Ibn 'AshurAl‑Anbya · 21:92–97

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:92–97

21:92Page 330

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢

Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.

﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾

(إنَّ) مَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ عِنْدَ جَمِيعِ القُرّاءِ. فَهي ابْتِداءُ كَلامٍ. واتَّفَقَتِ القِراءاتُ المَشْهُورَةُ عَلى رَفْعِ (أُمَّتُكم) . والأظْهَرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ شائِعٌ في القُرْآنِ.

والخِطابُ لِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في الآياتِ السّابِقَةِ. والوَجْهُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المَحْذُوفُ مَصُوغًا في صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ لَهم إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم إلى آخِرِهِ. والمَقُولُ مَحْكِيٌّ بِالمَعْنى، أيْ قائِلِينَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن رُسُلِنا وأنْبِيائِنا المَذْكُورِينَ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ . فَصِيغَةُ الجَمْعِ مُرادٌ بِها. وهي طَرِيقَةٌ شائِعَةٌ في الإخْبارِ عَنِ الجَماعاتِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ جارِيَةً عَلى أُسْلُوبِ نَظِيرِها في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. وفِيهِ ما يَزِيدُ هَذِهِ تَوْضِيحًا فَإنَّهُ ورَدَ هُنالِكَ ذِكْرُ عَدَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ تَفْصِيلًا وإجْمالًا، كَما ذُكِرُوا في هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ

صفحة ١٤٠

وبِكَسْرِها ﴿هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]، فَظاهِرُ العَطْفِ يَقْتَضِي دُخُولَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] في الكَلامِ المُخاطَبِ بِهِ الرُّسُلُ، والتَّأْكِيدُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِيَتَلَقّاهُ الأنْبِياءُ بِقُوَّةِ عَزْمٍ، أوْ رُوعِيَ فِيهِ حالُ الأُمَمِ الَّذِينَ يُبَلِّغُهم ذَلِكَ لِأنَّ الإخْبارَ بِاتِّحادِ الحالِ المُخْتَلِفَةِ غَرِيبٌ قَدْ يُثِيرُ تَرَدُّدًا في المُرادِ مِنهُ فَقَدْ يُحْمَلُ عَلى المَجازِ فَأُكِّدَ بِرَفْعِ ذَلِكَ. وهو وإنْ كانَ خِطابًا لِلرُّسُلِ فَإنَّ مِمّا يُقْصَدُ مِنهُ تَبْلِيغُ ذَلِكَ لِأتْباعِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ دِينَ اللَّهِ واحِدٌ، وذَلِكَ عَوْنٌ عَلى قَبُولِ كُلِّ أُمَّةٍ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُها لِأنَّهُ مَعْضُودٌ بِشَهادَةِ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا والخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ أنَّ هَذِهِ المِلَّةَ، وهي الإسْلامُ، هي مِلَّةٌ واحِدَةٌ لِسائِرِ الرُّسُلِ. أيْ أُصُولُها واحِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآيَةَ. والتَّأْكِيدُ عَلى هَذا لِرَدِّ إنْكارِ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ مِثْلَ المُشْرِكِينَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى (هَذِهِ) إلى ما يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى (أُمَّتُكم) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] . فالإشارَةُ إلى الحالَةِ الَّتِي هم عَلَيْها يَعْنِي في أُمُورِ الدِّينِ كَما هو شَأْنُ حالِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. فَما أفادَتْهُ الإشارَةُ مِنَ التَّمْيِيزِ لِلْمُشارِ إلَيْهِ مَقْصُودٌ مِنهُ جَمِيعُ ما عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ وهو التَّوْحِيدُ والعَمَلُ الصّالِحُ.

والأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى المِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] وقالَ النّابِغَةُ:

حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِـكَ رِيبَةً وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ

وأصْلُ الأُمَّةِ: الجَماعَةُ الَّتِي حالُها واحِدٌ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما تَكُونُ عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِنَ الدِّينِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأُمَمَ لَيْسَتْ واحِدَةً.

صفحة ١٤١

و(أُمَّةً واحِدَةً) حالٌ مِن (أُمَّتُكم) مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَتْهُ الإشارَةُ الَّتِي هي العامِلُ في صاحِبِ الحالِ. وأفادَتِ التَّمْيِيزَ والتَّشْخِيصَ لِحالِ الشَّرائِعِ الَّتِي عَلَيْها الرُّسُلُ أوِ الَّتِي دَعا إلَيْها مُحَمَّدٌ ﷺ . ومَعْنى كَوْنِها واحِدَةً أنَّها تُوَحِّدُ اللَّهَ تَعالى فَلَيْسَ دُونَهُ إلَهٌ. وهَذا حالُ شَرائِعِ التَّوْحِيدِ وبِخِلافِها أدْيانُ الشِّرْكِ فَإنَّها لِتَعَدُّدِ آلِهَتِها تَتَشَعَّبُ إلى عِدَّةِ أدْيانٍ لِأنَّ لِكُلِّ صَنَمٍ عِبادَةً وأتْباعًا وإنْ كانَ يَجْمَعُها وصْفُ الشِّرْكِ فَذَلِكَ جِنْسٌ عامٌّ وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾، أيْ لا غَيْرِي. وسَيَأْتِي بَسْطُ القَوْلِ في عَرَبِيَّةِ هَذا التَّرْكِيبِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. وأفادَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ الحَصْرَ، أيْ أنا لا غَيْرِي بِقَرِينَةِ السِّياقِ والعَطْفِ عَلى أُمَّةً واحِدَةً، إذِ المَعْنى: وأنا رَبُّكم رَبًّا واحِدًا، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ، أيْ فاعْبُدُونِ دُونَ غَيْرِي. وهَذا الأمْرُ مُراعًى فِيهِ ابْتِداءُ حالِ السّامِعِينَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ، فالمُرادُ مِنَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ بِالعِبادَةِ والمُحافَظَةُ عَلَيْها.

21:93Page 330

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.

﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] أيْ أعْرَضُوا عَنْ قَوْلِنا و(تَقَطَّعُوا) وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى مَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ الَّذِينَ مِنَ الشَّأْنِ التَّحَدُّثُ عَنْهم في القُرْآنِ المَكِّيِّ بِمِثْلِ هَذِهِ المَذامِّ، وهُمُ المُشْرِكُونَ. ومِثْلُ هَذِهِ الضَّمائِرِ المُرادُ مِنها المُشْرِكُونَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ عائِدَةً إلى أُمَمِ الرُّسُلِ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في ضَمائِرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] يَكُونُ الكَلامُ انْتِقالًا مِنَ الحِكايَةِ عَنِ الرُّسُلِ

صفحة ١٤٢

إلى الحِكايَةِ عَنْ حالِ أُمَمِهِمْ في حَياتِهِمْ أوِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَهم مِثْلَ اليَهُودِ والنَّصارى إذْ نَقَضُوا وصايا أنْبِيائِهِمْ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ لِمُناسَبَةٍ واضِحَةٍ كَما عُطِفَ نَظِيرُها بِالفاءِ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ كَوْنُها لِلْحالِ، أيْ أمَرْنا الرُّسُلَ بِمِلَّةِ الإسْلامِ، وهي المِلَّةُ الواحِدَةُ، فَكانَ مِن ضَلالِ المُشْرِكِينَ أنْ تَقَطَّعُوا أمْرَهم وخالَفُوا الرُّسُلَ وعَدَلُوا عَنْ دِينِ التَّوْحِيدِ وهو شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ أصْلِهِمْ. ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ جاءَ فِيهِ العَطْفُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ.

والتَّقَطُّعُ: مُطاوِعُ قَطَعَ، أيْ تَفَرَّقُوا. وأسْنَدَ التَّقَطُّعَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم جَعَلُوا أنْفُسَهم فِرَقًا فَعَبَدُوا آلِهَةً مُتَعَدِّدَةً واتَّخَذَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِنَفْسِها إلَهًا مِنَ الأصْنامِ مَعَ اللَّهِ، فَشَبَّهَ فِعْلَهم ذَلِكَ بِالتَّقَطُّعِ.

وفِي جَمْهَرَةِ الأنْسابِ لِابْنِ حَزْمٍ: كانَ الحُصَيْنُ بْنُ عُبَيْدٍ الخُزاعِيُّ، وهو والِدُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «يا حُصَيْنُ ما تَعْبُدُ ؟ قالَ: عَشَرَةَ آلِهَةٍ، قالَ: ما هم وأيْنَ هم ؟ قالَ: تِسْعَةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ، قالَ: فَمَن لِحاجَتِكَ ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ: فَمَن لِطِلْبَتِكَ ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ: فَمَن لِكَذا ؟ فَمَن لِكَذا ؟ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَألْغِ التِّسْعَةَ» . وفي كِتابِ الدَّعَواتِ مِن سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ قالَ: سَبْعَةً: سِتَّةٌ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ.

والأمْرُ: الحالُ. والمُرادُ بِهِ الدِّينُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩] في سُورَةِ الأنْعامِ. ولَمّا ضَمِنَ (تَقَطَّعُوا) مَعْنى تَوَزَّعُوا عُدِّيَ إلى (دِينِهِمْ) فَنَصَبَهُ. والأصْلُ: تَقَطَّعُوا في دِينِهِمْ وتَوَزَّعُوهُ.

صفحة ١٤٣

وزِيادَةُ (بَيْنَهم) لِإفادَةِ أنَّهم تَعاوَنُوا وتَظاهَرُوا عَلى تَقَطُّعِ أمْرِهِمْ. فَرُبَّ قَبِيلَةٍ اتَّخَذَتْ صَنَمًا لَمْ تَكُنْ تَعْبُدُهُ قَبِيلَةٌ أُخْرى ثُمَّ سَوَّلُوا لِجِيرَتِهِمْ وأحْلافِهِمْ أنْ يَعْبُدُوهُ فَألْحَقُوهُ بِآلِهَتِهِمْ. وهَكَذا حَتّى كانَ في الكَعْبَةِ عِدَّةُ أصْنامٍ وتَماثِيلَ لِأنَّ الكَعْبَةَ مَقْصُودَةٌ لِجَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ المُلَقَّبَ بِخُزاعَةَ هو الَّذِي نَقَلَ الأصْنامَ إلى العَرَبِ.

وجُمْلَةُ ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ يَجِيشُ في نَفْسِ سامِعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾ وهو مَعْرِفَةُ عاقِبَةِ هَذا التَّقَطُّعِ.

وتَنْوِينُ (كُلٌّ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّهم، أيْ أصْحابُ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ. والكَلامُ يُفِيدُ تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٤] إلى آخِرِهِ.

21:94Page 330

فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾

فُرِّعَ عَلى الوَعِيدِ المُعَرَّضِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] تَفْرِيعٌ بَدِيعٌ مِن بَيانِ صِفَةِ ما تُوُعِّدُوا بِهِ، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] الآياتِ. وقَدَّمَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ بِجَزاءِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ اهْتِمامًا بِهِ، ولِوُقُوعِهِ عَقِبَ الوَعِيدِ تَعْجِيلًا لِمَسَرَّةِ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا قَوارِعَ تَفْصِيلِ الوَعِيدِ، فَلَيْسَ هو مَقْصُودًا مِنَ التَّفْرِيعِ، ولَكِنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِطْرادَ تَنْوِيهًا بِالمُؤْمِنِينَ

صفحة ١٤٤

كَما سَيُعْتَنى بِهِمْ عَقِبَ تَفْصِيلِ وعِيدِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] إلى آخِرِ السُّورَةِ.

والكُفْرانُ مَصْدَرٌ أصْلُهُ: عَدَمُ الِاعْتِرافِ بِالإحْسانِ، ضِدُّ الشُّكْرانِ واسْتُعْمِلَ هُنا في حِرْمانِ الجَزاءِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ؛ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِالخَيْرِ يَسْتَلْزِمُ الجَزاءَ عَلَيْهِ عُرْفًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥] . فالمَعْنى: أنَّهم يُعْطَوْنَ جَزاءَ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ مُؤَكِّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

والكِتابَةُ كِنايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِهِ وعَدَمِ إضاعَتِهِ لِأنَّ الِاعْتِناءَ بِإيقاعِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الحِفْظَ عَنْ إهْمالِهِ وعَنْ إنْكارِهِ، ومِن وسائِلِ ذَلِكَ كِتابَتُهُ لِيُذْكَرَ ولَوْ طالَتِ المُدَّةُ. وهَذا لُزُومٌ عُرْفِيٌّ قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ

وذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الكِتابَةِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْناها الأصْلِيِّ كَما جاءَتْ بِذَلِكَ الظَّواهِرُ مِنَ الكِتابِ والسُنَّةِ.

21:95Page 330

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥

And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1

﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها. وهَذا يَعُمُّ كُلَّ قَرْيَةٍ مِن قُرى الكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] . والحَرامُ: الشَّيْءُ المَمْنُوعُ، قالَ عَنْتَرَةُ:

حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ

أيْ مُنِعَتْ؛ أيْ مَنَعَها أهْلُها.

صفحة ١٤٥

أيْ مَمْنُوعٌ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا إهْلاكَها أنْ لا يَرْجِعُوا، فَـ (حَرامٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ في قُوَّةِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٌ. والخَبَرُ عَنْ (أنْ) وصِلَتِها لا يَكُونُ إلّا مُقَدَّمًا، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ في ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وفِعْلُ (أهْلَكْناها) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ، أيْ أرَدْنا إهْلاكَها.

والرُّجُوعُ: العَوْدُ إلى ما كانَ فِيهِ المَرْءُ؛ فَيُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ رُجُوعُهم عَنِ الكُفْرِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ (لا) في قَوْلِهِ تَعالى (لا يَرْجِعُونَ) زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ، لِأنَّ (حَرامٌ) في مَعْنى النَّفْيِ و(لا) نافِيَةٌ ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَيَصِيرُ المَعْنى مَنعَ عَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلى الإيمانِ، فَيُؤَوَّلُ إلى أنَّهم راجِعُونَ إلى الإيمانِ، ولَيْسَ هَذا بِمُرادٍ. فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعْنى: مُنِعَ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أنْ يَرْجِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ تَقْدِيرُ هَلاكِها. وهَذا إعْلامٌ بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في تَصَرُّفِهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِتَأْيِيسِ فَرِيقٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ المَصِيرِ إلى الإيمانِ، وتَهْدِيدُهم بِالهَلاكِ. وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ هَلاكَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِسُيُوفِ المُؤْمِنِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى الآخِرَةِ بِالبَعْثِ، وهو المُناسِبُ لِتَفْرِيعِهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] فَتَكُونَ (لا) نافِيَةً. والمَعْنى: مَمْنُوعٌ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلى الآخِرَةِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ، أيْ دَعْواهم باطِلَةٌ، أيْ فَهم راجِعُونَ إلَيْنا فَمُجازَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَيَكُونَ إثْباتًا لِلْبَعْثِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ الإثْباتِ لِأنَّهُ إثْباتٌ بِطَرِيقِ المُلازَمَةِ فَكَأنَّهُ إثْباتُ الشَّيْءِ بِحُجَّةٍ. ويُفِيدُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] .

وجُمْلَةُ (أهْلَكْناها) إدْماجٌ لِلْوَعِيدِ بِعَذابِ الدُّنْيا قَبْلَ عَذابِ الآخِرَةِ.

وفِعْلُ (أهْلَكْناها) مُسْتَعْمَلٌ في أصْلِ مَعْناهُ، أيْ وقَعَ إهْلاكُنا إيّاها. والمَعْنى: ما مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فانْقَرَضَتْ مِنَ الدُّنْيا إلّا وهم راجِعُونَ

صفحة ١٤٦

إلَيْنا بِالبَعْثِ. وقِيلَ (حَرامٌ) اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَمْنُوعِ والواجِبِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الخَنْساءِ:

وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِـيًا ∗∗∗ عَلى شَجْوَةٍ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرِ

وفِي كِتابِ لِسانِ العَرَبِ في حَدِيثِ عُمَرَ: في الحَرامِ كَفّارَةُ يَمِينٍ: هو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: حَرامُ اللَّهِ لا أفْعَلُ، كَما يَقُولُ: يَمِينُ اللَّهِ لا أفْعَلُ، وهي لُغَةُ العُقَيْلِيِّينَ اهـ.

ورَأيْتُ في مَجْمُوعَةٍ أدَبِيَّةٍ عَتِيقَةٍ مِن كُتُبِ جامِعِ الزَّيْتُونَةِ عَدَدُها ٤٥٦١: أنَّ بَنِي عُقَيْلٍ يَقُولُونَ حَرامُ اللَّهِ لَآتِيَنَّكَ؛ كَما يُقالُ يَمِينُ اللَّهِ لَآتِيَنَّكَ اهـ. وهو يَشْرَحُ كَلامَ لِسانِ العَرَبِ بِأنَّ هَذا اليَمِينَ لا يَخْتَصُّ بِالحَلِفِ عَلى النَّفْيِ كَما في مِثالِ لِسانِ العَرَبِ. فَيَتَأتّى عَلى هَذا وجْهٌ ثالِثٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم إلَيْنا لا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ ويَمِينٌ مِنّا عَلى قَرْيَةٍ، فَحَرْفُ (عَلى) داخِلٌ عَلى المُسَلَّطَةِ عَلَيْهِ اليَمِينُ، كَما تَقُولُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ، وكَما يُقالُ: حَلَفْتُ عَلى فُلانٍ أنْ لا يَنْطِقَ. كَقَوْلِ الرّاعِي:

إنِّي حَلَفْتُ عَلى يَمِينٍ بَرَّةٍ ∗∗∗ لا أكْتُمُ اليَوْمَ الخَلِيفَةَ قِيلا

وفَتْحُ هَمْزَةِ (أنَّ) في اليَمِينِ أحَدُ وجْهَيْنِ فِيها في سِياقِ القَسَمِ. ومَعْنى (لا يَرْجِعُونَ) عَلى هَذا الوَجْهِ: لا يَرْجِعُونَ إلى الإيمانِ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم فَقَدَّرَ إهْلاكَهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (وحَرامٌ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِألِفٍ بَعْدِ الرّاءِ.

وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وحِرْمٌ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى حَرامٍ. والكَلِمَةُ مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ ومَرْوِيَّةٌ في رِواياتِ القُرّاءِ بِوَجْهَيْنِ، وحَذْفُ الألِفِ المُشْبَعَةِ مِنَ الفُتْحَةِ كَثِيرٌ في المَصاحِفِ.

21:96–97Page 330

حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦

Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend

وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧

And [when] the true promise [i.e., the resurrection] has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."

صفحة ١٤٧

﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ ياجُوجُ وماجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾

(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. والجُمْلَةُ بَعْدَها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ولَكِنْ (حَتّى) تُكْسِبُهُ ارْتِباطًا بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أنَّ مَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُ (مَتى) حِينَ تَكُونُ لِلِابْتِداءِ، ولِذَلِكَ عُنِيَ هو ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ بِتَطَلُّبِ الغايَةِ بِها هاهُنا فَجَعَلَها في الكَشّافِ غايَةً لِقَوْلِهِ (وحَرامٌ) فَقالَ: (حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (حَرامٌ) وهي غايَةٌ لَهُ لِأنَّ امْتِناعَ رُجُوعِهِمْ لا يَزُولُ حَتّى تَقُومَ القِيامَةُ اهـ.

أيْ فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ عَلى أمْرٍ لا يَقَعُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] . ويَتَرَكَّبُ عَلى كَلامِهِ الوَجْهانِ اللَّذانِ تَقَدَّما في مَعْنى الرُّجُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (أنَّهم لا يَرْجِعُونَ)، أيْ لا يَرْجِعُونَ عَنْ كُفْرِهِمْ حَتّى يَنْقَضِيَ العالَمُ، أوِ انْتِفاءُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا في اعْتِقادِهِمْ يَزُولُ عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا. فَيَكُونُ المَقْصُودُ الإخْبارَ عَنْ دَوامِ كُفْرِهِمْ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَفَتْحُ ياجُوجَ وماجُوجَ هو فَتْحُ السَّدِّ الَّذِي هو حائِلٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الِانْتِشارِ في أنْحاءِ الأرْضِ بِالفَسادِ، وهو المَذْكُورُ في قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ. وتَوْقِيتُ وعْدِ السّاعَةِ بِخُرُوجِ ياجُوجِ وماجُوجِ أنَّ خُرُوجَهم أوَّلُ عَلاماتِ اقْتِرابِ القِيامَةِ.

وقَدْ عَدَّهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأشْراطِ الصُّغْرى لِقِيامِ السّاعَةِ.

صفحة ١٤٨

وفُسِّرَ اقْتِرابُ الوَعْدِ بِاقْتِرابِ القِيامَةِ. وسُمِّيَتْ وعْدًا؛ لِأنَّ البَعْثَ سَمّاهُ اللَّهُ وعْدًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . وعَلى هَذا أيْضًا جَعَلُوا ضَمِيرَ ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ عائِدًا إلى (ياجُوجَ وماجُوجَ) فالجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ (ياجُوجُ وماجُوجُ) .

وبِناءً عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وصَفَتِ انْتِشارَ ياجُوجَ وماجُوجَ وصْفًا بَدِيعًا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ بِخَمْسَةِ قُرُونٍ فَعَدَدْنا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ والغَيْبِيَّةِ. ولَعَلَّ تَخْصِيصَ هَذا الحادِثِ بِالتَّوْقِيتِ دُونَ غَيْرِهِ مِن عَلاماتِ قُرْبِ السّاعَةِ قُصِدَ مِنهُ مَعَ التَّوْقِيتِ إدْماجُ الإنْذارِ لِلْعَرَبِ المُخاطَبِينَ لِيَكُونَ ذَلِكَ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ تَحْذِيرًا لِذُرِّيّاتِهِمْ مِن كَوارِثِ ظُهُورِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ كانَ زَوالُ مُلْكِ العَرَبِ العَتِيدِ وتَدَهْوُرُ حَضارَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى أيْدِي ياجُوجَ وماجُوجَ وهُمُ المَغُولُ والتَّتارُ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ الإنْذارُ النَّبَوِيُّ في ساعَةٍ مِن ساعاتِ الوَحْيِ. «فَقَدْ رَوَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ هَكَذا وحَلَّقَ بِإصْبَعِهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» .

والِاقْتِرابُ عَلى هَذا اقْتِرابٌ نِسْبِيٌّ عَلى نِسْبَةِ ما بَقِيَ مِن أجْلِ الدُّنْيا بِما مَضى مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِفَتْحِ ياجُوجَ وماجُوجَ تَمْثِيلَ إخْراجِ الأمْواتِ إلى الحَشْرِ، فالفَتْحُ مَعْنى الشَّقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] ويَكُونُ اسْمُ ياجُوجَ وماجُوجَ تَشْبِيهًا بَلِيغًا. وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِشُهْرَةِ كَثْرَةِ عَدَدِهِما عِنْدَ العَرَبِ مِن خَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ. ويَدُلُّ لِهَذا حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ، فَيَقُولُ:

صفحة ١٤٩

يا رَبِّ، وما بَعْثُ النّارِ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ: وأيُّنا ذَلِكَ الواحِدُ ؟ قالَ: أبْشِرُوا، فَإنَّ مِنكم رَجُلًا ومِن يَأْجُوجَ وماجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ» .

أوْ يَكُونُ اسْمُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ اسْتُعْمِلَ مَثَلًا لِلْكَثْرَةِ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:

لَوْ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مَعًا وعادَ عادٌ واسْتَجاشُوا تُبَّعًا

أيْ حَتّى إذا أُخْرِجَتِ الأمْواتُ كَيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَعْقُولِ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ، (جَدَثٍ) بِجِيمٍ ومُثَلَّثَةٍ، أيْ مِن كُلِّ قَبْرٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] فَيَكُونُ ضَمِيرا ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ عائِدِينَ إلى مَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الرُّجُوعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (لا يَرْجِعُونَ) أيْ أهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها.

والِاقْتِرابُ، عَلى هَذا الوَجْهِ: القُرْبُ الشَّدِيدُ وهو المُشارَفَةُ، أيِ اقْتَرَبَ الوَعْدُ الَّذِي وُعِدَهُ المُشْرِكُونَ، وهو العَذابُ بِأنْ رَأوُا النّارَ والحِسابَ. وعَلامَةُ التَّأْنِيثِ في فِعْلِ (فُتِحَتْ) لِتَأْوِيلِ ياجُوجَ وماجُوجَ بِالأُمَّةِ. ثُمَّ يُقَدَّرُ المُضافُ وهو سَدٌّ فَيُكْتَسَبُ التَّأْنِيثُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.

وياجُوجُ وماجُوجُ هم قَبِيلَتانِ مِن أُمَّةٍ واحِدَةٍ مِثْلَ طسم وجَدِيسَ.

وإسْنادُ فِعْلِ (فُتِحَتْ) إلى (ياجُوجَ وماجُوجَ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ فُتِحَ رَدْمُهُما أوْ سَدُّهُما. وفِعْلُ الفَتْحِ قَرِينَةٌ عَلى المَفْعُولِ.

صفحة ١٥٠

وقَرَأ الجُمْهُورُ (فُتِحَتْ) بِتَخْفِيفِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي بَعْدَ الفاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِتَشْدِيدِهِما. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ياجُوجَ وماجُوجَ في سُورَةِ الكَهْفِ.

والحَدَبُ: النَّشَزُ مِنَ الأرْضِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنها.

و(يَنْسِلُونَ) يَمْشُونَ النَّسَلانَ بِفَتْحَتَيْنِ وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ، وأصْلُهُ: مَشْيُ الذِّئْبِ. والمُرادُ: المَشْيُ السَّرِيعُ. وإيثارُ التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا مِن نُكَتِ القُرْآنِ الغَيْبِيَّةِ، لِأنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ لَمّا انْتَشَرُوا في الأرْضِ انْتَشَرُوا كالذِّئابِ جِياعًا مُفْسِدِينَ.

هَذا حاصِلُ ما تَفَرَّقَ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ وما فَرَضُوهُ مِنَ الوُجُوهِ، وهي تَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرِ التِزامِ أنَّ (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةَ تُفِيدُ أنَّ ما بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها مَعَ تَقْدِيرِ مَفْعُولِ (فُتِحَتْ) بِأنَّهُ سَدُّ ياجُوجَ وماجُوجَ. ومَعَ حَمْلِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَلى حَقِيقَةِ مَدْلُولِ الِاسْمِ، وذَلِكَ ما زَجَّ بِهِمْ في مَضِيقٍ تَعاصى عَلَيْهِمْ فِيهِ تَبْيِينُ انْتِظامِ الكَلامِ فَألْجَئُوا إلى تَعْيِينِ المُغَيّا وإلى تَعْيِينِ غايَةٍ مُناسِبَةٍ لَهُ ولِهاتِهِ المَحامِلِ كَما عَلِمْتَ مِمّا سَبَقَ. ولا أرى مُتابَعَتَهم في الأُمُورِ الثَّلاثَةِ. فَأمّا دَلالَةُ (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ عَلى مَعْنى الغايَةِ، أيْ كَوْنُ ما بَعْدَها غايَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، فَلا أراهُ لازِمًا. ولِأمْرٍ ما فَرَّقَ العَرَبُ بَيْنَ اسْتِعْمالِها جارَّةً وعاطِفَةً وبَيْنَ اسْتِعْمالِها ابْتِدائِيَّةً، ألَيْسَ قَدْ صَرَّحَ النُّحاةُ بِأنَّ الِابْتِدائِيَّةَ يَكُونُ الكَلامُ بَعْدَها جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً تَصْرِيحًا جَرى مَجْرى الصَّوابِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فَما رَعَوْهُ حَقَّ رِعايَتِهِ فَإنَّ مَعْنى الغايَةِ في (حَتّى) الجارَّةِ وهي الأصْلُ في اسْتِعْمالِ هَذا الحَرْفِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّها بِمَعْنى (إلى) . وفي (حَتّى) العاطِفَةِ لِأنَّها تُفِيدُ التَّشْرِيكَ في الحُكْمِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ بِها نِهايَةً لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في المَعْنى المُرادِ.

صفحة ١٥١

فَأمّا (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ فَإنَّ وُجُودَ مَعْنى الغايَةِ مَعَها في مَواقِعِها غَيْرُ مُنْضَبِطٍ ولا مُطَّرِدٍ، ولَمّا كانَ ما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَقِلًّا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ وُجُودُها بَيْنَ الكَلامَيْنِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فَقَدْ نُقِلَتْ مِن مَعْنى تَنْهِيَةِ مَدْلُولِ ما قَبْلَها بِما بَعْدَها إلى الدَّلالَةِ عَلى تَنْهِيَةِ المُتَكَلِّمِ غَرَضَ كَلامِهِ بِما يُورِدُهُ بَعْدَ (حَتّى) ولا يَقْصِدُ تَنْهِيَةَ مَدْلُولِ ما قَبْلَ (حَتّى) بِما عِنْدَ حُصُولِ ما بَعْدَها (الَّذِي هو المَعْنى الأصْلُ لِلْغايَةِ) . وانْظُرْ إلى اسْتِعْمالِ (حَتّى) في مَواقِعَ مِن مُعَلَّقَةِ لَبِيدٍ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ لَيْسَ غايَةً لِلزَّلْزَلَةِ ولَكِنَّهُ ناشِئٌ عَنْها. وقَدْ مُثِّلَتْ حالَةُ الكافِرِينَ في ذَلِكَ الحِينِ بِأبْلَغِ تَمْثِيلٍ وأشَدِّهِ وقْعًا في نَفْسِ السّامِعِ، إذْ جُعِلَتْ مُفَرَّعَةً عَلى فَتْحِ ياجُوجَ وماجُوجَ واقْتِرابِ الوَعْدِ الحَقِّ لِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ لَهم ثُمَّ بِتَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ والمُجازاةِ الَّذِي يُفِيدُ الحُصُولَ دَفْعَةً بِلا تَدَرُّجٍ ولا مُهْلَةٍ، ثُمَّ بِالإتْيانِ بِضَمِيرِ القِصَّةِ لِيَحْصُلَ لِلسّامِعِ عِلْمٌ مُجْمَلٌ يُفَصِّلُهُ ما يُفَسِّرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ فَقالَ تَعالى ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخِرِهِ.

والشُّخُوصُ: إحْدادُ البَصَرِ دُونَ تَحَرُّكٍ كَما يَقَعُ لِلْمَبْهُوتِ.

وجُمْلَةُ (يا ويْلَنا) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَما هو ظاهِرٌ، أيْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: يا ويْلَنا. ودَلَّتْ (في) عَلى تَمَكُّنِ الغَفْلَةِ مِنهم حَتّى كَأنَّها مُحِيطَةٌ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، أيْ كانَتْ لَنا غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي غَفْلَةُ الإعْراضِ عَنْ أدِلَّةِ الجَزاءِ والبَعْثِ.

صفحة ١٥٢

و(يا ويْلَنا) دُعاءٌ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن شِدَّةِ ما لَحِقَهم. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ، أيْ ما كُنّا في غَفْلَةٍ لِأنَّنا قَدْ دُعِينا وأُنْذِرْنا وإنَّما كُنّا ظالِمِينَ أنْفُسَنا بِمُكابَرَتِنا وإعْراضِنا. والمُشارُ إلَيْهِ بِـ (هَذا) هو مَجْمُوعُ تِلْكَ الأحْوالِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском