Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
المؤمنون
Al-Mu'minun
The Believers · Meccan · 118 ayahs
﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾
صفحة ٨
افْتِتاحٌ بَدِيعٌ؛ لِأنَّهُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ فَإنَّ الفَلاحَ غايَةُ كُلِّ ساعٍ إلى عَمَلِهِ، فالإخْبارُ بِفَلاحِ المُؤْمِنِينَ دُونَ ذِكْرِ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلِ الفَلاحِ يَقْتَضِي في المَقامِ الخِطابِيِّ تَعْمِيمَ ما بِهِ الفَلاحُ المَطْلُوبُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ في كُلِّ ما رَغِبُوا فِيهِ.
ولَمّا كانَتْ هِمَّةُ المُؤْمِنِينَ مُنْصَرِفَةً إلى تَمَكُّنِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِن نُفُوسِهِمْ كانَ ذَلِكَ إعْلامًا بِأنَّهم نَجَحُوا فِيما تَعَلَّقَتْ بِهِ هِمَمُهم مِن خَيْرِ الآخِرَةِ ولِلْحَقِّ مِن خَيْرِ الدُّنْيا، ويَتَضَمَّنُ بِشارَةً بِرِضى اللَّهِ عَنْهم ووَعْدًا بِأنَّ اللَّهَ مُكْمِلٌ لَهم ما يَتَطَلَّبُونَهُ مِن خَيْرٍ.
وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِحَرْفِ (قَدْ) الَّذِي إذا دَخَلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي أفادَ التَّحْقِيقَ أيِ: التَّوْكِيدَ. فَحَرْفُ (قَدْ) في الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ يُفِيدُ مُفادَ (إنَّ واللّامِ) في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، أيْ يُفِيدُ تَوْكِيدًا قَوِيًّا.
ووَجْهُ التَّوْكِيدِ هُنا أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُؤْمِلِينَ مِثْلَ هَذِهِ البِشارَةِ فِيما سَبَقَ لَهم مِن رَجاءِ فَلاحِهِمْ كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، فَكانُوا لا يَعْرِفُونَ تَحَقُّقَ أنَّهم أتَوْا بِما أرْضى رَبَّهم ويَخافُونَ أنْ يَكُونُوا فَرَّطُوا في أسْبابِهِ وما عَلَّقَ عَلَيْهِ وعْدَهُ إيّاهم، بَلْهَ أنْ يَعْرِفُوا اقْتِرابَ ذَلِكَ، فَلَمّا أُخْبِرُوا بِأنَّ ما تَرَجُّوهُ قَدْ حَصَلَ حَقَّقَ لَهم بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ وبِفِعْلِ المُضِيِّ المُسْتَعْمَلِ في مَعْنى التَّحَقُّقِ. فالإتْيانُ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ تَرَقُّبِهِمْ إيّاهُ لِفَرْطِ الرَّغْبَةِ والِانْتِظارِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ في حُصُولِهِ. ولَعَلَّ مِنهُ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، إشارَةً إلى رَغْبَةِ المُصَلِّينَ في حُلُولِ وقْتِ الصَّلاةِ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «أرِحْنا بِها يا بِلالُ» وشَأْنُ المُؤْمِنِينَ التَّشَوُّقُ إلى عِبادَتِهِمْ كَما يُشاهَدُ في تَشَوُّقِ كَثِيرٍ إلى قِيامِ رَمَضانَ.
وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم أفْلَحُوا فَلاحًا كامِلًا.
والفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ مِن عَمَلِ العامِلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ونِيطَ الفَلاحُ بِوَصْفِ الإيمانِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الفَلاحِ فَإنَّ الإيمانَ وصْفٌ جامِعٌ لِلْكَمالِ لِتَفَرُّعِ جَمِيعِ الكَمالاتِ عَلَيْهِ.
23:2Page 342
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢
They who are during their prayer humbly intent
صفحة ٩
﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ إجْراءُ الصِّفاتِ عَلى (المُؤْمِنُونَ) بِالتَّعْرِيفِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ وبِتَكْرِيرِهِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ فَلاحِهِمْ وعِلَّتِهِ، أيْ: أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مَن هاتِهِ الخِصالِ هي مِن أسْبابِ فَلاحِهِمْ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ سَبَبٌ لِلْفَلاحِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّ سَبَبَ فَلاحِهِمْ مَجْمُوعُ الخِصالِ المَعْدُودَةِ هُنا، فَإنَّ الفَلاحَ لا يَتِمُّ إلّا بِخِصالٍ أُخْرى مِمّا هو مَرْجِعُ التَّقْوى، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ كُلُّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ تُنْبِئُ عَنْ رُسُوخِ الإيمانِ مِن صاحِبِها اعْتُبِرَتْ لِذَلِكَ سَبَبًا لِلْفَلاحِ، كَما كانَتْ أضْدادُها كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] عَلى أنَّ ذِكْرَ عِدَّةِ أشْياءٍ لا يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلَيْها في الغَرَضِ المَذْكُورِ.
والخُشُوعُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وهو خَوْفٌ يُوجِبُ تَعْظِيمَ المُخَوَّفِ مِنهُ، ولا شَكَّ أنَّ الخُشُوعَ، أيِ: الخُشُوعَ لِلَّهِ، يَقْتَضِي التَّقْوى فَهو سَبَبُ فَلاحٍ.
وتَقْيِيدُهُ هُنا بِكَوْنِهِ في الصَّلاةِ لِقَصْدِ الجَمْعِ بَيْنَ وصْفِهِمْ بِأداءِ الصَّلاةِ وبِالخُشُوعِ وخاصَّةً إذا كانَ في حالِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الخُشُوعَ لِلَّهِ يَكُونُ في حالَةِ الصَّلاةِ وفي غَيْرِها، إذِ الخُشُوعُ مَحَلُّهُ القَلْبُ فَلَيْسَ مِن أفْعالِ الصَّلاةِ ولَكِنَّهُ يَتَلَبَّسُ بِهِ المُصَلِّي في حالَةِ صَلاتِهِ. وذُكِرَ مَعَ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أوْلى الحالاتِ بِإثارَةِ الخُشُوعِ وقُوَّتِهِ ولِذَلِكَ قُدِّمَتْ، ولِأنَّهُ بِالصَّلاةِ أعْلَقُ فَإنَّ الصَّلاةَ خُشُوعٌ لِلَّهِ تَعالى وخُضُوعٌ لَهُ، ولِأنَّ الخُشُوعَ لَمّا كانَ لِلَّهِ تَعالى كانَ أوْلى الأحْوالِ بِهِ حالُ الصَّلاةِ لِأنَّ المُصَلِّيَ يُناجِي رَبَّهُ فَيُشْعِرُ نَفْسَهُ أنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَيَخْشَعُ لَهُ.
وهَذا مِن آدابِ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ تَعالى وهي رَأْسُ الآدابِ الشَّرْعِيَّةِ ومَصْدَرُ الخَيْراتِ كُلِّها.
صفحة ١٠
ولِهَذا الِاعْتِبارِ قُدِّمَ هَذا الوَصْفُ عَلى بَقِيَّةِ أوْصافِ المُؤْمِنِينَ وجُعِلَ مُوالِيًا لِلْإيمانِ فَقَدْ حَصَلَ الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِوَصْفَيْنِ.
وتَقْدِيمُ (﴿فِي صَلاتِهِمْ﴾) عَلى (﴿خاشِعُونَ﴾) لِلِاهْتِمامِ بِالصَّلاةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم تَعَلُّقًا شَدِيدًا بِالصَّلاةِ لِأنَّ شَأْنَ الإضافَةِ أنْ تُفِيدَ شِدَّةَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ؛ لِأنَّها عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ. فَلَوْ قِيلَ: الَّذِينَ إذا صَلَّوْا خَشَعُوا، فاتَ هَذا المَعْنى، وأيْضًا لَمْ يَتَأتَّ وصْفُهم بِكَوْنِهِمْ خاشِعِينَ إلّا بِواسِطَةِ كَلِمَةٍ أُخْرى نَحْوَ: كانُوا خاشِعِينَ. وإلّا يَفُتْ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن ثَباتِ الخُشُوعِ لَهم ودَوامِهِ، أيْ: كَوْنُ الخُشُوعِ خُلُقًا لَهم بِخِلافِ نَحْوِ: الَّذِينَ خَشَعُوا، فَحَصَلَ الإيجازُ، ولَمْ يَفُتِ الإعْجازُ.
﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ العَطْفُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ كَقَوْلِ بَعْضِ الشُّعَراءِ وهو مِن شَواهِدِ النَّحْوِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ
وتَكْرِيرُ الصِّفاتِ تَقْوِيَةٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ.
والقَوْلُ في تَرْكِيبِ جُمْلَةِ ﴿هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ (عَنِ اللَّغْوِ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ.
وإعادَةُ اسْمُ المَوْصُولِ دُونَ اكْتِفاءٍ بِعَطْفِ صِلَةٍ عَلى صِلَةٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ مُوجِبَةٌ لِلْفَلاحِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهم لا يُفْلِحُونَ حَتّى يَجْمَعُوا بَيْنَ مَضامِينِ الصَّلاةِ كُلِّها، ولِما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرٍ لِلْخَبَرِ في ذِهْنِ السّامِعِ.
واللَّغْوُ: الكَلامُ الباطِلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [مريم: ٦٢] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
صفحة ١١
والإعْراضُ: الصَّدُّ أيْ: عَدَمُ الإقْبالِ عَلى الشَّيْءِ، مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ وهو: الجانِبُ، لِأنَّ مَن يَتْرُكُ الشَّيْءَ: يُوَلِّيهِ جانِبَهُ ولا يُقْبِلُ عَلَيْهِ، فَيَشْمَلُ الإعْراضُ إعْراضَ السَّمْعِ عَنِ اللَّغْوِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وأهَمُّهُ الإعْراضُ عَنْ لَغْوِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] . ويَشْمَلُ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ بِالألْسِنَةِ، أيْ: أنْ يَلْغُوا في كَلامِهِمْ.
وعَقَّبَ ذِكْرَ الخُشُوعِ بِذِكْرِ الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ في الأصْلِ: الدُّعاءُ، وهو مِنَ الأقْوالِ الصّالِحَةِ، فَكانَ اللَّغْوُ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّلاةِ بِجامِعِ الضِّدِّيَّةِ، فَكانَ الإعْراضُ عَنِ اللَّغْوِ بِمَعْنَيَيِ الإعْراضِ مِمّا تَقْتَضِيهِ الصَّلاةُ والخُشُوعُ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتادَ القَوْلَ الصّالِحَ تَجَنَّبَ القَوْلَ الباطِلَ ومَنِ اعْتادَ الخُشُوعَ لِلَّهِ تَجَنَّبَ قَوْلَ الزُّورِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَها بالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ» .
والإعْراضُ عَنْ جِنْسِ اللَّغْوِ مِن خُلُقِ الجِدِّ ومَن تَخَلَّقَ بِالجِدِّ في شُئُونِهِ كَمُلَتْ نَفْسُهُ ولَمْ يَصْدُرْ مِنهُ إلّا الأعْمالُ النّافِعَةُ، فالجِدُّ في الأُمُورِ مِن خُلُقِ الإسْلامِ كَما أفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ بِذِكْرِ الإسْلامِ.
وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِـقَـائِلٍ ∗∗∗ سِوى العَدْلِ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ
والإعْراضُ عَنْهُ يَقْتَضِي بِالأوْلى اجْتِنابَ قَوْلِ اللَّغْوِ ويَقْتَضِي تَجَنُّبَ مَجالِسِ أهْلِهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا أدَبٌ عَظِيمٌ مِن آدابِ المُعامَلَةِ مَعَ بَعْضِ النّاسِ وهُمُ الطَّبَقَةُ غَيْرُ المُحْتَرَمَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ اللَّغْوِ لَيْسُوا بِمَرْتَبَةِ التَّوْقِيرِ فالإعْراضُ عَنْ لَغْوِهِمْ رَبْءٌ عَنِ التَّسَفُّلِ مَعَهم.
صفحة ١٢
﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ أصْلُ الزَّكاةِ أنَّها اسْمُ مَصْدَرِ (زَكّى) المُشَدَّدِ، إذا طَهَّرَ النَّفْسَ مِنَ المَذَمّاتِ. ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى إنْفاقِ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ مَجازًا؛ لِأنَّ القَصْدَ مِن ذَلِكَ المالِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ يُزِيدُ في مالِ المُعْطِي. فَأطْلَقَ اسْمَ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ.
وأصْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . وأُطْلِقَتْ عَلى نَفْسِ المالِ المُنْفَقِ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ بِهِ وهو المُتَعَيِّنُ هُنا بِقَرِينَةِ تَعْلِيقِهِ بِـ (فاعِلُونَ) المُقْتَضِي أنَّ الزَّكاةَ مَفْعُولٌ. وأمّا المَصْدَرُ المُتَعَيِّنُ فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مِن مادَّةِ (ف. ع. ل)؛ لِأنَّ صَوْغَ الفِعْلِ مِن مادَّةِ ذَلِكَ المَصْدَرِ يُغْنِي عَنِ الإتْيانِ بِفِعْلٍ مُبْهَمٍ ونَصْبِ مَصْدَرِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ. فَلَوْ قالَ أحَدٌ: فَعَلْتُ مَشْيًا، إذا أرادَ أنْ يَقُولَ: مَشَيْتُ، كانَ خارِجًا عَنْ تَرْكِيبِ العَرَبِيَّةِ ولَوْ كانَ مُفِيدًا. ولَوْ قالَ أحَدٌ: فَعَلْتُ مِمّا تُرِيدُهُ، لَصَحَّ التَّرْكِيبُ، قالَ تَعالى: ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، أيْ: هَذا المُشاهَدُ مِنَ الكَسْرِ والحَطْمِ، أيْ: هَذا الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ. ولَيْسَ المُرادُ المَصْدَرَ؛ لِأنَّهُ لا يُشارُ إلَيْهِ ولا سِيَّما بَعْدَ غَيْبَةِ فاعِلِهِ.
والمُرادُ بِالفِعْلِ هُنا: الفِعْلُ المُناسِبُ لِهَذا المَفْعُولِ وهو الإيتاءُ، فَهو كَقَوْلِهِ: ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ أداءِ الزَّكاةِ.
وإنَّما أُوثِرَ هُنا الِاسْمُ الأعَمُّ وهو فاعِلُونَ؛ لِأنَّ مادَّةَ (ف. ع. ل) مُشْتَهِرَةٌ في إسْداءِ المَعْرُوفِ. واشْتُقَّ مِنها الفَعالُ بِفَتْحِ الفاءِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الخارِجِيُّ:
إنْ تُنْفِقِ المالَ أوْ تُكَلَّفْ مَساعِيَهُ يَشْقُقْ عَلَيْكَ وتَفْعَلْ دُونَ ما فُعِلا
وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ جاءَ ما نُسِبَ إلى أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزِ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُـونَ لـِلـزَّكَواتِ
أنْشَدَهُ في الكَشّافِ. وفي نَفْسِي مِن صِحَّةِ نِسْبَتِهِ تَرَدُّدٌ لِأنِّي أحْسَبُ اسْتِعْمالَ الزَّكاةِ في مَعْنى المالِ المَبْذُولِ لِوَجْهِ اللَّهِ إلّا مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ
صفحة ١٣
فَلَعَلَّ البَيْتَ مِمّا نُحِلَ مِنَ الشِّعْرِ عَلى ألْسِنَةِ الشُّعَراءِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في كِتابِ الشِّعْرِ والشُّعَراءِ: وعُلَماؤُنا لا يَرَوْنَ شِعْرَ أُمَيَّةَ حُجَّةً عَلى الكِتابِ.
واللّامُ عَلى هَذا الوَجْهِ لامُ التَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ العامِلِ بِالفَرْعِيَّةِ وبِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ والرّاغِبُ: اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وجَعَلا الزَّكاةَ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ. ومَعْنى (فاعِلُونَ) فاعِلُونَ الأفْعالَ الصّالِحاتِ فَحُذِفَ مَعْمُولُ (فاعِلُونَ) بِدَلالَةِ عِلَّتِهِ عَلَيْهِ.
وفِي الكَشّافِ أنَّ الزَّكاةَ هُنا مَصْدَرٌ وهو فِعْلُ المُزَكِّي، أيْ: إعْطاءُ الزَّكاةِ وهو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (فاعِلُونَ)؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا ويُعَبِّرُ عَنْ مَعْناهُ بِمادَّةِ فَعَلَ، فَيُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ. وإنَّما حاوَلَ بِذَلِكَ إقامَةَ تَفْسِيرِ الآيَةِ فَغَلَبَ جانِبُ الصِّناعَةِ اللَّفْظِيَّةِ عَلى جانِبِ المَعْنى وجَوَّزَ الوَجْهَ الآخَرَ عَلى شَرْطِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ غَيْرُ مُلْتَزَمٍ.
وعَقَّبَ ذِكْرَ الصَّلاةِ بِذِكْرِ الزَّكاةِ لِكَثْرَةِ التَّآخِي بَيْنَهُما في آياتِ القُرْآنِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما هُنا بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِلْمُناسَبَةِ الَّتِي سَمِعْتَ آنِفًا.
وهَذا مِن آدابِ المُعامَلَةِ مَعَ طَبَقَةِ أهْلِ الخَصاصَةِ وهي تَرْجِعُ إلى آدابِ التَّصَرُّفِ في المالِ. والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
23:5–7Page 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥
And they who guard their private parts
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧
But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -
﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ الحِفْظُ: الصِّيانَةُ والإمْساكُ. وحِفْظُ الفَرْجِ مَعْلُومٌ، أيْ: عَنِ الوَطْءِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا عَلى أزْواجِهِمْ إلَخْ. اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مُتَعَلِّقاتِ الحِفْظِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها حَرْفُ (عَلى)، أيْ: حافِظُونَها عَلى كُلِّ ما يُحْفَظُ عَلَيْهِ إلّا المُتَعَلَّقَ الَّذِي هو
صفحة ١٤
أزْواجُهم أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، فَضَمَّنَ (حافِظُونَ) مَعْنى عَدَمِ البَذْلِ، يُقالُ: احْفَظْ عَلَيَّ عَنانَ فَرَسِي كَما يُقالُ: أمْسِكْ عَلَيَّ كَما في آيَةِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . والمُرادُ: حِلُّ الصِّنْفَيْنِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أصْنافِ النِّساءِ. وهَذا مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ تَفاصِيلُ الأحْكامِ في عَدَدِ الزَّوْجاتِ وما يَحِلُّ مِنهُنَّ بِمُفْرَدِهِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُ. وتَفاصِيلُ الأحْوالِ مِن حالِ حِلِّ الِانْتِفاعِ أوْ حالِ عِدَّةٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِينَ. وكَذَلِكَ في الإماءِ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الإماءِ بِاسْمِ (ما) المَوْصُولَةِ الغالِبُ اسْتِعْمالُها لِغَيْرِ العاقِلِ جَرى عَلى خِلافِ الغالِبِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَأْوِيلٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِزائِدٍ عَلى حُكْمِ مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أكْثَرَ مِن كَوْنِ عَدَمِ الحِفْظِ عَلى الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ لا يَمْنَعُ الفَلاحَ، فَأُرِيدَ زِيادَةُ بَيانٍ أنَّهُ أيْضًا لا يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ، فَيَدُلُّ هَذا بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّ عَدَمَ الحِفْظِ عَلى مَن سِواهُنَّ يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ لِيَحْذَرَهُ المُؤْمِنُونَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: (﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾) تَفْرِيعٌ لِلتَّصْرِيحِ عَلى مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو في قُوَّةِ الشَّرْطِ فَأشْبَهَ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ جَوابَ الشَّرْطِ فَقُرِئَ بِالفاءِ تَحْقِيقًا لِلِاشْتِراطِ.
وزِيدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ تَقْرِيرًا بِأنْ فُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾؛ لِأنَّ داعِيَةَ غَلَبَةِ شَهْوَةِ الفَرْجِ عَلى حِفْظِ صاحِبِهِ إيّاهُ غَرِيزَةٌ طَبِيعِيَّةٌ يُخْشى أنْ تَتَغَلَّبَ عَلى حافِظِها، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: وراءَ الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ، أيْ: غَيْرَ ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ.
وذُكِرَ حِفْظُ الفَرْجِ هُنا عَطْفًا عَلى الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّ مِنَ الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ تَرْكُ اللَّغْوِ بِالأحْرى كَما تَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأنَّ زَلَّةَ الصّالِحِ قَدْ تَأْتِيهِ مِنَ انْفِلاتِ أحَدِ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ مِن جِهَةِ ما أُودِعَ في الجِبِلَّةِ مِن شَهْوَةِ اسْتِعْمالِهِما
صفحة ١٥
فَلِذَلِكَ ضَبَطَتِ الشَّرِيعَةُ اسْتِعْمالَهُما بِأنْ يَكُونَ في الأُمُورِ الصّالِحَةِ الَّتِي أرْشَدَتْ إلَيْها الدِّيانَةُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن يَضْمَن لِي ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنُ لَهُ الجَنَّةَ» .
واللَّوْمُ: الإنْكارُ عَلى الغَيْرِ ما صَدَرَ مِنهُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ لا يَلِيقُ عِنْدَ المُلائِمِ، وهو مُرادِفُ العَذْلِ وأضْعَفُ مِنَ التَّعْنِيفِ.
و(وراءَ) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ. وأصْلُ الوَراءِ: اسْمُ المَكانِ الَّذِي في جِهَةِ الظَّهْرِ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّيْءِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ المَحْدُودِ تَشْبِيهًا لِلْمُتَجاوِزِ الشَّيْءَ بِشَيْءٍ مَوْضُوعٍ خَلْفَ ظَهْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ ما كانَ مِن أعْلاقِ الشَّخْصِ يُجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِمَرْأى مِنهُ، وما كانَ غَيْرَ ذَلِكَ يُنْبَذُ وراءَ الظَّهْرِ، وهَذا التَّخَيُّلُ شاعَ عَنْهُ هَذا الإطْلاقُ بِحَيْثُ يُقالُ: هو وراءَ الحَدِّ، ولَوْ كانَ مُسْتَقْبِلَهُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَصارَ بِمَعْنى: (غَيْرَ) أوْ (ما عَدا) كَما هُنا، أيْ: فَمَنِ ابْتَغَوْا بِفُرُوجِهِمْ شَيْئًا غَيْرَ الأزْواجِ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم.
وأُتِيَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِالعُدْوانِ مَشْهُورًا مُقَرَّرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعادِي هو: المُعْتَدِي، أيِ: الظّالِمُ لِأنَّهُ عَدا عَلى الأمْرِ.
وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: هُمُ البالِغُونَ غايَةَ العُدْوانِ عَلى الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ.
والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ كَما مَرَّ.
23:8Page 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨
And they who are to their trusts and their promises attentive
﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ أُخْرى مِن جَلائِلِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ تَنْحَلُّ إلى فَضِيلَتَيْنِ هُما: فَضِيلَةُ أداءِ الأمانَةِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها وفَضِيلَةُ الوَفاءِ بِالعَهْدِ.
صفحة ١٦
فالأمانَةُ تَكُونُ غالِبًا مِنَ النَّفائِسِ الَّتِي يَخْشى صاحِبُها عَلَيْها التَّلَفَ فَيَجْعَلُها عِنْدَ مَن يَظُنُّ فِيهِ حِفْظَها، وفي الغالِبِ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى انْفِرادٍ بَيْنَ المُؤْتَمِنِ والأمِينِ، فَهي لِنَفاسَتِها قَدْ تُغْرِي الأمِينَ عَلَيْها بِأنْ لا يَرُدَّها وبِأنْ يَجْحَدَها رَبَّها، ولِكَوْنِ دَفْعِها في الغالِبِ عَرِيًّا عَنِ الإشْهادِ تَبْعَثُ مَحَبَّتُها الأمِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِها وعَدَمِ رَدِّها، فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ رَدَّها مِن شُعَبِ الإيمانِ.
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: «حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»، وحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها قالَ: «يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقى أثَرُها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِرًا ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَيُصْبِحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» اهـ.
الوَكْتُ: سَوادٌ يَكُونُ في قِشْرِ التَّمْرِ. والمَجْلُ: انْتِفاخٌ في الجِلْدِ الرَّقِيقِ يَكُونُ شِبْهَ قِشْرِ العِنَبَةِ يَنْشَأُ مِن مَسِّ النّارِ الجِلْدَ ومِن كَثْرَةِ العَمَلِ بِاليَدِ، وقَوْلُهُ: («مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» ): هو مَصْدَرُ آمَنَهُ، أيْ: وما في قَرارَةِ نَفْسِهِ مِن إيمانِ النّاسِ إيّاهُ فَلا يَأْتَمِنُهُ إلّا مَغْرُورٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأمانَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] في سُورَةِ النِّساءِ.
وجَمَعَ (الأماناتِ) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أنْواعِها وتَعَدُّدِ القائِمِينَ بِالحِفْظِ تَنْصِيصًا عَلى العُمُومِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ بِاعْتِبارِ المَصْدَرِ مِثْلَ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] .
صفحة ١٧
والعَهْدُ: التِزامٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ عَلى شَيْءٍ يُعامِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجانِبَيْنِ الآخَرَ بِهِ. وسُمِّيَ عَهْدًا لِأنَّهم يَتَحالَفانِ بِعَهْدِ اللَّهِ، أيْ: بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ رَقِيبًا عَلَيْهِما في ذَلِكَ لا يُفِيتُهُمُ المُؤاخَذَةَ عَلى تَخَلُّفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والوَفاءُ بِالعَهْدِ مِن أعْظَمِ الخُلُقِ الكَرِيمِ لِدَلالَتِهِ عَلى شَرَفِ النَّفْسِ وقُوَّةِ العَزِيمَةِ، فَإنَّ المَرْأيْنِ قَدْ يَلْتَزِمُ كُلُّ مِنهُما لِلْآخَرِ عَمَلًا عَظِيمًا فَيُصادِفُ أنْ يَتَوَجَّهَ الوَفاءُ بِذَلِكَ الِالتِزامِ عَلى أحَدِهِما فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَجَشَّمَ عَمَلًا لِنَفْعِ غَيْرِهِ بِدُونِ مُقابِلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ هو، فَتُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الخَتْرَ بِالعَهْدِ شُحًّا أوْ خَوْرًا في العَزِيمَةِ، فَلِذَلِكَ كانَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ عَلامَةً عَلى عِظَمٍ النَّفْسِ، قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] .
والرَّعْيُ: مُراقَبَةُ شَيْءٍ بِحِفْظِهِ مِنَ التَّلاشِي وبِإصْلاحِ ما يَفْسَدُ مِنهُ، فَمِنهُ رَعْيُ الماشِيَةِ، ومِنهُ رَعْيُ النّاسِ، ومِنهُ أُطْلِقَتِ المُراعاةُ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ ذُو الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ. والقائِمُ بِالرَّعْيِ: راعٍ.
فَرَعْيُ الأمانَةِ: حِفْظُها. ولَمّا كانَ الحِفْظُ مَقْصُودًا لِأجْلِ صاحِبِها كانَ رَدُّها إلَيْهِ أوْلى مِن حِفْظِها.
ورَعْيُ العَهْدِ مَجازٌ، أيْ: مُلاحَظَتُهُ عِنْدَ كُلِّ مُناسَبَةٍ.
والقَوْلُ في تَقْدِيمٍ (﴿لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾) عَلى (راعُونَ) كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ السّابِقَةِ، وكَذَلِكَ إعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ.
والجَمْعُ بَيْنَ رَعْيِ الأماناتِ ورَعْيِ العَهْدِ؛ لِأنَّ العَهْدَ كالأمانَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي عاهَدَكَ قَدِ ائْتَمَنَكَ عَلى الوَفاءِ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ العَهْدُ.
وذَكَرَهُما عَقِبَ أداءِ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ أمانَةُ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالمالِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ: حَقَّ اللَّهِ، وحَقَّ المالِ، وحَقَّ المِسْكِينِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences