Ibn 'AshurAl‑Hajj · 22:8–14

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:8–14

22:8–10Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening book [from Him],

ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩

Twisting his neck [in arrogance] to mislead [people] from the way of Allāh. For him in the world is disgrace, and We will make him taste on the Day of Resurrection the punishment of the Burning Fire [while it is said],

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠

"That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥] كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن وُقُوعِ البَعْثِ فَإنّا نُزِيلُ رَيْبَكم بِهَذِهِ الأدِلَّةِ السّاطِعَةِ، فالنّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يُوقِنُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ فَلا يَبْقى في رَيْبٍ، وفَرِيقٌ مِنَ النّاسِ يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وهَؤُلاءِ هم أئِمَّةُ الشِّرْكِ وزُعَماءُ الباطِلِ. وجُمْلَةُ (لا رَيْبَ فِيها) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، أيْ لَيْسَ الشَّأْنُ أنْ يَرْتابَ فِيها، فَلِذَلِكَ نَفى جِنْسَ الرَّيْبِ فِيها، أيْ فالرَّيْبُ

صفحة ٢٠٧

والمَعْنِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ فِيما مَضى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] فَيَكُونُ المُرادُ فَرِيقَ المُعانِدِينَ المُكابِرِينَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ بَلَغَهُمُ الإنْذارُ مِن زَلْزَلَةِ السّاعَةِ. فَهم كَذَلِكَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَعْدَ أنْ وُضِّحَتْ لَهُمُ الأدِلَّةُ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ بِالسّاعَةِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ واتِّباعُهم وسْواسَ الشَّياطِينِ. ودافِعُهم إلى الجِدالِ في اللَّهِ عِنْدَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ عَدَمُ عِلْمِهِمْ ما يُجادِلُونَ فِيهِ. وانْتِفاءُ الهُدى. وانْتِفاءُ تَلَقِّي شَرِيعَتِهِ مِن قَبْلُ. والتَّكَبُّرُ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالحُجَّةِ. ومَحَبَّةُ إضْلالِ النّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى أنَّ أحْوالَ هَؤُلاءِ مُخْتَلِفَةٌ وأصْحابَها فَرِيقٌ واحِدٌ هو فَرِيقُ أهْلِ الشِّرْكِ والضَّلالَةِ. ومِن أساطِينِ هَذا الفَرِيقِ مَن عُدُّوا في تَفْسِيرِ الآيَةِ الأُولى مِثْلُ: النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأبِي جَهْلٍ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ.

وقِيلَ: المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَن يُجادِلُ في اللَّهِ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كَرَّرَ الحَدِيثَ عَنْهُ تَبْيِينًا لِحالَتَيْ جِدالِهِ. وقِيلَ المُرادُ بِمَن يُجادِلُ في هَذِهِ الآيَةِ أبُو جَهْلٍ، كَما قِيلَ: إنَّ المُرادَ في الآيَةِ الماضِيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَجُعِلَتِ الآيَةُ خاصَّةً بِسَبَبِ نُزُولِها في نَظَرِ هَذا القائِلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وتَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] المُقَلِّدُونَ - بِكَسْرِ اللّامِ - مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ سادَةُ الكُفْرِ. والمُرادُ بِـ ﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى﴾ المُقَلَّدُونَ - بِفَتْحِ اللّامِ - أئِمَّةُ الكُفْرِ.

صفحة ٢٠٨

والهُدى مَصْدَرٌ في مَعْنى المُضافِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ ولا هُدًى هو مَهْدِيٌّ بِهِ، وتِلْكَ مُجادَلَةُ المُقَلِّدِ إذا كانَ مُقَلِّدًا هادِيًا لِلْحَقِّ مِثْلَ أتْباعِ الرُّسُلِ، فَهَذا دُونَ مَرْتَبَةِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِعِلْمٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يُسْتَغْنَ بِذِكْرِ السّابِقِ عَنْ ذِكْرِ هَذا.

والكِتابُ المُنِيرُ: كُتُبُ الشَّرائِعِ مِثْلُ: التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهَذا كَما يُجادِلُ أهْلُ الكِتابِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ المُشْرِكِينَ والدَّهْرِيِّينَ فَهو جِدالٌ بِكِتابٍ مُنِيرٍ.

والمُنِيرُ: المُبَيِّنُ لِلْحَقِّ، شُبِّهَ بِالمِصْباحِ المُضِيءِ في اللَّيْلِ.

ويَجِيءُ في وصْفِ (كِتابٍ) بِصِفَةِ (مُنِيرٍ) تَعْرِيضٌ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ إذْ كانَ يُجادِلُ في شَأْنِ الإسْلامِ بِالمُوازَنَةِ بَيْنَ كِتابِ اللَّهِ المُنِيرِ وكِتابِ أخْبارِ رُسْتَمَ، وكِتابِ أخْبارِ أسْفِنْدِيارَ المُظْلِمَةِ الباطِلَةِ.

والثَّنْيُ: لَيُّ الشَّيْءِ، يُقالُ: ثَنى عِنانَ فَرَسِهِ، إذا لَواهُ لِيُدِيرَ رَأْسَ فَرَسِهِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ أنْ يُوَجِّهَهُ إلَيْها. ويُطْلَقُ أيْضًا الثَّنْيُ عَلى الإمالَةِ.

والعِطْفُ: المَنكِبُ والجانِبُ و﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ تَمْثِيلٌ لِلتَّكَبُّرِ والخُيَلاءِ. ويُقالُ: لَوى جِيدَهُ، إذا أعْرَضَ تَكَبُّرًا. وهَذِهِ الصِّفَةُ تَنْطَبِقُ عَلى حالِ أبِي جَهْلٍ فَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّهُ المُرادُ هُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِيُضِلَّ) لِتَعْلِيلِ المُجادَلَةِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُجادِلُ) أيْ غَرَضُهُ مِنَ المُجادَلَةِ الإضْلالُ.

وسَبِيلُ اللَّهِ: الدِّينُ الحَقُّ.

صفحة ٢٠٩

وقَوْلُهُ (لِيُضِلَّ) بِضَمِّ الياءِ أيْ لِيُضَلِّلَ النّاسَ بِجِدالِهِ. فَهَذا المُجادِلُ يُرِيدُ بِجَدَلِهِ أنْ يُوهِمَ العامَّةَ بُطْلانَ الإسْلامِ كَيْلا يَتَّبِعُوهُ. وإفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (عِطْفِهِ) وما ذُكِرَ بَعْدَهُ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) وإنْ كانَ مَعْنى تِلْكَ الضَّمائِرِ الجَمْعَ.

وخِزْيُ الدُّنْيا: الإهانَةُ، وهو ما أصابَهم مِنَ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ ومِنَ القَتْلِ والأسْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ عَلى ما حَصَلَ لِأبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِهِ بِيَدِ غُلامَيْنِ مِن شَبابِ الأنْصارِ وهُما أبْناءُ عَفْراءَ. وبِاعْتِلاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلى صَدْرِهِ وذَبْحِهِ وكانَ في عَظَمَتِهِ لا يَخْطُرُ أمْثالُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ بِخاطِرِهِ. ويَنْطَبِقُ الخِزْيُ أيْضًا عَلى ما حَلَّ بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وقَتْلِهِ صَبْرًا في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: الأُثَيْلُ قُرْبَ المَدِينَةِ عَقِبَ واقِعَةِ بَدْرٍ كَما وصَفَتْهُ أُخْتُهُ قُتَيْلَةُ في رِثائِهِ مِن قَصِيدَةِ:

صَبْرًا يُقادُ إلى المَنِيَّةِ مُتْعَبَـا صَبْرَ المُقَيَّدِ وهو عانٍ مُوثَقُ

وإذْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ ونَظِيرَتُها الَّتِي سَبَقَتْ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ لا مَحالَةَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ.

وإذاقَةُ العَذابِ تَخَيُّلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الكَلامِ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ تَعالى (ونُذِيقُهُ) .

صفحة ٢١٠

و(قَدَّمَتْ) بِمَعْنى: أسْلَفَتْ. جَعَلَ كُفْرَهُ كالشَّيْءِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إلى دارِ الجَزاءِ بَلْ أنْ يَصِلَ هو إلَيْها فَوَجَدَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حاضِرًا يَنْتَظِرُهُ قالَ تَعالى ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] والإشارَةُ إلى العَذابِ. والباءُ سَبَبِيَّةٌ، و(ما) مَوْصُولَةٌ. وعُطِفَ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرِهِ، أيْ وبِانْتِفاءِ ظُلْمِ اللَّهِ العَبِيدَ، أيْ ذَلِكَ العَذابُ مُسَبَّبٌ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَصاحِبُهُ حَقِيقٌ بِهِ لِأنَّهُ أثَرُ عَدْلِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُ فِيما أذاقَهُ.

وصِيغَةُ المُبالَغَةِ تَقْتَضِي بِظاهِرِها نَفْيَ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ. والمَقْصُودُ أنَّ الظُّلْمَ مِن حَيْثُ هو ظُلْمٌ أمْرٌ شَدِيدٌ فَصِيغَتْ لَهُ زِنَةُ المُبالَغَةِ، وكَذَلِكَ التُزِمَتْ في ذِكْرِهِ حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ. وقَدِ اعْتادَ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ أنْ يَجْعَلُوا المُبالَغَةَ راجِعَةً لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ؛ وهو بَعِيدٌ.

22:11Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١

And of the people is he who worships Allāh on an edge.1 If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to unbelief]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.

﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾

هَذا وصْفُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الَّذِينَ يُقابِلُونَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والإنْذارَ بِالسّاعَةِ مُقابَلَةَ غَيْرِ المُطْمَئِنِّ بِصِدْقِ دَعْوَةِ الإسْلامِ ولا المُعْرِضِ عَنْها إعْراضًا تامًّا ولَكِنَّهم يَضَعُونَ أنْفُسَهم في مَعْرِضِ المُوازَنَةِ بَيْنَ دِينِهِمُ القَدِيمِ ودِينِ الإسْلامِ. فَهم يَقْبَلُونَ دَعْوَةَ الإسْلامِ ويَدْخُلُونَ في عِدادِ

صفحة ٢١١

مُتَّبِعِيهِ ويَرْقُبُونَ ما يَنْتابُهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَإنْ أصابَهُمُ الخَيْرُ عَقِبَ ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ دِينَهُمُ القَدِيمَ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّ آلِهَتَهم لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِأنَّها لَوْ قَدَرَتْ لانْتَقَمَتْ مِنهم عَلى نَبْذِ عِبادَتِها وظَنُّوا أنَّ الإسْلامَ حَقٌّ، وإنْ أصابَهم شَرٌّ مِن شُرُورِ الدُّنْيا العارِضَةِ في الحَياةِ المُسَبَّبَةِ عَنْ أسْبابٍ عادِيَّةٍ سَخِطُوا عَلى الإسْلامِ وانْخَلَعُوا عَنْهُ. وتَوَهَّمُوا أنَّ آلِهَتَهم أصابَتْهم بِسُوءٍ غَضَبًا مِن مُفارَقَتِهِمْ عِبادَتَها كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عادٍ إذْ قالُوا لِرَسُولِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] .

فالعِبادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ مُرادٌ بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونَتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ.

وفِي رِوايَةِ الحَسَنِ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ يَعْنِي المُنافِقِينَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُبْطِنِينَ الكُفْرَ فَلا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ . ومِمَّنْ يَصْلُحُ مِثالًا لِهَذا الفَرِيقِ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا وهاجَرُوا فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ. فَأمَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَلْحَقُوا بِراعِي إبِلِ الصَّدَقَةِ خارِجَ المَدِينَةِ فَيَشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبْوالِها حَتّى يَصِحُّوا فَلَمّا صَحُّوا قَتَلُوا الرّاعِيَ واسْتاقُوا الذَّوْدَ وفَرُّوا. فَألْحَقَ بِهِمُ النَّبِيءُ ﷺ الطَّلَبَ في أثَرِهِمْ حَتّى لَحِقُوا بِهِمْ فَأمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا.

صفحة ٢١٢

وفِي حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «أنَّ أعْرابِيًّا أسْلَمَ وبايَعَ النَّبِيءَ ﷺ فَأصابَهُ وعْكٌ بِالمَدِينَةِ، فَجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتِقِيلُهُ بَيْعَتَهُ فَأبى أنْ يُقِيلَهُ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ طِيبُها» فَجَعَلَهُ خَبَثًا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ثابِتًا. وذَكَرَ الفَخْرُ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ نَفَرًا مِن أسَدٍ وغَطَفانَ قالُوا: نَخافُ أنْ لا يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَيَنْقَطِعَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِنَ اليَهُودِ فَلا يُمِيرُونَنا فَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ١٥] الآياتِ.

وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، مِنهم: عُيَيْنَةُ ابْنُ حِصْنٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ والعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ قالُوا: نَدْخُلُ في دِينِ مُحَمَّدٍ فَإنْ أصَبْنا خَيْرًا عَرَفْنا أنَّهُ حَقٌّ. وإنْ أصَبْنا غَيْرَ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّهُ باطِلٌ. وهَذا كُلُّهُ ناشِئٌ عَنِ الجَهْلِ وتَخْلِيطِ الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالأسْبابِ الأُخْرَوِيَّةِ، وجَعْلِ المُقارَناتِ الِاتِّفاقِيَّةِ كالمَعْلُوماتِ اللُّزُومِيَّةِ. وهَذا أصْلٌ كَبِيرٌ مِن أُصُولِ الضَّلالَةِ في أُمُورِ الدِّينِ وأُمُورِ الدُّنْيا. ولَنِعْمَ المُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ إذْ لا يَهْتَدِي إلى تَطَلُّبِ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها.

وحَرْفُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وجانِبُهُ سَواءٌ كانَ مُرْتَفِعًا كَحَرْفِ الجَبَلِ والوادِي أمْ كانَ مُسْتَوِيًا كَحَرْفِ الطَّرِيقِ. ويُطْلَقُ الحَرْفُ عَلى طَرَفِ الجَيْشِ. ويُجْمَعُ عَلى طِرَفٍ بِوَزْنِ عِنَبٍ، قالَ في القامُوسِ: ولا نَظِيرَ لَهُ سِوى طَلٍّ وطِلَلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُتَرَدِّدِ في عَمَلِهِ، يُرِيدُ تَجْرِبَةَ عاقِبَتِهِ بِحالِ مَن يَمْشِي عَلى حَرْفِ جَبَلٍ أوْ حَرْفِ وادٍ فَهو مُتَهَيِّئٌ لِأنْ يَزِلَّ عَنْهُ إلى أسْفَلِهِ فَيَنْقَلِبَ، أيْ يَنْكَبَّ.

صفحة ٢١٣

ومَعْنى اطْمَأنَّ: اسْتَقَرَّ وسَكَنَ في مَكانِهِ. ومَصْدَرُهُ الِاطْمِئْنانُ واسْمُ المَصْدَرِ الطُّمَأْنِينَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: اسْتَمَرَّ عَلى التَّوْحِيدِ فَرِحًا بِالخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ. واسْتِقْرارُ مِثْلِ هَذا عَلى الإيمانِ يُصَيِّرُهُ مُؤْمِنًا إذا زالَ عَنْهُ التَّرَدُّدُ، وحالُ هَؤُلاءِ قَرِيبٌ مِن حالِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم.

والِانْقِلابُ: مُطاوِعٌ قَلَبَهُ إذا كَبَّهُ، أيْ ألْقاهُ عَلى عَكْسِ ما كانَ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلَ ما كانَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ كَما يُقْلَبُ القالَبُ بِفَتْحِ اللّامِ. فالِانْقِلابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ. وتَفْسِيرُنا الِانْقِلابَ هُنا بِهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ سَقَطَ وانْكَبَّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

يَكُبُّ عَلى الأذْقانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ

وكَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ هَذا الأمْرَ في قُرَيْشٍ لا يُنازِعُهم فِيهِ أحَدٌ إلّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ» . وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ ظاهِرٌ وهو أيْضًا المُلائِمُ لِتَمْثِيلِ أوَّلِ حالِهِ بِحالِ مَن هو عَلى حَرْفٍ. ويُطْلَقُ الِانْقِلابُ كَثِيرًا عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أتاها إلى الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وهو مَجازٌ شائِعٌ وبِهِ فَسَّرَ المُفَسِّرُونَ. ولا يُناسِبُ اعْتِبارُهُ هُنا؛ لِأنَّ مِثْلَهُ يُقالُ فِيهِ: انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ لا عَلى وجْهِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] إذِ الرُّجُوعُ إنَّما يَكُونُ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ الوَجْهِ.

والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ الحالِ وقَلَقُ البالِ مِن حُدُوثِ شَرٍّ لا مَدْفَعَ لَهُ. وهي مُقابِلُ الخَيْرِ.

صفحة ٢١٤

وجُمْلَةُ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ وجُمْلَةِ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج: ١٢] الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (انْقَلَبَ) أيْ أُسْقِطَ في الشِّرْكِ.

والخُسْرانُ: تَلَفُ جُزْءٍ مِن أصْلِ مالِ التِّجارَةِ، فَشَبَّهَ نَفْعَ الدُّنْيا ونَفْعَ الآخِرَةِ بِمالِ التّاجِرِ السّاعِي في تَوْفِيرِهِ لِأنَّ النّاسَ يَرْغَبُونَ تَحْصِيلَهُ. وثَنّى عَلى ذَلِكَ إثْباتَ الخُسْرانِ لِصاحِبِهِ الَّذِي هو مِن مُرادِفاتِ مالِ التِّجارَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، فَشَبَّهَ فَواتَ النَّفْعِ المَطْلُوبِ بِخَسارَةِ المالِ.

وتَعَلُّقَ الخُسْرانِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَّقْدِيرُ خَسِرَ خَيْرَ الدُّنْيا وخَيْرَ الآخِرَةِ. فَخَسارَةُ الدُّنْيا بِسَبَبِ ما أصابَهُ فِيها مِنَ الفِتْنَةِ، وخَسارَةُ الآخِرَةِ بِسَبَبِ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِثَوابِها المَرْجُوِّ لَهُ.

والمُبِينُ: الَّذِي فِيهِ ما يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أنَّهُ خُسْرانٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ. والمُرادُ أنَّهُ خُسْرانٌ شَدِيدٌ لا يَخْفى.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ المُسْنَدِ إلَيْهِ أتَمَّ تَمْيِيزٍ لِتَقْرِيرِ مَدْلُولِهِ في الأذْهانِ. وضَمِيرُ (هو) ضَمِيرُ فَصْلٍ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ. ادُّعِيَ أنَّ ماهِيَّةَ الخُسْرانِ المُبِينِ انْحَصَرَتْ في خُسْرانِهِمْ. والمَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ الِادِّعائِيِّ تَحْقِيقُ الخَبَرِ ونَفْيُ الشَّكِّ في وُقُوعِهِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ أكَّدَ مَعْنى القَصْرِ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ المَقْصُورِ.

22:12Page 333

يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢

He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.

صفحة ٢١٥

﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾

جُمْلَةُ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلَخْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (انْقَلَبَ) . وقَدَّمَ الضَّرَّ عَلى النَّفْعِ في قَوْلِهِ (﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾) إيماءً إلى أنَّهُ تَمَلَّصَ مِنَ الإسْلامِ تَجَنُّبًا لِلضُّرِّ لِتَوَهُّمِهِ أنَّ ما لَحِقَهُ مِنَ الضُّرِّ بِسَبَبِ الإسْلامِ وبِسَبَبِ غَضَبِ الأصْنامِ عَلَيْهِ، فَعادَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ حاسِبًا أنَّها لا تَضُرُّهُ. وفي هَذا الإيماءِ تَهَكُّمٌ بِهِ يَظْهَرُ بِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وما لا يَنْفَعُهُ﴾) أيْ فَهو مُخْطِئٌ في دُعائِهِ الأصْنامَ لِتُزِيلَ عَنْهُ الضُّرَّ فَيَنْتَفِعَ بِفِعْلِها. والمَعْنى: أنَّها لا تَفْعَلُ ما يَدْفَعُ ضُرًّا ولا ما يَجْلِبُ نَفْعًا. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ﴾ إلى الدُّعاءِ المُسْتَفادِ مِن (يَدْعُو) .

والقَوْلُ في اسْمِ الإشارَةِ وضَمِيرِ الفَصْلِ والقَصْرِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .

والبَعِيدُ: المُتَجاوِزُ الحَدَّ المَعْرُوفَ في مَدى الضَّلالِ، أيْ هو الضَّلالُ الَّذِي لا يُماثِلُهُ ضَلالٌ لِأنَّهُ يَعْبُدُ ما لا غَناءَ لَهُ.

22:13Page 333

يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣

He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.

﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾

جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ حالٍ ثانِيَةٍ. ومَضْمُونُها ارْتِقاءٌ في تَضْلِيلِ عابِدِي الأصْنامِ. فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم أنَّهم يَعْبُدُونَ ما لا غَناءَ لَهم فِيهِ زادَ

صفحة ٢١٦

فَبَيَّنَ أنَّهم يَعْبُدُونَ ما فِيهِ ضَرٌّ. فَمَوْضِعُ الِارْتِقاءِ هو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ [الحج: ١٢] كَأنَّهُ قِيلَ: ما لا يَضُرُّهُ بَلْ ما يَنْجَرُّ لَهُ مِنهُ ضَرٌّ. وذَلِكَ أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ تَضُرُّهُ في الدُّنْيا بِالتَّوَجُّهِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ إلَيْها فَيَضِيعُ زَمَنُهُ في تَطَلُّبِ ما لا يَحْصُلُ وتَضُرُّهُ في الآخِرَةِ بِالإلْقاءِ في النّارِ. ولَمّا كانَ الضُّرُّ الحاصِلُ مِنَ الأصْنامِ لَيْسَ ضُرًّا ناشِئًا عَنْ فِعْلِها بَلْ هو ضُرٌّ مَلابِسٌ لَها أثْبَتَ الضَّرَّ بِطَرِيقِ الإضافَةِ لِلضَّمِيرِ دُونَ طَرِيقِ الإسْنادِ إذْ قالَ تَعالى ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَمَن يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، لِأنَّ الإضافَةَ أوْسَعُ مِنَ الإسْنادِ فَلَمْ يَحْصُلْ تَنافٍ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ [الحج: ١٢] وقَوْلِهِ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ . وكَوْنُهُ أقْرَبَ مِنَ النَّفْعِ كِنايَةٌ عَنْ تَمَحُّضِهِ لِلضَّرِّ وانْتِفاءِ النَّفْعِ مِنهُ لِأنَّ الشَّيْءَ الأقْرَبَ حاصِلٌ قَبْلَ البَعِيدِ فَيَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلَ مَعَهُ إلّا الضُّرُّ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لَمَن) لامُ الِابْتِداءِ، وهي تُفِيدُ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَها، فَلامُ الِابْتِداءِ تُفِيدُ مُفادَ (إنَّ) مِنَ التَّأْكِيدِ. وقُدِّمَتْ مِن تَأْخِيرٍ؛ إذْ حَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى صِلَةٍ مِنَ المَوْصُولَةِ. والأصْلُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ. ويَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ اللّامُ داخِلَةً عَلى مَنِ المَوْصُولَةِ ويَكُونَ فِعْلُ (يَدْعُو) مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ لِدُخُولِ لامِ الِابْتِداءِ بِناءً عَلى الحَقِّ مِن عَدَمِ اخْتِصاصِ التَّعْلِيقِ بِأفْعالِ القُلُوبِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ إنْشاءُ ذَمٍّ لِلْأصْنامِ الَّتِي يَدْعُونَها بِأنَّها شَرُّ المَوالِي وشَرُّ العُشَراءِ لِأنَّ شَأْنَ المَوْلى جَلْبُ النَّفْعِ لِمَوْلاهُ، وشَأْنَ العَشِيرِ جَلْبُ الخَيْرِ لِعَشِيرِهِ، فَإذا تَخَلَّفَ ذَلِكَ مِنهُما نادِرًا كانَ مَذَمَّةً وغَضاضَةً، فَأمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ مُطَّرِدًا فَذَلِكَ شَرُّ المَوالِي.

22:14Page 333

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.

صفحة ٢١٧

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾

هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] وقَوْلِهِ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] . فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ. وقَدِ اقْتُصَرَ عَلى ذِكْرِ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ دُونَ ذِكْرِ حالِهِمْ في الدُّنْيا لِعَدَمِ أهَمِّيَّةِ ذَلِكَ لَدَيْهِمْ ولا في نَظَرِ الدِّينِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ المُتَقَدِّمِ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] إلى هُنا، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُلْتَئِمِ مِنها الغَرَضُ. وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ الإجْمالِيِّ لِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وفِعْلُ اللَّهِ ما يُرِيدُ هو إيجادُ أسْبابِ أفْعالِ العِبادِ في سُنَّةِ نِظامِ هَذا العالَمِ. وتَبْيِينِهِ الخَيْرَ والشَّرَّ. وتَرْتِيبِهِ الثَّوابَ والعِقابَ. وذَلِكَ لا يُحِيطُ بِتَفاصِيلِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском