Ibn 'AshurAl‑Mu'minun · 23:9–17

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:9–17

23:9Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩

And they who carefully maintain their prayers -

﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾

صفحة ١٨

ثَناءٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، أيْ بِعَدَمِ إضاعَتِها أوْ إضاعَةِ بَعْضِها. والمُحافَظَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُبالَغَةِ في الحِفْظِ إذْ لَيْسَتِ المُفاعَلَةُ هُنا حَقِيقِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وتَقَدَّمَ مَعْنى الحِفْظِ قَرِيبًا.

وجِيءَ بِالصَّلَواتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإشارَةِ إلى المُحافَظَةِ عَلى أعْدادِها كُلِّها تَنْصِيصًا عَلى العُمُومِ.

وإنَّما ذُكِرَ هَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]؛ لِأنَّ ذِكْرَ الصَّلاةِ هُنالِكَ جاءَ تَبَعًا لِلْخُشُوعِ فَأُرِيدَ خَتْمُ صِفاتِ مَدْحِهِمْ بِصِفَةِ مُحافَظَتِهِمْ عَلى الصَّلَواتِ لِيَكُونَ لِهَذِهِ الخَصْلَةِ كَمالُ الِاسْتِقْرارِ في الذِّهْنِ؛ لِأنَّها آخِرُ ما قَرَعَ السَّمْعَ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ.

وقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيرُ ذِكْرِ الصَّلاةِ تَنْوِيهًا بِها. ورَدًّا لِلْعَجُزِ عَلى الصَّدْرِ تَحْسِينًا لِلْكَلامِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ تِلْكَ الصِّفاتُ لِتَزْدادَ النَّفْسُ قَبُولًا لِسَماعِها ووَعْيِها فَتَتَأسّى بِها.

والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ وإضافَةِ الصَّلَواتِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِثْلَ القَوْلِ في نَظِيرِهِ ونَظائِرِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلَواتِهِمْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (عَلى صَلاتِهِمْ) بِالإفْرادِ.

وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ أُصُولَ التَّقْوى الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّها أتَتْ عَلى أعْسَرِ ما تُراضُ لَهُ النَّفْسُ مِن أعْمالِ القَلْبِ والجَوارِحِ.

فَجاءَتْ بِوَصْفِ الإيمانِ وهو أساسُ التَّقْوى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] .

ثُمَّ ذُكِرَتِ الصَّلاةُ وهي عِمادُ التَّقْوى والَّتِي تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لِما فِيها مِن تَكَرُّرِ اسْتِحْضارِ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ومُناجاتِهِ.

صفحة ١٩

وذَكَرَتِ الخُشُوعَ وهو تَمامُ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يَعْمَلُ الطّاعَةَ لِلْخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ غَيْرَ مُسْتَحْضِرٍ خُشُوعًا لِرَبِّهِ الَّذِي كَلَّفَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإذا تَخَلَّقَ المُؤْمِنُ بِالخُشُوعِ اشْتَدَّتْ مُراقَبَتُهُ رَبَّهُ فامْتَثَلَ واجْتَنَبَ. فَهَذانِ مِن أعْمالِ القَلْبِ.

وذَكَرَتِ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ، واللَّغْوُ مِن سُوءِ الخُلُقِ المُتَعَلِّقِ بِاللِّسانِ الَّذِي يَعْسُرُ إمْساكُهُ فَإذا تَخَلَّقَ المُؤْمِنُ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ فَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ. وفي الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ خُلُقٌ لِلسَّمْعِ أيْضًا كَما عَلِمْتَ.

وذَكَرَتْ إعْطاءَ الصَّدَقاتِ وفي ذَلِكَ مُقاوَمَةُ داءِ الشُّحِّ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .

وذَكَرَتْ حِفْظَ الفَرْجِ. وفي ذَلِكَ خُلُقُ مُقاوَمَةِ اطِّرادِ الشَّهْوَةِ الغَرِيزِيَّةِ بِتَعْدِيلِها وضَبْطِها والتَّرَفُّعِ بِها عَنْ حَضِيضِ مُشابَهَةِ البَهائِمِ فَمَن تَخَلَّقَ بِذَلِكَ فَقَدْ صارَ كَبْحُ الشَّهْوَةِ مَلَكَةً لَهُ وخُلُقًا.

وذَكَرَتْ أداءَ الأمانَةِ وهو مَظْهَرٌ لِلْإنْصافِ وإعْطاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ ومُغالَبَةِ شَهْوَةِ النَّفْسِ لِأمْتِعَةِ الدُّنْيا.

وذَكَرَتِ الوَفاءَ بِالعَهْدِ وهو مَظْهَرٌ لِخُلُقِ العَدْلِ في المُعامَلَةِ والإنْصافِ مِنَ النَّفْسِ بِأنْ يَبْذُلَ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الوَفاءِ.

وذَكَرَتِ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلَواتِ وهو التَّخَلُّقُ بِالعِنايَةِ والوُقُوفُ عِنْدَ الحُدُودِ والمَواقِيتِ وذَلِكَ يَجْعَلُ انْتِظامَ أمْرِ الحَياتَيْنِ مَلَكَةً وخُلُقًا راسِخًا.

وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الخِصالَ وجَدْتَها تَرْجِعُ إلى حِفْظِ ما مِن شَأْنِ النُّفُوسِ إهْمالُهُ مِثْلَ الصَّلاةِ والخُشُوعِ وتَرْكِ اللَّغْوِ وحِفْظِ الفَرْجِ وحِفْظِ العَهْدِ، وإلى بَذْلِ ما مِن شَأْنِ النُّفُوسِ إمْساكُهُ مِثْلَ الصَّدَقَةِ وأداءِ الأمانَةِ.

فَكانَ في مَجْمُوعِ ذَلِكَ أعْمالُ مَلَكَتَيِ الفِعْلِ والتَّرْكِ في المُهِمّاتِ، وهُما مَنبَعُ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ لِمَن تَتَبَّعَها.

صفحة ٢٠

رَوى النَّسائِيُّ: «أنَّ عائِشَةَ قِيلَ لَها: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، وقَرَأتْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حَتّى انْتَهَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وقَدْ كانَ خُلُقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى العَكْسِ مِن هَذا، فِيما عَدا حِفْظَ العَهْدِ غالِبًا، قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقالَ في شَأْنِ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكافِرِينَ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦]، وقَدْ كانَ البِغاءُ والزِّنى فاشِيَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ.

23:10–11Page 342

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠

Those are the inheritors

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾

جِيءَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ المُتَقَدِّمَةُ لِيُفِيدَ اسْمُ الإشارَةِ أنَّ جَدارَتَهم بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ حَصَلَتْ مِنَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إلى آخِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يَكُونُوا الوارِثِينَ بِذَلِكَ.

وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ عَنْهم بِذَلِكَ. وحُذِفَ مَعْمُولُ (الوارِثُونَ) لِيَحْصُلَ إبْهامٌ وإجْمالٌ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ بَيانَهُ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ قَصْدًا لِتَفْخِيمِ هَذِهِ الوِراثَةِ. والإتْيانُ في البَيانِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلسّامِعِ بِمَضْمُونِ صِلَتِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَعْرِيفَ (الوارِثُونَ) تَعْرِيفُ العَهْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: هم أصْحابُ هَذا الوَصْفِ المَعْرُوفُونَ بِهِ.

واسْتُعِيرَتِ الوِراثَةُ لِلِاسْتِحْقاقِ الثّابِتِ؛ لِأنَّ الإرْثَ أقْوى الأسْبابِ لِاسْتِحْقاقِ المالِ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] .

صفحة ٢١

والفِرْدَوْسُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ، أوْ مِن أسْماءِ أشْرَفِ جِهاتِ الجَنّاتِ. وأصْلُ الفِرْدَوْسِ: البُسْتانُ الواسِعُ الجامِعُ لِأصْنافِ الثَّمَرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأُمِّ حارِثَةَ بْنِ سُراقَةَ لَمّا أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ وقالَتْ أُمُّهُ: إنْ كانَ في الجَنَّةِ أصْبِرْ وأحْتَسِبْ. فَقالَ لَها: ويْحَكِ أهَبِلْتِ ؟ أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي ؟ إنَّها لَجِنانٍ كَثِيرَةٍ وإنَّهُ لَفي الفِرْدَوْسِ.

وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الآياتُ عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حَتّى خَتَمَ عَشْرَ آياتٍ» . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: قَوْلُهُ (﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾) هي العاشِرَةُ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.

23:12–14Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

And certainly did We create man from an extract of clay.

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ غَرَضًا عَلى غَرَضٍ ويُسَمّى عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِينافِ؛ لِأنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]) الَّتِي هي ابْتِدائِيَّةٌ. وهَذا شُرُوعٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ وبِعَظِيمِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، وعَلى أنَّ الإنْسانَ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والِاعْتِبارُ بِما في خَلْقِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ ومِن عَظِيمِ النِّعْمَةِ. فالمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأصْلَ الأصِيلَ في ضَلالِ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

صفحة ٢٢

ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلى النّاسِ بِأنَّهُ أخْرَجَهم مِن مَهانَةِ العَدَمِ إلى شَرَفِ الوُجُودِ وذَلِكَ كُلُّهُ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَرَوْا في إيمانِهِمْ عَلى ما يَلِيقُ بِالِاعْتِرافِ بِذَلِكَ وبَيْنَ فَرِيقِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقًا غَيْرَ بَيِّنَةٍ فَحادُوا عَنْ مُقْتَضى الشُّكْرِ بِالشِّرْكِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مُراعًى فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ المُنَزَّلِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ هَذا الخَبَرَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ.

والخَلْقُ: الإنْشاءُ والصُّنْعُ، قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] في آلِ عِمْرانَ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ. وفَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ. وضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ.

والسُّلالَةُ: الشَّيْءُ المَسْلُولُ، أيِ: المُنْتَزَعُ مِن شَيْءٍ آخَرَ، يُقالُ: سَلَلْتُ السَّيْفَ، إذا أخْرَجْتُهُ مِن غِمْدِهِ. فالسُّلالَةُ: خُلاصَةٌ مِن شَيْءٍ، ووَزْنُ فُعالَةٌ يُؤْذِنُ بِالقِلَّةِ مِثْلَ القُلامَةِ والصُّبابَةِ.

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ خَلَقْناهُ مُنْفَصِلًا وآتِيًا مِن سُلالَةٍ، فَتَكُونُ السُّلالَةُ عَلى هَذا مَجْمُوعَ ماءِ الذَّكَرِ والأُنْثى المَسْلُولِ مِن دَمِهِما.

وهَذِهِ السُّلالَةُ هي ما يُفْرِزُهُ جِهازُ الهَضْمِ مِنَ الغِذاءِ حِينَ يَصِيرُ دَمًا؛ فَدَمُ الذَّكَرِ حِينَ يَمُرُّ عَلى غُدَّتَيِ التَّناسُلِ (الأُنْثَيَيْنِ) تُفْرِزُ مِنهُ الأُنْثَيانِ مادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً تَحْتَفِظُ بِها وهي الَّتِي تَتَحَوَّلُ إلى مَنِيٍّ حِينَ حَرَكَةِ الجِماعِ، فَتِلْكَ السُّلالَةُ مُخْرَجَةٌ مِنَ الطِّينِ لِأنَّها مِنَ الأغْذِيَةِ الَّتِي أصْلُها مِنَ الأرْضِ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ . ودَمُ المَرْأةِ إذا مَرَّ عَلى قَناةِ الرَّحِمِ تَرَكَ فِيها بُوَيْضاتٍ دَقِيقَةً هي بَذْرُ الأجِنَّةِ. ومِنَ اجْتِماعِ تِلْكَ المادَّةِ الدُّهْنِيَّةِ الَّتِي في الأُنْثَيَيْنِ مَعَ البُوَيْضَةِ مِنَ البُوَيْضاتِ الَّتِي في قَناةِ الرَّحِمِ يَتَكَوَّنُ الجَنِينُ فَلا جَرَمَ هو مَخْلُوقٌ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ طَوْرٌ آخَرُ لِلْخَلْقِ وهو طَوْرُ اخْتِلاطِ السُّلالَتَيْنِ في الرَّحِمِ. سُمِّيَتْ سُلالَةُ الذَّكَرَ نُطْفَةً لِأنَّها تُنْطَفُ، أيْ: تُقْطَرُ في الرَّحِمِ في قَناةٍ مَعْرُوفَةٍ وهو: القَرارُ المَكِينُ.

صفحة ٢٣

فَـ (نُطْفَةً) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: (في قَرارٍ مَكِينٍ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (جَعَلْناهُ) . و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ أعْظَمُ مِن خَلْقِ السُّلالَةِ. فَضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ السُّلالَةِ، فالمَعْنى: جَعَلْنا السُّلالَةَ في قَرارٍ مَكِينٍ، أيْ: وضَعْناها فِيهِ حِفْظًا لَها، ولِذَلِكَ غَيَّرَ في الآيَةِ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ الخَلْقِ إلى فِعْلِ الجَعْلِ المُتَعَدِّي بِـ (في) بِمَعْنى: الوَضْعِ.

والقَرارُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ قَرَّ إذا ثَبَتَ في مَكانِهِ. وقَدْ سُمِّيَ بِهِ هُنا المَكانُ نَفْسُهُ. والمَكِينُ: الثّابِتُ في المَكانِ بِحَيْثُ لا يُقْلِعُ مِن مَكانِهِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُوصَفَ بِالمَكِينِ الشَّيْءُ الحالُّ في المَكانِ الثّابِتُ فِيهِ. وقَدْ وقَعَ هُنا وصْفًا لِنَفْسِ المَكانِ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ فِيهِ النُّطْفَةُ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، وحَقِيقَتُهُ مَكِينٌ حالُّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ آدَمُ. وقالَ بِذَلِكَ قَتادَةُ فَتَكُونُ السُّلالَةُ الطِّينَةُ الخاصَّةُ الَّتِي كَوَّنَ اللَّهُ مِنها آدَمَ وهي الصَّلْصالُ الَّذِي مَيَّزَهُ مِنَ الطِّينِ في مَبْدَأِ الخَلِيقَةِ، فَتِلْكَ الطِّينَةُ مَسْلُولَةٌ سَلًّا خاصًّا مِنَ الطِّينِ لِيَتَكَوَّنَ مِنها حَيٌّ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ نُطْفَةً عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ نَسْلًا لِآدَمَ فَيَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، ويَكُونُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] .

وحَرْفُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ إذْ كانَ خَلْقُ النُّطْفَةِ عَلَقَةً أعْجَبَ مِن خَلْقِ النُّطْفَةِ إذْ صَيَّرَ الماءَ السّائِلَ دَمًا جامِدًا فَتَغَيَّرَ بِالكَثافَةِ وتَبَدَّلَ اللَّوْنُ مِن عَوامِلَ أوْدَعَها اللَّهُ في الرَّحِمِ.

ومِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ تَسْمِيَةُ هَذا الكائِنِ بِاسْمِ العَلَقَةِ فَإنَّهُ وضْعٌ بَدِيعٌ لِهَذا الِاسْمِ إذْ قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ التَّشْرِيحِ أنَّ هَذا الجُزْءَ الَّذِي اسْتَحالَتْ

صفحة ٢٤

إلَيْهِ النُّطْفَةُ هو كائِنٌ حَيٌّ لَهُ قُوَّةُ امْتِصاصِ القُوَّةِ مِن دَمِ الأُمِّ بِسَبَبِ التِصاقِهِ بِعُرُوقٍ في الرَّحِمِ تَدْفَعُ إلَيْهِ قُوَّةَ الدَّمِ. والعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِن دَمٍ عاقِدٍ.

والمُضْغَةُ: القِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ مِقْدارُ اللُّقْمَةِ الَّتِي تُمْضَغُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ كَيْفِيَّةُ تَخَلُّقِ الجَنِينِ.

وعَطَفَ (جَعْلَ العَلَقَةِ مُضْغَةً) بِالفاءِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِنَ العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ يُشْبِهُ تَعْقِيبَ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ إذِ اللَّحْمُ والدَّمُ الجامِدُ مُتَقارِبانِ فَتَطَوُّرُهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ مُكْثُ كُلِّ طَوْرٍ مُدَّةً طَوِيلَةً.

وخَلْقُ المُضْغَةِ عِظامًا هو تَكْوِينُ العِظامِ في داخِلِ تِلْكَ المُضْغَةِ وذَلِكَ ابْتِداءُ تَكْوِينِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ مِن عَظْمٍ ولَحْمٍ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُرِّرَ في عَطْفِ فَخَلَقْنا المُضْغَةَ بِالفاءِ.

فَمَعْنى (فَكَسَوْنا) أنَّ اللَّحْمَ كانَ كالكِسْوَةِ لِلْعِظامِ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ العِظامَ بَقِيَتْ حِينًا غَيْرَ مَكْسُوَّةٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» الحَدِيثُ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَدْ تَهَيَّأ لِلْحَياةِ والنَّماءِ وذَلِكَ هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ لِأنَّ الخَلْقَ المَذْكُورَ قَبْلَهُ كانَ دُونَ حَياةٍ ثُمَّ نَشَأ فِيهِ خَلْقُ الحَياةِ وهي حالَةٌ أُخْرى طَرَأتْ عَلَيْهِ عَبَّرَ عَنْها بِالإنْشاءِ. ولِلْإشارَةِ إلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ عَطَفَ هَذا الإنْشاءَ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ في عَطْفِ الجُمَلِ بِـ (ثُمَّ) .

وهَذِهِ الأطْوارُ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَها الآيَةُ سَبْعَةُ أطْوارٍ فَإذا تَمَّتْ فَقَدْ صارَ المُتَخَلِّقُ حَيًّا. وفي شَرْحِ المُوَطَّأِ: (تَناجى رَجُلانِ في مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَقالَ لَهُما عُمَرُ: ما هَذِهِ المُناجاةُ ؟ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ اليَهُودَ يَزْعُمُونَ أنَّ العَزْلَ هو المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، فَقالَ عَلِيٌّ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى

صفحة ٢٥

تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ: ( صَدَقْتَ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) . فَقِيلَ: إنَّ عُمَرَ أوَّلُ مَن دَعا بِكَلِمَةِ (أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ﴾ بِصِيغَةِ جَمْعِ (العِظامِ) فِيهِما، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (عَظْمًا. . والعَظْمَ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ.

وفُرِّعَ عَلى حِكايَةِ هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ أيْ: أحْسَنُ المُنْشِئِينَ إنْشاءً؛ لِأنَّهُ أنْشَأ ما لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ إنْشاءَهُ.

ولَمّا كانَتْ دَلالَةُ خَلْقِ الإنْسانِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ أسْبِقَ إلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ كانَ الثَّناءُ المُعَقَّبُ بِهِ ثَناءً عَلى بَدِيعِ قُدْرَةِ الخالِقِ مُشْتَقًّا مِنَ البَرَكَةِ وهي: الزِّيادَةُ.

وصِيغَةُ تَفاعَلَ صِيغَةُ مُطاوَعَةٍ في الأصْلِ وأصْلُ المُطاوَعَةِ: قَبُولُ أثَرِ الفِعْلِ، وتُسْتَعْمَلُ في لازِمِ ذَلِكَ وهو التَّلَبُّسُ بِمَعْنى الفِعْلِ تَلَبُّسًا مَكِينًا؛ لِأنَّ شَأْنَ المُطاوَعَةِ أنْ تَكُونَ بَعْدَ مُعالَجَةِ الفِعْلِ فَتَقْتَضِي ارْتِساخَ مَعْنى الفِعْلِ في المَفْعُولِ القابِلِ لَهُ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ المَفْعُولُ فاعِلًا فَيُقالُ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفاعَلَ إذا جاءَ بِمَعْنى فَعَلَ، دالًّا عَلى المُبالَغَةِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الشّافِيَةِ، ولِذَلِكَ تَتَّفِقُ صِيَغُ المُطاوَعَةِ وصِيَغُ التَّكَلُّفِ غالِبًا في نَحْوِ: تَثَنّى، وتَكَبَّرَ، وتَشامَخَ، وتَقاعَسَ. فَمَعْنى ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالعَظَمَةِ في الخَيْرِ، أيْ: عَظَمَةُ ما يُقَدِّرُهُ مِن خَيْرٍ لِلنّاسِ وصَلاحٍ لَهم.

وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا؛ لِأنَّ (تَبارَكَ) لَمّا حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ كانَ عامًّا فَيَشْمَلُ عَظَمَةَ الخَيْرِ في الخَلْقِ وفي غَيْرِهِ. وكَذَلِكَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ (الخالِقِينَ) يَعُمُّ خَلْقَ الإنْسانِ وخَلْقَ غَيْرِهِ كالجِبالِ والسَّماواتِ.

23:15–16Page 342

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

Then indeed, after that you are to die.

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾

صفحة ٢٦

إدْماجٌ في أثْناءِ تَعْدادِ الدَّلائِلِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ عَلى اخْتِلافِ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ لِقَصْدِ إبْطالِ الشِّرْكِ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ أهَمِّيَّةَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ في هَذا المَقامِ أقْوى مِن أهَمِّيَّةِ ذِكْرِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَوْتِهِمْ تَوْطِئَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهُ وهي قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾) وهو المَقْصُودُ. فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَها حُكْمُ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الَّتِي قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] . ولِكَوْنِ (ثُمَّ) لَمْ تُفِدْ مُهْلَةً في الزَّمانِ هُنا صَرَّحَ بِالمُهْلَةِ في قَوْلِهِ: بَعْدَ ذَلِكَ. والإشارَةُ إلى الخَلْقِ المُبَيَّنِ آنِفًا، أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ التَّكْوِينِ العَجِيبِ والنَّماءِ المُحْكَمِ أنْتُمْ صائِرُونَ إلى المَوْتِ الَّذِي هو تَعْطِيلُ أثَرِ ذَلِكَ الإنْشاءِ ثُمَّ مَصِيرُهُ إلى الفَسادِ والِاضْمِحْلالِ. وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (إنَّ) واللّامِ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يَرْتابُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ.

وتَوْكِيدُ خَبَرِ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ؛ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ. ويَكُونُ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْوِيَةِ التَّرْكِيزِ بِأكْثَرِ مِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ وإنْ كانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ قَوِيًّا.

ونُقِلَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ونُكْتَتُهُ هُنا أنَّ المَقْصُودَ التَّذْكِيرُ بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ بِالتَّخْوِيفِ وإنَّما يُناسِبُهُ الخِطابُ.

23:17Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧

And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾

انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ؛ لِأنَّ أمْرَها أعْجَبُ، وإنْ كانَ الإنْسانُ إلى نَظِيرِهِ أقْرَبَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ

صفحة ٢٧

عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] . وإنَّما ذُكِرَ هَذا عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذا العالَمَ العُلْوِيَّ ما خَلَقَهُ إلّا لِحِكْمَةٍ، وأنَّ الحَكِيمَ لا يُهْمِلُ ثَوابَ الصّالِحِينَ عَلى حَسَناتِهِمْ، ولا جَزاءَ المُسِيئِينَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، وأنَّ جَعْلَهُ تِلْكَ الطَّرائِقَ فَوْقَنا بِحَيْثُ نَراها لَيَدُلُّنا عَلى أنَّ لَها صِلَةً بِنا؛ لِأنَّ عالَمَ الجَزاءِ كائِنٌ فِيها ومَخْلُوقاتِهِ مُسْتَقِرَّةٌ فِيها، فالإشارَةُ بِهَذا التَّرْتِيبِ مِثْلَ الإشارَةِ بِعَكْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] .

والطَّرائِقُ: جَمْعُ طَرِيقَةٍ وهي اسْمٌ لِلطَّرِيقِ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. والمُرادُ بِها هُنا: طَرائِقُ سَيْرِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ وهي أفْلاكُها، أيِ: الخُطُوطُ الفَرْضِيَّةُ الَّتِي ضَبَطَ النّاسُ بِها سُمُوتَ سَيْرِ الكَواكِبِ. وقَدْ أُطْلِقَ عَلى الكَوْكَبِ اسْمُ الطّارِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ [الطارق: ١] مِن أجْلِ أنَّهُ يَنْتَقِلُ في سَمْتٍ يُسَمّى طَرِيقَةً فَإنَّ السّايِرَ في طَرِيقٍ يُقالُ لَهُ: طارِقٌ، ولا شَكَّ أنَّ الطَّرائِقَ تَسْتَلْزِمُ سائِراتٍ فِيها، فَكانَ المَعْنى: خَلَقْنا سَيّاراتٍ وطَرائِقَها.

وذُكِرَ (فَوْقَكم) لِلتَّنْبِيهِ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في أحْوالِها لِلِاسْتِدْلالِ بِها عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ لَها تَعالى فَإنَّها بِحالَةِ إمْكانِ النَّظَرِ إلَيْها والتَّأمُّلِ فِيها.

ولِأنَّ كَوْنَها فَوْقَ النّاسِ مِمّا سَهَّلَ انْتِفاعَهم بِها في التَّوْقِيتِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ في ذَلِكَ لُطْفًا بِالخَلْقِ وتَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ في شُئُونِ حَياتِهِمْ، وهَذا امْتِنانٌ. فالواوُ في جُمْلَةِ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلنَّظَرِ في أنَّ عالَمَ الجَزاءِ كائِنٌ بِتِلْكَ العَوالِمِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] .

والخَلْقُ مَفْعُولٌ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، أيْ: ما كُنّا غافِلِينَ عَنْ حاجَةِ مَخْلُوقاتِنا يَعْنِي البَشَرَ. ونَفْيُ الغَفْلَةِ كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ والمُلاحَظَةِ، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ في خَلْقِ الطَّرائِقِ السَّماوِيَّةِ لِما خُلِقَتْ لَهُ لُطْفًا بِالنّاسِ أيْضًا إذْ كانَ نِظامُ خَلْقِها صالِحًا

صفحة ٢٨

لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في مَواقِيتِهِمْ وأسْفارِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] . وأعْظَمُ تِلْكَ الطَّرائِقِ طَرِيقَةُ الشَّمْسِ مَعَ ما زادَتْ بِهِ مِنَ النَّفْعِ بِالإنارَةِ وإصْلاحِ الأرْضِ والأجْسادِ فَصارَ المَعْنى: خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ لِحِكْمَةٍ لا تَعْلَمُونَها وما أهْمَلْنا في خَلْقِها رَعْيَ مَصالِحِكم أيْضًا.

والعَدْلُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وما كُنّا عَنْكم غافِلِينَ، لِما يُفِيدُهُ المُشْتَقُّ مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ: ما كُنّا عَنْكم غافِلِينَ؛ لِأنَّكم مَخْلُوقاتُنا فَنَحْنُ نُعامِلُكم بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ والإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском