودِ الَّذِي لا مَندُوحَةَ عَنِ العِبْرَةِ بِهِ.
والسَّقْفُ حَقِيقَتُهُ: غِطاءُ فَضاءِ البَيْتِ المَوْضُوعُ عَلى جُدْرانِهِ، ولا يُقالُ السَّقْفُ عَلى غِطاءِ الخِباءِ والخَيْمَةِ، وأُطْلِقَ السَّقْفُ عَلى السَّماءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ جَعَلْناها كالسَّقْفِ؛ لِأنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً عَلى عَمَدٍ مِنَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وآياتُ السَّماءِ: ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ السَّماءُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والشُّهُبِ وسَيْرِها وشُرُوقِها وغُرُوبِها وظُهُورِها وغَيْبَتِها، وابْتِناءِ ذَلِكَ عَلى حِسابٍ قَوِيمٍ وتَرْتِيبٍ عَجِيبٍ، وكُلُّها دَلائِلُ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ
صفحة ٥٩
فَلِذَلِكَ سَمّاها آياتٍ. وكَذَلِكَ ما يَبْدُو لَنا مِن جِهَةِ السَّماءِ مِثْلَ السَّحابِ والبَرْقِ والرَّعْدِ.
﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]
لَمّا كانَتْ في إيجادِ هَذِهِ الأشْياءِ المَعْدُودَةِ هُنا مَنافِعٌ لِلنّاسِ سِيقَتْ في مَعْرِضِ المِنَّةِ بِصَوْغِها في صِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُعَرَّفَةِ الجُزْأيْنِ؛ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ أصْنامَهم مُشارَكَةٌ لِلَّهِ في خَلْقِ تِلْكَ الأشْياءِ؛ لِأنَّهم لَمّا عَبَدُوا الأصْنامَ والعِبادَةُ شُكْرٌ، لَزِمَهم أنَّهم يَشْكُرُونَها وقَدْ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَلَزِمَهم أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّها شَرِيكَةٌ لِلَّهِ في خَلْقِ ما خَلَقَ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى إبْطالِ إشْراكِهِمْ إيّاها في الإلَهِيَّةِ.
ولِكَوْنِ المِنَّةِ والعِبْرَةِ في إيجادِ نَفْسِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ونَفْسِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، لا في إيجادِها عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ - جِيءَ هُنا بِفِعْلِ الخَلْقِ لا بِفِعْلِ الجَعْلِ.
وخَلْقُ اللَّيْلِ هو جُزْءٌ مِن جُزْئِيّاتِ خَلْقِ الظُّلْمَةِ الَّتِي أوْجَدَ اللَّهُ الكائِناتِ فِيها قَبْلَ خَلْقِ الأجْسامِ الَّتِي تُفِيضُ النُّورَ عَلى المَوْجُوداتِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ، والنُّورَ وُجُودِيٌّ وهو ضِدُّ الظُّلْمَةِ، والعَدَمُ سابِقٌ لِلْوُجُودِ، فالحالَةُ السّابِقَةُ لِوُجُودِ الأجْرامِ النَّيِّرَةِ هي الظُّلْمَةُ، واللَّيْلُ ظَلَمَةٌ تَرْجِعُ لِجُرْمِ الأرْضِ عِنْدَ انْصِرافِ الأشِعَّةِ عَنِ الأرْضِ، وأمّا خَلْقُ النَّهارِ فَهو بِخَلْقِ الشَّمْسِ ومَن تُوَجُّهِ أشِعَّتِها إلى النِّصْفِ المُقابِلِ لِلْأشِعَّةِ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، فَخَلْقُ النَّهارِ تَبَعٌ لِخَلْقِ الشَّمْسِ وخَلْقِ الأرْضِ ومُقابَلَةِ الأرْضِ لِأشِعَّةِ الشَّمْسِ؛ ولِذَلِكَ كانَ لِذِكْرِ خَلْقِ
صفحة ٦٠
الشَّمْسِ عَقِبَ ذِكْرِ خَلْقِ النَّهارِ مُناسَبَةٌ قَوِيَّةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَنشَأِ خَلْقِ النَّهارِ كَما هو مَعْلُومٌ، وأمّا ذِكْرُ خَلْقِ القَمَرِ فَلِمُناسَبَةِ خَلْقِ الشَّمْسِ، ولِلتَّذْكِيرِ بِمِنَّةِ إيجادِ ما يُنِيرُ عَلى النّاسِ بَعْضَ النُّورِ في بَعْضِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ. وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المِنَنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences