Ibn 'AshurAl‑Mu'minun · 23:33–44

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:33–44

23:33–38Page 344

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣

And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.

وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤

And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.

أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥

Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?

۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦

How far, how far, is that which you are promised.1

إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧

It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.

إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨

He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾

صفحة ٥١

عُطِفَتْ حِكايَةُ قَوْلِ قَوْمِهِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ، ولَمْ يُؤْتَ بِها مَفْصُولَةً كَما هو شَأْنُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِـ (قالَ) ونَحْوِها دُونَ عَطْفٍ. وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ، وخُولِفَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ؛ إذْ حُكِيَ جَوابُ هَؤُلاءِ القَوْمِ رَسُولِهِمْ بِدُونِ عَطْفٍ.

ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ كَلامَ المَلَأِ المَحْكِيَّ هُنا غَيْرُ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ ما هُنا كَلامُهُمُ المُوَجَّهُ إلى خِطابِ قَوْمِهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ إلى آخِرِهِ خَشْيَةً مِنهم أنْ تُؤَثِّرَ دَعْوَةُ رَسُولِهِمْ في عامَّتِهِمْ، فَرَأوْا الِاعْتِناءَ؛ بِأنْ يَحُولُوا دُونَ تَأثُّرِ نُفُوسِ قَوْمِهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِمْ أوْلى مِن أنْ يُجاوِبُوا رَسُولَهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في المَواضِيعِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي أوْرَدَ فِيها صاحِبُ الكَشّافِ سُؤالًا ولَمْ يَكُنْ في جَوابِهِ شافِيًا وتَحَيَّرَ شُرّاحُهُ فَكانُوا عَلى خِلافٍ.

وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُ المَلَأِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ كَما ورَدَ في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ وقْتِ مَقالَةِ رَسُولِهِمُ الَّتِي هي فاتِحَةُ دَعْوَتِهِ بِأنْ يَكُونُوا أجابُوا كَلامَهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِمْ وكَرَّرَها فِيهِمْ وجَّهُوا مَقالَتَهُمُ المَحْكِيَّةَ هُنا إلى قَوْمِهِمْ، ومِن أجْلِ هَذا عُطِفَتْ جُمْلَةُ جَوابِهِمْ ولَمْ تَأْتِ عَلى أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ.

وأيْضًا؛ لِأنَّ كَلامَ رَسُولِهِمْ لَمْ يُحْكَ بِصِيغَةِ قَوْلٍ بَلْ حُكِيَ بِـ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] .

صفحة ٥٢

وقَدْ حَكى اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى عَنْ قَوْمِ هُودٍ وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم أجابُوا دَعْوَةَ رَسُولِهِمْ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] .

وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المؤمنون: ٢٤]) نَعْتٌ ثانٍ لِـ (المَلَأُ) فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ: فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ. وإنَّما أخَّرَ النَّعْتَ هُنا لِيَتَّصِلَ بِهِ الصِّفَتانِ المَعْطُوفَتانِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ .

واللِّقاءُ: حُضُورُ أحَدٍ عِنْدَ آخَرَ. والمُرادُ: لِقاءُ اللَّهِ تَعالى لِلْحِسابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في سُورَةِ الأنْفالِ.

وإضافَةُ (لِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) أيِ: اللِّقاءُ في الآخِرَةِ.

والإتْرافُ: جَعْلُهم أصْحابَ تَرَفٍ. والتَّرَفُ: النِّعْمَةُ الواسِعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

وفِي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّهُما الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِلِقاءِ الآخِرَةِ يَنْفِي عَنْهم تَوَقُّعَ المُؤاخَذَةِ بَعْدَ المَوْتِ، وثَرْوَتُهم ونِعْمَتُهم تُغْرِيهِمْ بِالكِبْرِ والصَّلَفِ إذْ ألِفُوا أنْ يَكُونُوا سادَةً لا تَبَعًا، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم مِنَ اتِّقاءِ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ وطَلَبِهِمُ النَّجاةَ بِاتِّباعِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ .

و﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ البَشَرِيَّةَ تُنافِي أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَأتَوْا بِالمَلْزُومِ وأرادُوا لازِمَهُ.

صفحة ٥٣

وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والدَّلِيلِ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ مِثْلَهم ويَشْرَبُ مِثْلَهم ولا يَمْتازُ فِيما يَأْكُلُهُ وما يَشْرَبُهُ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَشْرَبُونَ) وهو عائِدُ الصِّلَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِنَظِيرِهِ الَّذِي في الصِّلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها.

واللّامُ في ولَئِنْ أطَعْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وأُقْحِمَ حَرْفُ الجَزاءِ في جَوابِ القَسَمِ لِما في جَوابِ القَسَمِ مِن مُشابَهَةِ الجَزاءِ لا سِيَّما مَتى اقْتَرَنَ القَسَمُ بِحَرْفِ شَرْطٍ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (أيَعِدُكم) لِلتَّعَجُّبِ، وهو انْتِقالٌ مِن تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ إلى تَكْذِيبِهِ في المُرْسَلِ بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولُ (يَعِدُكم) أيْ: يَعِدُكم إخْراجَ مُخْرَجِ إيّاكم. والمَعْنى: يَعِدُكم إخْراجَكم مِنَ القُبُورِ بَعْدَ مَوْتِكم وفَناءِ أجْسامِكم.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعادَةً لِكَلِمَةِ (أنَّكم) الأُولى اقْتَضى إعادَتَها بَعْدَ ما بَيَّنَها وبَيَّنَ خَبَرَها. وتُفِيدُ إعادَتُها تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ تَأْكِيدًا لِاسْتِبْعادِهِ. وهَذا تَأْوِيلُ الجَرْمِيِّ والمُبَرِّدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّكم مُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ خَبَرًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وتَكُونَ جُمْلَةُ إذا مِتُّمْ إلى قَوْلِهِ: مُخْرَجُونَ خَبَرًا عَنْ (أنَّ) مِن قَوْلِهِ: (أنَّكم) الأُولى.

وجَعَلُوا مُوجَبَ الِاسْتِبْعادِ هو حُصُولُ أحْوالٍ تُنافِي أنَّهم مَبْعُوثُونَ بِحَسَبِ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، وهي حالُ المَوْتِ المُنافِي لِلْحَياةِ، وحالُ الكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا المُنافِي لِإقامَةِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ.

وأُرِيدَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم أحْياءً بِهَيْكَلٍ إنْسانِيٍّ كامِلٍ أيْ: مُخْرَجُونَ لِلْقِيامَةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.

صفحة ٥٤

وجُمْلَةُ (هَيْهاتَ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَعِدُكم) فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.

و(هَيْهاتَ) كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى فَتْحِ الآخِرِ وعَلى كَسْرِهِ أيْضًا. وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأها أبُو جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ. وتَدُلُّ عَلى البُعْدِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ ثَلاثًا كَما جاءَ في شِعْرٍ لِحُمَيْدٍ الأرْقَطِ وجَرِيرٍ يَأْتِيانِ.

واخْتُلِفَ فِيها أهِيَ فِعْلٌ أمِ اسْمٌ؛ فَجُمْهُورُ النُّحاةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ (هَيْهاتَ) اسْمُ فِعْلٍ لِلْماضِي مِنَ البُعْدِ، فَمَعْنى هَيْهاتَ كَذا: بَعُدَ. فَيَكُونُ ما يَلِي (هَيْهاتَ) فاعِلًا. وقِيلَ: هي اسْمٌ لِلْبُعْدِ، أيْ: فَهي مَصْدَرٌ جامِدٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: وقالَ البَعْضُ: غَلِطَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ واسْتَهْواهُ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ .

وقِيلَ: هَيْهاتَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ. ونَسَبَهُ في لِسانِ العَرَبِ إلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: قالَ ابْنُ جِنِّي: كانَ أبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في هَيْهاتَ: أنا أُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ مِثْلَ صَهٍ ومَهْ، وأُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها ظَرْفًا عَلى قَدْرِ ما يَحْضُرُنِي في الحالِ.

وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ وأفْصَحُها أنَّها بِهاءَيْنِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَتْحَةَ بِناءٍ، وأنَّ تاءَها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وقِيلَ: يُوقَفُ عَلَيْها بِهاءٍ، وأنَّها لا تُنَوَّنُ تَنْوِينَ تَنْكِيرٍ.

وقَدْ ورَدَ ما بَعْدَ (هَيْهاتَ) مَجْرُورًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ:

فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُحاوِلُهُ

ووَرَدَ مَجْرُورًا بِـ (مِن) في قَوْلِ حُمَيْدٍ الأرْقَطِ:

هَيْهاتِ مَن مُصَبَّحُها هَيْهاتِ ∗∗∗ هَيْهاتِ حَجَرٌ مِن صُنَيْبِعاتِ

فالَّذِي يَتَّضِحُ في اسْتِعْمالِ (هَيْهاتَ) أنَّ الأصْلَ فِيما بَعْدَها أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَأْوِيلِ (هَيْهاتَ) بِمَعْنى فِعْلٍ ماضٍ مِنَ البُعْدِ كَما في بَيْتِ جَرِيرٍ.

صفحة ٥٥

وأنَّ الأفْصَحَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِاللّامِ فَيَكُونُ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ فاعِلِ اسْمِ الفِعْلِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا يَسْبِقُ (هَيْهاتَ) مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ غالِبًا إلّا بَعْدَ كَلامٍ، وتُجْعَلُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: إيضاحِ المُرادِ مِنَ الفاعِلِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ. وهَذِهِ اللّامُ تَرْجِعُ إلى لامِ التَّعْلِيلِ. وإذا ورَدَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِـ (مِن) فَـ (مِن) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: بَعُدَ عَنْهُ أوْ بُعْدًا عَنْهُ.

عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُئَوَّلَ (هَيْهاتَ) مَرَّةً بِالفِعْلِ وهو الغالِبُ ومَرَّةً بِالمَصْدَرِ فَتَكُونُ اسْمُ مَصْدَرٍ مَبْنِيًّا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ. ويَكُونُ الإخْبارُ بِها كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي سَلَكَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ويُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى اخْتِيارِهِ.

وجاءَ هُنا فِعْلُ (تُوعَدُونَ) مِن (أوْعَدَ) وجاءَ قَبْلَهُ فِعْلُ (أيَعِدُكم) وهو مِن (وعَدَ) مَعَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ شَيْءٌ واحِدٌ. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في حالِ وُجُودِهِمْ فَجُعِلَ وعْدًا، والثّانِي راجِعٌ إلى حالَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ والِانْعِدامِ فَناسَبَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالوَعِيدِ اهـ.

وأقُولُ: أحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ عَبَّرَ مَرَّةً بِالوَعْدِ ومَرَّةً بِالوَعِيدِ عَلى وجْهِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ إعْلامَهم بِالبَعْثِ مُشْتَمِلٌ عَلى وعْدٍ بِالخَيْرِ إنْ صَدَقُوا وعَلى وعِيدٍ إنْ كَذَبُوا، فَذُكِرَ الفِعْلانِ عَلى التَّوْزِيعِ إيجازًا.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ واسْتِدْلالًا وتَعْلِيلًا لَهُ، ولِكِلا الوَجْهَيْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها.

وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى ما لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ بَلْ عائِدٌ عَلى مَذْكُورٍ بَعْدَهُ قَصْدًا لِلْإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنِ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ بَيانًا لَهُ، ولِذَلِكَ يُجْعَلُ

صفحة ٥٦

الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ الضَّمِيرِ عَطْفَ بَيانٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ المِصْراعَ الأوَّلِ وأثْبَتَهُ الطِّيبِيُّ كامِلًا:

هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ ∗∗∗ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْـدِلُ

وقَوْلُ أبِي العَلاءِ:

هُوَ الهَجْرُ حَتّى ما يُلَـمَّ خَـيالٌ ∗∗∗ وبَعْضُ صُدُودِ الزّائِرِينَ وِصالُ

ومُبَيِّنُ الضَّمِيرِ هُنا قَوْلُهُ: إلّا حَياتُنا فَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ (إلّا) عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الضَّمِيرِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ حَياتُنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ووَصْفُها بِالدُّنْيا وصْفٌ زائِدٌ عَلى البَيانِ فَلا يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُبَيَّنِ.

ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ والشَّأْنِ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَقامِ لَهُ. ولِأنَّهُ في الآيَةِ مُفَسَّرٌ بِالمُفْرَدِ لا بِالجُمْلَةِ وكَذَلِكَ في بَيْتِ أبِي العَلاءِ.

ولِأنَّ دُخُولَ (لا) النّافِيَةِ عَلَيْهِ يَأْبى مِن جَعْلِهِ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: لا قِصَّةَ إلّا حَياتُنا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ جِنْسٍ لِتَبْيِينِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ وهو (حَياتُنا) فالمَعْنى: لَيْسَتِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا هَذِهِ، أيْ: لا حَياةَ بَعْدَها.

والدُّنْيا: مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ: القَرِيبَةُ بِمَعْنى: الحاضِرَةُ.

وضَمِيرُ (حَياتُنا) مُرادٌ بِهِ جَمِيعَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم رَسُولُهم. فَقَوْلُهم: نَمُوتُ ونَحْيا مَعْناهُ: يَمُوتُ هَؤُلاءِ القَوْمُ ويَحْيا قَوْمٌ بَعْدَهم. ومَعْنى (نَحْيا): نُولَدُ، أيْ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ ويُولَدُ مَن يُولَدُ، أوِ المُرادُ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ فَلا يَرْجِعُ ويَحْيا مَن لَمْ يَمُتْ إلى أنْ يَمُوتَ. والواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا بَيْنَ مَعْطُوفِها والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وعَقَّبُوهُ بِالعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: لا نَحْيا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ.

وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ نَمُوتُ ونَحْيا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى إثْباتِ حَياةٍ عاجِلَةٍ ومَوْتٍ، فَإنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأمْرَيْنِ مُفِيدٌ لِلِانْحِصارِ في المَقامِ الخِطابِيِّ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وأفادَ صَوْغُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَقْوِيَةَ مَدْلُولِهِ وتَحْقِيقَهُ.

صفحة ٥٧

ثُمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نَتِيجَةً عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ، فَجاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها فَهي تَصْرِيحٌ بِما كُنِيَ عَنْهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِن تَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، فاسْتَخْلَصُوا مِن ذَلِكَ أنَّ حالَهُ مُنْحَصِرٌ في أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الإرْسالِ. وضَمِيرُ إنْ هو عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ .

فَجُمْلَةُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ صِفَةٌ لِـ (رَجُلٌ) وهي مُنْصَبُّ الحَصْرِ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ: لا كَما يَزْعُمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ.

وإنَّما أجْرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُتابَعَةً لِوَصْفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِدَلِيلِ المُماثَلَةِ المُنافِيَةِ لِلرِّسالَةِ في زَعْمِهِمْ، أيْ: زِيادَةٌ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مَثْلَهم فَهو رَجُلٌ كاذِبٌ.

والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. وهو الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِلْمُخْبِرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ.

وإنَّما صَرَّحُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ دَلالَةِ نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إعْلانًا بِالتَّبَرِّي مِن أنْ يَنْخَدِعُوا لِما دَعاهم إلَيْهِ، وهو مُقْتَضى حالِ خِطابِ العامَّةِ.

والقَوْلُ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ التَّقْوِيَةَ كالقَوْلِ في ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

23:39–40Page 344

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩

He said, "My Lord, support me because they have denied me."

قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠

[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ مِن صَدِّ المَلَأِ النّاسَ عِنْدَ اتِّباعِهِ وإشاعَتِهِمْ عَنْهُ أنَّهُ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ وتَلْفِيقِهِمُ الحُجَجَ الباطِلَةَ عَلى ذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَمّا

صفحة ٥٨

كانَ مِن شَأْنِهِ وشَأْنِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُجابُ بِأنَّهُ تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ الَّذِي أرْسَلَهُ بِالدُّعاءِ بِأنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.

وجاءَ جَوابُ دُعاءِ هَذا الرَّسُولِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ؛ لِأنَّهُ جَرى عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الَّذِي بَيَّناهُ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾) أفادَ حَرْفُ (عَنْ) المُجاوَزَةَ، أيْ: مُجاوَزَةَ مَعْنى مُتَعَلَّقِها الِاسْمَ المَجْرُورَ بِها. ويَكْثُرُ أنْ تُفِيدَ مُجاوَزَةَ مَعْنى مُتَعَلَّقِها الِاسْمَ المَجْرُورَ بِها فَيَنْشَأُ مِنها مَعْنى (بَعْدَ) نَحْوَ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] فَيُقالُ: إنَّها تَجِيءُ بِمَعْنى (بَعْدَ) كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ وهم جَرَوْا عَلى الظّاهِرِ وتَفْسِيرِ المَعْنى إذْ لا يَكُونُ حَرْفٌ بِمَعْنى اسْمٍ، فَإنَّ مَعانِيَ الحُرُوفِ ناقِصَةٌ ومَعانِيَ الأسْماءِ تامَّةٌ. فَمَعْنى ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾: أنَّ إصْباحَهم نادِمِينَ يَتَجاوَزُ زَمَنًا قَلِيلٍ، أيْ: مِن زَمانِ التَّكَلُّمِ وهو تَجاوُزٌ مَجازِيٌّ بِحَرْفِ (عَنْ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى (بَعْدَ) اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً.

و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ.

و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أوْ فِعْلُ الإصْباحِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ الزَّمَنِ فَوَعَدَ اللَّهُ هَذا الرَّسُولَ نَصْرًا عاجِلًا.

ونَدَمُهم يَكُونُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَبْدَأِ الِاسْتِئْصالِ ولا يَنْفَعُهم نَدَمُهم بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ.

والإصْباحُ هُنا مُرادٌ بِهِ زَمَنُ الصَّباحِ لا مَعْنى الصَّيْرُورَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] .

23:41Page 344

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾

صفحة ٥٩

تَقْتَضِي الفاءُ تَعْجِيلَ إجابَةِ دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ.

والأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلْإهْلاكِ.

والصَّيْحَةُ: صَوْتُ الصّاعِقَةِ، وهَذا يُرَجِّحُ أوْ يُعَيِّنُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ القَرْنُ هم ثَمُودُ قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] وقالَ في شَأْنِهِمْ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] .

وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ سَبَبُ الأخْذِ أوْ مُقارَنَةُ سَبَبِهِ فَإنَّها تَحْصُلُ مِن تَمَزُّقِ كُرَةِ الهَواءِ عِنْدَ نُزُولِ الصّاعِقَةِ.

والباءُ في (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: أخَذَتْهم أخْذًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ، أيْ: لا اعْتِداءَ فِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِظُلْمِهِمْ. والغُثاءُ: ما يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنَ الأعْوادِ اليابِسَةِ والوَرَقِ. والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ لِلْهَيْئَةِ فَهو تَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ، أيْ: جَعَلْناهم كالغُثاءِ في البِلى والتَّكَدُّسِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ فَهَلَكُوا هَلْكَةً واحِدَةً.

وفُرِّعَ عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أمْثالِهِمْ دُعاءَ شَتْمٍ وتَحْقِيرٍ بِأنْ يُبْعَدُوا تَحْقِيرًا لَهم وكَراهِيَةً، ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَةِ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ بُعِدُوا بِالهَلاكِ. وانْتَصَبَ (بُعْدًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ مِثْلَ: تَبًّا وسُحْقًا، أيْ: أتَبَّهُ اللَّهُ وأسْحَقَهُ.

وعَكْسُ هَذا المَعْنى قَوْلُ العَرَبِ: لا تَبْعَدْ (بِفَتْحِ العَيْنِ) أيْ: لا تُفْقَدْ. قالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ:

يَقُولُونَ لا تَبْعَدُ وهم يَدْفِنُونِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا

والمُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ: الكافِرُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . واخْتِيرَ هَذا الوَصْفُ هُنا؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإشْراكِ وظَلَمُوا هُودًا؛ لِأنَّهُ تَعَمُّدُ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إذْ قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [المؤمنون: ٣٨] .

والتَّعْرِيفُ في (الظّالِمِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ فَشَمَلَهم، ولِذَلِكَ تَكُونُ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.

صفحة ٦٠

واللّامُ في (﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾) لِلتَّبْيِينِ وهي مُبَيِّنَةٌ لِلْمَقْصُودِ بِالدُّعاءِ زِيادَةً في البَيانِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُحْقًا لَكَ وتَبًّا لَهُ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَبُعْدًا، لَعُلِمَ أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِ فَبِزِيادَةِ اللّامِ يَزِيدُ بَيانُ المَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُسْتَأْنَفٍ لِلْبَيانِ.

23:42–43Page 344

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢

Then We produced after them other generations.

مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣

No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ القُرُونُ: الأُمَمُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] .

وهُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَمْ تُرْسَلْ إلَيْهِمْ رُسُلٌ وبَقُوا عَلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ نُوحٍ أوْ شَرِيعَةِ هُودٍ أوْ شَرِيعَةِ صالِحٍ. أوْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَرْعٍ؛ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأُمَمِ هُنا دُونَ ذِكْرِ الرُّسُلِ ثُمَّ ذِكْرُ الرُّسُلِ عَقِبَ هَذا يُومِئُ إلى أنَّ هَذِهِ إمّا أُمَمٌ لَمْ تَأْتِهِمْ رُسُلٌ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ تَرْكَهم عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَأهَّلُوا لِقَبُولِ شَرائِعَ، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى شَرائِعَ سابِقَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَةِ. وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا﴾ مِن كَثْرَتِها ولا يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُهم بِـ (آخَرِينَ) مَن جَهْلِ النّاسِ بِهِمْ، ولِما يُؤْذِنُ بِهِ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] مِنِ انْقِراضِ هَذِهِ القُرُونِ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قِصَّتُها آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ دُونَ أنْ تَجِيئَهم رُسُلٌ، فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ مُدَّةِ تَعْمِيرِهِمْ ووَقْتِ انْقِراضِهِمْ. فَيُجابُ بِالإجْمالِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ قَرْنٍ مِنهم أجَلًا عَيَّنَهُ اللَّهُ يَبْقى إلى مِثْلِهِ ثُمَّ يَنْقَرِضُ ويَخْلُفُهُ قَرْنٌ آخَرُ يَأْتِي بَعْدَهُ، أوْ يَعْمُرُ بَعْدَهُ قَرْنٌ كانَ مُعاصِرًا لَهُ، وأنَّ ما عُيِّنَ لِكُلِّ قَرْنٍ لا يَتَقَدَّمُهُ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .

صفحة ٦١

والسَّبْقُ: تَجاوُزُ السّائِرِ وتَرْكُهُ مُسائِرَهُ خَلْفَهُ، وعَكْسُهُ التَّأخُّرُ. والمَعْنى واضِحٌ. والسِّينُ والتّاءُ في (يَسْتَأْخِرُونَ) زائِدَتانِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ: اسْتَجابَ. وضَمِيرُ (يَسْتَأْخِرُونَ) عائِدٌ إلى (أُمَّةٍ) بِاعْتِبارِ النّاسِ.

23:44Page 345

ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤

Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدُ، أيْ: مِن بَعْدِ هَذِهِ القُرُونِ مِنهم إبْراهِيمُ ولُوطٌ ويُوسُفُ وشُعَيْبٌ، ومَن أُرْسِلَ قَبْلَ مُوسى، ورُسُلٌ لَمْ يَقْصُصْهُمُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ.

والمَقْصُودُ بَيانُ اطِّرادِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في اسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهُ المُعانِدِينَ في آياتِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ .

و(تَتْرى) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِألِفٍ في آخِرِهِ دُونَ تَنْوِينٍ فَهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعْلى مِثْلَ دَعْوى وسَلْوى، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ مِثْلَ ذِكْرى، فَهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ. وأصْلُهُ: وتْرى بِواوٍ في أوَّلِهِ مُشْتَقًّا مِنَ الوَتْرِ وهو: الفَرْدُ. وظاهِرُ كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ لا فِعْلَ لَهُ، أيْ: فَرْدًا فَرْدًا، أيْ: فَرْدًا بَعْدَ فَرْدٍ فَهو نَظِيرُ مَثْنى. وأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً إبْدالًا غَيْرَ قِياسِيٍّ كَما أُبْدِلَتْ في (تِجاهٍ) لِلْجِهَةِ المُواجِهَةِ وفي (تَوْلَجُ) لِكِناسِ الوَحْشِ (وتُراثٍ) لِلْمَوْرُوثِ.

ولا يُقالُ: تَتْرى إلّا إذا كانَ بَيْنَ الأشْياءِ تَعاقُبٌ مَعَ فَتَراتٍ وتَقَطُّعٌ. ومِنهُ التَّواتُرُ وهو تَتابُعُ الأشْياءِ وبَيْنَها فَجَواتٌ. والوَتِيرَةُ: الفَتْرَةُ عَنِ العَمَلِ. وأمّا التَّعاقُبُ بِدُونِ فَتْرَةٍ فَهو التَّدارُكُ. يُقالُ: جاءُوا مُتَدارِكِينَ، أيْ: مُتَتابِعِينَ.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ مُنَوَّنًا وهي لُغَةُ كِنانَةَ. وهو عَلى القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن (رُسُلَنا) .

صفحة ٦٢

واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (تَتْرى) كُتِبَتْ في المَصاحِفِ كُلِّها بِصُورَةِ الألِفِ في آخِرِها عَلى صُورَةِ الألِفِ الأصْلِيَّةِ مَعَ أنَّها في قِراءَةِ الجُمْهُورِ ألِفُ تَأْنِيثٍ مَقْصُورَةٍ وشَأْنُ ألِفِ التَّأْنِيثِ المَقْصُورَةِ أنْ تُكْتَبَ بِصُورَةِ الياءِ مِثْلَ تَقْوى ودَعْوى، فَلَعَلَّ كُتّابَ المَصاحِفِ راعَوْا كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَكَتَبُوا الألِفَ بِصُورَتِها الأصْلِيَّةِ لِصُلُوحِيَّةِ نُطْقِ القارِئِ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. عَلى أنَّ أصْلَ الألِفِ أنْ تُكْتَبَ بِصُورَتِها الأصْلِيَّةِ، وأمّا كِتابَتُها في صُورَةِ الياءِ حَيْثُ تُكْتَبُ كَذَلِكَ فَهو إشارَةٌ إلى أصْلِها أوْ جَوازِ إمالَتِها فَخُولِفَ ذَلِكَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِدَفْعِ اللَّبْسِ.

ومَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ أرْسَلْنا رُسُلًا، أيْ: أرْسَلْناهم إلى أُمَمٍ أُخْرى؛ لِأنَّ إرْسالَ الرَّسُولِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ أُمَّةٍ، وقَدْ صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ . والمَعْنى: كَذَّبَهُ جُمْهُورُهم ورُبَّما كَذَّبَهُ جَمِيعُهم.

وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَرَأيْتُ النَّبِيءَ ومَعَهُ الرَّهْطُ والنَّبِيءَ ومَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ والنَّبِيءَ ولَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ» الحَدِيثُ.

وإتْباعُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: إلْحاقُهم بِهِمْ في الهَلاكِ بِقَرِينَةِ المَقامِ وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾، أيْ: صَيَّرْناهم أُحْدُوثاتٍ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِما أصابَهم. وإنَّما يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِالشَّيْءِ الغَرِيبِ النّادِرِ مِثْلُهُ. والأحادِيثُ هُنا جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، وهي اسْمٌ لِما يَتَلَهّى النّاسُ بِالحَدِيثِ عَنْهُ. ووَزْنُ الأُفْعُولَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِثْلَ الأُعْجُوبَةِ والأُسْطُورَةِ.

وهُوَ كِنايَةٌ عَنْ إبادَتِهِمْ، فالمَعْنى: جَعَلْناهم أحادِيثَ بائِدِينَ غَيْرَ مُبْصَرِينَ.

والقَوْلُ في ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مِثْلُ الكَلامِ عَلى ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١]؛ إلّا أنَّ الدُّعاءَ نِيطَ هُنا بِوَصْفِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِيَحْصُلَ مِن مَجْمُوعِ الدَّعْوَتَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلى مَذَمَّةِ الكُفْرِ وعَلى مَذَمَّةِ عَدَمِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ تَعْرِيضًا

صفحة ٦٣

بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، عَلى أنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِرُسُلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الدُّعاءِ تَعُمُّ كَما في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ:

يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا

.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском