Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:76–82
21:76–77Page 328
وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And [mention] Noah, when he called [to Allāh]1 before [that time], so We responded to him and saved him and his family from the great affliction [i.e., the flood].
وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٧٧
And We aided [i.e., saved] him from the people who denied Our signs. Indeed, they were a people of evil, so We drowned them, all together.
﴿ونُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ أشْهَرَ الرُّسُلِ بِمُناسَباتٍ أعْقَبَ بِذِكْرِ أوَّلِ الرُّسُلِ.
صفحة ١١٣
وعَطَفَ (ونُوحًا) عَلى (لُوطًا)، أيْ آتَيْنا نُوحًا حُكْمًا وعِلْمًا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِـ (آتَيْنا) لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ آتَيْناهُ النُّبُوءَةَ حِينَ نادى، أيْ نادانا.
ومَعْنى (نادى) دَعا رَبَّهُ أنْ يَنْصُرَهُ عَلى المُكَذِّبِينَ مِن قَوْمِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾، وبِناءُ (قَبْلُ) عَلى الضَّمِّ يَدُلُّ عَلى مُضافٍ إلَيْهِ مُقَدَّرٍ، أيْ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، أيْ قَبْلَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبْلِيَّةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نَصْرَ اللَّهِ أوْلِياءَهُ سُنَّتُهُ المُرادَةُ لَهُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ المُعانِدِينَ لِيَتَذَكَّرُوا أنَّهُ لَمْ تَشِذَّ عَنْ نَصْرِ اللَّهِ رُسُلَهُ شاذَّةٌ ولا فاذَّةٌ.
وأهْلُ نُوحٍ: أهْلُ بَيْتِهِ عَدا أحَدِ بَنِيهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ.
والكَرْبُ العَظِيمُ: هو الطُّوفانُ. والكَرْبُ: شِدَّةُ حُزْنِ النَّفْسِ بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ حُزْنٍ.
ووَجْهُ كَوْنِ الطُّوفانِ كَرْبًا عَظِيمًا أنَّهُ يَهُولُ النّاسَ عِنْدَ ابْتِدائِهِ وعِنْدَ مَدِّهِ ولا يَزالُ لاحِقًا بِمَواقِعِ هُرُوبِهِمْ حَتّى يَعُمَّهم فَيَبْقَوْا زَمَنًا يَذُوقُونَ آلامَ الخَوْفِ فالغَرَقَ وهم يَغْرَقُونَ ويَطْفُونَ حَتّى يَمُوتُوا بِانْحِباسِ التَّنَفُّسِ؛ وفي ذَلِكَ كُلِّهِ كَرْبٌ مُتَكَرِّرٌ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالعَظِيمِ.
وعُدِّيَ (نَصَرْناهُ) بِحَرْفِ (مِن) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى المَنعِ والحِمايَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥]، وهو أبْلَغُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِـ (عَلى) لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَصْرٍ قَوِيٍّ تَحْصُلُ بِهِ المَنَعَةُ والحِمايَةُ فَلا يَنالُهُ العَدُوُّ بِشَيْءٍ، وأمّا نَصْرُهُ عَلَيْهِ فَلا يَدُلُّ إلّا عَلى المُدافَعَةِ والمَعُونَةِ.
ووَصْفُ القَوْمِ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الغَرَقِ الَّذِي سَيُذْكَرُ بَعْدُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ [الأنبياء: ٧٤] عِلَّةٌ لِنَصْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ لِأنَّ نَصْرَهُ يَتَضَمَّنُ إضْرارَ القَوْمِ المَنصُورِ عَلَيْهِمْ.
صفحة ١١٤
والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ تَقَدَّمَ آنِفًا.
وإضافَةُ قَوْمٍ إلى السَّوْءِ إشارَةٌ إلى أنَّهم عُرِفُوا بِهِ. والمُرادُ بِهِ الكُفْرُ والتَّكَبُّرُ والعِنادُ والِاسْتِسْخارُ بِرَسُولِهِمْ.
و(أجْمَعِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (أغْرَقْناهم) لِإفادَةِ أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنَ الغَرَقِ أحَدٌ مِنَ القَوْمِ ولَوْ كانَ قَرِيبًا مِن نُوحٍ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أغْرَقَ ابْنَ نُوحٍ.
وهَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ لِئَلّا يَتَّكِلُوا عَلى قَرابَتِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ كَما رُوِيَ «أنَّهُ لَمّا قَرَأ عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سُورَةَ فُصِّلَتْ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَزِعَ عُتْبَةُ وقالَ لَهُ: ناشَدْتُكَ الرَّحِمَ» .
21:78Page 328
وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ ٧٨
And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.
﴿وداوُدُ وسُلَيْمانُ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]
شُرُوعٌ في عِدادِ جَمْعٍ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا رُسُلًا. وقَدْ رُوعِيَ في تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ ما اشْتُهِرَ بِهِ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم مَنِ المَزِيَّةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ، بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مُوسى وهارُونَ مِن إيتاءِ الكِتابِ الماثِلِ لِلْقُرْآنِ وما عَقِبَ ذَلِكَ. ولَمْ يَكُنْ بَعْدَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ عَصْرٌ لَهُ مَيْزَةٌ خاصَّةٌ مِثْلَ عَصْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ تَطَوَّرَ أمْرُ جامِعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن كَوْنِها مَسُوسَةً بِالأنْبِياءِ مِن عَهْدِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ. ثُمَّ بِما طَرَأ عَلَيْها مِنَ الفَوْضى مِن بَعْدِ مَوْتِ شَمْشُونَ إلى قِيامِ شاوَلَ حَمِيِّ داوُدَ إلّا أنَّهُ كانَ مَلِكًا قاصِرًا عَلى قِيادَةِ الجُنْدِ
صفحة ١١٥
ولَمْ يَكُنْ نَبِيئًا، وأمّا تَدْبِيرُ الأُمُورِ فَكانَ لِلْأنْبِياءِ والقُضاةِ مِثْلَ صَمْوِيلَ.
فَداوُدُ أوَّلُ مَن جُمِعَتْ لَهُ النُّبُوءَةُ والمُلْكُ في أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ. وبَلَغَ مُلْكُ إسْرائِيلَ في مُدَّةِ داوُدَ حَدًّا عَظِيمًا مِنَ البَأْسِ والقُوَّةِ وإخْضاعِ الأعْدادِ. وأُوتِيَ داوُدُ الزَّبُورَ فِيهِ حِكْمَةٌ وعِظَةٌ فَكانَ تَكْمِلَةً لِلتَّوْراةِ الَّتِي كانَتْ تَعْلِيمَ شَرِيعَةٍ، فاسْتَكْمَلَ زَمَنُ داوُدَ الحِكْمَةَ ورَقائِقَ الكَلامِ.
وأُوتِيَ سُلَيْمانُ الحِكْمَةَ وسُخِّرَ لَهُ أهْلُ الصَّنائِعِ والإبْداعِ فاسْتَكْمَلَتْ دَوْلَةُ إسْرائِيلَ في زَمانِهِ عَظَمَةَ النِّظامِ والثَّرْوَةِ والحِكْمَةِ والتِّجارَةِ فَكانَ في قِصَّتِهِما مَثَلٌ. وكانَتْ تِلْكَ القِصَّةُ مُنْتَظِمَةً في هَذا السِّلْكِ الشَّرِيفِ؛ سِلْكِ إيتاءِ الفُرْقانِ والهُدى والرُّشْدِ والإرْشادِ إلى الخَيْرِ والحُكْمِ والعِلْمِ.
وكانَ في قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ تَنْبِيهٌ عَلى أصْلِ الِاجْتِهادِ وعَلى فِقْهِ القَضاءِ فَلِذَلِكَ خُصَّ داوُدُ وسُلَيْمانُ بِشَيْءٍ مِن تَفْصِيلِ أخْبارِهِما فَيَكُونُ (داوُدُ) عَطْفًا عَلى (نُوحًا) في قَوْلِهِ (ونُوحًا)، أيْ وآتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ حُكْمًا وعِلْمًا إذْ يَحْكُمانِ. . . إلى آخِرِهِ، فَـ (إذْ يَحْكُمانِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (آتَيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ كانَ وقْتُ حُكْمِهِما في قَضِيَّةِ الحَرْثِ مَظْهَرًا مِن مَظاهِرِ حُكْمِهِما وعَمَلِهِما.
والحُكْمُ: الحِكْمَةُ، وهو النُّبُوءَةُ. والعِلْمُ: أصالَةُ الفَهْمِ. (وإذْ نَفَشَتْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَحْكُمانِ) .
فَهَذِهِ القَضِيَّةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ العَدْلِ ومَبالِغِ تَدْقِيقِ فِقْهِ القَضاءِ، والجَمْعُ بَيْنَ المَصالِحِ والتَّفاصِيلِ بَيْنَ مَراتِبِ الِاجْتِهادِ،
صفحة ١١٦
واخْتِلافُ طُرُقِ القَضاءِ بِالحَقِّ مَعَ كَوْنِ الحَقِّ حاصِلًا لِلْمُحِقِّ. فَمَضْمُونُها أنَّها الفِقْهُ في الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ مِن قَبْلُ.
وخُلاصَتُها أنَّ داوُدَ جَلَسَ لِلْقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ، وكانَ ابْنُهُ سُلَيْمانُ حِينَئِذٍ يافِعًا فَكانَ يَجْلِسُ خارِجَ بابِ بَيْتِ القَضاءِ. فاخْتَصَمَ إلى داوُدَ رَجُلانِ أحَدُهُما عامِلٌ في حَرْثٍ لِجَماعَةٍ في زَرْعٍ أوْ كَرْمٍ، والآخَرُ راعِي غَنَمٍ لِجَماعَةٍ، فَدَخَلَتِ الغَنَمُ الحَرْثَ لَيْلًا فَأفْسَدَتْ ما فِيهِ فَقَضى داوُدُ أنْ تُعْطى الغَنَمُ لِأصْحابِ الحَرْثِ إذْ كانَ ثَمَنُ تِلْكَ الغَنَمِ يُساوِي ثَمَنَ ما تَلِفَ مِن ذَلِكَ الحَرْثِ، فَلَمّا حَكَمَ بِذَلِكَ وخَرَجَ الخَصْمانِ فَقُصَّ أمْرُهُما عَلى سُلَيْمانَ، فَقالَ: لَوْ كُنْتُ أنا قاضِيًا لَحَكَمْتُ بِغَيْرِ هَذا. فَبَلَغَ ذَلِكَ داوُدَ فَأحْضَرَهُ وقالَ لَهُ: بِماذا كُنْتَ تَقْضِي ؟ قالَ: إنِّي رَأيْتُ ما هو أرْفَقُ بِالجَمِيعِ. قالَ: وما هو ؟ قالَ: أنْ يَأْخُذَ أصْحابُ الغَنَمِ الحَرْثَ يَقُومُ عَلَيْهِ عامِلُهم ويُصْلِحُهُ عامًا كامِلًا حَتّى يَعُودَ كَما كانَ ويَرُدَّهُ إلى أصْحابِهِ، وأنْ يَأْخُذَ أصْحابُ الحَرْثِ الغَنَمَ تُسَلَّمُ لِراعِيهِمْ فَيَنْتَفِعُوا مِن ألْبانِها وأصْوافِها ونَسْلِها في تِلْكَ المُدَّةِ فَإذا كَمُلَ الحَرْثُ وعادَ إلى حالِهِ الأوَّلِ صَرَفَ إلى كُلِّ فَرِيقٍ ما كانَ لَهُ. فَقالَ داوُدُ: وُفِّقَتْ يا بُنَيَّ. وقَضى بَيْنَهُما بِذَلِكَ.
فَمَعْنى ﴿نَفَشَتْ فِيهِ﴾ دَخَلَتْهُ لَيْلًا، قالُوا: والنَّفْشُ الِانْفِلاتُ لِلرَّعْيِ لَيْلًا. وأُضِيفَ الغَنَمُ إلى القَوْمِ لِأنَّها كانَتْ لِجَماعَةٍ مِنَ النّاسِ كَما يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَنَمُ القَوْمِ﴾ . وكَذَلِكَ كانَ الحَرْثُ شَرِكَةً بَيْنَ أُناسٍ. كَما يُؤْخَذُ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ. وهو ظاهِرُ تَقْرِيرِ الكَشّافِ. وأمّا ما ورَدَ في الرِّواياتِ الأُخْرى مِن ذِكْرِ رَجُلَيْنِ فَإنَّما يُحْمَلُ عَلى أنَّ اللَّذَيْنِ حَضَرا لِلْخُصُومَةِ هُما راعِي الغَنَمِ وعامِلُ الحَرْثِ.
صفحة ١١٧
واعْلَمْ أنَّ مُقْتَضى عَطْفِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلى إبْراهِيمَ ومُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أيْ عالِمِينَ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] ومُقْتَضى وُقُوعِ الحُكْمَيْنِ في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ وفي وقْتٍ واحِدٍ، إذْ إنَّ الحُكْمَيْنِ لَمْ يَكُونا عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُما إنَّما كانا عَنْ عِلْمٍ أُوتِيَهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ، فَذَلِكَ مِنَ القَضاءِ بِالِاجْتِهادِ، وهو جارٍ عَلى القَوْلِ الصَّحِيحِ مِن جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ ولِنَبِيئِنا ﷺ ووُقُوعِهِ في مُخْتَلِفِ المَسائِلِ.
وقَدْ كانَ قَضاءُ داوُدَ حَقًّا لِأنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى غُرْمِ الأضْرارِ عَلى المُتَسَبِّبِينَ في إهْمالِ الغَنَمِ، وأصْلُ الغُرْمِ أنْ يَكُونَ تَعْوِيضًا ناجِزًا فَكانَ ذَلِكَ القَضاءُ حَقًّا. وحَسْبُكَ أنَّهُ مُوافِقٌ لِما جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ في إفْسادِ المَواشِي.
وكانَ حُكْمُ سُلَيْمانَ حَقًّا لِأنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى إعْطاءِ الحَقِّ لِذَوِيهِ مَعَ إرْفاقِ المَحْقُوقِينَ بِاسْتِيفاءِ مالِهِمْ إلى حِينٍ، فَهو يُشْبِهُ الصُّلْحَ. ولَعَلَّ أصْحابَ الغَنَمِ لَمْ يَكُنْ لَهم سِواها كَما هو الغالِبُ، وقَدْ رَضِيَ الخَصْمانِ بِحُكْمِ سُلَيْمانَ لِأنَّ الخَصْمَيْنِ كانا مِن أهْلِ الإنْصافِ لا مِن أهْلِ الِاعْتِسافِ، ولَوْ لَمْ يَرْضَيا لَكانَ المَصِيرُ إلى حُكْمِ داوُدَ إذْ لَيْسَ الإرْفاقُ بِواجِبٍ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَضاءُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ بِأنْ يَمُرَّ الماءُ مِنَ (العُرَيْضِ) عَلى أرْضِهِ إلى أرْضِ الضَّحّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ وقالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: لِمَ تَمْنَعُ أخاكَ ما يَنْفَعُهُ وهو لَكَ نافِعٌ ؟ فَقالَ مُحَمَّدٌ: لا واللَّهِ، فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ ولَوْ عَلى بَطْنِكَ، فَفَعَلَ الضَّحّاكُ. وذَلِكَ أنَّ عُمَرَ عَلِمَ أنَّهُما مِن أهْلِ الفَضْلِ وأنَّهُما يَرْضَيانِ لِما عَزَمَ عَلَيْهِما، فَكانَ قَضاءُ سُلَيْمانَ أرْجَحَ.
وتُشْبِهُ هَذِهِ القَضِيَّةُ «قَضاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الزُّبَيْرِ والأنْصارِيِّ في السَّقْيِ مِن ماءِ شِراجِ الحَرَّةِ إذْ قَضى أوَّلَ مَرَّةٍ بِأنْ
صفحة ١١٨
يُمْسِكَ الزُّبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلَ الماءَ إلى جارِهِ، فَلَمّا لَمْ يَرْضَ الأنْصارِيُّ قَضى رَسُولُ اللَّهِ بِأنْ يُمْسِكَ الزُّبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجَدْرَ ثُمَّ يُرْسِلَ، فاسْتَوْفى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ» . وإنَّما ابْتَدَأ النَّبِيءُ ﷺ بِالأرْفَقِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يَرْضَ أحَدُ الخَصْمَيْنِ قُضِيَ بَيْنَهُما بِالفَصْلِ، فَكانَ قَضاءُ النَّبِيءِ مُبْتَدَأً بِأفْضَلِ الوَجْهَيْنِ عَلى نَحْوِ قَضاءِ سُلَيْمانَ.
فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أنَّهُ ألْهَمَهُ وجْهًا آخَرَ في القَضاءِ هو أرْجَحُ لِما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ التَّفْهِيمِ مِن شِدَّةِ حُصُولِ الفِعْلِ أكْثَرَ مِن صِيغَةِ الإفْهامِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ فَهْمَ سُلَيْمانَ في القَضِيَّةِ كانَ أعْمَقَ. وذَلِكَ أنَّهُ أرْفَقُ بِهِما فَكانَتِ المَسْألَةُ مِمّا يَتَجاذَبُهُ دَلِيلانِ فَيُصارُ إلى التَّرْجِيحِ، والمُرَجِّحاتُ لا تَنْحَصِرُ، وقَدْ لا تَبْدُو لِلْمُجْتَهِدِ، واللَّهُ تَعالى أرادَ أنْ يُظْهِرَ عِلْمَ سُلَيْمانَ عِنْدَ أبِيهِ لِيَزْدادَ سُرُورُهُ بِهِ، ولِيَتَعَزّى عَلى مَن فَقَدَهُ مِن أبْنائِهِ قَبْلَ مِيلادِ سُلَيْمانَ. وحَسْبُكَ أنَّهُ المُوافِقُ لِقَضاءِ النَّبِيءِ في قَضِيَّةِ الزُّبَيْرِ. ولِلِاجْتِهاداتِ مَجالٌ في تَعارُضِ الأدِلَّةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في اخْتِلافِ الِاجْتِهادِ، وفي العَمَلِ بِالرّاجِحِ، وفي مَراتِبِ التَّرْجِيحِ، وفي عُذْرِ المُجْتَهِدِ إذا أخْطَأ الِاجْتِهادَ أوْ لَمْ يَهْتَدِ إلى المَعارِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] في مَعْرِضِ الثَّناءِ عَلَيْهِما.
وفِي بَقِيَّةِ القِصَّةِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ أصْلًا في رُجُوعِ الحاكِمِ عَنْ حُكْمِهِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ العَرَبِيِّ؛ إلّا أنَّ ذَلِكَ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ الآيَةُ ولا جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَأْصِيلًا وأنَّ ما حاوَلاهُ مِن ذَلِكَ غَفْلَةٌ. وإضافَةُ (حُكْمٍ) إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ اجْتِماعِ الحاكِمِينَ والمُتَحاكِمِينَ. وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (فَفَهَّمْناها)، ولَمْ يَتَّقَدَّمْ لَفْظٌ مُعادٌ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، عَلى تَأْوِيلِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى (لِحُكْمِهِمْ) بِمَعْنى الحُكُومَةِ أوِ الخُصُومَةِ.
صفحة ١١٩
وجُمْلَةُ ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] تَذْيِيلٌ لِلِاحْتِراسِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ حُكْمَ داوُدَ كانَ خَطَأً أوْ جَوْرًا وإنَّما كانَ حُكْمُ سُلَيْمانَ أصْوَبَ.
وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
21:79Page 328
فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩
And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1
﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾
هَذِهِ مَزِيَّةٌ اخْتُصَّ بِها داوُدُ هي تَسْخِيرُ الجِبالِ لَهُ وهو الَّذِي بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ (يُسَبِّحْنَ) فَهي إمّا بَيانٌ لِجُمْلَةِ (سَخَّرْنا) أوْ حالٌ مُبَيِّنَةٌ. وذِكْرُها هُنا اسْتِطْرادٌ وإدْماجٌ. (والطَّيْرَ) عَطْفٌ عَلى (الجِبالِ) أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، أيْ مَعَ الطَّيْرِ يَعْنِي طَيْرَ الجِبالِ. و(مَعَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (يُسَبِّحْنَ)، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِإظْهارِ كَرامَةِ داوُدَ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ داوُدَ كانَ إذا سَبَّحَ بَيْنَ الجِبالِ سَمِعَ الجِبالَ تُسَبِّحُ مِثْلَ تَسْبِيحِهِ. وهَذا مَعْنى التَّأْوِيبِ في قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠] إذِ التَّأْوِيبُ التَّرْجِيعُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ. وكَذَلِكَ الطَّيْرُ إذا سَمِعَتْ تَسْبِيحَهُ تُغَرِّدُ تَغْرِيدًا مِثْلَ تَسْبِيحِهِ وتِلْكَ كُلُّها مُعْجِزَةٌ لَهُ. ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّسْخِيرُ حاصِلًا لَهُ بَعْدَ أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ كَما يَقْتَضِيهِ سِياقُ تَعْدادِهِ في
صفحة ١٢٠
عِدادِ ما أُوتِيَهُ الأنْبِياءُ مِن دَلائِلِ الكَرامَةِ عَلى اللَّهِ، ولا يُعْرَفُ لِداوُدَ بَعْدَ أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ مُزاوَلَةُ صُعُودِ الجِبالِ ولا الرَّعْيِ فِيها وقَدْ كانَ مِن قَبْلِ النُّبُوءَةِ راعِيًا. فَلَعَلَّ هَذا التَّسْخِيرَ كانَ أيّامَ سِياحَتِهِ في جَبَلِ بَرِّيَّةِ ”زَيْفٍ“ الَّذِي بِهِ كَهْفٌ كانَ يَأْوِي إلَيْهِ داوُدُ مَعَ أصْحابِهِ المُلْتَفِّينَ حَوْلَهُ في تِلْكَ السِّياحَةِ أيّامَ خُرُوجِهِ فارًّا مِنَ المَلِكِ ”شاوَلَ طالُوتَ“ حِينَ تَنَكَّرَ لَهُ شاوَلُ بِوِشايَةِ بَعْضِ حُسّادِ داوُدَ، كَما حُكِيَ في الإصْحاحَيْنِ ٢٣ - ٢٤ مِن سِفْرِ صَمْوِيلَ الأوَّلِ. وهَذا سِرُّ التَّعْبِيرِ بِـ (مَعَ) مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (سَخَّرْنا) هُنا. وفي آيَةِ سُورَةِ ص إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَسْخِيرُ مُتابَعَةٍ لا تَسْخِيرُ خِدْمَةٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١] إذْ عُدِّيَ فِعْلُ التَّسْخِيرِ الَّذِي نابَتْ عَنْهُ واوُ العَطْفِ بِلامِ المِلْكِ. وكَذَلِكَ جاءَ لَفْظُ (مَعَ) في آيَةِ سُورَةِ سَبَأٍ ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠] . وفي هَذا التَّسْخِيرِ لِلْجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْجِزَةً لَهُ كَرامَةٌ وعِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ إذْ آنَسَهُ بِتِلْكَ الأصْواتِ في وحْدَتِهِ في الجِبالِ وبُعْدِهِ عَنْ أهْلِهِ وبَلَدِهِ. وجُمْلَةُ (﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الإخْبارِ عَمّا أُوتِيَهُ داوُدُ، وفاعِلُ هُنا بِمَعْنى قادِرٍ لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ تَسْبِيحِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَهُ. وفي اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ شَأْنٌ ثابِتٌ لِلَّهِ مِن قَبْلُ، أيْ وكُنّا قادِرِينَ عَلى ذَلِكَ.
21:80Page 328
وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠
And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?
﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِيُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾
وامْتَنَّ اللَّهُ بِصَنْعَةٍ عَلَّمَها داوُدَ فانْتَفَعَ بِها النّاسُ وهي صَنْعَةُ الدُّرُوعِ، أيْ دُرُوعُ السَّرْدِ. قِيلَ كانَتِ الدُّرُوعُ مِن قَبْلِ داوُدَ ذاتَ
صفحة ١٢١
حَراشِفَ مِنَ الحَدِيدِ، فَكانَتْ تَثْقُلُ عَلى الكُماةِ إذا لَبِسُوها فَألْهَمَ اللَّهُ داوُدَ صُنْعَ دُرُوعِ الحَلَقِ الدَّقِيقَةِ فَهي أخَفُّ مَحْمَلًا وأحْسَنُ وِقايَةً.
وفِي الإصْحاحِ السّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ صَمْوِيلَ الأوَّلِ أنَّ جالُوتَ الفِلَسْطِينِيَّ خَرَجَ لِمُبارَزَةِ داوُدَ لابِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا، فَكانَتِ الدُّرُوعُ الحَرْشَفِيَّةُ مُسْتَعْمَلَةً في وقْتِ شَبابِ داوُدَ فاسْتَعْمَلَ العَرَبُ دُرُوعَ السَّرْدِ. واشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ، ولَقَدْ أجادَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ وصْفَها بِقَوْلِهِ:
شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لَبُـوسُـهُـمُ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ
بِيضٌ سَوابِغُ قَدْ شُكَّتْ لَها حَلَـقٌ ∗∗∗ كَأنَّها حَلَقُ القَفْعَـاءِ مَـجْـدُولُ
وكانَتِ الدُّرُوعُ التُّبَّعِيَّةُ مَشْهُورَةً عِنْدَ العَرَبِ فَلَعَلَّ تُبَّعًا اقْتَبَسَها مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ داوُدَ أوْ لَعَلَّ الدُّرُوعَ التُّبَّعِيَّةَ كانَتْ مِن ذاتِ الحَراشِفِ، وقَدْ جَمَعَها النّابِغَةُ بِقَوْلِهِ:
وكُلُّ صَمُوتٍ نِثْلَةٌ تُبَّـعِـيَّةٌ ∗∗∗ ونَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصاءَ ذائِلِ
أرادَ بِسُلَيْمٍ تَرْخِيمَ سُلَيْمانَ، يَعْنِي سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، فَنَسَبَ عَمَلَ أبِيهِ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ مُدَّخِرًا لَها.
و”اللَّبُوسُ“ بِفَتْحِ اللّامِ أصْلُهُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْبَسُ فَهو فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ رَسُولٍ. وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى ما يُلْبَسُ مِن لامَةِ الحَرْبِ مِنَ الحَدِيدِ، وهو الدِّرْعُ فَلا يُطْلَقُ عَلى الدِّرْعِ لِباسٌ ويُطْلَقُ عَلَيْها لَبُوسٌ كَما يُطْلَقُ لَبُوسٌ عَلى الثِّيابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللَّبُوسُ في اللُّغَةِ السِّلاحُ فَمِنهُ الرُّمْحُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ.
ومَعِي لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ ∗∗∗ رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعاجٍ مُجْفِلِ
صفحة ١٢٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيُحْصِنَكم) بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى ظاهِرِ إضْمارِ لَفْظِ لَبُوسٍ. وإسْنادُ الإحْصانِ إلى اللَّبُوسِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى تَأْوِيلِ مَعْنى (لَبُوسٍ) بِالدِّرْعِ، وهي مُؤَنَّثَةٌ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (لِنُحْصِنَكم) بِالنُّونِ. وضَمائِرُ الخِطابِ في (لَكم، لِيُحْصِنَكم، مِن بَأْسِكم، فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ) مُوَجَّهَةٌ إلى المُشْرِكِينَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] لِأنَّهم أهْمَلُوا شُكْرَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ.
والإحْصانُ: الوِقايَةُ والحِمايَةُ. والبَأْسُ: الحَرْبُ.
ولِذَلِكَ كانَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلًا في اسْتِبْطاءِ عَدَمِ الشُّكْرِ ومُكَنًّى بِهِ عَنِ الأمْرِ بِالشُّكْرِ. وكانَ العُدُولُ عَنْ إيلاءِ (هَلْ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ أنَّ لِـ (هَلْ) مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِالفِعْلِ، فَلَمْ يَقُلْ: فَهَلْ تَشْكُرُونَ، وعَدَلَ إلى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ لِيَدُلَّ العُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الِاسْمِيَّةُ مِن مَعْنى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، أيْ فَهَلْ تَقَرَّرَ شُكْرُكم وثَبَتَ لِأنَّ تَكَرُّرَ الشُّكْرِ هو الشَّأْنُ في مُقابَلَةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] في آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
21:81Page 328
وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١
And to Solomon [We subjected] the wind, blowing forcefully, proceeding by his command toward the land which We had blessed. And We are ever, of all things, Knowing.
﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] بِمُناسَبَةِ تَسْخِيرٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ في كِلْتا القِصَّتَيْنِ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيئِينَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
صفحة ١٢٣
والأرْضُ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ فِيها هي أرْضُ الشّامِ. وتَسْخِيرُ الرِّيحِ: تَسْخِيرُها لِما تَصْلُحُ لَهُ، وهو سَيْرُ المَراكِبِ في البَحْرِ، والمُرادُ أنَّها تَجْرِي إلى الشّامِ راجِعَةً عَنِ الأقْطارِ الَّتِي خَرَجَتْ إلَيْها لِمَصالِحِ مُلْكِ سُلَيْمانَ مِن غَزْوٍ أوْ تِجارَةٍ بِقَرِينَةِ أنَّها مُسَخَّرَةٌ لِسُلَيْمانَ فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ سائِرَةً لِفائِدَةِ الأُمَّةِ الَّتِي هو مَلِكُها.
وعُلِمَ مِن أنَّها تَجْرِي إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ فِيها أنَّها تَخْرُجُ مِن تِلْكَ الأرْضِ حامِلَةً الجُنُودَ أوْ مُصَدِّرَةً البَضائِعَ الَّتِي تُصَدِّرُها مَمْلَكَةُ سُلَيْمانَ إلى بِلادِ الأرْضِ وتُقْفِلُ راجِعَةً بِالبَضائِعِ والمِيرَةِ ومَوادِّ الصِّناعَةِ وأسْلِحَةِ الجُنْدِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ، فَوَقَعَ في الكَلامِ اكْتِفاءٌ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ. وقَدْ صَرَّحَ بِما اكْتَفى عَنْهُ هُنا في آيَةِ سُورَةِ سَبَأٍ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبإ: ١٢] . ووَصْفُها هُنا بِـ (عاصِفَةً) بِمَعْنى قَوِيَّةٍ. ووَصْفُها في سُورَةِ ص بِأنَّها (رُخاءً) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] .
والرُّخاءُ: اللَّيْلَةُ المُناسِبَةُ لِسَيْرِ الفُلْكِ. وذَلِكَ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ فَإذا أرادَ الإسْراعَ في السَّيْرِ سارَتْ عاصِفَةً وإذا أرادَ اللِّينَ سارَتْ رُخاءً، والمُقامُ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ المُواتاةُ لِإرادَةِ سُلَيْمانَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ في الآيَتَيْنِ المُشْعِرُ بِاخْتِلافِ مَقْصِدِ سُلَيْمانَ مِنها كَما إذا كانَ هو راكِبًا في البَحْرِ فَإنَّهُ يُرِيدُها رُخاءً لِئَلّا تُزْعِجَهُ وإذا أصْدَرَتْ مَمْلَكَتُهُ بِضاعَةً أوِ اجْتَلَبَتْها سارَتْ عاصِفَةً وهَذا بَيِّنٌ بِالتَّأمُّلِ. وعَبَّرَ (بِأمْرِهِ) عَنْ رَغْبَتِهِ وما يُلائِمُ أسْفارَ سَفائِنِهِ وهي رِياحٌ مَوْسِمِيَّةٌ مُنْتَظِمَةٌ سَخَّرَها اللَّهُ لَهُ.
وأمْرُ سُلَيْمانَ دُعاؤُهُ اللَّهَ أنْ يُجْرِيَ الرِّيحَ كَما يُرِيدُ سُلَيْمانُ: إمّا دَعْوَةٌ عامَّةٌ كَقَوْلِهِ ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فَيَشْمَلُ
صفحة ١٢٤
كُلَّ ما بِهِ اسْتِقامَةُ أُمُورِ المُلْكِ وتَصارِيفِهِ، وإمّا دَعْوَةٌ خاصَّةٌ عِنْدَ كُلِّ سَفَرٍ لِمَراكِبِ سُلَيْمانَ فَجَعَلَ اللَّهُ الرِّياحَ المَوْسِمِيَّةَ في بِحارِ فِلَسْطِينَ مُدَّةَ مُلْكِ سُلَيْمانَ إكْرامًا لَهُ وتَأْيِيدًا إذْ كانَ هَمُّهُ نَشْرَ دِينِ الحَقِّ في الأرْضِ. وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِ سُلَيْمانَ ولَمْ يَجْعَلْها تَجْرِي لِسُفُنِهِ لِأنَّ اللَّهَ سَخَّرَ الرِّيحَ لِكُلِّ السُّفُنِ الَّتِي فِيها مَصْلَحَةُ مُلْكِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِ سُفُنُ تَرْشِيشٍ يَظُنُّ أنَّها طَرْطُوشَةٌ بِالأنْدَلُسِ أوْ قَرْطَجَنَّةَ بِإفْرِيقِيَّةَ وسُفُنُ حِيرامَ مَلِكِ صُورَ حامِلَةً الذَّهَبَ والفِضَّةَ والعاجَ والقِرَدَةَ والطَّواوِيسَ وهَدايا الآنِيَةِ والحُلَلَ والسِّلاحَ والطِّيبَ والخَيْلَ والبِغالَ كَما في الإصْحاحِ ١٠ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ. وجُمْلَةُ ﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِذِكْرِ عِنايَةِ اللَّهِ بِسُلَيْمانَ. والمُناسَبَةُ أنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ لِمَصالِحِ سُلَيْمانَ أثَرٌ مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ بِمُخْتَلِفِ أحْوالِ الأُمَمِ والأقالِيمِ وما هو مِنها لائِقٌ بِمَصْلَحَةِ سُلَيْمانَ فَيُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي أرادَها سُبْحانَهُ إذْ قالَ ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ [ص: ٢٠] .
21:82Page 329
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢
And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1
﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾
هَذا ذِكْرُ مُعْجِزَةٍ وكَرامَةٍ لِسُلَيْمانَ، وهي أنْ سَخَّرَ إلَيْهِ مِنَ القُوى المُجَرَّدَةِ مِن طَوائِفِ الجِنِّ والشَّياطِينِ الَّتِي تَتَأتّى لَها مَعْرِفَةُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ مِن غَوْصِ البِحارِ لِاسْتِخْراجِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ومِن أعْمالٍ أُخْرى أُجْمِلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ . وفُصِّلَ بَعْضُها
صفحة ١٢٥
فِي آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجَفانٍ كالجَوابِي وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣]) وهَذِهِ أعْمالٌ مُتَعارَفَةٌ. وإنَّما اخْتُصَّ سُلَيْمانُ بِعَظَمَتِها مِثْلَ بِناءِ هَيْكَلِ بَيْتِ المَقْدِسِ وبِسُرْعَةِ إتْمامِها.
ومَعْنى ﴿وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أنَّ اللَّهَ بِقُدْرَتِهِ سَخَّرَهم لِسُلَيْمانَ ومَنَعَهم عَنْ أنْ يَنْفَلِتُوا عَنْهُ أوْ أنْ يَعْصُوهُ، وجَعَلَهم يَعْمَلُونَ في خَفاءٍ ولا يُؤْذُوا أحَدًا مِنَ النّاسِ؛ فَجَمَعَ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ بَيْنَ تَسْخِيرِهِمْ لِسُلَيْمانَ وعِلْمِهِ كَيْفَ يَحْكُمُهم ويَسْتَخْدِمُهم ويُطَوِّعُهم، وجَعَلَهم مُنْقادِينَ لَهُ وقائِمِينَ بِخِدْمَتِهِ دُونَ عَناءٍ لَهُ، وحالَ دُونَهم ودُونَ النّاسِ لِئَلّا يُؤْذُوهم. ولَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ لَمْ يُسَخِّرِ اللَّهُ الجِنَّ لِغَيْرِهِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِ إذْ قالَ ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] . ولَمّا «مَكَّنَ اللَّهُ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الجِنِّيِّ الَّذِي كادَ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ وهَمَّ بِأنْ يَرْبُطَهُ، ذَكَرَ دَعْوَةَ سُلَيْمانَ فَأطْلَقَهُ» فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ التَّمْكِينِ مِنَ الجِنِّ وبَيْنَ تَحْقِيقِ رَغْبَةِ سُلَيْمانَ. وقَوْلُهُ (لَهم) يَتَعَلَّقُ بِـ (حافِظِينَ)، واللّامُ لامُ التَّقْوِيَةِ. والتَّقْدِيرُ: حافِظِينَهم، أيْ مانِعِينَهْمُ عَنِ النّاسِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences