Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:99–114
23:99–100Page 348
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩
[For such is the state of the disbelievers] until, when death comes to one of them, he says, "My Lord, send me back
لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.
﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّيَ أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ وقَدْ عَلِمْتَ مُفادَها غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ؛ ولا تُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ ما قَبْلَها مُغَيًّا بِها فَلا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ (حَتّى) بِـ (يَصِفُونَ) . والوَجْهُ أنَّ (حَتّى) مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] . فَهَذا انْتِقالٌ إلى وصْفِ ما يَلْقَوْنَ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَذابُهم في الدُّنْيا فَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ وصْفًا أُنُفًا لِعَذابِهِمْ في الآخِرَةِ. وهو الَّذِي رَجَّحْنا بِهِ أنْ يَكُونَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ العَذابِ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَذابًا في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. فَإنْ حَمَلْتَ العَذابَ السّابِقَ الذِّكْرِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ كانَ ذَلِكَ إجْمالًا: وكانَ قَوْلُهُ:
صفحة ١٢٣
﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَفْصِيلًا لَهُ.
وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ: (﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]) إلى ما هُنا ولَيْسَتْ عايِدَةً إلى الشَّياطِينِ. ولِقَصْدِ إدْماجِ التَّهْدِيدِ بِما سَيُشاهِدُونَ مِن عَذابٍ أُعِدَّ لَهم فَيَنْدَمُونَ عَلى تَفْرِيطِهِمْ في مُدَّةِ حَياتِهِمْ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في (ارْجِعُونِ) تَعْظِيمٌ لِلْمُخاطَبِ. والخِطابُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ، وهو يَلْزَمُ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ فَيُقالُ في خِطابِ المَرْأةِ إذا قُصِدَ تَعْظِيمُها: أنْتُمْ. ولا يُقالُ: أنْتُنَّ. قالَ العَرَجِيُّ:
فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُـمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا
فَقالَ: سِواكم. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
فَلا تَحْسَبِي أنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكُـمْ ∗∗∗ لِشَيْءٍ ولا أنِّي مِنَ المَوْتِ أفْرَقُ
فَقالَ: بَعْدَكم، وقَدْ حَصَلَ لِي هَذا بِاسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ ولَمْ أرَ مَن وقَفَ عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ التَّرَجِّي في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ (ارْجِعُونِ) .
والتَّرْكُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ وهو مَعْنى التَّخْلِيَةِ والمُفارَقَةِ. وما صَدَقُ (ما تَرَكْتُ) عالَمُ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالتَّرْكِ مَعْناهُ المَجازِيُّ وهو الإعْراضُ والرَّفْضُ، عَلى أنْ يَكُونَ ما صَدَقَ المَوْصُولُ الأيْمانَ بِاللَّهِ وتَصْدِيقَ رَسُولِهِ، فَذَلِكَ هو الَّذِي رَفَضَهُ كُلُّ مَن يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، فالمَعْنى: لَعَلِّي أُسْلِمُ وأعْمَلُ صالِحًا في حالَةِ إسْلامِي الَّذِي كُنْتُ رَفَضْتُهُ، فاشْتَمَلَ هَذا المَعْنى عَلى وعْدٍ بِالِامْتِثالِ واعْتِرافٍ بِالخَطَأِ فِيما سَلَفَ. ورُكِّبَ بِهَذا النَّظْمِ المُوجَزِ قَضاءً لِحَقِّ البَلاغَةِ.
و(كُلًّا) رَدْعٌ لِلسّامِعِ لِيَعْلَمَ إبْطالَ طِلْبَةِ الكافِرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ تَرْكِيبٌ يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ وهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وحاصِلُ مَعْناهُ: أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلَخْ لا يَتَجاوَزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا صَدَرَ مِن لِسانِهِ لا جَدْوى لَهُ فِيهِ، أيْ: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ بِهِ.
صفحة ١٢٤
فَجُمْلَةُ (هو قائِلُها) وصْفٌ لِـ (كَلِمَةٌ)، أيْ: هي كَلِمَةٌ، هَذا وصْفُها. وإذْ كانَ مِنَ المُحَقَّقِ أنَّهُ قائِلُها لَمْ يَكُنْ في وصْفِ (كَلِمَةٌ) بِهِ فائِدَةٌ جَدِيدَةٌ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى أنَّهُ لا وصْفَ لِكَلِمَتِهِ غَيْرُ كَوْنِها صَدَرَتْ مِن في صاحِبِها.
وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ التَّأْكِيدَ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ المَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ لَهُ الوَصْفُ.
والكَلِمَةُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلٌ»
وكَما في قَوْلِهِمْ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وكَلِمَةُ الإسْلامِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةٌ.
والوَراءُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُصِيبُ المَرْءَ لا مَحالَةَ ويَنالُهُ وهو لا يَظُنُّهُ يُصِيبُهُ. شُبِّهَ ذَلِكَ بِالَّذِي يُرِيدُ اللِّحاقَ بِالسّائِرِ فَهو لاحِقُهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] . وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] .
وقالَ لَبِيدٌ:
ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِـي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تُحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ
والبَرْزَخُ: الحاجِزُ بَيْنَ مَكانَيْنِ. قِيلَ: المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ القَبْرُ، وقِيلَ: هو بَقاءُ مُدَّةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: هو عالَمٌ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ تَسْتَقِرُّ فِيهِ الأرْواحُ فَتُكاشَفُ عَلى مَقَرِّها المُسْتَقْبَلِ. وإلى هَذا مالَ الصُّوفِيَّةُ. وقالَ السَّيِّدُ في التَّعْرِيفاتِ: البَرْزَخُ العالَمُ المَشْهُودُ بَيْنَ عالَمِ المَعانِي المُجَرَّدَةِ وعالَمِ الأجْسامِ المادِّيَّةِ، أعْنِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عالَمِ المِثالِ ا هـ، أيْ: عِنْدَ الفَلاسِفَةِ القُدَماءِ.
ومَعْنى ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أنَّهم غَيْرُ راجِعِينَ إلى الحَياةِ إلى يَوْمِ البَعْثِ.
فَهِيَ إقْناطٌ لَهم؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ يَوْمَ البَعْثِ الَّذِي وُعِدُوهُ لا رُجُوعَ بَعْدَهُ
صفحة ١٢٥
إلى الدُّنْيا فالَّذِي قالَ لَهم (﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾) هو الَّذِي أعْلَمَهم بِما هو البَعْثُ.
23:101–104Page 348
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١
So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.
فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢
And those whose scales are heavy [with good deeds] - it is they who are the successful.
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣
But those whose scales are light - those are the ones who have lost their souls, [being] in Hell, abiding eternally.
تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤
The Fire will sear their faces, and they therein will have taut smiles.1
﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَإنَّ زَمَنَ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ البَعْثِ. فالتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ يَوْمُ يَبْعَثُونَ، ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالَةِ يَوْمِ البَعْثِ.
والصُّورُ: البُوقُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ النّافِخُ لِلتَّجَمُّعِ والنَّفِيرِ، وهو مِمّا يُنادى بِهِ لِلْحَرْبِ ويُنادى بِهِ لِلصَّلاةِ عِنْدَ اليَهُودِ كَما جاءَ في حَدِيثِ بَدْءِ الأذانِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأُسْنِدَ (نُفِخَ) إلى الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ المُعْتَنى بِهِ هو حُدُوثُ النَّفْخِ لا تَعْيِينُ النّافِخِ. وإنَّما يُنْفَخُ فِيهِ بِأمْرِ تَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ يَنْفُخُ فِيهِ أحَدُ المَلائِكَةِ وقَدْ ورَدَ أنَّهُ المَلَكُ إسْرافِيلُ.
والمَقْصُودُ التَّفْرِيعُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ مَناطُ بَيانِ الرَّدِّ عَلى قَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] المَرْدُودِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو كالتَّمْهِيدِ لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ مُبادَرَةً بِتَأْيِيسِهِمْ مِن أنْ تَنْفَعَهم أنْسابُهم أوِ اسْتِنْجادُهم.
صفحة ١٢٦
والأظْهَرُ أنَّ جَوابَ (إذا) هو قَوْلُهُ الآتِي: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] كَما سَيَأْتِي وما بَيْنَهُما كُلُّهُ اعْتِراضٌ نَشَأ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ.
وضَمِيرُ (بَيْنَهم) عائِدٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ قَبْلَهُ وهي عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ.
ومَعْنى نَفْيِ الأنْسابِ: نَفْيُ آثارِها مِنَ النَّجْدَةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ في عُرْفِهِمْ مِن لَوازِمِ القَرابَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّصِيرِ.
والتَّساؤُلُ: سُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. والمَعْنِيُّ بِهِ التَّساؤُلُ المُناسِبُ لِحُلُولِ يَوْمِ الهَوْلِ، وهو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا المَعُونَةَ والنَّجْدَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] .
وأمّا إثْباتُ التَّساؤُلِ يَوْمَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣]
فَلِذَلِكَ بَعُدَ يَأْسُهم مِن وُجُودِ نَصِيرٍ أوْ شَفِيعٍ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا هو نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ الخارِجِيُّ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقالَ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ فَهو في النَّفْخَةِ الأُولى ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلا أنْسابَ بَيْنَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَتَساءَلُونَ، ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ ”أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ“ اهـ. يُرِيدُ اخْتِلافَ الزَّمانِ وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْناهُ.
وذُكِرَ مَن (ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) في هَذِهِ الآيَةِ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُؤْمِنِينَ وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَجِدُونَ في مَوازِينِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ شَيْئًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ١٢٧
والخَسارَةُ: نُقْصانُ مالِ التِّجارَةِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ الأعْرافِ. وهي هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ خَيْبَتِهِمْ فِيما كانُوا يَأْمَلُونَهُ مِن شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ وأنَّ لَهُمُ النَّجاةَ في الآخِرَةِ أوْ مِن أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى البَعْثِ، فَكَذَّبُوا بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ وحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمُ الخَيْرَ فَوَجَدُوا ضِدَّهُ فَكانَتْ نُفُوسُهم مَخْسُورَةً كَأنَّها تَلِفَتْ مِنهم، ولِذَلِكَ نُصِبَ (أنْفُسَهم) عَلى المَفْعُولِ بِـ (خَسِرُوا) . واسْما الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ الفَرِيقَيْنِ بِصِفاتِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾) . ومَعْنى (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) تَحْرِقُ. واللَّفْحُ: شِدَّةُ إصابَةِ النّارِ.
والكالِحُ: الَّذِي بِهِ الكُلُوحُ وهو تَقَلُّصُ الشَّفَتَيْنِ وظُهُورُ الأسْنانِ مِن أثَرِ تَقَطُّبِ أعْصابِ الوَجْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الألَمِ.
23:105–107Page 349
أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥
[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ. وهَذا تَعَرُّضٌ لِبَعْضِ ما يَجْرِي يَوْمَئِذٍ. والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ حَمْلًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ.
والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] في سُورَةِ الأنْفالِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ.
والغَلْبُ حَقِيقَتُهُ: الِاسْتِيلاءُ والقَهْرُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى التَّلَبُّسِ بِالشِّقْوَةِ دُونَ التَّلَبُّسِ بِالسَّعادَةِ. ومَفْعُولُ (غَلَبَتْ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ (شِقْوَتُنا)؛ لِأنَّ الشِّقْوَةَ
صفحة ١٢٨
تُقابِلُها السَّعادَةُ، أيْ: غَلَبَتْ شِقْوَتُنا السَّعادَةَ. والمَجْرُورُ بِـ (عَلى) بَعْدَ مادَّةِ الغَلْبِ هو الشَّيْءُ المُتَغالَبُ عَلَيْهِ كَما في الحَدِيثِ قالَ النِّساءُ: غَلَبَنا عَلَيْكَ الرِّجالُ. مُثِّلَتْ حالَةُ اخْتِيارِهِمْ لِأسْبابِ الشِّقْوَةِ بَدَلَ أسْبابِ السَّعادَةِ بِحالَةٍ غائِرَةٍ بَيْنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى نُفُوسِهِمْ. وإضافَةُ الشِّقْوَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِاخْتِصاصِها بِهِمْ حِينَ صارَتْ غالِبَةً عَلَيْهِمْ.
والشِّقْوَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ القافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وهي زِنَةُ الهَيْئَةِ مِنَ الشَّقاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (شَقاوَتُنا) بِفَتْحِ الشِّينِ وبِألِفٍ بَعْدَ القافِ وهو مَصْدَرٌ عَلى صِيغَةِ الفَعالَةِ مِثْلَ الجَزالَةِ والسَّذاجَةِ. وزِيادَةُ قَوْلِهِ (قَوْمًا) لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الضَّلالَةَ مِن شِيمَتِهِمْ وبِها قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُونُسَ.
وهم ظَنُّوا أنَّهم إنْ أُخْرِجُوا مِنَ النّارِ رَجَعُوا إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فالتَزَمُوا لِلَّهِ بِأنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (عُدْنا) لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ إذْ كانَ إلْقاؤُهم في النّارِ لِأجْلِ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ .
والظُّلْمُ في (فَإنّا ظالِمُونَ) هو تَجاوُزُ العَدْلِ، والمُرادُ: ظُلْمٌ آخَرُ بَعْدَ ظُلْمِهِمُ الأوَّلِ وهو الَّذِي يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ سُؤالُ العَفْوِ.
23:108–111Page 349
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠
But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.
إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١
Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."
﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
صفحة ١٢٩
(اخْسَئُوا) زَجْرٌ وشَتْمٌ بِأنَّهم خاسِئُونَ، ومَعْناهُ عَدَمُ اسْتِجابَةِ طَلَبِهِمْ. وفِعْلُ خَسَأ مِن بابِ مَنَعَ ومَعْناهُ ذَلَّ. ونُهُوا عَنْ خِطابِ اللَّهِ والمَقْصُودُ تَأيِيسُهم مِنَ النَّجاةِ مِمّا هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ إغاظَتُهم بِمُقابَلَةِ حالِهِمْ يَوْمَ العَذابِ بِحالِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وتَحْسِيرُهم عَلى ما كانُوا يُعامِلُونَ بِهِ المُسْلِمِينَ.
والإخْبارُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى قَوْلِهِ: (سِخْرِيًّا) مُسْتَعْمَلٌ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الخَبَرِ بِقَرِينَةِ أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ أحْوالَ نَفْسِهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) وضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّعْجِيلِ بِإرْهابِهِمْ.
وجُمْلَةُ (إنِّي جَزَيْتُهم) خَبَرُ (إنَّ) الأُولى لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ.
والسُّخْرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ وخَلَفٍ، وبِكَسْرِ السِّينِ في قِراءَةِ الباقِينَ، وهُما وجْهانِ ومَعْناهُما واحِدٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِأبِي عُبَيْدَةَ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا المَكْسُورَ مَأْخُوذًا مِن سَخِرَ بِمَعْنى هَزَأ، والمَضْمُومُ مَأْخُوذًا مِنَ السُّخْرَةِ بِضَمِّ السِّينِ وهي الِاسْتِخْدامُ بِلا أجْرِ. فَلَمّا قُصِدَ مِنهُ المُبالَغَةُ في حُصُولِ المَصْدَرِ أُدْخِلَتْ ياءُ النِّسْبَةِ كَما يُقالُ: الخُصُوصِيَّةُ لِمَصْدَرِ الخُصُوصِ.
وسُلِّطَ الِاتِّخاذُ عَلى المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُوصَفُ بِالمَصْدَرِ. والمَعْنى: اتَّخَذْتُمُوهم مَسْخُورًا بِهِمْ، فَنَصَبَ (سِخْرِيًّا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذْتُمُوهم) . و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ مَعْنى فاءِ السَّبَبِيَّةِ فَهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. شُبِّهَ التَّسَبُّبُ القَوِيُّ بِالغايَةِ فاسْتُعْمِلَتْ فِيهِ (حَتّى) . والمَعْنى: أنَّكم لَهَوْتُمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهم سَخِرُوا مِنهم لِأجْلِ أنَّهم مُسْلِمُونَ فَقَدْ سَخِرُوا مِنَ الدِّينِ الَّذِي كانَ اتِّباعُهم إيّاهُ سَبَبَ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ فَكَيْفَ
صفحة ١٣٠
يُرْجى مِن هَؤُلاءِ التَّذَكُّرُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ وهو مِن دَواعِي السُّخْرِيَةِ بِأهْلِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ (سَخِرَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] في سُورَةِ بَراءَةٌ.
فَإسْنادُ الإنْساءِ إلى الفَرِيقِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهم سَبَبُهُ أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ بِتَقْدِيرِ: حَتّى أنْساكُمُ السُّخْرِيُّ بِهِمْ ذِكْرِي، والقَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ مَعْنَوِيَّةٌ وعَلى الثّانِي لَفْظِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ والتَّأْكِيدِ أيْ: جَزَيْتُهم بِأنَّهم. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى التَّأْكِيدِ فَقَطْ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْجَزاءِ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ الفائِزُونَ لا أنْتُمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالصَّبْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سُخْرِيَّتَهم بِهِمْ كانَتْ سَبَبًا في صَبْرِهِمُ الَّذِي أكْسَبَهُمُ الجَزاءَ. وفي ذَلِكَ زِيادَةُ تَلْهِيفٍ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنْ كانُوا هُمُ السَّبَبُ في ضُرِّ أنْفُسِهِمْ ونَفْعِ مَن كانُوا يَعُدُّونَهم أعْداءَهم.
23:112–114Page 349
قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢
[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"
قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣
They will say, "We remained a day or part of a day; ask those who enumerate."
قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤
He will say, "You stayed not but a little - if only you had known.
﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ (﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾) بِصِيغَةِ الماضِي فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَقَعُ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ وحَياةِ الأمْواتِ مِنَ الأرْضِ، فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هو جَوابَ (إذا) في قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] . والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ لَهم إذا نُفِخَ في الصُّورِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ نَشَأتْ بِالتَّفْرِيعِ والعَطْفِ والحالِ والمُقاوَلاتِ العارِضَةِ في خِلالِ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَهُ
صفحة ١٣١
مِمّا تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيِ. ولَيْسَ مِنَ المُناسِبِ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ حاصِلًا بَعْدَ دُخُولِ الكافِرِينَ النّارَ، والمُفَسِّرُونَ الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ تَكَلَّفُوا ما لا يُناسِبُ انْتِظامَ المَعانِي.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (قُلْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. والخِطابُ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِإحْياءِ الأمْواتِ.
وجُمْلَةُ (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾) لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَرَدُّدِهِمْ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ في الأرْضِ. وأرى في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّهم جاءُوا في كَلامِهِمْ بِما كانَ مُعْتادُهم في حَياتِهِمْ في الدُّنْيا مِن عَدَمِ ضَبْطِ حِسابِ السِّنِينَ إذْ كانَ عِلْمُ مُوافَقَةِ السِّنِينَ القَمَرِيَّةِ لِلسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ تَقُومُ بِهِ بَنُو كِنانَةَ الَّذِينَ بِيَدِهِمُ النَّسِيءُ ويُلَقَّبُونَ بِالنَّسَأةِ، قالَ الكِنانِيُّ:
ونَحْنُ النّاسِئُونَ عَلى مَعَـدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراما
والمُفَسِّرُونَ جَعَلُوا المُرادَ مِنَ العادِّينَ المَلائِكَةَ أوِ النّاسَ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ حِسابَ مُدَّةِ المُكْثِ. ولَكِنَّ القُرْطُبِيَّ قالَ: أيْ سَلِ الحُسّابَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَإنّا نَسِيناهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ كَما قَرَءُوا الَّذِي قَبْلَهُ فَهو حِكايَةٌ لِلْمُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ وهي طَرِيقَةُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِصِيغَةِ الأمْرِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
والِاسْتِفْهامُ عَنْ عَدَدِ سَنَواتِ المُكْثِ في الأرْضِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِيَظْهَرَ لَهم خَطَؤُهم إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إذا دُفِنُوا في الأرْضِ لا يَخْرُجُونَ مِنها.
وانْتُصِبَ (عَدَدَ سِنِينَ) عَلى التَّمْيِيزِ لِـ (كَمْ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ والتَّمْيِيزُ إنَّما هو (سِنِينَ) . وإضافَةُ لَفْظِ (عَدَدَ) إلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ (كَمْ)؛ لِأنَّ (كَمْ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ فَذِكْرُ لَفْظِ (عَدَدَ) مَعَها تَأْكِيدٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِها.
صفحة ١٣٢
وجَوابُهم يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا في الأرْضِ وأنَّهم لَمْ يَتَذَكَّرُوا طُولَ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ عَلى تَفاوُتٍ فِيها. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أنَّهم قَدَّرُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في باطِنِ الأرْضِ بِنَحْوِ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْهُودَةِ لَدَيْهِمْ في الدُّنْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] .
ولَمْ يَعُرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى تَبْيِينِ المَقْصِدِ مِن سُؤالِهِمْ وإجابَتِهِمْ عَنْهُ وتَعْقِيبِهِ بِما يُقَرِّرُهُ في الظّاهِرِ. والَّذِي لاحَ لِي في ذَلِكَ أنَّ إيقافَهم عَلى ضَلالِ اعْتِقادِهِمُ الماضِي جِيءَ بِهِ في قالَبِ السُّؤالِ عَنْ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ كِنايَةً عَنْ ثُبُوتِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأرْضِ أحْياءً وهو ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ، وكِنايَةً عَنْ خَطَأِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى إبْطالِ البَعْثِ بِاسْتِحالَةِ رُجُوعِ الحَياةِ إلى عِظامٍ ورُفاتٍ. وهي حالَةٌ لا تَقْتَضِي مُدَّةَ قَرْنٍ واحِدٍ فَكَيْفَ وقَدْ أُعِيدَتْ إلَيْهِمْ مِمّا قَدَّرُوهُ مِنَ الحَياةِ بَعْدَ أنْ بَقَوْا قُرُونًا كَثِيرَةً، فَذَلِكَ أدَلُّ وأُظْهَرُ في سِعَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ وأدْخَلُ في إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ إذْ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُها فِيما هو أكْثَرُ مِمّا قَدَّرُوهُ مِن عِلَّةِ اسْتِحالَةِ عَوْدِ الحَياةِ إلَيْهِمْ.
وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَدْ ألْجَأهُمُ اللَّهُ إلى إظْهارِ اعْتِقادِهِمْ قِصَرَ المُدَّةِ الَّتِي بَقَوْها زِيادَةً في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا أحَسُّوا أنْفُسَهم أنَّهم صارُوا أحْياءً كَحَياتِهِمُ الأُولى وعادَ لَهم تَفْكِيرُهُمُ القَدِيمُ الَّذِي ماتُوا عَلَيْهِ، وكانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم إذا فَنِيَتْ أجْسادُهم لا تَعُودُ إلَيْهِمُ الحَياةُ، أوْهَمَهم كَمالُ أجْسادِهِمْ أنَّهم ما مَكَثُوا في الأرْضِ إلّا زَمَنًا يَسِيرًا لا يَتَغَيَّرُ في مِثْلِهِ الهَيْكَلُ الجُثْمانِيُّ فَبَنَوْا عَلى أصْلِ شُبْهَتِهِمُ الخاطِئَةِ خَطَأً آخَرَ.
وأمّا قَوْلُهم (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) فَهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم لَمْ يَضْبُطُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ فَأحالُوا السّائِلَ عَلى مَن يَضْبُطُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ يَظُنُّونَهم لَمْ يَزالُوا أحْياءً؛ لِأنَّهم حَسِبُوا أنَّهم بُعِثُوا والدُّنْيا باقِيَةٌ وحَسِبُوا أنَّ السُّؤالَ عَلى ظاهِرِهِ فَتَبَرَّءُوا مِن عُهْدَةِ عَدَمِ ضَبْطِ الجَوابِ.
صفحة ١٣٣
وأمّا رَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَهو يُؤْذِنُ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ؛ لِأنَّهم قَدْ لَبِثُوا أكْثَرَ مِن يَوْمٍ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَلِيلًا، فَتَعَيَّنَ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِكَلامِهِمْ إلّا بِتَقْدِيرِ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، كَما في قَوْلِهِ في الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، وإنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا فِيما عِنْدَ اللَّهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] .
وقَرِينَةُ ذَلِكَ ما تُفِيدُهُ (لَوْ) مِنَ الِامْتِناعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَعَلِمْتُمْ أنَّكم ما لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا، فَيَقْتَضِي الِامْتِناعُ أنَّهم ما عَلِمُوا أنَّهم لَبِثُوا قَلِيلًا مَعَ أنَّ صَرِيحَ جَوابِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم عَلِمُوا لَبْثًا قَلِيلًا، فالجَمْعُ بَيْنَ تَعارُضِ مُقْتَضى جَوابِهِمْ ومُقْتَضى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إنَّما يَكُونُ بِاخْتِلافِ النِّسْبَةِ في قِلَّةِ مُدَّةِ المُكْثِ إذا نُسِبَتْ إلى ما يُراعى فِيها، فَهي إذا نُسِبَتْ إلى شُبْهَتِهِمْ في إحالَةِ البَعْثِ كانَتْ طَوِيلَةً وقَدْ وقَعَ البَعْثُ بَعْدَها فَهَذا خَطَأٌ مِنهم، وهي إذا نُسِبَتْ إلى ما يَتَرَقَّبُهم مِن مُدَّةِ العَذابِ كانَتْ مُدَّةً قَلِيلَةً وهَذا إرْهابٌ لَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences