Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:65–71
22:65Page 340
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥
Do you not see that Allāh has subjected to you whatever is on the earth and the ships which run through the sea by His command? And He restrains the sky from falling upon the earth, unless by His permission. Indeed Allāh, to the people, is Kind and Merciful.
صفحة ٣٢١
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّما أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
هَذا مِن نَسَقِ التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ واقِعٌ مَوْقِعَ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، فَهو مِن عِدادِ الِامْتِنانِ والِاسْتِدْلالِ، فَكانَ كالتَّكْرِيرِ لِغَرَضٍ، ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ. وهَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ تَسْخِيرِ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ. وفِيهِ إدْماجُ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ بِالتَّسْخِيرِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو الرَّبُّ الحَقُّ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَجُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الحج: ٦٣] . والخِطابُ هُنا والِاسْتِفْهامُ كِلاهُما كَما في الآيَةِ السّابِقَةِ.
والتَّسْخِيرُ: تَسْهِيلُ الِانْتِفاعِ بِدُونِ مانِعٍ وهو يُؤْذِنُ بِصُعُوبَةِ الِانْتِفاعِ لَوْلا ذَلِكَ التَّسْخِيرُ. وأصْلُهُ تَسْهِيلُ الِانْتِفاعِ بِما فِيهِ إرادَةُ التَّمَنُّعِ مِثْلُ تَسْخِيرِ الخادِمِ وتَسْهِيلِ اسْتِخْدامِ الحَيَوانِ الدّاجِنِ مِنَ الخَيْلِ، والإبِلِ والبَقْرِ والغَنَمِ ونَحْوِها، بِأنْ جَعَلَ اللَّهُ فِيها طَبْعَ الخَوْفِ مِنَ الإنْسانِ مَعَ تَهْيِئَتِها لِلْإلْفِ بِالإنْسانِ. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى تَسْهِيلِ الِانْتِفاعِ بِما في طَبْعِهِ أوْ في حالِهِ ما يُعَذَّرُ الِانْتِفاعُ بِهِ لَوْلا ما ألْهَمَ اللَّهُ إلَيْهِ الإنْسانَ مِن وسائِلِ التَّغَلُّبِ عَلَيْها بِتَعَرُّفِ نَوامِيسِهِ وأحْوالِهِ وحَرَكاتِهِ وأوْقاتِ ظُهُورِهِ، وبِالِاحْتِيالِ عَلى تَمَلُّكِهِ مِثْلِ صَيْدِ الوَحْشِ ومَغاصاتِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ومِثْلِ آلاتِ الحَفْرِ والنَّقْرِ لِلْمَعادِنِ، ومِثْلِ التَّشْكِيلِ في صُنْعِ الفُلْكِ والعَجَلِ. ومِثْلِ التَّرْكِيبِ والتَّصْهِيرِ في صُنْعِ البَواخِرِ والمَزْجِيّاتِ والصِّياغَةِ. ومِثْلِ الإرْشادِ إلى ضَبْطِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ
صفحة ٣٢٢
العَظِيمَةِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والأنْهارِ والأوْدِيَةِ والأنْواءِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، بِاعْتِبارِ كَوْنِ تِلْكَ الأحْوالِ تَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وما لا يُحْصى مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ مِمّا عَلى الأرْضِ فَكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في مَعْنى التَّسْخِيرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في التَّسْخِيرِ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِما. وفي كَلامِنا هُنا زِيادَةُ إيضاحٍ لِمَعْنى التَّسْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (الفُلْكِ) . وإنَّما خُصَّ هَذا بِالذِّكْرِ لِأنَّ ذَلِكَ الجَرْيَ في البَحْرِ هو مَظْهَرُ التَّسْخِيرِ إذْ لَوْلا الإلْهامُ إلى صُنْعِها عَلى الصِّفَةِ المَعْلُومَةِ لَكانَ حَظُّها مِنَ البَحْرِ الغَرَقَ. وقَوْلُهُ (بِأمْرِهِ) هو أمْرُ التَّكْوِينِ إذْ جَعَلَ البَحْرَ صالِحًا لِحَمْلِها، وأوْحى إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعْرِفَةَ صُنْعِها، ثُمَّ تَتابَعَ إلْهامُ الصُّنّاعِ لِزِيادَةِ إتْقانِها.
والإمْساكُ: الشَّدُّ، وهو ضِدُّ الإلْقاءِ. وقَدْ ضُمِّنَ مَعْنى المَنعِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] فَيُقَدَّرُ حَرْفُ جَرٍّ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الإمْساكِ بَعْدَ هَذا التَّضْمِينِ فَيُقَدَّرُ (عَنْ) أوْ (مِن) . ومُناسَبَةُ عَطْفِ إمْساكِ السَّماواتِ عَلى تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ وتَسْخِيرِ الفُلْكِ أنَّ إمْساكَ السَّماءِ عَنْ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ ضَرْبٌ مِنَ التَّسْخِيرِ لِما في عَظَمَةِ المَخْلُوقاتِ السَّماوِيَّةِ مِن مُقْتَضَياتِ تَغَلُّبِها عَلى المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ وحَطْمِها إيّاها لَوْلا ما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها مِن سُنَنٍ ونُظُمٍ تَمْنَعُ مِن تَسَلُّطِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] . فَكَما سَخَّرَ اللَّهُ لِلنّاسِ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ
صفحة ٣٢٣
الأرْضِ مِن مَوْجُوداتٍ مَعَ ما في طَبْعِ كَثِيرٍ مِنها مِن مُقْتَضَياتِ إتْلافِ الإنْسانِ، وكَما سَخَّرَ لَهُمُ الأحْوالَ الَّتِي تَبْدُو لِلنّاسِ مِن مَظاهِرِ الأُفُقِ مَعَ كَثْرَتِها وسِعَتِها وتَباعُدِها، ومَعَ ما في تِلْكَ الأحْوالِ مِن مُقْتَضَياتِ تَعَذُّرِ الضَّبْطِ، كَذَلِكَ سَخَّرَ لِمَصْلَحَةِ النّاسِ ما في السَّماواتِ مِنَ المَوْجُوداتِ بِالإمْساكِ المُنَظَّمِ المَنُوطِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (إلّا يِإذْنِهِ)، أيْ تَقْدِيرِهِ. ولَفْظُ (السَّماءَ) في قَوْلِهِ (ويُمْسِكُ السَّماءَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ما قابَلَ الأرْضَ في اصْطِلاحِ النّاسِ، فَيَكُونُ كُلًّا شامِلًا لِلْعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ كُلِّها الَّتِي لا نُحِيطُ بِها عِلْمًا كالكَواكِبِ السَّيّارَةِ وما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ وما يَكْشِفُهُ لِلنّاسِ في مُتَعاقَبِ الأزْمانِ، ويَكُونُ وُقُوعُها عَلى الأرْضِ بِمَعْنى الخُرُورِ والسُّقُوطِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ بِتَدْبِيرِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ جَعَلَ لِلسَّماءِ نِظامًا يَمْنَعُها مِنَ الخُرُورِ عَلى الأرْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (ويُمْسِكُ السَّماءَ) امْتِنانًا عَلى النّاسِ بِالسَّلامَةِ مِمّا يُفْسِدُ حَياتَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ (إلّا بِإذْنِهِ) احْتِراسًا جَمْعًا بَيْنَ الِامْتِنانِ والتَّخْوِيفِ، ويَكُونُ النّاسُ شاكِرِينَ مُسْتَزِيدِينَ مِنَ النِّعَمِ خائِفِينَ مِن غَضَبِ رَبِّهِمْ أنْ يَأْذَنَ لِبَعْضِ السَّماءِ بِالوُقُوعِ عَلى الأرْضِ. وقَدْ أشْكَلَ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ (إلّا بِإذْنِهِ) فَقِيلَ في دَفْعِ الإشْكالِ: إنَّ مَعْناهُ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ يَأْذَنُ اللَّهُ لَها في الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ. ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ في الآثارِ أنَّهُ يَقَعُ سُقُوطُ السَّماءِ وإنَّما ورَدَ تَشَقُّقُ السَّماءِ وانْفِطارُها. وفِيما جَعَلْنا ذَلِكَ احْتِراسًا دَفْعًا لِلْإشْكالِ لِأنَّ الِاحْتِراسَ أمْرٌ فَرَضِيٌّ فَلا يَقْتَضِي الِاسْتِثْناءُ وُقُوعَ المُسْتَثْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (السَّماءِ) بِمَعْنى المَطَرِ، كَقَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
صفحة ٣٢٤
وقَوْلِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ في حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ بِتَقْدِيرِهِ جَعَلَ لِنُزُولِ المَطَرِ عَلى الأرْضِ مَقادِيرَ قَدَّرَ أسْبابَها، وأنَّهُ لَوِ اسْتَمَرَّ نُزُولُ المَطَرِ عَلى الأرْضِ لَتَضَرَّرَ النّاسُ فَكانَ في إمْساكِ نُزُولِهِ بِاطِّرادٍ مِنهُ عَلى النّاسِ، وكانَ تَقْدِيرُ نُزُولِهِ عِنْدَ تَكْوِينِ اللَّهِ إيّاهُ مِنَّةً أيْضًا. فَيَكُونُ هَذا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ نِعْمَتَيْنِ: نِعْمَةِ الغَيْثِ، ونِعْمَةِ السَّلامَةِ مِن طُغْيانِ المِياهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ السَّماءِ قَدْ أُطْلِقَ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي يَشْمَلُها لَفْظُ (السَّماءِ) الَّذِي هو ما عَلا الأرْضَ فَأُطْلِقَ عَلى ما يَحْوِيهِ، كَما أُطْلِقَ لَفْظُ الأرْضِ عَلى سُكّانِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] . فاللَّهُ يُمْسِكَ ما في السَّماواتِ مِنَ الشُّهُبِ ومِن كُرَيّاتِ الأثِيرِ والزَّمْهَرِيرِ عَنِ اخْتِراقِ كُرَةِ الهَواءِ، ويُمْسِكُ ما فِيها مِنَ القُوى كالمَطَرِ والبَرَدِ والثَّلْجِ والصَّواعِقِ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ والتَّحَكُّكِ بِها إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فِيما اعْتادَ النّاسُ إذْنَهُ بِهِ مِن وُقُوعِ المَطَرِ والثَّلْجِ والصَّواعِقِ والشُّهُبِ وما لَمْ يَعْتادُوهُ مِن تَساقُطِ الكَواكِبِ. فَيَكُونُ مُوقِعُ ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٢] في سُورَةِ الجاثِيَةِ. ويَكُونُ في قَوْلِهِ (إلّا بِإذْنِهِ) إدْماجٌ بَيْنَ الِامْتِنانِ والتَّخْوِيفِ: فَإنَّ مِنَ الإذْنِ بِالوُقُوعِ عَلى الأرْضِ ما هو مَرْغُوبٌ لِلنّاسِ، ومِنهُ ما هو مَكْرُوهٌ. وهَذا المَحْمَلُ الثّالِثُ أجْمَعُ لِما في المَحْمَلَيْنِ الآخَرَيْنِ وأوْجَزُ، فَهو لِذَلِكَ أنْسَبُ بِالإعْجازِ.
صفحة ٣٢٥
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا بِإذْنِهِ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مُتَعَلِّقاتِ فِعْلِ (يُمْسِكُ) ومُلابَساتِ مَفْعُولِهِ وهو كَلِمَةُ (السَّماءِ) عَلى اخْتِلافِ مَحامِلِهِ، أيْ يَمْنَعُ ما في السَّماءِ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وُقُوعًا مُلابِسًا لِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ. هَذا ما ظَهَرَ لِي في مَعْنى الآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ قَوْلُهُ إلّا بِإذْنِهِ عَلى الإمْساكِ لِأنَّ الكَلامَ يَقْتَضِي بِغَيْرِ عَمَدٍ أيْ يَدُلُّ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ عَلى تَقْدِيرِ هَذا المُتَعَلِّقِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] ونَحْوِهِ فَكَأنَّهُ أرادَ: إلّا بِإذْنِهِ فَيُمْسِكُها اهـ. يُرِيدُ أنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ قَرِينَةٌ عَلى المَحْذُوفِ.
والإذْنُ. حَقِيقَتُهُ: قَوْلٌ يُطْلَبُ بِهِ فِعْلُ شَيْءٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْمَشِيئَةِ والتَّكْوِينِ، وهُما مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ.
وقَدِ اسْتَوْعَبَتِ الآيَةُ العَوالِمَ الثَّلاثَةَ: البَرَّ، والبَحْرَ، والجَوَّ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْخِيرِ والإمْساكِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ في جَمِيعِ ذَلِكَ رَأْفَةً بِالنّاسِ بِتَيْسِيرِ مَنافِعِهِمُ الَّذِي في ضِمْنِهِ دَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم.
والرَّءُوفُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الرَّأْفَةِ أوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. وهي صِفَةٌ تَقْتَضِي صَرْفَ الضُّرِّ.
والرَّحِيمُ: وصْفٌ مِنَ الرَّحْمَةِ. وهي صِفَةٌ تَقْتَضِي النَّفْعَ لِمُحْتاجِهِ. وقَدْ تَتَعاقَبُ الصِّفَتانِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ ما تَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ صِفَةٍ مِنهُما ويُؤَكِّدُ ما تَجْتَمِعانِ عَلَيْهِ.
22:66Page 340
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦
And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.
صفحة ٣٢٦
﴿وهْوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾
بَعْدَ أنْ أُدْمِجَ الِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ بِالمَواعِظِ والمِنَنِ والتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ أُعِيدَ الكَلامُ عَلى البَعْثِ هُنا بِمَنزِلَةِ نَتِيجَةِ القِياسِ، فَذُكِرَ المُلْحِدُونَ بِالحَياةِ الأُولى الَّتِي لا رَيْبَ فِيها، وبِالإماتَةِ الَّتِي لا يَرْتابُونَ فِيها، وبانَ بَعْدَ الإماتَةِ إحْياءٌ آخَرُ كَما أُخِذَ مِنَ الدَّلائِلِ السّابِقَةِ. وهَذا مَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ، فَجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ﴾ [الحج: ٦٥] لِأنَّ صَدْرَ هَذِهِ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ فَناسَبَ أنْ تُعْطَفَ عَلى سابِقَتِها المُتَضَمَّنَةِ امْتِنانًا واسْتِدْلالًا كَذَلِكَ.
* * *
﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾
تَذْيِيلٌ يَجْمَعُ المَقْصِدَ مِن تَعْدادِ نِعَمِ المُنْعِمِ بِجَلائِلِ النِّعَمِ المُقْتَضِيَةِ انْفِرادَهُ بِاسْتِحْقاقِ الشُّكْرِ، واعْتِرافَ الخَلْقِ لَهُ بِوَحْدانِيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لَتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ أنَّهم كُفَراءُ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ المُؤْذِنِ بِأكْثَرِ أفْرادِ الجِنْسِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: جَمَعَ الأمِيرُ الصّاغَةَ، أيْ صاغَةَ بَلَدِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] . وقَدْ كانَ أكْثَرُ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، أوْ أُرِيدَ بِالإنْسانِ خُصُوصُ المُشْرِكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] .
والكَفُورُ: مُبالَغَةٌ في الكافِرِ، لِأنَّ كُفْرَهم كانَ عَنْ تَعَنُّتٍ ومُكابَرَةٍ.
صفحة ٣٢٧
ويَجُوزُ كَوْنُ الكَفُورِ مَأْخُوذًا مِن كُفْرِ النِّعْمَةِ وتَكُونُ المُبالَغَةُ بِاعْتِبارِ آثارِ الغَفْلَةِ عَنِ الشُّكْرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِغْراقُ حَقِيقِيًّا.
22:67Page 340
لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧
For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾
هَذا مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ [الحج: ٣٤] الآيَةَ. وقَدْ فَصَلَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ما اقْتَضى الحالُ اسْتِطْرادَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٧] إلى هُنا، فَعادَ الكَلامُ إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٤] الآيَةَ، لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ . فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِما سَبَقَ مِنَ الشَّرائِعِ لِقَصْدِ إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، بِأنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ لِأهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ سَبَقَتْ إلّا مَنسَكًا واحِدًا يَتَقَرَّبُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ لِأنَّ المُتَقَرَّبَ إلَيْهِ واحِدٌ. وقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ مَناسِكَ كَثِيرَةً فَلِكُلِّ صَنَمٍ بَيْتٌ يُذْبَحُ فِيهِ مِثْلُ الغَبْغَبِ لِلْعُزّى، قالَ النّابِغَةُ:
وما هُرِيقَ عَلى الأنْصابِ مِن جَسَدٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيْ دَمٍ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ [الحج: ٣٤] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ كَما عُطِفَتْ نَظِيرَتُها المُتَقَدِّمَةُ.
صفحة ٣٢٨
والمَنسَكُ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ السِّينِ: اسْمُ مَكانِ النُّسُكِ - بِضَمِّهِما - كَما تَقَدَّمَ. وأصْلُ النُّسُكِ العِبادَةُ ويُطْلَقُ عَلى القُرْبانِ، فالمُرادُ بِالمَنسَكِ هُنا مَواضِعُ الحَجِّ بِخِلافِ المُرادِ بِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ فَهو مَوْضِعُ القُرْبانِ. والضَّمِيرُ في (ناسِكُوهُ) مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ ناسِكُونَ فِيهِ.
وفِي المُوَطَّأِ: أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَقِفُ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِقُزَحَ، وكانَتِ العَرَبُ وغَيْرُهم يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَكانُوا يَتَجادَلُونَ يَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، ويَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ الآيَةَ، فَهَذا الجِدالُ فِيما نَرى واللَّهُ أعْلَمُ وقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِن أهْلِ العِلْمِ اهـ.
قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى: وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ هَذا التَّفْسِيرِ يَرَوْنَ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَرْضِ الحَجِّ في الإسْلامِ وقَبْلَ أنْ يُمْنَعَ المُشْرِكُونَ مِنهُ، أيْ نَزَلَتْ في سَنَةِ تِسْعٍ. والأظْهَرُ خِلافُهُ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهم لَمْ تَبْقَ لَهم حُجَّةٌ يُنازِعُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ بَعْدَ شَهادَةِ المِلَلِ السّابِقَةِ كُلِّها، فالنَّهْيُ ظاهِرُهُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ ما أُعْطِيَهُ مِنَ الحُجَجِ كافٍ في قَطْعِ مُنازَعَةِ مُعارِضِيهِ، فالمُعارِضُونَ هُمُ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ سَبَبُ نَهْيِهِمْ هو ما عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الحُجَجِ وُجِّهَ إلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ إيّاهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَتْرُكْ لَهم ما يُنازِعُونَكَ بِهِ، وهو مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ لا تَفْعَلْ فَأعْرِفْكَ، فَجَعَلَ المُتَكَلِّمُ النَّهْيَ مُوَجَّهًا إلى نَفْسِهِ. والمُرادُ نَهْيُ السّامِعِ عَنْ أسْبابِهِ، وهو نَهْيٌ لِلْغَيْرِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.
صفحة ٣٢٩
وقالَ الزَّجّاجُ: هو نَهْيٌ لِلرَّسُولِ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ لِأنَّ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ الفِعْلِ مِن جانِبَيْ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ. فَيَصِحُّ نَهْيُ كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ عَنْهُ. وإنَّما أُسْنِدَ الفِعْلُ هُنا لِضَمِيرِ المُشْرِكِينَ مُبالَغَةً في نَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مُنازَعَتِهِ إيّاهم كَإثْباتِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ. وحاصِلُ مَعْنى هَذا الوَجْهِ أنَّهُ أمْرٌ لِلرَّسُولِ بِالإعْراضِ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ ما سِيقَ لَهم مِنَ الحُجَجِ. واسْمُ (الأمْرِ) هُنا مُجْمَلٌ مُرادٌ بِهِ التَّوْحِيدُ بِالقَرِينَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنازِعُونَ في كَوْنِهِمْ عَلى ضَلالٍ بِأنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَّرَ الحَجَّ الَّذِي هو مِن مَناسِكِهِمْ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى ادِّعاءِ أنَّهم عَلى الحَقِّ ومِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ كَشْفًا لَشُبْهَتِهِمْ بِأنَّ الحَجَّ مَنسَكٌ حَقٌّ، وهو رَمْزُ التَّوْحِيدِ، وأنَّ ما عَداهُ باطِلٌ طارِئٌ عَلَيْهِ فَلا يُنازِعُنَّ في أمْرِ الحَجِّ بَعْدَ هَذا، وهَذا المَحْمَلُ هو المُناسِبُ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ العائِدَةِ عَلى المُشْرِكِينَ مِمّا تَقَدَّمَ إلى قَوْلِهِ ﴿وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]، ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَ بَعْضُها بِمَكَّةَ في آخِرِ مُقامِ النَّبِيءِ ﷺ بِها وبِالمَدِينَةِ في أوَّلِ مُقامِهِ بِها فَلا مُنازَعَةَ بَيْنَ النَّبِيءِ وبَيْنَ أهْلِ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ، فَيَبْعُدُ تَفْسِيرُ المُنازَعَةِ بِمُنازَعَةِ أهْلِ الكِتابِ.
وقَوْلُهُ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ . عَطْفٌ عَلى انْتِهاءِ المُنازَعَةِ في الدِّينِ أمْرٌ بِالدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ لِأنَّ المُكابَرَةَ تُجافِي الِاقْتِناعَ، ولِأنَّ في الدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ فَوائِدَ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ. وفي حَذْفِ مَفْعُولِ ادْعُ إيذانٌ بِالتَّعْمِيمِ.
صفحة ٣٣٠
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ وأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ فاءِ التَّعْلِيلِ لا لِرَدِّ الشَّكِّ. و(عَلى) مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الهُدى.
ووَصْفُ الهُدى بِالمُسْتَقِيمِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شُبِّهَ الهُدى بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى المَطْلُوبِ ورُمِزَ إلَيْهِ بِالمُسْتَقِيمِ لِأنَّ المُسْتَقِيمَ أسْرَعُ إيصالًا، فَدِينُ الإسْلامِ أيْسَرُ الشَّرائِعِ في الإيصالِ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ الَّذِي هو غايَةُ الأدْيانِ. وفي هَذا الخَبَرِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَجْدِيدٌ لِنَشاطِهِ في الِاضْطِلاعِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ.
22:68–69Page 340
وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨
And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.
ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩
Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."
﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧] . والمَعْنى: إنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ اقْتِناعِهِمْ بِالأدِلَّةِ الَّتِي تَقْطَعُ المُنازَعَةَ وأبَوْا إلّا دَوامَ المُجادَلَةِ تَشْغِيبًا واسْتِهْزاءً فَقُلِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ. وفي قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تَفْوِيضُ أمْرِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو كِنايَةٌ عَنْ قَطْعِ المُجادَلَةِ مَعَهم، وإدْماجٌ بِتَعْرِيضٍ بِالوَعِيدِ والإنْذارِ بِكَلامٍ مُوَجَّهٍ صالِحٍ لِما يَتَظاهَرُونَ بِهِ مَن تَطَلُّبِ الحُجَّةِ. ولِما في نُفُوسِهِمْ مِن إبْطالِ العِنادِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] . والمُرادُ بِـ (ما يَعْمَلُونَ) ما يَعْمَلُونَهُ مِن أنْواعِ المُعارَضَةِ والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ لِيَدْحَضُوا بِهِ الحَقَّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
صفحة ٣٣١
وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ مِنَ المَقُولِ. فَهو خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . ولَيْسَ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (بَيْنَكم) . والمَقْصُودُ تَأْيِيدُ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ. وما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: هو ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧] .
22:70Page 340
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠
Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ التَّأْيِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ٦٩] . أيْ فَهو لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم فَيُجازِي كُلًّا عَلى حِسابِ عَمَلِهِ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ جَزاءِ كُلٍّ بِما يَلِيقُ بِهِ. و﴿ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَشْمَلُ ما يَعْمَلُهُ المُشْرِكُونَ وما كانُوا يُخالِفُونَ فِيهِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ أوْ تَقْرِيرِيٌّ، أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ذَلِكَ. وهَذا الكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّسْلِيَةِ أيْ فَلا تَضِقْ صَدْرًا مِمّا تُلاقِيهِ مِنهم. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها. أيْ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ عِلْمًا مُفَصَّلًا لا يَخْتَلِفُ، لِأنَّ شَأْنَ الكِتابِ أنْ لا تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ. واسْمُ الإشارَةِ إلى العَمَلِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٨] أوْ إلى (ما) في قَوْلِهِ ﴿ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢] .
صفحة ٣٣٢
والكِتابُ هو ما بِهِ حِفْظُ جَمِيعِ الأعْمالِ: إمّا عَلى تَشْبِيهِ تَمامِ الحِفْظِ بِالكِتابَةِ، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ، وهو جائِزٌ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِذَلِكَ كِتابًا لائِقًا بِالمُغَيَّباتِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ بَيانٌ لِمَضْمُونِ الِاسْتِفْهامِ مِنَ الكِتانَةِ عَنِ الجَزاءِ.
واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى مَضْمُونِ الِاسْتِفْهامِ مِنَ الكِنايَةِ فَتَأْوِيلُهُ بِالمَذْكُورِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى العِلْمِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (يَعْلَمُ)، أيْ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما في السَّماءِ والأرْضِ لِلَّهِ حاصِلٌ دُونَ اكْتِسابٍ، لِأنَّ عِلْمَهُ ذاتِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى مُطالَعَةٍ وبَحْثٍ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (يَسِيرٌ) لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى إمْكانِهِ في جانِبِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
22:71Page 340
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١
And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.
﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ حَرْفَ عَطْفٍ وتَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِما تَفَرَّعَ عَلَيْها عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ بَعْدَها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ (جادَلُوكَ) . والمَعْنى: جادَلُوكَ في الدِّينِ مُسْتَمِرِّينَ عَلى عِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الدَّلائِلِ. وتَتَضَمَّنُ الحالُ تَعْجِيبًا مِن شَأْنِهِمْ في مُكابَرَتِهِمْ وإصْرارِهِمْ.
صفحة ٣٣٣
والإتْيانُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ في الدَّلائِلِ الَّتِي تَحُفُّ بِهِمْ والَّتِي ذُكِّرُوا بِبَعْضِها في الآياتِ الماضِيَةِ ما هو كافٍ لِإقْلاعِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ الحَقَّ.
و(مِن دُونِ) يُفِيدُ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، لِأنَّ كَلِمَةَ (دُونِ) وإنْ كانَتِ اسْمًا لِلْمُباعَدَةِ قَدْ يَصْدُقُ بِالمُشارَكَةِ بَيْنَ ما تُضافُ إلَيْهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ. فَكَلِمَةُ (دُونِ) إذا دَخَلَتْ عَلَيْها (مِن) صارَتْ تُفِيدُ مَعْنى ابْتِداءِ الفِعْلِ مِن جانِبٍ مُباعِدٍ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ (دُونِ) فاقْتَضى أنَّ المُضافَ إلَيْهِ غَيْرُ مُشارِكٍ في الفِعْلِ. فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمُ الإقْبالَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ وإدْخالَها في شُئُونِ قُرُباتِهِمْ حَتّى الحَجِّ إذْ قَدْ وضَعُوا في شَعائِرِهِ أصْنامًا؛ بَعْضُها وضَعُوها في الكَعْبَةِ وبَعْضُها فَوْقَ الصَّفا والمَرْوَةِ جُعِلُوا كالمُعَطِّلِينَ لِعِبادَةِ اللَّهِ أصْلًا.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ. والحُجَّةُ المُنَزَّلَةُ: هي الأمْرُ الإلَهِيُّ الوارِدُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ وفي شَرائِعِهِ، أيْ يَعْبُدُونَ ما لا يَجِدُونَ عُذْرًا لِعِبادَتِهِ مِنَ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ. وقُصارى أمْرِهِمْ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِتَقَدُّمِ آبائِهِمْ بِعِبادَةِ أصْنامِهِمْ، ولَمْ يَدَّعُوا أنَّ نَبِيئًا أمَرَ قَوْمَهُ بِعِبادَةِ صَنَمٍ ولا أنَّ دِينًا إلَهِيًّا رَخَّصَ في عِبادَةِ الأصْنامِ.
﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾
أيْ لَيْسَ لَهم بِهِ اعْتِقادٌ جازِمٌ لِأنَّ الِاعْتِقادَ الجازِمَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ دَلِيلٍ، والباطِلُ لا يُمْكِنُ حُصُولُ دَلِيلٍ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ انْتِفاءِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ عَلى انْتِفاءِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِأنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ أهَمُّ. و(ما) الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ نافِيَةٌ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ يَعْبُدُونَ ما ذُكِرَ وما لَهم نَصِيرٌ فَلا تَنْفَعُهم عِبادَةُ الأصْنامِ. فالمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ إلى
صفحة ٣٣٤
أنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ النَّصِيرِ لَهم هو ظُلْمُهم، أيْ كُفْرُهم. وقَدْ أفادَ ذَلِكَ ذَهابَ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ باطِلًا لِأنَّهم عَبَدُوها رَجاءَ النَّصْرِ. ويُفِيدُ بِعُمُومِهِ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْصُرُهم فَأغْنى عَنْ مَوْصُولٍ ثالِثٍ هو مِن صِفاتِ الأصْنامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما لا يَنْصُرُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٧] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences