Ibn 'AshurAl‑Hajj · 22:23–26

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:23–26

22:23–24Page 334

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

And they had been guided [in worldly life] to good speech, and they were guided to the path of the Praiseworthy.

صفحة ٢٣١

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾

كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مَعْطُوفًا بِالواوِ عَلى جُمْلَةِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]، لِأنَّهُ قَسِيمُ تِلْكَ الجُمْلَةِ في تَفْصِيلِ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] بِأنْ يُقالَ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ جَنّاتٍ إلى آخِرِهِ. فَعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ الأُسْلُوبِ إلى هَذا النَّظْمِ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ إلى هَذا الكَلامِ إذْ جاءَ مُبْتَدَأً بِهِ مُسْتَقِلًّا مُفْتَتَحًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ومُتَوَّجًا بِاسْمِ الجَلالَةِ، والبَلِيغُ لا تَفُوتُهُ مَعْرِفَةُ أنَّ هَذا الكَلامَ قَسِيمٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ في تَفْصِيلِ إجْمالِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] لِوَصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ المُقابِلِ لِحالِ الَّذِينَ كَفَرُوا في المَكانِ واللِّباسِ وخِطابِ الكَرامَةِ. فَقَوْلُهُ (يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] . وقَوْلُهُ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ يُقابِلُ قَوْلَهُ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] . وقَوْلُهُ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩] . وقَوْلُهُ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] فَإنَّهُ مِنَ القَوْلِ النَّكِدِ.

والتَّحْلِيَةُ: وضْعُ الحَلْيِ عَلى أعْضاءِ الجِسْمِ. حَلّاهُ: ألْبَسَهُ الحَلْيَ مِثْلُ جَلْبَبَ.

والأساوِرُ: جَمْعُ أسْوِرَةٍ الَّذِي هو جَمْعُ سِوارٍ. أُشِيرَ بِجَمْعِ الجَمْعِ إلى التَّكْثِيرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١] في سُورَةِ الكَهْفِ.

صفحة ٢٣٢

و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن أساوِرَ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا لَمْ يُعْهَدْ تَحْلِيَةُ الرِّجالِ بِالأساوِرِ كانَ الخَبَرُ عَنْهم بِأنَّهم يُحَلَّوْنَ أساوِرَ مُعَرِّضًا لِلتَّرَدُّدِ في إرادَةِ الحَقِيقَةِ فَجِيءَ بِالمُؤَكِّدِ لِإفادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ. ولِذَلِكَ فَـ (أساوِرَ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (يُحَلَّوْنَ) .

(ولُؤْلُؤًا) قَرَأهُ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وعاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (أساوِرَ) أيْ يُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا أيْ عُقُودًا ونَحْوَها. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّفْظِ. والمَعْنى: أساوِرَ مِن ذَهَبٍ وأساوِرَ مِن لُؤْلُؤٍ، وهي مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ بَعْدِ الواوِ الثّانِيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَتْ قِراءَةُ جَرِّ (لُؤْلُؤًا) مُخالِفَةً لِمَكْتُوبِ المُصْحَفِ. والقِراءَةُ نَقْلٌ ورِوايَةٌ، فَلَيْسَ اتِّباعُ الخَطِّ واجِبًا عَلى مَن يَرْوِي بِما يُخالِفُهُ. وكُتِبَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ بِدُونِ ألِفٍ. والَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالنَّصْبِ خالَفُوا أيْضًا خَطَّ المُصْحَفِ واعْتَمَدُوا رِوايَتَهم. وسَرَيانُ مَعْنى التَّأْكِيدِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ التَّأْكِيدَ تَعَلَّقَ بِالجُمْلَةِ كُلِّها لا بِخُصُوصِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى إعادَةِ المُؤَكِّدِ مَعَ المَعْطُوفِ.

واللُّؤْلُؤُ: الدُّرُّ. ويُقالُ لَهُ الجُمانُ والجَوْهَرُ. وهو حُبُوبٌ بَيْضاءُ وصَفْراءُ ذاتُ بَرِيقٍ رَقْراقٍ تُسْتَخْرَجُ مِن أجْوافِ حَيَوانٍ مائِيٍّ حَلَزُونِيٍّ مُسْتَقِرٍّ في غِلافٍ ذِي دَفَّتَيْنِ مُغْلَقَتَيْنِ عَلَيْهِ يَفْتَحُهُما بِحَرَكَةٍ حَيَوِيَّةٍ مِنهُ لِامْتِصاصِ الماءِ الَّذِي يَسْبَحُ فِيهِ ويُسَمّى غِلافُهُ صَدَفًا، فَتُوجَدُ في جَوْفِ الحَيَوانِ حَبَّةٌ ذاتُ بَرِيقٍ وهي تَتَفاوَتُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ وبِصَفاءِ اللَّوْنِ وبَياضِهِ. وهَذا الحَيَوانُ يُوجَدُ في عِدَّةِ بِحارٍ: كَبَحْرِ العَجَمِ وهو المُسَمّى بِالبَحْرَيْنِ، وبَحْرِ الجابُونِ، وشَطِّ جَزِيرَةِ جَرْبَةَ مِنَ البِلادِ التُّونِسِيَّةِ، وأجْوَدُهُ وأحْسَنُهُ الَّذِي يُوجَدُ مِنهُ في البَحْرَيْنِ حَيْثُ مَصَبُّ نَهْرَيِ الدِّجْلَةِ والفُراتِ، ويَسْتَخْرِجُهُ غَوّاصُونَ مُدَرَّبُونَ عَلى التِقاطِهِ

صفحة ٢٣٣

مِن قَعْرِ البَحْرِ بِالغَوْصِ، يَغُوصُ الغائِصُ مَشْدُودًا بِحَبْلٍ بِيَدِ مَن يُمْسِكُهُ عَلى السَّفِينَةِ ويَنْتَشِلُهُ بَعْدَ لَحْظَةٍ تَكْفِيهِ لِلِالتِقاطِ. وقَدْ جاءَ وصْفُ ذَلِكَ في قَوْلِ المُسَيَّبِ بْنِ عَلَسٍ أوِ الأعْشى:

لَجُمانَةُ البَحْرِيِّ جاءَ بِها غَوّاصُها مِن لُجَّةِ البَحْرِ

نَصَفَ النَّهارَ الماءُ غامِرُهُ ∗∗∗ ورَفِيقُهُ بِالغَيْبِ لا يَدْرِي

وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ يَصِفُ لُؤْلُؤَةً:

فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ

وقَدْ أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤] .

ولَمّا كانَتِ التَّحْلِيَةُ غَيْرَ اللِّباسِ جِيءَ بِاسْمِ اللِّباسِ بَعْدَ (يُحَلَّوْنَ) بِصِيغَةِ الِاسْمِ دُونَ (يَلْبَسُونَ) لِتَحْصُلَ الدَّلالَةُ عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ كَما دَلَّتْ صِيغَةُ (يُحَلَّوْنَ) عَلى أنَّ التَّحْلِيَةَ مُتَجَدِّدَةٌ بِأصْنافٍ وألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِن عُمُومِ الصِّيغَتَيْنِ يُفْهَمُ تَحَقُّقُ مِثْلِها في الجانِبِ الآخَرِ فَيَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُحَلَّوْنَ بِها وحِلْيَتُهم مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ يَلْبَسُونَهُ.

والحَرِيرُ: يُطْلَقُ عَلى ما نُسِجَ مِن خُيُوطِ الحَرِيرِ كَما هُنا. وأصْلُ اسْمِ الحَرِيرِ اسْمُ الخُيُوطِ تُفْرِزُها مِن لُعابِها دُودَةٌ مَخْصُوصَةٌ تَلُفُّها لَفًّا بَعْضَها إلى بَعْضٍ مِثْلَ كُبَّةٍ تَلْتَئِمُ مَشْدُودَةً كَصُورَةِ الفُولِ السُّودانِيِّ تُحِيطُ بِالدُّودَةِ كَمِثْلِ الجَوْزَةِ وتَمْكُثُ فِيهِ الدُّودَةُ مُدَّةً إلى أنْ تَتَحَوَّلَ الدُّودَةُ إلى فَراشَةٍ ذاتِ جَناحَيْنِ فَتَثْقُبُ ذَلِكَ البَيْتَ وتَخْرُجُ مِنهُ. وإنَّما تَحْصُلُ الخُيُوطُ مِن ذَلِكَ البَيْتِ بِوَضْعِها في ماءٍ حارٍّ في دَرَجَةِ الغَلَيانِ حَتّى يَزُولَ تَماسُكُها بِسَبَبِ انْحِلالِ المادَّةِ الصَّمْغِيَّةِ اللُّعابِيَّةِ الَّتِي تَشُدُّها فَيُطْلِقُونَها خَيْطًا واحِدًا طَوِيلًا. ومِن تِلْكَ الخُيُوطِ تُنْسَجُ ثِيابٌ

صفحة ٢٣٤

تَكُونُ بالِغَةً في اللِّينِ واللَّمَعانِ. وثِيابُ الحَرِيرِ أجْوَدُ الثِّيابِ في الدُّنْيا قَدِيمًا وحَدِيثًا. وأقْدَمُ ظُهُورِها في بِلادِ الصِّينِ مُنْذُ خَمْسَةِ آلافِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا حَيْثُ يَكْثُرُ شَجَرُ التُّوتِ. لِأنَّ دُودَ الحَرِيرِ لا يُفْرِزُ الحَرِيرَ إلّا إذا كانَ عَلَفُهُ ورَقَ التُّوتِ، والأكْثَرُ أنَّهُ يَبْنِي بُيُوتَهُ في أغْصانِ التُّوتِ. وكانَ غَيْرُ أهْلِ الصِّينِ لا يَعْرِفُونَ تَرْبِيَةَ دُودِ الحَرِيرِ فَلا يُحَصِّلُونَ الحَرِيرَ إلّا مِن طَرِيقِ بِلادِ الفُرْسِ يَجْلِبُهُ التُّجّارُ فَلِذَلِكَ يُباعُ بِأثْمانٍ غالِيَةٍ. وكانَتِ الأثْوابُ الحَرِيرِيَّةُ تُباعُ بِوَزْنِها مِنَ الذَّهَبِ. ثُمَّ نُقِلَ بِزْرُ دُودِ الحَرِيرِ الَّذِي يُوَلَّدُ مِنهُ الدُّودُ إلى القُسْطَنْطِينِيَّةِ في زَمَنِ الإمْبِراطُورِ ”بُوسْتِنْيانُوسَ“ بَيْنَ سَنَةِ ٥٢٧ وسَنَةِ ٥٦٥ م. ومِن أصْنافِ ثِيابِ الحَرِيرِ السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ وقَدْ تَقَدَّما في سُورَةِ الكَهْفِ. وعُرِفَتِ الأثْوابُ الحَرِيرِيَّةُ في الرُّومانِ في حُدُودِ أوائِلِ القَرْنِ الثّالِثِ المَسِيحِيِّ. ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أنَّ اللَّهَ يُرْشِدُهم إلى أقْوالٍ، أيْ يُلْهِمُهم أقْوالًا حَسَنَةً يَقُولُونَها بَيْنَهم. وقَدْ ذُكِرَ بَعْضُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وفي قَوْلِهِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم يُرْشَدُونَ إلى أماكِنَ يَسْمَعُونَ فِيها أقْوالًا طَيِّبَةً. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] . وهَذا أشَدُّ مُناسَبَةً بِمُقابَلَةِ ما يَسْمَعُهُ أهْلُ النّارِ في قَوْلِهِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] . وجُمْلَةُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ لِلِاعْتِراضِ، هي كالتَّكْمِلَةِ لِوَصْفِ حُسْنِ حالِهِمْ لِمُناسَبَةِ

صفحة ٢٣٥

ذِكْرِ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾، ولَمْ يَسْبِقْ مُقابِلٌ لِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِأحْوالِ الكافِرِينَ. وسَيَجِيءُ ذِكْرُ مُقابِلِها في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وذَلِكَ مِن أفانِينِ المُقابَلَةِ. والمَعْنى: وقَدْ هُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ في الدُّنْيا، وهو دِينُ الإسْلامِ، شُبِّهَ بِالصِّراطِ لِأنَّهُ مُوَصِّلٌ إلى رِضى اللَّهِ.

والحَمِيدُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، أيِ المَحْمُودُ كَثِيرًا فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَإضافَةُ (صِراطٍ) إلى اسْمِ (اللَّهِ) لِتَعْرِيفِ أيِّ صِراطٍ هو. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الحَمِيدِ) صِفَةً لِـ (صِراطٍ)، أيِ المَحْمُودُ لِسالِكِهِ. فَإضافَةُ ”صِراطٍ“ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. والصِّراطُ المَحْمُودُ هو صِراطُ دِينِ اللَّهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيماءٌ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِ تِلْكَ النِّعَمِ أنَّهُ الهِدايَةُ السّابِقَةُ إلى دِينِ اللَّهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.

22:25Page 335

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥

Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِي ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾

هَذا مُقابِلٌ قَوْلَهُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ المُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَسْبِقْ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ مُقابِلٌ في الأحْوالِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩] كَما تَقَدَّمَ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ. والمَعْنى: كَما كانَ سَبَبُ اسْتِحْقاقِ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ النَّعِيمَ اتِّباعَهم صِراطَ اللَّهِ كَذَلِكَ كانَ سَبَبُ اسْتِحْقاقِ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ العَذابَ كُفْرَهم وصَدَّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.

صفحة ٢٣٦

وفِيهِ مَعَ هَذِهِ المُناسَبَةِ لِما قَبْلَهُ تَخَلُّصٌ بَدِيعٌ إلى ما بَعْدَهُ مِن بَيانِ حَقِّ المُسْلِمِينَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وتَهْوِيلُ أمْرِ الإلْحادِ فِيهِ، والتَّنْوِيهُ بِهِ وتَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مَأْوًى لِلشِّرْكِ ورِجْسِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وجاءَ (يَصُدُّونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَأْبُهم سَواءٌ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم؛ لِأنَّ البَقِيَّةَ ظاهَرُوهم عَلى ذَلِكَ الصَّدِّ ووافَقُوهم. أمّا صِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَلِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ صارَ كاللَّقَبِ لَهم مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ١٤] .

وسَبِيلُ اللَّهِ: الإسْلامُ، فَصَدُّهم عَنْهُ هو الَّذِي حَقَّقَ لَهم عَذابَ النّارِ، كَما حَقَّقَ اهْتِداءُ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ لَهم نَعِيمَ الجَنَّةِ.

والصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مِمّا شَمِلَهُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى التَّنْوِيهِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وذِكْرِ بِنائِهِ، وشَرْعِ الحَجِّ لَهُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ. والمُرادُ بِصَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ صَدٌّ عَرَفَهُ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ. ولَعَلَّهُ صَدُّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ والطَّوافِ بِالبَيْتِ. والمَعْرُوفُ مِن ذَلِكَ أنَّهم مَنَعُوا المُسْلِمِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن زِيارَةِ البَيْتِ فَقَدْ قالَ أبُو جَهْلٍ لِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ لَمّا جاءَ إلى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا وقالَ لِصاحِبِهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: انْتَظِرْ لِي ساعَةً مِنَ النَّهارِ لَعَلِّي أطُوفُ بِالبَيْتِ، فَبَيْنَما سَعْدٌ يَطُوفُ إذْ أتاهُ أبُو جَهْلٍ وعَرَفَهُ. فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: أتَطَّوَّفُ بِالكَعْبَةِ ؟ آمَنّا وقَدْ أُوتِيتُمُ الصُّباةَ ”يَعْنِي المُسْلِمِينَ“ . ومِن ذَلِكَ ما صَنَعُوهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وأحْسَبُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ سَواءٌ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ أمْ بِالمَدِينَةِ.

صفحة ٢٣٧

ووَصْفُ المَسْجِدِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ مُؤاخَذَةِ المُشْرِكِينَ بِصَدِّهِمْ عَنْهُ لِأجْلِ أنَّهم خالَفُوا ما أرادَ اللَّهُ مِنهُ فَإنَّهُ جَعَلَهُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ يَسْتَوِي في أحَقِّيَّةِ التَّعَبُّدِ بِهِ العاكِفُ فِيهِ، أيِ المُسْتَقِرُّ في المَسْجِدِ، والبادِي، أيِ البَعِيدُ عَنْهُ إذا دَخَلَهُ.

والمُرادُ بِالعاكِفِ: المُلازِمُ لَهُ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ، وهو كِنايَةٌ عَنِ السّاكِنِ بِمَكَّةَ لِأنَّ السّاكِنَ بِمَكَّةَ يَعْكُفُ كَثِيرًا في المَسْجِدِ الحَرامِ، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِالبادِي، فَأُطْلِقَ العُكُوفُ في المَسْجِدِ عَلى سُكْنى مَكَّةَ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ. وفي ذِكْرِ العُكُوفِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ بِسُكْنى مَكَّةَ مَزِيَّةً عَلى غَيْرِهِمْ، وبِأنَّهم حِينَ يَمْنَعُونَ الخارِجِينَ عَنْ مَكَّةَ مِنَ الدُّخُولِ لِلْكَعْبَةِ قَدْ ظَلَمُوهم بِاسْتِئْثارِهِمْ بِمَكَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَواءٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ (والعاكِفُ فِيهِ) فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (جَعَلْناهُ) . وقَرَأهُ حَفْصٌ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (جَعَلْناهُ) .

والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ. والبادِي: ساكِنُ البادِيَةِ.

وقَوْلُهُ (سَواءٌ) لَمْ يُبَيِّنِ الِاسْتِواءَ في ماذا؛ وهَذا لِظُهُورِ أنَّ الِاسْتِواءَ فِيهِ بِصِفَةِ كَوْنِهِ مَسْجِدًا إنَّما هو في العِبادَةِ المَقْصُودَةِ مِنهُ ومِن مُلْحَقاتِهِ وهي: الطَّوافُ، والسَّعْيُ، ووُقُوفُ عَرَفَةَ. وكُتِبَ (والبادِ) في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (والبادِي) بِإثْباتِ الياءِ عَلى القِياسِ لِأنَّهُ مُعَرَّفٌ، والقِياسُ إثْباتُ ياءِ الِاسْمِ المَنقُوصِ إذا كانَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ، ومَحْمِلُ كِتابَتِهِ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الياءَ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ الحَرَكاتِ وألِفاتِ أواسِطِ الأسْماءِ فَلَمْ يَكْتُبُوها. وقَرَأهُ نافِعٌ بِغَيْرِ

صفحة ٢٣٨

ياءٍ في الوَقْفِ وأثْبَتَها في الوَصْلِ. ومَحْمِلُ كِتابَتِهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِدُونِ ياءٍ أنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ التَّخْفِيفُ في حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الرَّسْمِ أنْ يُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ ياءٍ في الحالَيْنِ الوَصْلِ والوَقْفِ. والوَجْهُ فِيهِ قَصْدُ التَّخْفِيفِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِحُكْمِ امْتِلاكِ دُورِ مَكَّةَ إثْباتًا ولا نَفْيًا لِأنَّ سِياقَها خاصٌّ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ دُونَ غَيْرِهِ، ويُلْحَقُ بِهِ ما هو مِن تَمامِ مَناسِكِهِ: كالمَسْعى، والمَوْقِفِ، والمَشْعَرِ الحَرامِ، والجِمارِ. وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الفُقَهاءِ أنْ يَذْكُرُوا مَسْألَةَ امْتِلاكِ دُورِ مَكَّةَ عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ. ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنَّ النّاسَ سَواءٌ في أداءِ المَناسِكِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ وما يَتْبَعُهُ إلّا ما مَنَعَتْهُ الشَّرِيعَةُ كَطَوافِ الحائِضِ بِالكَعْبَةِ.

وأمّا مَسْألَةُ امْتِلاكِ دُورِ مَكَّةَ فَلِلْفُقَهاءِ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

فَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما يَقُولُونَ: إنَّ القادِمَ إلى مَكَّةَ لِلْحَجِّ لَهُ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ شاءَ مِن دِيارِها وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيَهُ. وكانَتْ دُورُ مَكَّةَ تُدْعى السَّوائِبَ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: دُورُ مَكَّةَ مِلْكٌ لِأهْلِها، ولَهُمُ الِامْتِناعُ مِن إسْكانِ غَيْرِهِمْ، ولَهم إكْراؤُها لِلنّاسِ، وإنَّما تَجِبُ المُواساةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ عُمَرُ فَهو مِنَ المُواساةِ. وقَدِ اشْتَرى عُمَرُ دارَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ وجَعَلَها سَكَنًا.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: دُورُ مَكَّةَ لا تُمْلَكُ ولَيْسَ لِأهْلِها أنْ يُكْرُوها. وقَدْ ظُنَّ أنَّ الخِلافَ في ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا. والحَقُّ أنَّهُ لا

صفحة ٢٣٩

بِناءَ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِنَ القائِلِينَ بِأنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً قائِلِينَ بِتَمَلُّكِ دُورِ مَكَّةَ فَهَذا مالِكُ بْنُ أنَسٍ يَراها فُتِحَتْ عَنْوَةً ويَرى صِحَّةَ تَمَلُّكِ دُورِها. ووَجْهُ ذَلِكَ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أقَرَّ أهْلَها في مَنازِلِهِمْ فَيَكُونُ قَدْ أقْطَعَهم إيّاها كَما مَنَّ عَلى أهْلِها بِالإطْلاقِ مِنَ الأسْرِ ومِنَ السَّبْيِ. ولَمْ يَزَلْ أهْلُ مَكَّةَ يَتَبايَعُونَ دُورَهم ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

وخَبَرُ (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نُذِيقُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجُمْلَةِ الآتِيَةِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . وإذْ كانَ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ إلْحادًا بِظُلْمٍ فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِما في (مَنِ) الشَّرْطِيَّةِ مِنَ العُمُومِ.

والإلْحادُ: الِانْحِرافُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ وسَواءِ الأُمُورِ. والظُّلْمُ يُطْلَقُ عَلى الإشْراكِ وعَلى المَعاصِي لِأنَّها ظُلْمُ النَّفْسِ. والباءُ في (بِإلْحادٍ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ مِثْلُها في ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . أيْ مَن يُرِدْ إلْحادًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ وذَلِكَ صَدُّهم عَنْ زِيارَتِهِ. والباءُ في (بِظُلْمٍ) لِلْمُلابَسَةِ. فالظُّلْمُ: الإشْراكُ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمَلَهُمُ الإشْراكُ عَلى مُناوَأةِ المُسْلِمِينَ ومَنعِهِمْ مِن زِيارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن عَذابٍ ألِيمٍ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ عَلى رَأْيِ مَن لا يَشْتَرِطُونَ لِزِيادَةِ (مِن) وُقُوعَها بَعْدَ نَفْيٍ أوْ نَهْيٍ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها لِلتَّبْعِيضِ، أيْ نُذِقْهُ عَذابًا مِن عَذابٍ ألِيمٍ.

22:26Page 335

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.

صفحة ٢٤٠

﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. ويُعْلَمُ مِنها تَعْلِيلُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها بِأنَّ المُلْحِدَ في المَسْجِدِ الحَرامِ قَدْ خالَفَ بِإلْحادِهِ فِيهِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن تَطْهِيرِهِ حِينَ أمَرَ بِبِنائِهِ. والتَّخَلُّصُ مِن ذَلِكَ إلى إثْباتِ ظُلْمِ المُشْرِكِينَ وكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ في إقامَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ وتَشْرِيعِ الحَجِّ. و(إذا) اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى ما هو مُتَعارَفٌ في أمْثالِهِ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ بَوَّأْنا، أيِ اذْكُرْ زَمانَ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ العَظِيمَ. وعُرِفَ مَعْنى تَعْظِيمِهِ مِن إضافَةِ اسْمِ الزَّمانِ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ دُونَ المَصْدَرِ فَصارَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِنَ التَّجَدُّدِ كَأنَّهُ زَمَنٌ حاضِرٌ.

والتَّبْوِئَةُ: الإسْكانُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها﴾ [يوسف: ٥٦] .

والمَكانُ: السّاحَةُ مِنَ الأرْضِ ومَوْضِعٌ لِلْكَوْنِ فِيهِ، فَهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الكَوْنِ، فَتَبْوِئَتُهُ المَكانَ: إذْنُهُ بِأنْ يَتَّخِذَهُ مَباءَةً، أيْ مَقَرًّا يَبْنِي فِيهِ بَيْتًا، فَوَقَعَ بِذِكْرِ (مَكانَ) إيجازٌ في الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أعْطَيْناهُ مَكانًا لِيَتَّخِذَ فِيهِ بَيْتًا، فَقالَ: مَكانَ البَيْتِ، لِأنَّ هَذا حِكايَةٌ عَنْ قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ لَهم. وسَبَقَ ذِكْرُها فِيما نَزَلَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ. واللّامُ في (لِإبْراهِيمَ) لامُ العِلَّةِ لِأنَّ (إبْراهِيمَ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (بَوَّأْنا) الَّذِي هو مِن بابِ أعْطى، فاللّامُ مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ

صفحة ٢٤١

لَكَ، أيْ شَكَرَتْكَ لِأجْلِكَ. وفي ذِكْرِ اللّامِ في مِثْلِهِ ضَرْبٌ مِنَ العِنايَةِ والتَّكْرِمَةِ. و(البَيْتِ) مَعْرُوفٌ مَعْهُودٌ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ فَلِذَلِكَ عُرِّفَ بِلامِ العَهْدِ ولَوْلا هَذِهِ النُّكْتَةُ لَكانَ ذِكْرُ (مَكانَ) حَشْوًا. والمَقْصُودُ أنْ يَكُونَ مَأْوًى لِلدِّينِ، أيْ مَعْهَدًا لِإقامَةِ شَعائِرِ الدِّينِ. فَكانَ يَتَضَمَّنُ بِوَجْهِ الإجْمالِ أنَّهُ يَتَرَقَّبُ تَعَلُّمًا بِالدِّينِ فَلِذَلِكَ أُعْقِبَ بِحِرَفِ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ جُمْلَةٍ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وكانَ أصْلُ الدِّينِ هو نَفْيَ الإشْراكِ بِاللَّهِ فَعُلِمَ أنَّ البَيْتَ جُعِلَ مَعْلَمًا لِلتَّوْحِيدِ بِحَيْثُ يُشْتَرَطُ عَلى الدّاخِلِ إلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ مُشْرِكًا، فَكانَتِ الكَعْبَةُ لِذَلِكَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، لِإعْلانِ التَّوْحِيدِ كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ . والمَعْنى: وأمَرْناهُ بِبِناءِ البَيْتِ في ذَلِكَ المَكانِ، وبَعْدَ أنْ بَناهُ قُلْنا لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ. وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ تَشْرِيفٌ لِلْبَيْتِ. والتَّطْهِيرُ: تَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ خَبِيثٍ: مَعْنًى كالشِّرْكِ والفَواحِشِ وظُلْمِ النّاسِ وبَثِّ الخِصالِ الذَّمِيمَةِ، وحِسًّا مِنَ الأقْذارِ ونَحْوِها، أيْ أعْدِدْهُ طاهِرًا لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ فِيهِ.

والطَّوافُ: المَشْيُ حَوْلَ الكَعْبَةِ، وهو عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ قَرَّرَها الإسْلامُ وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ حَوْلَ أصْنامِهِمْ كَما يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ.

صفحة ٢٤٢

والمُرادُ بِالقائِمِينَ الدّاعُونَ تُجاهَ الكَعْبَةِ، ومِنهُ سُمِّيَ مَقامُ إبْراهِيمَ، وهو مَكانُ قِيامِهِ لِلدُّعاءِ فَكانَ المُلْتَزَمَ مَوْضِعًا لِلدُّعاءِ. قالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِمْ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وهْوَ قائِمْ

والرُّكَّعُ: جَمْعُ راكِعٍ، ووَزْنُ فُعَّلٍ يَكْثُرُ جَمْعًا لِفاعِلٍ وصْفًا إذا كانَ صَحِيحَ اللّامِ نَحْوَ: عُذَّلٍ وسُجَّدٍ.

والسُّجُودُ: جَمْعُ ساجِدٍ مِثْلُ: الرُّقُودِ، والقُعُودِ، وهو مِن جُمُوعِ أصْحابِ الأوْصافِ المُشابِهَةِ مَصادِرَ أفْعالِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском