Ibn 'AshurAl‑Anbya · 21:47–50

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:47–50

21:47Page 326

وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧

And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.

﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] إلَخْ؛ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِمْ ”إنّا كُنّا ظالِمِينَ“؛ ولِبَيانِ أنَّهم مُجازَوْنَ عَلى جَمِيعِ ما أسْلَفُوهُ مِنَ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ بَيانًا بِطَرِيقِ ذِكْرِ العُمُومِ بَعْدَ الخُصُوصِ في المُجازَيْنِ، فَشابَهَ التَّذْيِيلَ مِن أجْلِ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، وفي المُجازى عَلَيْهِ مِن أجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن قَوْلِهِ: ”رَبِّكَ“، وتَكُونَ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ التِفاتًا لِمُناسِبَةِ الجَزاءِ لِلْأعْمالِ كَما يُقالُ:

صفحة ٨١

أدّى إلَيْهِ الكَيْلَ صاعًا بِصاعٍ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ وتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. والوَضْعُ حَقِيقَتُهُ: حَطُّ الشَّيْءِ ونَصْبُهُ في مَكانٍ، وهو ضِدُّ الرَّفْعِ، ويُطْلَقُ عَلى صُنْعِ الشَّيْءِ وتَعْيِينِهِ لِلْعَمَلِ بِهِ، وهو في ذَلِكَ مَجازٌ.

والمِيزانُ: اسْمُ آلَةِ الوَزْنِ، ولَهُ كَيْفِيّاتٌ كَثِيرَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ العَوائِدِ، وهي تَتَّحِدُ في كَوْنِها ذاتَ طَبَقَيْنِ مُتَعادِلَيْنِ في الثِّقَلِ يُسَمَّيانِ كِفَّتَيْنِ - بِكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ الفاءِ - تَكُونانِ مِن خَشَبٍ أوْ مِن حَدِيدٍ، وإذا كانَتا مِن صُفْرٍ سُمِّيَتا صَنْجَتَيْنِ - بِصادٍ مَفْتُوحَةٍ ونُونٍ ساكِنَةٍ - مُعَلَّقٌ كُلُّ طَبَقٍ بِخُيُوطٍ في طَرَفٍ يَجْمَعُهُما عُودٌ مِن حَدِيدٍ أوْ خَشَبٍ صَلْبٍ، في طَرَفَيْهِ عُرْوَتانِ يُشَدُّ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما طَبَقٌ مِنَ الطَّبَقَيْنِ يُسَمّى ذَلِكَ العُودُ ”شاهِينُ“ وهو مَوْضُوعٌ مَمْدُودًا، وتُجْعَلُ بِوَسَطِهِ عَلى السَّواءِ عُرْوَةٌ لِتُمْسِكَهُ مِنها يَدُ الوازِنِ، ورُبَّما جَعَلُوا تِلْكَ العُرْوَةَ مُسْتَطِيلَةً مِن مَعْدِنٍ وجَعَلُوا فِيها إبْرَةً غَلِيظَةً مِنَ المَعْدِنِ مَنُوطَةً بِعُرْوَةٍ صَغِيرَةٍ مِن مَعْدِنٍ مَصُوغَةٍ في وسَطِ الشّاهِينِ، فَإذا ارْتَفَعَ الشّاهِينُ تَحَرَّكَتْ تِلْكَ الإبْرَةُ فَإذا ساوَتْ وسَطَ العُرْوَةِ الطَّوِيلَةِ عَلى سَواءٍ عُرِفَ اعْتِدالُ الوَزْنِ، وإنْ مالَتْ عُرِفَ عَدَمُ اعْتِدالِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الإبْرَةُ لِسانًا، فَإذا أُرِيدَ وزْنُ شَيْئَيْنِ لِيُعْلَمَ أنَّهُما مُسْتَوِيانِ أوْ أحَدُهُما أرَجَحُ - وُضِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في كِفَّةٍ، فالَّتِي وُضِعَ فِيها الأثْقَلُ مِنهُما تَنْزِلُ والأُخْرى ذاتُ الأخَفِّ تَرْتَفِعُ وإنِ اسْتَوَيَتا فالمَوْزُونانِ مُسْتَوَيانِ، وإذا أُرِيدَ مَعْرِفَةُ ثِقَلِ شَيْءٍ في نَفْسِهِ دُونَ نِسْبَتِهِ إلى شَيْءٍ آخَرَ جَعَلُوا قِطَعًا مِن مَعْدِنٍ: صُفْرٍ أوْ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حَجَرٍ ذاتِ مَقادِيرَ مَضْبُوطَةٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْها مِثْلَ الدِّرْهَمِ والأُوقِيَّةِ والرِّطْلِ، فَجَعَلُوها تَقْدِيرًا لِثِقَلِ المَوْزُونِ لِيُعْلَمَ مِقْدارُ ما فِيهِ؛ لِدَفْعِ الغَبْنِ في التَّعاوُضِ، ووَحْدَتُها هو المِثْقالُ، ويُسَمّى السَّنْجَ - بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ النُّونِ بَعْدَها جِيمٌ.

صفحة ٨٢

و”القِسْطُ“ - بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ السِّينِ - اسْمُ المَفْعُولِ، وهو مَصْدَرٌ وفِعْلُهُ أقْسَطَ - مَهْمُوزًا - وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]“ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .

وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ السَّلَفِ في المُرادِ مِنَ المَوازِينِ هُنا: أهْوَ الحَقِيقَةُ أمِ المَجازُ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وأنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ في يَوْمِ الحَشْرِ مُوازِينَ لِوَزْنِ أعْمالِ العِبادِ تُشْبِهُ المِيزانَ المُتَعارَفَ، فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العِبادِ مِيزانًا خاصًّا بِهِ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهُ، وهو ظاهِرُ صِيغَةِ الجَمْعِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] في سُورَةِ القارِعَةِ.

ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ تُوزَنُ فِيهِ أعْمالُ العِبادِ واحِدًا فَواحِدًا، وأنَّهُ بِيَدِ جِبْرِيلَ، وعَلَيْهِ فالجَمْعُ بِاعْتِبارِ ما يُوزَنُ فِيها؛ لِيُوافِقَ الآثارَ الوارِدَةَ في أنَّهُ مِيزانٌ عامٌّ.

واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِعَظَمَةِ ذَلِكَ لا يُشْبِهُ مِيزانَ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ عَلى مِثالِهِ تَقْرِيبًا، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الوَضْعُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو النَّصْبُ والإرْصادُ.

وذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ المِيزانَ الواقِعَ في القُرْآنِ مَثَلٌ لِلْعَدْلِ في الجَزاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، ومالَ إلَيْهِ الطَّبَرَيُّ. قالَ في ”الكَشّافِ“: المَوازِينُ: الحِسابُ السَّوِيُّ والجَزاءُ عَلى الأعْمالِ بِالنَّصَفَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُظْلَمَ أحَدٌ. اهـ.

أيْ فَهو مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ في الجَزاءِ لِمُشابَهَتِهِ لِلْمِيزانِ في ضَبْطِ العَدْلِ في المُعامَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] .

والوَضْعُ: تَرْشِيحٌ ومُسْتَعارٌ لِلظُّهُورِ.

وذَهَبَ الأشاعِرَةُ إلى أخْذِ المِيزانِ عَلى ظاهِرِهِ.

صفحة ٨٣

ولِلْمُعْتَزِلَةِ في ذَلِكَ قَوْلانِ: فَفَرِيقٌ قالُوا: المِيزانُ حَقِيقَةٌ، وفَرِيقٌ قالُوا: هو مَجازٌ، وقَدْ ذَكَرَ القَوْلَيْنِ في ”الكَشّافِ“ فَدَلَّ صَنِيعُهُ عَلى أنَّ القَوْلَيْنِ جارِيانِ عَلى أقْوالِ أئِمَّتِهِمْ، وصَرَّحَ بِهِ في ”تَقْرِيرِ المَواقِفِ“ .

وفِي المَقاصِدِ: ونِسْبَةُ القَوْلِ بِانْتِفاءِ حَقِيقَةِ المِيزانِ إلى المُعْتَزِلَةِ عَلى الإطْلاقِ قُصُورٌ مِن بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ. اهـ.

قُلْتُ: لَعَلَّهُ أرادَ بِهِ النَّسَفِيَّ في عَقائِدِهِ.

قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ في كِتابِ ”العَواصِمِ مِنَ القَواصِمِ“: انْفَرَدَ القُرْآنُ بِذِكْرِ المِيزانِ، وتَفَرَّدَتِ السَّنَةُ بِذِكْرِ الصِّراطِ والحَوْضِ، فَلَمّا كانَ هَذا الأمْرُ هَكَذا اخْتَلَفَ النّاسُ في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ الأعْمالَ تُوزَنُ حَقِيقَةً في مِيزانٍ لَهُ كِفَّتانِ وشاهِينٌ، وتُجْعَلُ في الكِفَّتَيْنِ صَحائِفُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ويَخْلُقُ اللَّهُ الِاعْتِمادَ فِيها عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِها، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما يَرْجِعُ الخَبَرُ عَنِ الوَزْنِ إلى تَعْرِيفِ اللَّهِ العِبادَ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِمْ. ونَقَلَ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلى هَذا.

ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونَ المِيزانُ والوَزْنُ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّما يَبْقى النَّظَرُ في كَيْفِيَّةِ وزْنِ الأعْمالِ وهي أعْراضٌ فَها هُنا يَقِفُ مَن وقَفَ ويَمْشِي عَلى هَذا مَن مَشى؛ فَمَن كانَ رَأْيُهُ الوُقُوفَ فَمِنَ الأوَّلِ يَنْبَغِي أنْ يَقِفَ، ومَن أرادَ المَشْيَ لَيَجِدَنَّ سَبِيلًا مِئْتاءً؛ إذْ يَجِدُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: مِيزانًا ووَزْنًا ومَوْزُونًا، فَإذا مَشى في طَرِيقِ المِيزانِ والوَزْنِ ووَجَدَهُ صَحِيحًا في كُلِّ لَفْظَةٍ، حَتّى إذا بَلَغَ تَمْيِيزَ المَوْزُونِ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ القَهْقَرى، فَيُبْطِلَ ما قَدْ أثْبَتَ بَلْ يُبْقِي ما تَقَدَّمَ عَلى حَقِيقَتِهِ وصِحَّتِهِ ويَسْعى في تَأْوِيلِ هَذا وتَبْيِينِهِ. اهـ.

صفحة ٨٤

وقُلْتُ: كِلا القَوْلَيْنِ مَقْبُولٌ والكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ أسْماءَ أحْوالِ الآخِرَةِ إنَّما هي تَقْرِيبٌ لَنا بِمُتَعارَفِنا واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ بِمِثْلِ هَذِهِ المَباحِثِ تُعْرَفُ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى ولا بِالقِياسِ عَلى المُعْتادِ المُتَعارَفِ تُجْحَدُ تَصَرُّفاتُهُ تَعالى.

ويَظْهَرُ لِي أنَّ التِزامَ صِيغَةِ جَمْعِ المَوازِينَ في الآياتِ الثَّلاثِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها المِيزانُ يُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِالوَزْنِ فِيها مَعْناهُ المَجازِيُّ، وأنَّ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: ”القِسْطَ“ في هَذِهِ الآيَةِ يُزِيدُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَزْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ، ويُقالُ: القِسْطاسُ، وهو كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ ”اللّاتِينِيَّةِ“ .

وقَدْ نَقَلَ البُخارِيُّ في آخِرِ صَحِيحِهِ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَعَلى اعْتِبارِ جَعْلِ المَوازِينِ حَقِيقَةً في آلاتِ وزْنٍ في الآخِرَةِ يَكُونُ لَفْظُ القِسْطِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَدْلِ لِلْمَوازِينِ، عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذاتِ القِسْطِ. وعَلى اعْتِبارٍ في المَوازِينِ في العَدْلِ يَكُونُ لَفْظُ القِسْطِ بَدَلًا مِنَ المَوازِينِ، فَيَكُونُ تَجْرِيدًا بَعْدَ التَّرْشِيحِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ، فَإنَّهُ مُصَدَرٌ صالِحٌ لِذَلِكَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”لِيَوْمِ القِيامَةِ“ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ لِأجْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيِ الجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّوْقِيتِ بِمَعْنى ”عِنْدَ“ الَّتِي هي لِلظَّرْفِيَّةِ المُلاصِقَةِ كَما يُقالُ: كُتِبَ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أيْ نَضَعُ المَوازِينَ عِنْدَ يَوْمِ القِيامَةِ.

صفحة ٨٥

وتَفْرِيعُ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ عَلى وضْعِ المَوازِينِ تَفْرِيعُ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ أوِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ. والظُّلْمُ: ضِدُّ العَدْلِ؛ ولِذَلِكَ فُرِّعَ نَفْيُهُ عَلى إثْباتِ وضْعِ العَدْلِ، و”شَيْئًا“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ دَلَّ عَلى تَأْكِيدِ العُمُومِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ. ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ دَلَّ عَلى تَأْكِيدِ العُمُومِ مِن فِعْلِ ”تُظْلَمُ“ الواقِعِ أيْضًا في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ لا تُظْلَمُ بِنَقْصٍ مِن خَيْرٍ اسْتَحَقَّتْهُ ولا بِزِيادَةِ شَيْءٍ لَمْ تَسْتَحِقَّهُ، فالظُّلْمُ صادِقٌ بِالحالَيْنِ والشَّيْءُ كَذَلِكَ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانٍ عِدَّةٍ مَعَ إيجازِ لَفْظِها، فَنُفِيَ جِنْسُ الظُّلْمِ ونُفِيَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ، فَأفادَ أنْ لا بَقاءَ لِظُلْمٍ بِدُونِ جَزاءٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و”إنْ“ وصْلِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَضْمُونَ ما بَعْدَها مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَوَهَّمَ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنْهُ، فَإذا نَصَّ عَلى شُمُولِ الحُكْمِ إيّاهُ عُلِمَ أنَّ شُمُولَهُ لِما عَداهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، وقَدْ يَرِدُ هَذا الشَّرْطُ بِحَرْفِ ”لَوْ“ غالِبًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في ”آلِ عِمْرانَ“ . ويَرِدُ بِحَرْفِ ”إنْ“ كَما هُنا، وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:

لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”مِثْقالَ“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَ“ وأنَّ اسْمَها ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”شَيْئًا“ . وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”مِثْقالُ“ مَرْفُوعًا عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ و”مِثْقالُ“ فاعِلٌ.

صفحة ٨٦

ومَعْنى القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدُ المَآلِ، وهو: أنَّهُ إنْ كانَ لِنَفْسٍ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن خَيْرٍ أوْ مِن شَرٍّ يُؤْتَ بِها في مِيزانِ أعْمالِها ويُجازَ عَلَيْها، وجُمْلَةُ ”أتَيْنا بِها“ عَلى القِراءَةِ الأُولى مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ إمّا جَوابٌ لِلشَّرْطِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ. وضَمِيرُ ”بِها“ عائِدٌ إلى ”مِثْقالُ حَبَّةٍ“ . واكْتَسَبَ ضَمِيرُهُ التَّأْنِيثَ لِإضافَةِ مُعادِهِ إلى مُؤَنَّثٍ وهو ”حَبَّةٍ“ .

والمِثْقالُ: ما يُماثِلُ شَيْئًا في الثِّقَلِ، أيِ الوَزْنِ، فَمِثْقالُ الحَبَّةِ: مِقْدارُها.

والحَبَّةُ: الواحِدَةُ مِن ثَمَرِ النَّباتِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ السُّنْبُلِ أوْ في المَزاداتِ الَّتِي كالقُرُونِ أوِ العَبابِيدِ كالقَطانِيِّ.

والخَرْدَلُ: حُبُوبٌ دَقِيقَةٌ كَحَبِّ السِّمْسِمِ هي بُزُورُ شَجَرٍ يُسَمّى عِنْدَ العَرَبِ الخَرْدَلَ، واسْمُهُ في عِلْمِ النَّباتِ (سينابيس)، وهو صِنْفانِ: بَرِّيٍّ وبُسْتانِيٍّ، ويَنْبُتُ في الهِنْدِ ومِصْرَ وأُورُوبّا، وشَجَرَتُهُ ذاتُ ساقٍ دَقِيقَةٍ يَنْتَهِي ارْتِفاعُها إلى نَحْوِ مِتْرٍ، وأوْراقُها كَبِيرَةٌ، يُخْرِجُ أزْهارًا صُفْرًا مِنها تَتَكَوَّنُ بِذُورُهُ، إذْ تَخْرُجُ في مَزاداتٍ صَغِيرَةٍ مَمْلُوءَةٍ مِن هَذا الحَبِّ، تَخْرُجُ خَضْراءَ ثُمَّ تَصِيرُ سَوْداءَ مِثْلَ الخُرْنُوبِ الصَّغِيرِ، وإذا دُقَّ هَذا الحَبُّ ظَهَرَتْ مِنهُ رائِحَةٌ مُعَطَّرَةٌ، إذا قُرِّبَتْ مِنَ الأنْفِ شَمًّا دَمِعَتِ العَيْنانِ، وإذا وُضِعَ مَعْجُونُها عَلى الجِلْدِ أحْدَثَ فِيهِ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ لَذْعًا وحَرارَةً، ثُمَّ لا يَسْتَطِيعُ الجِلْدُ تَحَمُّلَها طَوِيلًا، ويَتْرُكُ مَوْضِعَهُ مِنَ الجَلْدِ شَدِيدَ الحُمْرَةِ لِتَجَمُّعِ الدَّمِ بِظاهِرِ الجَلْدِ؛ ولِذَلِكَ يُجْعَلُ مَعْجُونُهُ بِالماءِ دَواءً يُوضَعُ عَلى المَحَلِّ المُصابِ بِاحْتِقانِ الدَّمِ مِثْلَ ذاتِ الجَنْبِ والنَّزَلاتِ الصَّدْرِيَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ . مَفْعُولُ ”كَفى“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا

صفحة ٨٧

تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، والتَّقْدِيرُ: وكَفى النّاسَ نَحْنُ في حالِ حِسابِهِمْ، ومَعْنى كَفاهم نَحْنُ حاسِبِينَ أنَّهم لا يَتَطَلَّعُونَ إلى حاسِبٍ آخَرَ يَعْدِلُ مِثْلَنا، وهَذا تَأْمِينٌ لِلنّاسِ مِن أنْ يُجازى أحَدٌ مِنهم بِما لا يَسْتَحِقُّهُ، وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ العَذابِ وتَرْغِيبٌ في الثَّوابِ.

وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”حاسِبِينَ“ مُراعًى فِيهِ ضَمِيرُ العَظَمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”بِنا“، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: كَفَيْنا النّاسَ، وهَذِهِ الباءُ تَدْخُلُ بَعْدَ فِعْلِ ”كَفى“ غالِبًا فَتَدْخُلُ عَلى فاعِلِهِ في الأكْثَرِ كَما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] في سُورَةِ النِّساءِ، وتَدْخُلُ عَلى مَفْعُولِهِ كَما في الحَدِيثِ: «كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ» .

وانْتَصَبَ ”حاسِبِينَ“ عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ ”كَفى“، وتَقَدَّمَتْ نَظائِرُ هَذا التَّرْكِيبِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] في سُورَةِ النِّساءِ.

21:48–50Page 326

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨

And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous

ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩

Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.

وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠

And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والإقْناعِيَّةِ والزَّجْرِيَّةِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ شَواهِدِ التّارِيخِ وأحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ

صفحة ٨٨

الشّاهِدَةِ بِتَنْظِيرِ ما أُوتِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِما أُوتِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، وأنَّهُ ما كانَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ في دَعْوَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ، تِلْكَ الدَّعْوَةِ الَّتِي كَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ لِأجْلِها مَعَ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ عِنادِ الأقْوامِ، وثَباتِ الأقْدامِ، والتَّأْيِيدِ مِنَ المَلِكِ العَلّامِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] في سُورَةِ الإسْراءِ. فَجاءَ في هَذِهِ الآياتِ بِأخْبارٍ مِن أحْوالِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ.

وفِي سَوْقِ أخْبارِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ تَفْصِيلٌ أيْضًا لِما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]“ الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]“ ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، واتِّصالِها بِجَمِيعِ ذَلِكَ اتِّصالٍ مُحْكَمٍ؛ ولِذَلِكَ أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .

وابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسى وأخِيهِ مَعَ قَوْمِهِما؛ لِأنَّ أخْبارَ ذَلِكَ مَسْطُورَةٌ في كِتابٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ أهْلِهِ يَعْرِفُهُمُ العَرَبُ؛ ولِأنَّ أثَرَ إتْيانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالشَّرِيعَةِ هو أوْسَعُ أثَرٍ لِإقامَةِ نِظامِ أُمَّةٍ يَلِي عَظَمَةَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ.

وافْتِتاحُ القِصَّةِ بِلامِ القَسَمِ المُفِيدَةِ؛ لِلتَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ، وذُهُولِ بَعْضِهِمْ عَنْهُ، وتَناسِي بَعْضِهِمْ إيّاهُ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ تِلْكَ القِصَّةَ. ومَحَلُّ التَّنْظِيرِ في هَذِهِ القِصَّةِ هو تَأْيِيدُ الرَّسُولِ ﷺ بِكِتابٍ مُبِينٍ، وتَلَقِّي القَوْمِ ذَلِكَ الكِتابَ بِالإعْراضِ والتَّكْذِيبِ.

والفَرْقانُ: ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِن كَلامٍ أوْ فِعْلٍ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ؛ لِأنَّ فِيهِ كانَ مَبْدَأ ظُهُورِ قُوَّةِ

صفحة ٨٩

المُسْلِمِينَ ونَصْرُهم، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ التَّوْراةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] في سُورَةِ الصّافّاتِ.

والإخْبارُ عَنِ الفُرْقانِ بِإسْنادِ إتْيانِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَعْدُ كَوْنَهُ إيتاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَحْيًا كَما أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ القُرْآنَ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إيتاءَ القُرْآنِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما جاءَ إلّا بِمِثْلِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ ذَلِكَ المُوتى.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ المُعْجِزاتُ الفارِقَةُ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] في سُورَةِ غافِرٍ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرِيعَةُ الفارِقَةُ بَيْنَ العَدْلِ والجَوْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَلى الِاحْتِمالاتِ المَذْكُورَةِ تَجِيءُ احْتِمالاتٌ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي ﴿وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الصِّفاتِ قَسِيمًا لِبَعْضٍ، بَلْ هي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَمَجْمُوعُ ما أُوتِيَهُ مُوسى وهارُونُ تَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ.

والضِّياءُ: النُّورُ. يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الهُدى والعِلْمِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] في سُورَةِ المائِدَةِ.

والذِّكْرُ أصْلُهُ: خُطُورُ شَيْءٍ بِالبالِ بَعْدَ غَفْلَةٍ عَنْهُ. ويُطْلَقُ عَلى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى (لِلْمُتَّقِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ فِيهِ لِلتَّقْوِيَةِ فَيَكُونَ المَجْرُورُ بِاللّامِ في مَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِتَقْوى اللَّهِ، أيِ امْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، لِأنَّهُ يُذَكِّرُهم بِما يَجْهَلُونَ وبِما يَذْهَلُونَ عَنْهُ مِمّا عَلِمُوهُ ويُجَدِّدُ في نُفُوسِهِمْ

صفحة ٩٠

مُراقَبَةَ رَبِّهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ؛ أيْ ذِكْرٌ لِأجْلِ المُتَّقِينَ، أيْ كِتابٌ يَنْتَفِعُ بِما فِيهِ المُتَّقُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الضّالِّينَ.

ووَصَفَهم بِما يَزِيدُ مَعْنى المُتَّقِينَ بَيانًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى (بِالغَيْبِ) بِمَعْنى (في) .

والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عُيُونِ النّاسِ، أيْ يَخْشَوْنَ رَبَّهم في خاصَّتِهِمْ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ رِياءً ولا لِأجْلِ خَوْفِ الزَّواجِرِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَذَمَّةِ مِنَ النّاسِ.

والإشْفاقُ: رَجاءُ حادِثٍ مَخُوفٍ. ومَعْنى الإشْفاقِ مِنَ السّاعَةِ: الإشْفاقُ مِن أهْوالِها، فَهم يُعِدُّونَ لَها عُدَّتَها بِالتَّقْوى بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ . فَمَن لَمْ يَهْتَدِ بِكِتابِ اللَّهِ فَلَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، وهَؤُلاءِ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.

وقَدْ عَقَّبَ هَذا التَّعْرِيضَ بِذِكْرِ المَقْصُودِ مِن سَوْقِ الكَلامِ النّاشِئِ هو عَنْهُ، وهو المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ يُشِيرُ إلى القُرْآنِ لِأنَّ حُضُورَهُ في الأذْهانِ وفي التِّلاوَةِ بِمَنزِلَةِ حُضُورِ ذاتِهِ. ووَصْفُهُ القُرْآنَ بِأنَّهُ ذِكْرٌ لِأنَّ لَفْظَ الذِّكْرِ جامِعٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] في سُورَةِ النَّحْلِ.

ووَصْفُ القُرْآنِ بِالمُبارَكِ يَعُمُّ نَواحِيَ الخَيْرِ كُلَّها لِأنَّ البَرَكَةَ زِيادَةُ الخَيْرِ؛ فالقُرْآنُ كُلُّهُ خَيْرٌ مِن جِهَةِ بَلاغَةِ ألْفاظِهِ وحُسْنِها وسُرْعَةِ حِفْظِهِ وسُهُولَةِ تِلاوَتِهِ، وهو أيْضًا خَيْرٌ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أفْنانِ الكَلامِ والحِكْمَةِ والشَّرِيعَةِ واللَّطائِفِ البَلاغِيَّةِ، وهو في ذَلِكَ كُلِّهِ آيَةٌ عَلى

صفحة ٩١

صِدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ لِأنَّ البَشَرَ عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وتَحَدّاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ فَما اسْتَطاعُوا، وبِذَلِكَ اهْتَدَتْ بِهِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ في جَمِيعِ الأزْمانِ، وانْتَفَعَ بِهِ مَن آمَنُوا بِهِ وفَرِيقٌ مِمَّنْ حَرَّمُوا الإيمانَ. فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ مُبارَكٌ وافِيًا عَلى وصْفِ كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ فُرْقانٌ وضِياءٌ. وزادَهُ تَشْرِيفًا بِإسْنادِ إنْزالِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وجُعِلَ الوَحْيُ إلى الرَّسُولِ إنْزالًا لِما يَقْتَضِيهِ الإنْزالُ مِن رِفْعَةِ القَدْرِ إذِ اعْتُبِرَ مُسْتَقِرًّا في العالَمِ العُلْوِيِّ حَتّى أُنْزِلَ إلى هَذا العالَمِ.

وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ العَظِيمَةِ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ تَعْجِيبِيٌّ مِن إنْكارِهِمْ صِدْقَ هَذا الكِتابِ ومِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْكارِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . ولِكَوْنِ إنْكارِهِمْ صِدْقَهُ حاصِلًا مِنهم في حالِ الخِطابِ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِيَتَأتّى جَعْلُ المُسْنَدِ اسْمًا دالًّا عَلى الِاتِّصافِ في زَمَنِ الحالِ وجَعْلُ الجُمْلَةِ دالَّةً عَلى الثَّباتِ في الوَصْفِ وفاءً بِحَقِّ بَلاغَةِ النَّظْمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском