Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:55–63
23:55–56Page 345
أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥
Do they think that what We extend to them of wealth and children
نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦
Is [because] We hasten for them good things? Rather, they do not perceive.1
﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾
الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] بِاعْتِبارِ أنَّ جُمْلَةَ (فَذَرْهم) تَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِما هم فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي ألْهَتْهم عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وغَرَّتْهم بِأنَّهم بِمَحَلِّ الكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِما خَوَّلَهم مِنَ العِزَّةِ والتَّرَفِ، وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَعُّدِ بِأنَّ ذَلِكَ لَهُ نِهايَةٌ يَنْتَهُونَ إلَيْها وأنَّ اللَّهَ أعْطاهم ما هم فِيهِ زَمَنَ النِّعْمَةِ اسْتِدْراجًا لَهم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]
صفحة ٧٥
وقَوْلُهُ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .
والِاسْتِفْهامُ في (أيَحْسَبُونَ) إنْكارِيٌّ وتَوْبِيخٌ عَلى هَذا الحُسْبانِ سَواءٌ كانَ هَذا الحُسْبانُ حاصِلًا لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ أمْ غَيْرُ حاصِلٍ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن هو مَظِنَّةُ هَذا الحُسْبانِ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذا الحُسْبانُ لِإزالَتِهِ مِن نَفْسِهِ أوْ لِدَفْعِ حُصُولِهِ فِيها.
و(أنَّما) هُنا كَلِمَتانِ (أنَّ) المُؤَكِّدَةُ (وما) المَوْصُولَةُ وكُتِبَتا في المُصْحَفِ مُتَّصِلَتَيْنِ كَما تُكْتَبُ (إنَّما) المَكْسُورَةُ الَّتِي هي أداةُ حَصْرٍ؛ لِأنَّ الرَّسْمَ القَدِيمَ لَمْ يَكُنْ مُنْضَبِطًا كُلَّ الضَّبْطِ وحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً.
والإمْدادُ: إعْطاءُ المَدَدِ وهو العَطاءُ. و﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ بَيانٌ لِـ (ما) المَوْصُولَةِ.
والمُسارَعَةُ: التَّعْجِيلُ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِتَوَخِّي المَرْغُوبِ والحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِهِ. وفي حَدِيثِ «عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ: (ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ» ) أيْ: يُعْطِيكَ ما تُحِبُّهُ؛ لِأنَّ الرّاغِبَ في إرْضاءِ شَخْصٍ يَكُونُ مُتَسارِعًا في إعْطائِهِ مَرْغُوبَهِ، ويُقالُ: فُلانٌ يَجْرِي في حُظُوظِكَ. ومُتَعَلِّقُ (نُسارِعُ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ، أيْ: بِما نَمُدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ (نَمُدُّهم بِهِ) عَلَيْهِ.
وظَرْفِيَّةُ (في) مَجازِيَّةٌ. جُعِلَتِ (الخَيْراتِ) بِمَنزِلَةِ الطَّرِيقِ يَقَعُ فِيهِ المُسارَعَةُ بِالمَشْيِ فَتَكُونُ (في) قَرِينَةٌ مَكْنِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] كِلاهُما في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرٍ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو مِنَ الجُمُوعِ النّادِرَةِ مِثْلَ سُرادِقاتٍ.
صفحة ٧٦
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ [التوبة: ٨٨] في سُورَةِ بَراءَةٌ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
و(بَلْ) إضْرابٌ عَنِ المَظْنُونِ لا عَلى الظَّنِّ كَما هو ظاهِرٌ بِالقَرِينَةِ، أيْ: لَسْنا نُسارِعُ لَهم بِالخَيْراتِ كَما ظَنُّوا بَلْ لا يَشْعُرُونَ بِحِكْمَةِ ذَلِكَ الإمْدادِ وأنَّها لِاسْتِدْراجِهِمْ وفَضْحِهِمْ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
23:57–61Page 345
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧
Indeed, they who are apprehensive from fear of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨
And they who believe in the signs of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩
And they who do not associate anything with their Lord
وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠
And they who give what they give while their hearts are fearful1 because they will be returning to their Lord -
أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١
It is those who hasten to good deeds, and they outstrip [others] therein.
﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾
هَذا الكَلامُ مُقابِلُ ما تَضَمَّنَتْهُ الغَمْرَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] مِنَ الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وعَنِ التَّصْدِيقِ بِآياتِهِ، ومِن إشْراكِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، ومِن شُحِّهِمْ عَنِ الضُّعَفاءِ وإنْفاقِ مالِهِمْ في اللَّذّاتِ، ومِن تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ. كُلُّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ الغَمْرَةُ فَجِيءَ في مُقابِلِها بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ثَناءً عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] .
فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْصِيلِ لِإجْمالِ الغَمْرَةِ مَعَ إفادَةِ المُقابَلَةِ بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ. واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ المُقابِلِ لِحُسْنِ تِلْكَ الصِّفاتِ وقُبْحِ أضْدادِها تَنْزِيهًا لِلذِّكْرِ عَنْ تَعْدادِ رَذائِلِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ، وطِباقٌ مِن ألْطَفِ البَدِيعِ، وصَوْنٌ لِلْفَصاحَةِ مِن كَراهَةِ الوَصْفِ الشَّنِيعِ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولاتِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُسابِقُونَ إلَيْها، وتَكْرِيرُ
صفحة ٧٧
أسْماءِ المَوصُولاتِ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن صِلاتِها فَلا تُذْكَرُ تَبَعًا بِالعَطْفِ. والمَقْصُودُ الفَرِيقُ الَّذِينَ اتُّصِفُوا بِصِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ.
والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَدْ حُذِفَ المُتَوَقَّعُ مِنهُ لِظُهُورِ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ الإشْفاقُ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ، أيْ: يَتَوَقَّعُونَ غَضَبَهُ وعِقابَهُ.
والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ الَّتِي تَضَمَّنَها القُرْآنُ ومِنها إعْجازُ القُرْآنِ. والمَعْنى: أنَّهم لِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ يَخافُونَ عِقابَهُ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُشْفِقُونَ) لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى عَوامِلِها لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها.
ومَعْنى ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يُعْطُونَ الأمْوالَ صَدَقاتٍ وصِلاتٍ ونَفَقاتٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] . واسْتِعْمالُ الإيتاءِ في إعْطاءِ المالِ شائِعٌ في القُرْآنِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ المُرادُ هُنا.
وإنَّما عُبِّرَ بِـ ما أتَوْا دُونَ الصَّدَقاتِ أوِ الأمْوالِ لِيَعُمَّ كُلَّ أصْنافِ العَطاءِ المَطْلُوبِ شَرْعًا ولِيَعُمَّ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُ مِنَ المالِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وهو يُعْطِي مِمّا يَكْسِبُ.
وجُمْلَةُ ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وحَقُّ الحالِ إذا جاءَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ وهم مُضْمِرُونَ وجَلًا وخَوْفًا مِن رَبِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ فَلا يَجِدُونَهُ راضِيًا عَنْهم، أوْ لا يَجِدُونَ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَفُوتُهم في الصّالِحاتِ، فَهم لِذَلِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُكْثِرُونَ مِنها ما اسْتَطاعُوا وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ. وفي الحَدِيثِ «أنْ أهْلَ
صفحة ٧٨
الصُّفَّةِ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ. قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَّدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً.
وقالَ أبُو مَسْعُودٍ الأنْصارِيُّ: «لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نُحامِلُ فَيُصِيبُ أحَدُنا المُدَّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ» . ومِمّا يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] الآياتِ.
وخَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ .
وافْتُتِحَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَهم أحْرِياءُ بِأنْ يُعْرَفُوا.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ آنِفًا.
ومَعْنى ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ أنَّهم يَتَنافَسُونَ في الإكْثارِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فالسَّبْقُ تَمْثِيلٌ لِلتَّنافُسِ والتَّفاوُتِ في الإكْثارِ مِنَ الخَيْراتِ بِحالِ السّابِقِ إلى الغايَةِ، أوِ المَعْنى: وهم مُحْرِزُونَ لِما حَرَصُوا عَلَيْهِمْ، فالسَّبْقُ مُجازٌ لِإحْرازِ المَطْلُوبِ؛ لِأنَّ الإحْرازَ مِن لَوازِمِ السَّبْقِ.
وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فاللّامُ بِمَعْنى (إلى) . وقَدْ قِيلَ: إنَّ فِعْلَ السَّبْقِ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِـ (إلى) .
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.
23:62Page 346
وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢
And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.
﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِ الَّذِينَ مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذُكِرَ ما اقْتَضى مُخالَفَةَ المُشْرِكِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ مِن تَوْحِيدِ الدِّينِ، وذُكِرَ بَعْدَهُ ما دَلَّ
صفحة ٧٩
عَلى تَقْوى المُؤْمِنِينَ بِالخَشْيَةِ وصِحَّةِ الإيمانِ والبَذْلِ ومُسارَعَتِهِمْ في الخَيْراتِ ذُيِّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ما طَلَبَ مِنَ الَّذِينَ تَقَطَّعُوا أمْرَهم إلّا تَكْلِيفًا لا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّ اللَّهَ عَذَرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ مَن يَفُوتُهم في الأعْمالِ عُذْرًا يَقْتَضِي اعْتِبارَ أجْرِهِمْ عَلى ما فاتَهم إذا بَذَلُوا غايَةَ وُسْعِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] .
فَقَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ خَبَرٌ مُرادٌ مِنهُ لازِمُهُ وهو تَسْجِيلُ التَّقْصِيرِ عَلى الَّذِينَ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم. وقَطْعُ مَعْذِرَتِهِمْ، وتَيْسِيرُ الِاعْتِذارِ عَلى ﴿الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] مَعَ ما في ذَلِكَ مِن جَبْرِ الخَواطِرِ المُنْكَسِرَةِ مِن أهْلِ الإيمانِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا غَيْرَهم لِعَجْزٍ أوْ خَصاصَةٍ.
ولِمُراعاةِ هَذا المَعْنى عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ وهو مَعْنى إحاطَةُ العِلْمِ بِأحْوالِهِمْ ونَواياهم. فالكِتابُ هُنا هو الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْجِيلُ الأعْمالِ مِن حَسَناتٍ وسَيِّئاتٍ وإطْلاقُ الكِتابِ عَلَيْهِ لِإحاطَتِهِ. وفي قَوْلِهِ: لَدَيْنا دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَحْفُوظٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ تَغْيِيرَهُ بِزِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. والنُّطْقُ مُسْتَعارٌ لِلدَّلالَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُطْقُ الكِتابِ حَقِيقَةً بِأنْ تَكُونَ الحُرُوفُ المَكْتُوبَةُ فِيهِ ذاتَ أصْواتٍ، وقُدْرَةُ اللَّهِ لا تُحَدُّ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ مَسُوقًا لِمُؤاخَذَةِ المُفَرِّطِينَ والمُعْرِضِينَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وأشْباهُهُ مِنَ الضَّمائِرِ، والِاعْتِمادُ عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] وما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ.
صفحة ٨٠
والظُّلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ وهو حِرْمانُ الحَقِّ والِاعْتِداءُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى عُمُومِ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ التَّذْيِيلِ، والظُّلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَعْمَلٌ في النَّقْصِ مِنَ الحَقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] فَيَكُونُ وعِيدًا لِفَرِيقٍ ووَعْدًا لِفَرِيقٍ.
وهَذا ألْيَقُ الوَجْهَيْنِ بِالإعْجازِ.
23:63Page 346
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣
But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,
﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾
إضْرابُ انْتِقالٍ إلى ما هو أغْرَبُ مِمّا سَبَقَ وهو وصْفُ غَمْرَةٍ أُخْرى انْغَمَسَ فِيها المُشْرِكُونَ فَهم في غَمْرَةٍ غَمَرَتْ قُلُوبَهم وأبْعَدَتْها عَنْ أنْ تَتَخَلَّقَ بِخُلُقِ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ كَيْفَ وأعْمالُهم إلى الضِّدِّ مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ تُناسِبُ كُفْرَهم ؟ فَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ.
فَحَرْفُ (مِن) في قَوْلِهِ (مِن هَذا) يُوهِمُ البَدَلِيَّةَ، أيْ: في غَمْرَةِ تَباعُدِهِمْ عَنْ هَذا.
والإشارَةُ بِـ (هَذا) إلى ما ذُكِرَ آنِفًا مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] .
و(دُونَ) تَدُلُّ عَلى المُخالَفَةِ لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسُوا أهْلًا لِلتَّحَلِّي بِمِثْلِ تِلْكَ المَكارِمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ يُبَيِّنُ (هَذا)، أيْ: وأعْمالُهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها غَيْرُ ذَلِكَ. ويُذَكِّرُنِي هَذا قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الخارِجِيِّ في مَدْحِ عُرْوَةَ بْنِ زَيْدِ الخَيْلِ:
يا أيُّها المُتَمَنِّي أنْ يَكُـونَ فَـتًى مِثْلَ ابْنِ زَيْدٍ لَقَدْ أخْلى لَكَ السُّبُلا
أعْدِدْ فَضائِلَ أخْلاقٍ عُـدِدْنَ لَـهُ ∗∗∗ هَلْ سَبَّ مِن أحَدٍ أوْ سُبَّ أوْ بَخِلا
إنْ تُنْفِقِ المالَ أوْ تَكْلَفْ مَساعِـيَهُ ∗∗∗ يُشْفِقْ عَلَيْكَ وتَفْعَلْ دُونَ ما فُعِلا
٢٠٦
صفحة ٨١
ولامُ (لَهم أعْمالٌ) لِلِاخْتِصاصِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِها عَلى المَبْدَأِ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيْ: لَهم أعْمالٌ لا يَعْمَلُونَ غَيْرَها مِن أعْمالِ الإيمانِ والخَيْراتِ.
ووَصْفُ (أعْمالٌ) بِجُمْلَةِ ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْها لا يُقْلِعُونَ عَنْها؛ لِأنَّهم ضُرُّوا بِها لِكَثْرَةِ انْغِماسِهِمْ فِيها.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ وثَباتِهِمْ عَلَيْها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ (لَها) عَلى (عامِلُونَ) لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِقَصْرِ القَلْبِ، أيْ: لا يَعْمَلُونَ غَيْرَها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي دُعُوا إلَيْها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ؛ لِأنَّ القَصْرَ قَدْ أُفِيدَ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences