Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:115–118
23:115Page 349
أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥
Then did you think that We created you uselessly and that to Us you would not be returned?"
﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾
هَذا مِن تَمامِ القَوْلِ المَحْكِيِّ فِيهِ ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ [المؤمنون: ١١٢] مُفَرَّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ. فُرِّعَ الِاسْتِفْهامُ عَنْ حُسْبانِهِمْ أنَّ الخَلْقَ لِأجْلِ العَبَثِ عَلى إظْهارِ بُطْلانِ ما زَعَمُوهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ؛ لِأنَّ لازِمَ إنْكارِهِمُ البَعْثَ أنْ يَكُونَ خَلْقُ النّاسِ مُشْتَمِلًا عَلى عَبَثٍ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن حَسِبَ ذَلِكَ فَقَرَّرُوا ووَبَّخُوا أخْذًا لَهم بِلازِمِ اعْتِقادِهِمْ. وأُدْخِلَتْ أداةُ الحَصْرِ بَعْدَ (حَسِبَ) فَجَعَلَتِ الفِعْلَ غَيْرَ ناصِبٍ إلّا مَفْعُولًا واحِدًا وهو المَصْدَرُ المُسْتَخْلَصُ مِن (أنَّما خَلَقْناكم) .
صفحة ١٣٤
والتَّقْدِيرُ: أفَحَسِبْتُمْ خَلْقَنا أيّاكم لِأجْلِ العَبَثِ، وذَلِكَ أنَّ أفْعالَ الظَّنِّ والعِلْمِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ غالِبًا؛ لِأنَّ أصْلَ مَفْعُولَيْها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ: اسْمُ ذاتٍ واسْمُ صِفَةٍ فاحْتِياجُها إلى المَفْعُولِ الثّانِي مِن بابِ احْتِياجِ المُبْتَدَأِ إلى الخَبَرِ لِئَلّا تَنْعَدِمَ الفائِدَةُ في المُبْتَدَأِ مُجَرَّدًا عَنْ خَبَرِهِ، وبِذَلِكَ فارَقَتْ بَقِيَّةَ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ بِاحْتِياجِها إلى مَنصُوبَيْنِ؛ لِأنَّ مَعْناها لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَقَوْلِكَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائِمًا، إنَّما هو في الحَقِيقَةِ: ظَنَنْتُ قِيامَ زَيْدٍ، فَمَفْعُولُها هو المَصْدَرُ وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُضافًا إلى ضَمِيرِ مُبْتَدَئِهِ كَما قالَ الرَّضِيُّ: يَعْنِي أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلُوها بِمَفْعُولَيْنِ كَراهِيَةً لِجَعْلِ المَصْدَرِ مَفْعُولًا بِهِ كَأنَّهم تَجَنَّبُوا اللَّبْسَ بَيْنَ المَفْعُولِ بِهِ والمَفْعُولِ المُطْلَقِ، وهَذا كَما اسْتَعْمَلُوا أفْعالَ الكَوْنِ مُسْنَدَةً إلى اسْمِ الذَّواتِ ثُمَّ أتَوْا بَعْدَ اسْمِ الذّاتِ بِاسْمِ وصْفِها ولَمْ يَأْتُوا بِاسْمِ الوَصْفِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، ولِذَلِكَ إذا أوْقَعُوا بَعْدَها حَرْفَ المَصْدَرِ اكْتَفَوْا بِهِ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، ولَمْ يُسْمَعْ عَنْهم أنَّهم نَصَبُوا بِها مَصْدَرًا صَرِيحًا، فَإذا وقَعَ مَفْعُولُ أفْعالِ الظَّنِّ اسْمَ مَعْنًى وهو المَصْدَرُ الصَّرِيحُ أوِ المُنْسَبِكُ وحَذَفَ الفائِدَةَ فاجْتَزَأتْ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] .
وحَيْثُ كانَتْ (أنَّما) مُرَكَّبَةً مِن (أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ ومِن (ما) الكافَّةِ فَوُقُوعُها بَعْدَ فِعْلِ الحِسابِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِ المَصْدَرِ، ولَوْلا (أنَّ) لَكانَ الكَلامُ: أحَسِبْتُمُونا خالِقِينَكم عَبَثًا.
وانْتَصَبَ (عَبَثًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَلالَةِ مُئَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ. والعَبَثُ: العَمَلُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ. وكُلَّما تَضاءَلَتِ الفائِدَةُ كانَ لَها حُكْمُ العَدَمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْقُ البَشَرِ في هَذِهِ الحَياةِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ مُجازاةُ الفاعِلِينَ عَلى أفْعالِهِمْ لَكانَ خالِقُهُ قَدْ أتى في فِعْلِهِ بِشَيْءٍ عَدِيمِ الفائِدَةِ فَكانَ فِيهِ حَظٌّ مِنَ العَبَثِ.
وبَيانُ كَوْنِهِ عَبَثًا: أنَّهُ لَوْ خُلِقَ الخَلْقُ فَأحْسَنَ المُحْسِنُ وأساءَ المُسِيءُ ولَمْ يَلْقَ كُلٌّ جَزاءَهُ لَكانَ ذَلِكَ إضاعَةً لِحَقِّ المُحْسِنِ وإغْضاءً عَمّا حَصَلَ مِن فَسادِ المُسِيءِ فَكانَ ذَلِكَ تَسْلِيطًا لِلْعَبَثِ. ولَيْسَ مَعْنى الحالِ أنْ يَكُونَ عامِلُها غَيْرَ مُفارِقٍ لِمَدْلُولِها بَلْ يَكْفِي حُصُولُ مَعْناها في بَعْضِ أكْوانِ عامِلِها.
صفحة ١٣٥
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ فَهم قَدْ حَسِبُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً بِلا تَنْزِيلٍ وهَذا مِن تَمامِ الإنْكارِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُرْجَعُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، أيْ: أنَّ اللَّهَ يُرْجِعُهم قَهْرًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، أيْ: يَرْجِعُونَ طَوْعًا أوْ كَرْهًا.
23:116Page 349
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦
So exalted is Allāh, the Sovereign,1 the Truth;2 there is no deity except Him, Lord of the Noble Throne.
﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ تَفَرَّعَ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ ظُهُورُ أنَّ اللَّهَ هو المَلِكُ الَّذِي لَيْسَ في اتِّصافِهِ بِالمُلْكِ شائِبَةٌ مِن مَعْنى المُلْكِ، فَمُلْكُهُ المُلْكُ الكامِلُ في حَقِيقَتِهِ، الشّامِلُ في نَفاذِهِ.
والتَّعْرِيفُ في (المَلِكُ) لِلْجِنْسِ.
والحَقُّ: ما قابَلَ الباطِلَ، ومَفْهُومُ الصِّفَةِ يَقْتَضِي أنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ باطِلٌ، أيْ: فِيهِ شائِبَةُ الباطِلِ لا مِن وِجْهَةِ الجَوْرِ والظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مُلْكٌ لا جَوْرَ فِيهِ ولا ظُلْمٌ كَمُلْكِ الأنْبِياءِ والخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الخُلَفاءِ والأُمَراءِ، بَلْ مِن جِهَةِ أنَّهُ مُلْكٌ غَيْرُ مُسْتَكْمِلٍ حَقِيقَةَ المالِكِيَّةِ فَإنَّ كُلَّ مَن يُنْسَبُ إلَيْهِ المُلْكُ عَدا اللَّهِ تَعالى هو مالِكٌ مِن جِهَةٍ ومَمْلُوكٌ مِن جِهَةٍ لِما فِيهِ مِن نَقْصٍ واحْتِياجٍ؛ فَهو مَمْلُوكٌ لِما يَتَطَلَّبُهُ مِن تَسْدِيدِ نَقْصِهِ بِقَدْرِ الحاجَةِ ومِنَ اسْتِعانَةٍ بِالغَيْرِ لِجَبْرِ احْتِياجِهِ فَذَلِكَ مُلْكٌ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ ادِّعاءُ مُلْكٍ غَيْرِ تامٍّ.
وجُمْلَةُ (تَعالى) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا قُصِدَ مِنهُ التَّذْكِيرُ والِاسْتِنْتاجُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ المُبَيِّنَةِ لِمَعْنى تَعالِيهِ وأنْ تَكُونَ إنْشاءُ ثَناءٍ عَلَيْهِ بِالعُلُوِّ.
والتَّعالِي: مُبالَغَةٌ في العُلُوِّ. وأُتْبِعَ ذَلِكَ بِما هو دَلِيلٌ عَلَيْهِ وهو انْفِرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ وذَلِكَ وصْفٌ ذاتِيٌّ، وبِأنَّهُ مالِكُ أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ أعْنِي العَرْشَ وذَلِكَ دَلِيلُ عَظَمَةِ القُدْرَةِ.
صفحة ١٣٦
و(الكَرِيمِ) بِالجَرِّ: صِفَةُ العَرْشِ. وكَرَمُ الجِنْسِ أنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِيًا فَضائِلَ جِنْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
23:117Page 349
وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧
And whoever invokes besides Allāh another deity for which he has no proof - then his account is only with his Lord. Indeed, the disbelievers will not succeed.
﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾
لَمّا كانَ أعْظَمُ ما دَعا اللَّهُ إلَيْهِ تَوْحِيدَهُ، وكانَ أصْلُ ضَلالَةِ المُشْرِكِينَ إشْراكَهم أُعْقِبَ وصْفُ اللَّهِ بِالعُلُوِّ العَظِيمِ والقُدْرَةِ الواسِعَةِ بِبَيانِ أنَّ الحِسابَ الواقِعَ بَعْدَ البَعْثِ يَنالُ الَّذِينَ دَعَوْا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً دَعْوى لا عُذْرَ لَهم فِيها؛ لِأنَّها عَرِيَّةٌ عَنِ البُرْهانِ أيِ الدَّلِيلِ، لِأنَّهم لَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ المُلْكَ الكامِلَ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ آلِهَةً، ولَمْ يُثْبِتُوا ما يَقْتَضِي لَهُ عَظِيمَ التَّصَرُّفِ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ تَصَرُّفَ آلِهَةٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ حالٌ مِن ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾، وهي حالٌ لازِمَةٌ؛ لِأنَّ دَعْوى الإلَهِ مَعَ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا عَرِيَّةً عَنِ البُرْهانِ. ونَظِيرُ هَذا الحالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. وفِيهِ إثْباتُ الحِسابِ وأنَّهُ لِلَّهِ وحْدَهُ في تَخْطِئَتِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَصْرُ إضافِيًّا تَطْمِينًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُهُ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] وهَذا أسْعَدُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨] .
ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَذْيِيلُهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . وفِيهِ ضَرْبٌ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ إذِ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِـ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وخُتِمَتْ بِـ (﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾) وهو نَفْيُ الفَلاحِ عَنِ الكافِرِينَ ضِدُّ المُؤْمِنِينَ.
23:118Page 349
وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨
And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."
﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾
صفحة ١٣٧
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] إلَخْ بِاعْتِبارِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] . فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. وفي حَذْفِ مُتَعَلِّقِ (اغْفِرْ وارْحَمْ) تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللَّهِ في تَعْيِينِ المَغْفُورِ لَهم والمَرْحُومِينَ، والمُرادُ: مَن كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي، بِقَرِينَةِ المَقامِ.
وأمْرُهُ بِأنْ يَدْعُوَ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ وعْدًا بِالإجابَةِ.
وهَذا الكَلامُ مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ فَهو مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ.
* * *
صفحة ١٣٨
صفحة ١٣٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النُّورِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (سُورَةَ النُّورِ) مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «عَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ» ولَمْ أقِفْ عَلى إسْنادِهِ. وعَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرَ: (كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنْ تَعَلَّمُوا سُورَةَ النِّساءِ والأحْزابِ والنُّورِ) . وهَذِهِ تَسْمِيَتُها في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ آخَرُ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ فِيها آيَةَ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] .
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ ولا يُعْرَفُ مُخالِفٌ في ذَلِكَ. وقَدْ وقَعَ في نُسَخِ تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآيَةَ، في المَسْألَةِ الرّابِعَةِ كَلِمَةُ (وهي مَكِّيَّةٌ) يَعْنِي الآيَةَ. فَنَسَبَ الخَفاجِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ وتَبِعَهُ الآلُوسِيُّ، إلى القُرْطُبِيِّ أنَّ تِلْكَ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مَعَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ صَرِيحٌ في أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ كَيْفَ وقَدْ قالَ القُرْطُبِيُّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: (مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ) . ولَعَلَّ تَحْرِيفًا طَرَأ عَلى النُّسَخِ مِن تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وأنَّ صَوابَ الكَلِمَةِ (وهي مُحْكَمَةٌ) أيْ: غَيْرُ مَنسُوخٍ حُكْمُها فَقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبارَةُ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ (وهي مُحْكَمَةٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكَها النّاسُ) . وسَيَأْتِي أنَّ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] الآيَةَ قَضِيَّةُ مَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ مَعَ عَناقَ. ومَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ اسْتُشْهِدَ في صَفَرٍ سَنَةَ ثَلاثٍ لِلْهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الرَّجِيعِ، فَيَكُونُ أوائِلُ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَ قَبْلَ سَنَةِ ثَلاثٍ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ في أواخِرِ السَّنَةِ الأُولى أوْ أوائِلِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ أيّامَ كانَ المُسْلِمُونَ يَتَلاحَقُونَ لِلْهِجْرَةِ وكانَ المُشْرِكُونَ جَعَلُوهم كالأسْرى.
صفحة ١٤٠
ومِن آياتِها آياتُ قِصَّةِ الإفْكِ وهي نازِلَةٌ عَقِبَ غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ. والأصَحُّ أنَّ غَزْوَةَ بَنِي المُصْطَلِقِ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ فَإنَّها قَبْلَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ.
ومِن آياتِها ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَتَكُونُ تِلْكَ الآياتِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً مُتَفَرِّقَةً في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وأُلْحِقَ بَعْضُ آياتِها بِبَعْضٍ.
وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ المِائَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ) وقَبْلَ سُورَةِ الحَجِّ، أيْ: عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ سُورَةَ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ.
وآيُها اثْنَتانِ وسِتُّونَ في عَدِّ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأرْبَعٌ وسِتُّونَ في عَدِّ البَقِيَّةِ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةُ
شَمِلَتْ مِنَ الأغْراضِ كَثِيرًا مِن أحْكامِ مُعاشَرَةِ الرِّجالِ لِلنِّساءِ. ومِن آدابِ الخِلْطَةِ والزِّيارَةِ.
وأوَّلُ ما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ قَضِيَّةُ التَّزَوُّجِ بِامْرَأةٍ اشْتَهَرَتْ بِالزِّنى وصُدِّرَ ذَلِكَ بِبَيانِ حَدِّ الزِّنى.
وعِقابِ الَّذِينَ يَقْذِفُونَ المُحْصَناتِ. وحُكْمِ اللِّعانِ.
والتَّعَرُّضِ إلى بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِمّا أرْجَفَهُ عَلَيْها أهْلُ النِّفاقِ، وعِقابِهِمْ، والَّذِينَ شارَكُوهم في التَّحَدُّثِ بِهِ.
والزَّجْرِ عَنْ حُبِّ إشاعَةِ الفَواحِشِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
والأمْرِ بِالصَّفْحِ عَنِ الأذى مَعَ الإشارَةِ إلى قَضِيَّةِ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ.
وأحْكامِ الِاسْتِئْذانِ في الدُّخُولِ إلى بُيُوتِ النّاسِ المَسْكُونَةِ ودُخُولِ البُيُوتِ غَيْرِ المَسْكُونَةِ.
صفحة ١٤١
وآدابِ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ في المُخالَطَةِ.
وإفْشاءِ السَّلامِ.
والتَّحْرِيضِ عَلى تَزْوِيجِ العَبِيدِ والإماءِ.
والتَّحْرِيضِ عَلى مُكاتَبَتِهِمْ، أيْ: إعْتاقِهِمْ عَلى عِوَضٍ يَدْفَعُونَهُ لِمالِكِيهِمْ.
وتَحْرِيمِ البِغاءِ الَّذِي كانَ شائِعًا في الجاهِلِيَّةِ.
والأمْرِ بِالعَفافِ.
وذَمِّ أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ والإشارَةِ إلى سُوءِ طَوِيَّتِهِمْ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ .
والتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في حَبائِلِ الشَّيْطانِ.
وضَرْبِ المَثَلِ لِهَدْيِ الإيمانِ وضَلالِ الكُفْرِ.
والتَّنْوِيهِ بِبُيُوتِ العِبادَةِ والقائِمِينَ فِيها.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ وصْفُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدائِعِ مَصْنُوعاتِهِ وما فِيها مِن مِنَنٍ عَلى النّاسِ.
وقَدْ أُرْدِفَ ذَلِكَ بِوَصْفِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِما يُضْمِرُهُ كُلُّ أحَدٍ وأنَّ المَرْجِعَ إلَيْهِ والجَزاءَ بِيَدِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences